islamaumaroc

إحراق الشموع

  دعوة الحق

119 العدد

يقترب شهر صفر من نهايته فتترقب العجائز الأربعاء الأخير منه بشيء من التوجس، ولذلك يبدين رغبتهن لأزواجهن الطاعنين في السن، أو لأولادهن الشبان بأن يحضروا لهن الدقيق والزبد، لصنع عشرات الأرغفة وإنضاجها على أحسن حال، ثم توزيعها، ساخنة لذيذة، صدقة على المساكين، وعلى صبية الشوارع، وعلى أطفال الكتاتيب، اتقاء للحظات نحس قال القدماء: إنها تكون في الأربعاء الأخير من شهر صفر!

لكن سرعان ما تنسى أوهام ذلك اليوم، إذ تمر ساعاته بسلام، وتنقلب الحال إلى انتظار حافل يملأ القلوب بالفرح والابتهاج، احتفاء ببزوغ هلال ربيع الأول، شهر المولد النبوي الكريم. وتصعد النساء- عجائز وكهلات وشابات- إلى السطوح قبل غروب الشمس بوقت قصير، وتتجه الأنظار كلها نحو الغروب وتأخذ تحملق من خلال دفقات الأشعة، أو من بين قطع السحاب عساها تكتشف حاجب الهلال الرقيق، وبمجرد ما يلوح، تتردد أصداء الزغاريد من السطوح في أنحاء المدينة القصية والدانية، كما تهتز الأرض من تحت الأقدام الرشيقة من جراء قصفات المدافع الرابضة هناك قرب الأبراج، وعندئذ تغمغم بعض السيدات الوقورات بعبارات عامرة بالمشاعر السعيدة:
(يا بياضي، يا حبيبي محمد، يا بياضي بهذا الشهر، يا بياضي يا مخلوق نبينا يا بياضي..)

أما الصبيان الذين يستجيبون قبل غيرهم لمناسبات الفرح والسرور فيضجون من حول أمهاتهم ومن خلال الدروب بصيحات الغبطة والابتهاج.

ومنذ اليوم الأول من شهر ربيع الأول يأخذ القوم في الاستعداد للعيد:
الوجهاء يخرجون جلابيبهم البيضاء الثمينة وبرانسهم الصوفية الهفهافة من الصناديق ويتفحصون حالتها، ويشترون أمتارا من الثوب القطني الشفاف نوع (حياتي) بقصد إعداد أردية (فرجيات) تلبس فوق القفاطين ذات الألوان الزاهية التي تخطف الأبصار، وتخصيص ما تبقى من هذا الثوب للعمائم التي تلف حول طراطير (شواشي) حمراء قانية بكامل العناية، وعلى يد معلم مختص في هذا الفن، ولا ينسون في غمرة الاستعداد أو يوصوا المعلم (الخراز) بصنع أحذية صفراء فاقعة، غاية في اللطف والرشاقة، داخلها مبطن بثوب (الملف) الثمين، الجميل بألوانه الوردية أو الكبريتية أو الخرشوفية. وحين يشاهد الأطفال شيئا من هذا الاستعداد يطرحون هم أيضا طلباتهم الملحة في شراء أثواب جديدة وأحذية جديدة وطرابيش جديدة كذلك.. لكن النساء العاقلات لا يتدخلن لتعقيد الموقف ببسط حاجاتهن أيضا، إنما هن على استعداد ليقمن الدنيا ويقعدنها من أجل بناتهن الصغيرات.. ذلك لأن اليوم الذي يسبق يوم العيد هو يوم خالد في مدينة سلا، إنه يوم (دورة الشموع) تخرج فيه كل فتاة، دون المراهقة، مرتدية أفخم الثياب، متقلدة أغلى الحلي، وقد زينت زينة كاملة من مثل الزينة التي تكون عليها النساء في حفل من الحفلات.. ويستطيع العزاب أن يشبهوا البارزات بالمحتجبات عن الأنظار في البيوت في هذه الفرصة النادرة، فعلى هذا، لابد وأن تتحرك بعض المشاعر وتثور الأحلام وتتقوى العزائم الصالحة...

وهذه العشر الأوائل فرصة عظيمة أيضا يأخذ فيها (المادحون) استعدادهم لإحياء الليالي بالإنشاد الجماعي والإنشاد الفردي، وبالترنم المتكرر، العذب على الألسن، اللذيذ في الحناجر، الشارح للصدور، الذي يؤتي فيه يوميا على المقاطع الأولى والأخيرة من قصيدة الهمزية، وعلى مثل هذه المقاطع من قصيدة البردة الخالدة، مع ما يتخلل ذلك من صنائع و (بريولات) وقصائد لرجال التصوف المشهورين المتولهين في محبة الله العظيم والرسول الكريم. وكم هو ممتع وشائق إلى أبعد حد أن يجعل هؤلاء الرجال المادحون وهم في بيوتهم مشاركة رقيقة مشجعة من زوجاتهم، ذوات الأصوات العامرة بالحنان والرقة، ومن أطفالهم ذوي الأصوات الملائكية. إن الكثيرات من هؤلاء الزوجات يتسامى شعورهن، وتتعلق أرواحهن بمحبة الرسول، حبيب الله عليه السلام. وليس الحال هكذا في مدينة سلا فقط، فالمغاربة جميعهم في الحواضر والبوادي والسهول والجبال والسواحل والصحاري كلهم يتعلقون أرواحا بذكرى مولد الرسول الكريم...

إنما سلا تمتاز امتيازا بأنها تأخذ استعداداتها ليوم العيد، ولليوم الذي يسبق يوم العيد، وهذا اليوم الحادي عشر من الشهر يكون يوم مهرجان كبير، تشارك فيه جميع طبقات السكان، من حيث تخرج جموع الرجال والشبان والأطفال، كما تخرج جموع الفتيات الصغيرات مع جداتهن أو خادماتهن، وذلك من أجل التفرج على (دورة الشموع).

والشموع عبارة عن هياكل خشبية مستطيلة، مغلفة بالورق الأبيض، وفي كل ضلع من أضلاع الهياكل أثبت زهور من الشمع الملون، الأحمر منه والأصفر والأزرق والبنفسجي والأسود والمذهب، وذلك باتباع الخطوط الهندسية التي تمثل دوائر ومثلثات وأقواسا وأشكالا بيضاوية... شيء جذاب يأخذ بالأنظار ويثير الإعجاب? وبما أن هذه الشموع ثقيلة بعض الشيء فإن رجال البحرية ورجال المدفعية القدماء- بملابسهم التقليدية الفخمة- هم الذين يتولون حمل الشموع، ويسيرون بها، تارة قائمة وتارة ممددة، قاطعين المسافة بين حومة (البليدة) وزنقة القشاشين فالحجامين في تثاقل كبير، وسط جمهور مبتهج تبلغ هتافاته عنان السماء، ممتزجة بأنغام (الغيطات) الصداحة، ودقات الطبول الرنانة، وعند فسحة (السوق الكبير) تنقلب المسيرة إلى حلقة كبيرة لرقصة الشموع، فيشد الرجال الأشداء بأسافل الشموع ويروحون يهزونها هزا يساير نقرات الطبول، ونغمات المزامير، التي لا تخرج قط عن (النوبات الموسيقية الأندلسية). ويتابع الموكب الحافل الزاهر سيره نحو ضريح (سيدي عبد الله بن حسون) حيث تبقى الشموع معلقة بقية أيام السنة.. ويتفرق الجمع العظيم بعد ذلك في مختلف الشوارع والأزقة في حالة من الانشراح لا توصف ويقبل البعض على شراء (حلوى العيد) التي تعد خاصة بمناسبته، وهي متنوعة ولذيذة وسائغة في أفواه الصغار والكبار على السواء.

وينقلب ظلام الليل إلى أنوار ساطعة، فكل الجوامع، وكل الأضرحة، وكل الصوامع مزينة بالمصابيح الزاهرة والملونة، وفي كل الدروب يفوح دخان المحروقات العطرية، ويزيد في أناقة المحفل وجماله- بحق- خروج الأوانس المليحات الرشيقات، رفقة أمهاتهن المتيقظات، وذلك لزيارة الأضرحة والتبرك ببركات دفنائها، عليهم الرضوان، ووضع النذور في الصناديق من أجل أغراض في أعماق الصدور لا يعلمها إلا الله.. وفي مثل هذا الجو السعيد تعيش مدينة سلا ليلتها السنوية الفريدة بين ليالي السنة، إنها ليلة الابتهاج، وليلة الأنس الشامل، وليلة الفرح بذكرى مولد الرسول الكريم، وهي أعز الذكريات وأغلاها على كل النفوس...

كل هذا أراده الفرنسيون أن يستمر، إنهم لا يريدون أن تقضي المدينة ليلتها- بعد حوادث غشت- في حداد وبأس وقنوط، يجب أن يفرح الناس بذكرى مولد الرسول، ويخرج الشبان والفتيات، ويجب أن تباع الحلوى، ويطلق البخور ويفوح العطر، وتضاء الجوامع والأضرحة والصوامع... لابد وبالتأكيد أن تمر الشموع عبر الأزقة والشوارع، ومهما كلف ذلك من جهد وأتعاب ونفقات.. 
هذه هي إرادة الحاكم الفرنسي للمدينة، وهي إرادة مستمدة من إرادة الحكام الأعلين في الإقامة العامة، وإرادة خبراء الشؤون الأهلية المغربية الخبراء بالنفسية الخاصة بأهل الحواضر... المهم أن تنسى حادثة 20 غشت، وترجع الأحوال إلى مجراها الطبيعي، فليحتفل المسلمون بعيد نبيهم احتفالا عما جرت به العادة، وليكن ذلك بكيفية تلقائية، وإلا أرغموا على الاحتفال إرغاما?

واستدعي الفنان المختص بزخرفة الشموع، وأصدرت إليه أوامر صارمة بأن يقوم بزخرفة الشموع كما جرت به العادة، وخصص للعملية الأموال اللازمة... واستدعي (الشرفاء الحسنيون) واستقبلوا باحتفاء وطلب منهم أن يحتفلوا بمولد الرسول الكريم، وأن يضمنوا لموكب الشموع الاحتفال الكبير وأن يسيروا في المقدمة، ليدخل السرور على القلوب بذلك، خصوصا وأنهم يتمتعون بالتوقير والاحترام عند كافة السكان، وعلت شفاههم سخرية من الحاكم الفرنسي الذي لا توجد له علاقة بأمور الإسلام والمسلمين ومع ذلك يحض على الاحتفال بمولد النبي محمد عليه السلام? إن الدسيسة واضحة فلا يمكن أن تخفى عليهم، وحين نظر شيوخهم في عيون الشبان من حولهم فهموا كل شيء، ثم انسحبوا بكياسة. واستدعي قوم آخرون هم بمثابة مستشارين، ولكنهم مستشارون دون أن يؤخذ برأيهم فهم أقرب إلى الجبن والمداراة منهم إلى الشجاعة وثبات القلوب، ولم يخف عنهم الحاكم الفرنسي المقصود من اجتماعه بهم، ولكن لم يعرف أي شيطان أنطق أحدهم:
ومن يضمن لك حضور السكان بمختلف طبقاتهم؟ من يضمن لك مشاركة الشبان والفتيات؟

قال الحاكم الفرنسي متأكدا مما يقول:
- سوف يحضر العسكريون الذين هم تحت إمرتنا في ألبسة مدنية، وسيكلفون بإحضار نسائهم وأطفالهم، وسينادي المنادون في الأحياء الشعبية بالرباط وسلا ليعبئوا الجماهير للحضور في مهرجان (دورة الشموع) وإذا لم يرد السلويون من أبناء بلدتكم أن يحضروا فهذا لا يهم، فإن واجبنا نحن الفرنسيين أن نضمن احتفال جميع المسلمين بعيدهم?

وسكت الحاضرون إلا واحدا غمغم بصوت لا يكاد يسمع:
- ما أظن يا سعادة الحاكم، أن الناس هنا وهناك متعصبون ولا يريدون أن يقيموا المهرجانات العادية، يقولون إنهم سيقتصرون على الحفلات الدينية داخل المساجد، أما ما عدا ذلك فسيمر في جو من الحزن والاستياء.. إنما نحن من جهتنا سنحضر المهرجان، وسنلبس البيض من الثياب، وسنلبس أطفالنا ما يليق بالمناسبة، كما سنرسل خادماتنا صحبة بناتنا في كامل زينتهن، فنحن على هذا مستعدون كامل الاستعداد.

- هنا ابتسم الحاكم الفرنسي، ثم عاد فعبس. لقد ابتسم لما قيل عن حسن استعداد الحاضرين للمشاركة، ولكنه عبس لما تذكر ما قيل له أن هناك أناسا متعصبين، ولا يريدون أن يقيموا الأفراح. ولذلك علق:

-  قلت لكم لابد من الاحتفال بالعيد، ولابد من مرور موكب الشموع. إن ذهب السلطان محمد بن يوسف فهنا سلطان مؤمن سيحتفل بالعيد، فمن الواجب أن يحتفل الشعب معه، وإلا كان ذلك عصيانا لجلالته، ومن الواجب علينا حينئذ أن نحمي جلالته من العصيان، نعم ذلك من واجبنا، إن الجنود سيكونون قريبين من المدينة وعلى أتم استعداد، والويل لمن تعرض لأحد بسوء. أعرف أن الشبان متنطعون، لقد لمست ذلك في وجوه (الشرفاء الحسونيين) الشبان، ولكن هم أيضا سأعرف كيف أؤدبهم، أقول لكم، إن سعادة حاكم الناحية، وسعادة المقيم العام، وكل المسؤولين الكبار.. كلهم يرغبون في الاحتفال بالعيد كما جرت العادة، ووفق التقاليد المرعية. المال موجود، أؤكد أن المال موجود، وتحت يد كل من يطلبه وله رغبة في الاحتفال معنا بالعيد وبـ (دورة الشموع)...

وهنا التفت أحد الحاضرين وهمس في أذن جاره:
حتى الفقراء أصبحوا ينفرون من تبرعات، إن الدعاية المسمومة أخذت تنتشر.

ولاحظ الحاكم ذلك الهمس فعقب:
- حتى أنتم لكم حظكم من الإعانة بمناسبة العيد، فما عليكم إلا أن تحتفلوا أنتم وعائلاتكم صغارا وكبارا.. هيه، أنت يا سيد سلام:
... هل ما زال ولدك وطنيا، يجب عليه أن يعيد مع المسلمين، وأن يشارك في دورة الشموع، وإذا لم يفعل فسأدخله السجن، وأدخلك أنت أيضا إذا اقتضى الحال ذلك...?
- الله يهديه، الله يهديه يا سعادة الحاكم?

وخيم الصمت على الحاضرين. وعندئذ قام هاجس في نفس الحاكم: أن الكلمات التي قالها الحاضرون المتحفظون المتخوفون ظهر منها أنها تخفي وراءها شكوكا في أن تكون هناك مقاطعة، أو هيجان أو... مما يجعل سلطة الحاكم وسمعته مهددتين، ولكن عاد فاطمئن للخاطر الذي ذكره بوجود قوة عسكرية تحت إمرته، على أتم استعداد للتدخل، وماذا باستطاعة (الضاربين بالأحجار والطوب) أن يفعلوا؟؟ لا شيء، لا شيء!

ومع ذلك فكلما تقارب يوم (دورة الشموع) إلا وازداد اضطراب الحاكم، وراح يسأل من يثق فيهم، ومن لا يثق أيضا، عن الأحوال داخل المدينة.. وقد أعطوه أخبارا طيبة أزالت عبئا ثقيلا عن صدره، وخففت شيئا غير قليل من همومه، فالشموع مهيأة ومزخرفة على أحسن حال، والطرقات التي سيمر منها الموكب كلها نظيفة ومجيرة الجدران، والعديد من المصورين والصحفيين والمصورين السينمائيين أخذوا يتجولون في المدينة، بين الأزقة والدروب التي سيمر منها الموكب، متخيرين المواقع الصالحة لأخذ لقطاتهم التاريخية، الشاهدة برجوع المياه إلى مجاريها في المغرب.. هكذا أحسن الحاكم العبقري بالاطمئنان والثقة بالنفس، فأخرج بطائق الاستدعاء الفاخرة، وأجلس كاتبته الخاصة بالقرب منه وراح يملي لها أسماء رجال السلطة البارزين، من مغاربة وفرنسيين، وأسماء رجال الهيئة الديبلوماسية الأجانب، وكبار الضباط في القيادة العسكرية، ولو سمح له مراسيم البروتوكول لاستدعى المقيم العام الجنرال كيوم نفسه، ليرى في تلك الأمسية المشهودة بعينيه الاثنتين ما يشرح صدره ويعزز موقفه.. وإلى هذا الحد تمنى هو أيضا من يهمس له بعبارات التقدير والإعجاب لنفوذه واعتبار مقامه، ولكن حتى الكاتبة الحسناء اكتفت في نهاية الجلسة بالعبارة التقليدية (طيب سيدي)!

مرحى، هذه هي المدينة العتيقة، المتواضعة لكن في عزة وشموخ، التي طالما تهيبها الحكام، وحسبوا لتسييرها مائة حساب، ترجع بعد تنطع إلى طريق الصواب، وسلوك سبيل الحكمة والرضى بما قدر الله، وتأخذ في الاستعداد للعيد، ولليوم المشهود الذي يسبق يوم العيد، سيخرج السكان- شيبا وشبانا- للمشاركة في أفراح المولد...

وأرسل الحاكم أوامره إلى كل المساعدين، لإبراز المدينة في حلة زاهية، بتعليق حاملات الرايات الثلاث، المغربية في الوسط تحيط بها رايتان فرنسيتان، كما أمرهم أن يضعوا على رأس الدروب أصصا خشبية كبيرة غرست فيها فسائل النخيل، وأن يمدوا الأسلاك الكهربائية في عدة أماكن من المدينة، إظهارا لمعالم الزينة كاملة، وإبرازا لآثار الأذواق السليمة.

لكن الرجل الحذر جدا، يأتيه البلاء من حيث يظن أنه آمن جدا! وهكذا نسي الحاكم أن يضرب حراسة كافية على الشموع!

ففي غفلة من الجمع التأمت طائفة من المواطنين الأحرار، يتزعمهم تاجر وعامل وفقيه! وقرروا بكل عزم وحزم ألا يمر موكب الشموع أبدا، ولو كلف ذلك ما كلف.. أعدوا حبالا للتسلق، وأدوات للحفر والكسر، وصفيحة من البنزين، ثم راحوا يطبقون الأوامر التي أصدروها لبعضهم، منفذينها بتنافس وحذق وحذر.

وذات ليلة، وهي الليلة التي تسبق ليلة العيد بليلتين توزعوا فرادى عبر الأزقة المؤدية إلى حومة (البليدة) حيث تستقر الشموع في أحد المنازل بإحدى الحجرات، مزخرفة رائعة، في انتظار أن تحمل في احتفاء نادر إلى الضريح، كأن شيئا لم يحدث، وأن الدنيا بخير.. توزعوا هنا وهناك مترصدين وعلى أتم استعداد، فظهور أي شخص مشكوك فيه كان يكفي لتعريضه للهلاك، فهؤلاء الشبان والكهول انقلبوا إلى أسود متحفزة قادرة على الفتك بمن يتعرض لها. إلا أن سيادة الحاكم كان واثقا من تعقل السكان المسالمين، فلم يخطر بباله أن يعبأ الحراس، أو يرسل الجواسيس!

وفي خفة وبسالة تسلق الأبطال الجدران وساروا فوق السطوح، حتى وصلوا إلى الدار المقصودة فنزلوا في رحابها، وفتحوا باب الحجرة على الشموع الراكدة في استسلام، وتقدم أحدهم فسكب عليها ما يكفي من البنزين الخالص، وأخذ يشعل النار في كل واحدة، فثارت اللهيب الأحمر مريعا، ... ولما تحقق الأبطال الثلاثة التاجر والعامل والفقيه من قضاء مهمتهم، ومن أن الشموع الجميلة لم تعد صالحة لأي شيء، انسحبوا من باب الدار بلطف، وأغلقوه من ورائهم. ورجعوا إلى قواعدهم سالمين.

سارع رجال الإطفاء ورجال الشرطة إلى عين المكان ووقفوا مبهوتين... لقد اشتعلت النار بالقدر الذي يكفي لإحراق الشموع ثم انطفأت، هي أيضا قامت بمهمتها ولم ترد بالبرءاء أضرارا. واستيقظ الحاكم النائم في اطمئنان على هتاف التليفون ينذره بأن الضربة القاصمة وجهت إليه، وأن الوطنيين قد قاموا بإحراق الشموع..?

وتناقل الخبر رجال الديبلوماسية فيما بينهم تليفونيا، ولا أحد يدري بما كان في عباراتهم من سخرية وتنكيث وأبرقوا بالخبر إلى المسؤولين في بلدانهم، بأن تلك بادرة أيضا لها خطورتها وجمع الصحفيون أوراقهم، ودسوا الأقلام في جيوبهم، وأعاد المصورون آلاتهم إلى علبها وصناديقها، وولوا وجوههم جميعا نحو المطار أو الميناء راجعين بأياد فارغة إلى بلدانهم.

أما الحاكم الفرنسي الغارق في خضم الأزمة حتى أذنيه فقد أبى إلا أن يستمر في العمل لرفع كلمة الحكومة الفرنسية وممثليها، فعاد واستدعى السيد المكلف بزخرفة الشموع وطلب منه أن يفعل المستحيل، ويعد ما يمكن من الشموع لإقامة الاحتفال ولو رمزيا، ولكن الزائر أصر على أن ذلك مستحيل، ولو تجند له عفاريت الجن والإنس، وأصر الحاكم على أن ذلك ممكن، إذ المال يخلق المستحيل، خصوصا وأن المدينة تتوفر على صناع ذوي خبرة وحذق ومهارة... ومن يستطيع من الفنانين والصناع أن يتحدى غضبات المواطنين ويجابه النظرات الصارمة التي ترسلها عيون حمراء حانقة؟ ...

وهكذا مر يوم (دورة الشموع) بلا شموع، فالشموع حملها (زبال) الحي رمادا تافها في عربته الحقيرة إلى خارج المدينة ليرميها هناك، من حيث تذروها الرياح وتطؤه الأقدام إن مرت من هناك أقدام... وغدا الحاكم المنكوب يجرر كل صباح قدميه من شدة الصدمة وعنف الهزيمة، متوقعا كلما دخل أن يجد على مكتبه مراسلة بإعفائه من منصبه.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here