islamaumaroc

عدد خاص بالدعوة المحمدية والعالم الإسلامي في العصر الحديث

  دعوة الحق

119 العدد


لي مع هذا الموضوع قصة وتاريخ قديم
فلقد تناولته وأنا ما زلت في طور التلميذ، بالسنة الخامسة من الثانوي، وناولته زميلي إدريس بن كيران (المحامي) فترجم منه فصلا نشره سنة 1937 بجريدة "la Unidad Marroqui"

ولما عدت من مصر سنة 1949، وأنا محصل على ليسانس ودبلوم عال وطالب بفرقة الدكتوراه، اجتمعت في الباخرة، براهبين إسبانيين، تناول أحدهما معي قضية المرأة في الإسلام، كما تناول أشياء أخرى شخصية.. وبوصولي إلى الدار، بحثت عن الأوراق التي كانت تضم الموضوع، فوجدتها، وسطرت ما فيها بمجلة "لسان الدين"، وأشرت إلى القصة "الراهبة الرهيبة".

غير أن اضطرابا مطبعيا حصل في الورقات، فاختل تناسقها، فاختل بذلك الكلام..

وتداركت الموضوع، فنشرته، بزيادة التعاليق، في "مجلة المعرفة" وأشرت إلى القصة، مع ما وقع في التنسيق أو التناسق المذكور.

ثم اطلعت على الموضوع مجلة   The Islamic Review التي تصدر بلندن، فترجمته إلى الإنجليزية وكتبت إلي بما يلي: إننا قد ترجمنا الموضوع بقصد نشره، ونرجو منك، أن ترسل لنا صورة فوتوغرافية لك، ونبذة عن حياتك وتذكر لنا المكافأة المالية التي نرسل إليك حوالة بها

فكان الجواب هكذا:
فيما يتصل بصورتي، فهي هذه تصلكم، وفيما يتصل بحياتي فليس فيها ما يستحق الذكر، أما المكافأة المالية، فأنا مستغن عنها، فإن كان لا بد فقاموس إنجليزي فارسي، تتفضلون به علي كهدية
وانتظرت بعد ذلك النشر والقاموس، فما حصل شيء من ذلك البتة.
والسبب، التواضع، نعم: التواضع الذي أهلكني ويهلكني وسيهلكني...

لقد ألقي في روعي، أن أصحاب المجلة، يروقهم التواضع لله، وفاتني أنهم يعيشون في لندن، من بلاد أوربا التي لا تعرف معنى للتواضع، فالتواضع والترافع على السواء، لا وجود له في تلك البلاد، التي تحرص على الصدق كما هو فتقصه كما هو أو كما تراه قريبا من الواقع، فالتواضع عندها كذب كالترافع الذي تعده- وهو الواقع- كذبا، أيضا..

هذه هي قصة الموضوع، وتاريخ اتصالي به، وهو كما ترون تاريخ جيل، مضى عليه ثلاث وثلاثون سنة.. أما الموضوع نفسه، فهاكم ذا:

يجني على الإسلام أيما جناية من يظن أن الإسلام- وهو دين الحرية والمساواة- يهضم المرأة فتيلا من حقوقها، فالإسلام رفع من شأن المرأة وعظم من حرمتها وشرع لها حقوقا ما كانت لتحلم بها فضلا عن أن تنالها..!
راع الإسلام أن يرى المرأة ضعيفة بين قوم غلاظ الأكباد يحقرونها لدرجة أن يئدوها "وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون..." قال أحدهم للنبي (ص) كانت لي في الجاهلية بنت فأمرت امرأتي أن تزينها وأخرجتها فلما انتهت إلى واد بعيد القعر ألقيتها فقالت يأبت قتلتني..

ليس هذا في شبه الجزيرة العربية فقط فهذا مجمع "ماكون" المنعقد في أوربا سنة 685 ميلادية يشهد بأن المناقشة امتدت فيه بين القوم في البحث عن المرأة "هل هي إنسان؟"

وبعد مناقشة طويلة عريضة قرر القوم- والحمد لله- أن المرأة إنسان ولكنها خلقت لخدمة الرجل هذا ما حدث بفرنسا، وكذلكم اليونان والرومان ما كانوا ينزلون المرأة إلا منزلة المتاع والحيوان ليس لها حق في التملك عن أية طريقة ولا لها ميراث أصلا ولا حظ لها من التعلم والتهذب، بل إن الرجل إذا مات وترك نساء فإن الأقرب نسبا هو وحده له الحق أن يرث أولئك النساء.

وهكذا كانت المرأة فأخذ الإسلام بيدها وصاح في وجوه القوم صيحة اهتزت لها أركان العالم: "إنما النساء شقائق الرجال" يا قوم اتقوا الله في المرأة فإن "المرأة سيدة بيتها"... لم يشأ أن يقف الإسلام بالمرأة عند هذا الحد بل جعل "الجنة تحت أقدام الأمهات" وجعل لها حرمة سجلها لها مالك والأوزاعي، فالمرأة الكافرة إذا تترس بها العدو في ميدان القتال فلا يحل لنا أن نرميه، رعيا لحرمة هذا المخلوق المقدس..

هذا حق لم تنله المرأة حتى في عصر النور والذرة!

وإذا كان قوم من المفكرين الذين يحسب لهم ألف حساب ينزلون بالمرأة إلى درجة الشيطان فإن الإسلام يعتبرها تعويذة من الشيطان سأل النبي (ص) معاذ بن جبل: هل لك زوجة يا معاذ؟.. فأجاب: كلا، فقال له: إذن أنت من إخوان الشياطين...

وجعلها نصف الدين فقال النبي (ص) من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه فليتق الله في الشطر الثاني..

هذا بعض ما سن الإسلام للمرأة من حرم قلما نجدها في غيره، وهاك بعض ما جعل لها من حقوق وما شرع لها من واجبات:

نظر الإسلام إلى المرأة في مراحلها الثلاث، مرحلة البنت، ومرحلة الزوجة، ومرحلة الأم، فأقام لها حقوقا وهي بنت، كما أقام لها حقوقا وهي زوج وكذلك صير لها حقوقا وهي أم.

البنت حقها على والديها كفالتها وتربيتها تربية حسنة، ومكنها من الحق في اختيار زوجها بشرط أن لا يحط هذا الاختيار من كرامة عشيرتها. عن النبي (ص) لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن، ولقد أتت جارية بكر إلى رسول الله (ص) فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي بين قبول الزوج وبين رفضه..

ولهذا الاعتبار فقد أبطل بعض المالكية العقد إذا قالت البكر: "ما علمت أن أذني صمت"... أما إذا كانت زوجا فإن على زوجها مهرها ونفقتها من المطعم والملبس والمسكن والمخدم إذا كانت ممن يخدم ولها عليه احترامها وحسن معاشرتها وعدم مضارتها "أطعموهن مما تأكلون واكسوهن مما تكسون ولا تضربوهن ولا تقبحوهن أيها الناس! "خياركم خياركم لنسائهم".

وكذلك جعل للمرأة الخيار إذا عسر زوجها وعجز عن نفقتها. وإذا كان بخيلا فلها أن تأخذ من ماله ما يصلح شأنها وشأن أولادها بالمعروف ومن غير إذنه.

وإذا كانت أما فلها على أولادها حق طاعتها وبرها والإحسان إليها، قال رجل للنبي (ص) أي الناس أحق بحسن الصحابة؟ قال أمك وكرر السؤال مرات فأعاد عليه السلام الجواب: "أمك.."

ومن هذا فقد قدم القاضي عياض الأم على الأب في حق النفقة إذا لم يتسع الإنفاق إلا على أحدهما. ويكفي ما عرضنا في حق المرأة على هذا النحو.

أما ما يتعلق بها في باب الإرث في هذه المراحل أيضا فقد جعل لها حقوقا وهي أم فيه كما جعلها وهي أخت أو غير ذلك من أنواع القرابات المعتبرة في الميراث. المرأة في غلب أحوالها ترث نصف الرجل "للذكر مثل حظ الأنثيين" وذلك لأن الإسلام راعى فيها أنها عالة على الرجل فإذا كلف الشرع القوامين عليها أن يقوموا بجميع حاجاتها بالمعروف فقد جعل لها مع ذلك حظا في الإرث وأي حظ. فأحر بالإسلام أن يتصف بمنتهى الرأفة في حق المرأة في ميراثها! 

وكذلك أطلق لها التصرف في مالها إذا كانت رشيدة، فهي تتصرف في مالها من غير ما تحتاج إلى إذن أب أو زوج أو غيرهما...

أما الطلاق، فتمهلوا يا قوم! حقا أن الإسلام أباح الطلاق ونعم ما فعل! فقد أباحه على أنه ضرورة لا بد منها في المجتمع الإنساني الذي لم يصل ولن يصل إلى العالم المثالي. ومع هذا فقد قال فيه النبي (ص): "أبغض الحلال عند الله الطلاق". ونهى الفقهاء عنه عند استقامة الزوجين وحرموه مستدلين بقول النبي (ص) "لا ضرر ولا ضرار" وما أعظمه ضررا حينما يكون الطلاق في هذا الوضع من الحياة!

فهو عملية جراحية، لا تجرى إلا عند الضرورة، ليصح بها "الجسم الاجتماعي" وإلا فهي كباقي العمليات التي تجرى فتؤدي إلى الموت أو العاهة أو إلى استفحال المرض أو مضاعفات أخرى..

هذا هو المبدأ الذي وضعه الإسلام، وهو الذي عبر عنه بعبارات شتى واحتاط له احتياطات عديدة، وكل بعضها بالضمير الإنساني، وبعضها الآخر بقانون الحياة المتبع، وقواعد المجتمع المرعية.

وكأنه نظر فيه نظرته الأولى، وهو شيء لا يباح على الإطلاق، بل جعل الأصل فيه الحذر والحظر

ولهذا، قال ابن عابدين(1): "الأصل في الطلاق الحظر، والإباحة للحاجة إلى الخلاص عند تباين الأخلاق ووجود البغضاء، فإذا تجرد عن الحاجة المبيحة كان محظورا قال تعالى: "فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا" فاعتبر الطلاق في هذه الحال بغيا وعدوانا...

نعم، إن الإسلام جعل الطلاق بيد الرجل في أغلب الأحيان ذلك لأن الرجل هو المسؤول عن الأسرة وتدبير معاشها وتربية الأبناء. ورباط الزوجية هو أساس كل هذا فمن الخطل أن يوضع الطلاق في يد غير مسؤولة...

على أن الإسلام بالرغم من كل هذا قد عوض المرأة ما عساه تخسره من جعل الطلاق بيد الرجل فقيد الرجل بقيود لا يمكن أن ينفك منها ومن شأنها أن تمنعه من العبث بهذا الرباط المقدس. إذ كلفه أن يدفع للمرأة صداقها ومنعه أن يأخذ منه شيئا. ولو كان من الذهب قنطارا، "وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا، أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا، وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا".

كما نصحه أن لا يقدم على الطلاق حينما يراه السبيل الوحيد إلا بعد أن يعرض ما بينه وبين زوجته من خلاف على حكم من أهله وحكما من أهلها "وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما"

لقد مرت الأزمان وتوالت الأجيال وإذا بأوربا تدين أو يدين مشروعها على التحقيق بأن الإسلام أبلغ حكمة فيما كانوا قد عابوه عليه منذ الدهور أدهمتهم حكمته فلم يستطيعوا إلا أن يقولوا بملء فيهم ما قاله الإسلام ونبيه منذ الدهور فرددوه بأساليبهم: "الطلاق شر ولكنه شر لابد منه لصالح المجتمع لأنه العلاج الوحيد لشر قد يكون أكثر منه بلاء، وتحريم الطلاق بما فيه من ضرر هو بمثابة تحريم ممارسة فن الجراحة لأن الجراح سوف يضطر إلى بثر عضو من أعضاء المريض، وليس ثمة خطر من شرعية الطلاق، إذ ليس الطلاق هو الذي يفسد الحياة الزوجية، وإنما هو سوء التفاهم وعدم الانسجام، فهو الذي يعوق سير الحياة الزوجية ويجعلها فسادا، فتنعدم الهناءة ويفقد الاطمئنان". فالطلاق وحده هو الذي يضع حدا فاصلا بين ما يمكن أن يحدث من خلل في بناء هذا الصرح المشيد على التقوى والرضوان، وإلا فسلاما على المجتمع الإنساني وسحقا لقوم يجحدون..!

هذا في الطلاق
وثالثة الأثافي عند من يهاجم الإسلام ظلما وبهتانا في إباحة تعدد الزوجات!

إن من يقف مثل هذا الموقف إنما يكون بمثابة من يحجب عن الكون قرص الشمس بسبابته. أباح الإسلام للرجل أن يتزوج "مثنى وثلاث ورباع" وإذا أمعنا النظر فإننا ندرك بديهة أن ما يتوق إليه الإسلام في "معاملة" النكاح والزواج هو النسل وقضاء الحاجة البشرية بشكل مشروع ولا يبتعد جميع الأديان وجميع القوانين الوضعية في مرماها عن هاتين الغايتين لأن الحقيقة الواقعية- وما أكثر أن تداهمنا الحقيقة- هي هذه مجردة سافرة، فليس لأحد أن يكون ذلك الذي أشرنا إليه آنفا.. إذن فالدين والعقل مجتمعان على مراجعة الشكل المشروع في المناسبات التي اعتبرت في طبيعة الاجتماع والازدواج.. ومتى دعت حاجة رجل إلى الاقتران بأية امرأة فلا سبيل إليه عند العقل والنقل إلا السبيل المشروع وهو الزواج، وما دام في هذا الكون الإنساني من لا يكتفي بمن عنده من زوجة- وهذه حقيقة مرة- فالاعتراف بتعدد الزوجات ضروري وجد ضروري، وإلا كنت ذلك الذي يحاول أن يغمط الحقائق ويظلم الوقائع.. 

التعدد يا سيدي ضرورة من ضروريات الحياة، قلها وأنت مطمئن إلى أن الواقع سيؤيدك. تشتد الحروب وتطحن الخلائق- وأمامك مثل ناطق- فيجري على سوق الزواج ما يجري عليه من قوانين (العرض والطلب) فكلما كثر العرض قل الطلب وهو قانون يجري عليه الاقتصاد كما يجري عليه ناموس الكون ويعضده ما كان قد جرى في أوربا التي أكلت رجالها الحرب فلم يبق هناك تعادل أو ما يقاربه ورجحت الكفاف واختل نظام الميزان وقامت الأرامل يطالبن بتعدد الزوجات وإلا فالكارثة حالة لا معدى عنها..

فتعدد الزوجات كفيل بأن يسد هذا النقص ويرتق هذا الخرق فيعوض الأرامل أزواجهن ويعيد إلى الأمة ما فقدته من رجال فتنهض من كبوتها كما أنه كفيل بأن يحل مشاكل شائكة كأن تكون المرأة عاقرا أو مصابة بمرض والمصلحة تقضي ببقائها في العصمة. أضف إلى هذا أنه سبيل لتلاقي زيادة عدد البنات وهن غالبا ما يفقن عدد الشبان... كل هذه الاعتبارات لا بد من مراعاتها في مجريات الحياة، والإسلام لم يدع هذا الباب مفتوحا على مصراعيه بل فتحه بمقدار ما تدعو إليه الضرورة القصوى فقد أجازه بشرط ليس من الميسور جدا تحقيقه وهو العدل بين الزوجات "فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم" ونبه إلى أن هذا الشرط صعب تحقيقه وأن المقدم على تعدد الزوجات يجب أن يكون ذا يقظة ومراعاة الله لأن العدل بين الزوجات قلما يتحقق "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم"

أما يقظة المسلمة في القرن العشرين، فليست يقظة المرأة المسلمة على الحقيقة، بل يقظة المرأة المسلمة، كانت منذ أن كانت المرأة المسلمة، إذ جعل الإسلام "النساء شقائق الرجال"، فمارست المرأة في الإسلام كل ما مارسه الرجل في معترك الحياة، من سلم وحرب، ومقتضياتهما، ولم يبعد المرأة إلا عن الحكم المباشر، أما خوضها في السياسة، فقد وجدناها تخوضها، وتعترض على خلفاء الإسلام، وهم على منابر الخطابة، كما حصل من العجوز إزاء عمر، بل تشهر الحرب كما حصل من عائشة إزاء علي.. وإلى هنا نمسك عن الموضوع وهو أن عدل الإسلام في حق المرأة واضح وضوح الشمس لا يكابر فيه إلا معاند، ودع عنك ما يحصل، فنحن لا نتكلم إلا عن الإسلام، أما ما يحصل فلن يلام عليه الإسلام كما أن الإجرام لا تلام عليه القوانين. وكم من جريمة يستقل فيها القانون- والعدالة الإنسانية براء منها- ولهذا قال النبي عليه السلام لبعض المتخاصمين (ولعل بعضكم يكون ألحن من بعض فأقضي له على حسب ما أسمع)

(1) هو محمد أمين بن عبد العزيز عابدين الدمشقي، فقيه الديار الشامية، وإمام الحنفية لعصره، وصاحب التآليف العديدة 1252    

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here