islamaumaroc

العلم المحمدي، لمحمد بن جعفر الكتاني

  دعوة الحق

119 العدد

 هذا كتاب ألفه شيخ الحديث والتصوف والتاريخ في المغرب الأستاذ الإمام محمد ابن جعفر الكتاني قبيل وفاته بسنين معدودة بعد أن تبحر في علمي الحديث والتصوف، وأصبح علما في المشرق والمغرب فيهما، وغدا حجة الباحثين والعلماء وكعبة يحج إليها المسلمون من كل صوب، ومرجعا ثبتا لكل الموافقين له والمخالفين على حد سواء.

ولا أزعم أني مستطيع تقديمه للقراء الكرام على الصورة التي قدمها هو لهم في كتابه، إذ إنه بالطريقة التي جلاها لهم بأسلوبه وبجمعه لأطراف الموضوع الذي ألف له كتابه يعتبر موسوعة وحيدة بشواهدها وأدلتها وأعلامها وطرائقها لم يسبق إليه من قبل.

وما من شك في أن كثيرا ممن لا يذهب مذهب هذا الإمام سوف يقف من موضوع هذا الكتاب موقفا سلبيا، أو يقف منه موقفا فيه كثير من التساؤل أو الاعتراض، ولكن الموافقين والمخالفين جميعا لن يملكوا أنفسهم إعجابا وزهدا بطريقته وأسلوبه ومنهجه، وبسعة اطلاعه ومعارفه الكثيرة وما اشتمل عليه كتابه هذا من نصوص فريدة وغريبة ونادرة حققها وغربلها وأبطل الزيف عنها أو أسقطها من الاعتبار العلمي والحجة العلمية.

وكان هو رحمه الله معجبا بكتابه هذا شديد الاعتداد به كثير المدح له على تواضعه المعروف وبعده ممن يمدحه ويطريه ومات وهو لا يذكر شيئا من مؤلفاته الكثيرة حتى ولا "سلوة الأنفاس" على أنه تراث علمي يبقى على الدهر إلا كتابه هذا "العلم المحمدي" وكان إذا وفد عليه وافد من الهند أو من مصر أو من الحجاز أو اليمن أو أي بلد آخر إسلامي وآنس منه ميله إلى الآخرة وحبه للعلم دعا بكتابه هذا من مكتبته الكبيرة وأخذ في تصفح بعض أوراقه ثم أملى عليه منه إلى أن يحس بارتواء ضيفه من معين كتابه فيمسك دون أن يعرج على شيء من كتبه الأخرى وقد تجاوزت السبعين عدا.

ومرض وهو في المدينة المنورة صلى الله على ساكنها وسلم بحمى التيفوس وكان ما يزال لم يفرغ من تأليفه وتناسق الجمع بين فصوله فربما غاب عن وعيه من شدة الحمى فإذا عاد إلى حسه كان دعاؤه في أول ما يدعو ربه أن يمسك عليه بقية حياته حتى يتم هذا الكتاب.

واستجاب الله له فأتمه في دمشق في مجلدين ضخمين بخط يمينه الدقيق وعاد إلى المغرب بعد ذلك ومعه كتابه هذا يحوطه ويرعاه إلى أن أجاب داعي الله في اليوم الخامس عشر من رمضان من عام 1345 بفاس وصدره بكلمة رقيقة متعثرة مستحيية أهداه بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم افتتحه بالمقدمة التي نوجز عرض بعض ما جاء فيها على القراء الكرام إذ أنه أودعها موضوع كتابه كله:
"حمدا لمن أوجد آدم الخليقة صلى الله عليه وسلم من نور ذاته العلية وسواه وأبرزه على صورته البهية وبحلى صفاته حلاه، وسماه بأسمائه السمية وقدمه في الخلق والشرف والجاه على كل مخلوق تقديما خلق الإنسان (أي محمدا صلى الله عليه وسلم) علم البيان وأظهره بالأسماء العالية والبرهان وعلمه ما لم يكن يعلم وكان فضل الله عليه عظيما وأمد به المكونات وجميع المعالم وأناله به خيرا كبيرا وفضلا جسيما، وتجلى له كل شيء فعرفه بالتشخيص والتعيين وما قيضه الله إليه حتى أطلعه على كل ما أخفاه منه منة عليه وتكريما فوض إليه أمر خليقته وصرفه فيها بمجاز الأمر وحقيقته وحكمه في جميعها مما ألهمه إياه تحكيما اللهم صل وسلم عليه وعلى نوره الأحمدي الذي فاض منه الوجود على كل موجود واستمد وصار شيئا بعد أن كان عديما
أما بعد فإنه جرت المشيئة الإلهية الأزلية بإيجاد الإنسان الكامل أولا وبالذات من الذات الأحدية وجعله أصلا ومنبعا لجميع العوالم الخلقية ومادة ممدة لكل ذرة من ذرات البرية فكان منه الأمر والخلق وكل جمع وفرق ومنه المبدأ وإليه المنتهى والمفاض عليه سر الذات والمحلى بحلى الصفات والمسمى بالأسماء العلية والمخلوق على الصورة الجليلة البهية والمعني دون غيره حقيقة بالخطاب والمنزل عليه أصالة كل ما أنزل من كتاب فهو رسول الرسل ونبي الأنبياء والمبعوث إلى كل من تقدم أو تأخر من الأمم أدار الله به رحى مخلوقاته وجعله قطب فلك جميع مصنوعاته فكأن لهذا العالم الكوني القطب الأصلي والأب الحقيقي لكل موجود منه فرعي أو أصلي والكل في قبضته وتحت ولايته الممتدة والسارية ولما كان هذا كالأمر الضروري المعلوم لدى الكثير من أرباب القلوب ومن حذاهم من جلة أهل الرسوم وكان قد وقع بين جماعة من أهل الظاهر نزاع في إحاطة العلم النبوي الباهر بالمكونات التي هي منه وإليه ومعولها بدءا ووسطا وانتهاء عليه وفي أن له عليه الصلاة والسلام من ربه تعالى التفويض في مملكته والتحكيم فيما يرجع لدوائر سلطته أخذتني الغيرة وأزاحت عني من هذا الأمر داء الحيرة فكتبت هذه الرسالة الكفيلة ببيان ما في المسألتين من النصوص الحفيلة حتى يتبين لكل ذي بصيرة وبصر أنه الجناب الذي ما مثله خلق ولا بشر وأنه المخلوق الذي أحاط علمه بالمخلوقات وعلم كل ما مضى وما حضر وما هو آت وأنه الوكيل المطلق المفوض إليه والمجهول أمر المملكة الربانية كلها بيديه.

ورتبت هذه الرسالة على مقدمة ومقصدين وخاتمة، أما المقدمة ففي بيان جملة العلوم وأنها بالاعتبار ثلاثة وأما المقصد الأول ففي بيان إحاطة الذات المحمدية بالعلوم الجديدة الكونية وبيان أن لها من علوم الذات الإلهية والصفات ما ليس عند غيرها من جميع المخلوقات، فأما المقصد الثاني ففي بيان أنه عليه الصلاة والسلام خليفة الله الأكبر وصدر المملكة الربانية الأظهر المصرف فيها بالحل والربط والتقييد والإطلاق شخصا ونوعا وبطريق العموم والاستغراق، وأما الخاتمة ففي بيان أن العوالم كلها مستمدة منه وواقفة لديه وأنه لا وصول إلى الله تعالى إلا من بابه ولا معول للخليقة في الدنيا والآخرة إلا عليه وقد اعتمدت فيها على النصوص الشرعية والأقاويل الصحيحة وعلى كلام أهل العرفان الذين هم أبصر وأعرف بهذا الشأن.

وابتدأ الشيخ رحمه الله بالشيخ محيي الدين ابن عربي الحاتمي بوصفه الناطق باسم القوم فترجمه ترجمة وافية مستفيضة وبين صلة هذا العلم به وارتباط الشيخ به ثم لما انتهى من ترجمته الواسعة قسم العلوم إلى ثلاثة أنواع:

علم الشريعة الظاهرة، وهو قسمان: علم الحلال والحرام والأمر والنهي والوعد والوعيد ونحوهما، والثاني: علم كيفية الرجوع إلى الله تعالى وإلى طريقه ومعرفة الآفات الطارئة على سائر هذا الطريق من دسائس النفوس وغوائلها وشهواتها وانحرافاتها وما يستبدل به محمودها بمذمومها والوصول إلى مقاماتها من التوبة والزهد والمحاسبة والمراقبة والتوكل والرضى والتسليم والخوف والرجاء والصبر والشكر والمحبة وغير ذلك مما له تعلق وارتباط بالسير النفساني والروحاني المتعلق بالقلوب وهذا هو علم الظاهر المنقول الذي هو علم الحكمة والعبودية ويسمى أيضا بعلم الكتب والأوراق ومنه العلم الثاني وهو المسمى عند القوم بعلم الطريقة الذي هو العلم المتعلق بكيفية تعديل الهيئات النفسانية والروحانية وهو وإن كان متعلقا بالقلوب والقلوب باطنة لكنه يؤدي بالعبارة والعبارة تظهره وتوضحه فصار من قبيل علم الظاهر وهو تصوف أهل الظاهر وقد احتوت عليه كتب كثيرة قديمة كالرسالة القشيرية والغوث والإحياء وبمادته يحصل السلوك في طريق القوم لنصحها للعبيد وبيانها للطريق التي قد تكون سببا في قطعه وهو أيضا باطن علم الشريعة المتعلق بالأعمال البدنية ولبه علم الشريعة المذكور ظاهره وقشره لأنه الذي يصونه، كما أن علم الطريقة قشر لعلم الحقيقة لأنه هو الذي يصونها فإن من رام الوصول إلى علم الحقيقة ولم يغرف من علم الطريقة فسد حاله فصارت حقيقته زندقة وكذا صاحب الطريقة إذا لم يوف الشريعة حقها فسد حاله وصارت طريقته هوسا ووسوسة.

العلم الثاني من أنواع العلوم الثلاثة: علم الحقيقة الباطنة الذي هو علم التوحيد الخاص وأسرار الشريعة وحكمها وما ينشأ من العمل بها من الكشوفات والأذواق والمعارف والأسرار ونحو ذلك وهو علم الباطن الموهوب الذي هو علم القدرة والربوبية ويسمى أيضا بعلم الأذواق وهو علم وهبي ذوقي لا ينال بتعلم وإنما يهبه الله لمن يشاء من خلقه ولا يؤديه من وصل إليه بالعبارة وإنما يرمز له بالإشارة وهو تصوف أهل الباطن.

ومثال علم الظاهر معه كجسم فيه روح كامن فالجسد لا يقوم بغير روح والروح لا تظهر من غير جسد، وإذ خلا الجسد من الروح كان ميتا ولا عبرة به ولذلك كانت الشريعة بدون الحقيقة باطلة وإذا خلت الروح من الجسد بطنت ولم يظهر لها وجود ولذا كانت الحقيقة بدون شريعة باطلة ولذلك قال مالك الإمام، من تصوف ولم يتفق فقد تزندق أي لأن حقيقته تصير عارية بدون كسوة فيقتل عليها فإن كان هفا وغلبه السكر كان شهيدا وإن كان مدعيا مبطلا كان بعيدا وعن الحضرة طريدا، ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق أي لأن أعماله أشباح بلا أرواح، ومن جمع بينهما فقد تحقق، والعالم بهذا العلم الثاني هو المسمى عارفا ومن لم يصل إليه وكان من أهل العلم الأول سمي عالما، والفرق بينهما أن العالم دون ما يقول والعارف فوق ما يقول، والعالم يصف الطريق بالنعت والعارف يصفها بالعين لأنه سار معها ومر منها، والعالم يتكلم من وراء حجاب والعارف يتكلم من داخل الحجاب، والعالم يدلك على العمل والعارف يخرجك عن شهود العمل، والعالم يعرفك بأحكام الله والعارف يعرفك بذات الله ومن لم يسعده الله تعالى بملاقاة عارف فهو في مساوئ نفسه وبحياته تالف ولذلك قال أبو الحسن الشاذلي: من لم يتغلغل في علمنا هذا يعني علم القلوب مات مصرا على الكبائر وهو لا يشعر، وقال أبو علي الثقفي: لو أن رجلا جمع العلوم كلها وصحب طوائف الناس لم يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ أو إمام أو مؤدب ناصح، ولذلك قال صاحب نظر بداية السلوك:

إن لم تلاق عارفا في مدتك لا عاش عمر عيشة كعيشتك ومن هنا كان الصحيح المختار عند العلماء أن العارفين بالله أفضل بكثير وأعلا من العلماء بأحكام الله ولهذا قال عز الدين بن عبد السلام وابن دقيق العيد بعد أن ذكر بعض الأولياء ممن رآه هو عندي خير من مائة فقيه، ولهذين العالمين يشيد أبو القاسم الجنيد بقوله العلم علمان: علم العبودية وعلم الربوبية والبواقي هوس النفس.

الثالث من العلوم: علم الغيب وهو كل ما غاب عن الخلق ولم تنصب عليه علامة ولا دليل ولم تمكن معرفته إلا بإعلام الله وهو الغيب الحقيقي وهو المشار إليه بقوله تعالى: "عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول" فالأول وهو علم الشريعة للخاص والعام والثاني وهو علم الحقيقة لخواص الأولياء والصالحين والثالث وهو علم الغيب للأنبياء والمرسلين ومن كان على قدمهم وهم متفاوتون في هذه العلوم بحسب أذواقهم ومشاربهم وقابليتهم واستعدادهم وربما اختص بعضهم بشيء منها دون الآخر كما اختص رسول الله صلى الله عليه وسلم بأشياء منها لا تليق إلا به وبكونه الممد بها كلها والقاسم لأعطياتها والمانح لكل ذي قسط قسطه، وبتعبير آخر فالعلوم ثلاثة: ضروري وهو ما يدركه العقل بالبداهة أي بمجرد الالتفات إليه من غير احتياج إلى تأمل ولا إلى إعمال فكر ولا إلى استدلال، ونظري أو تقول كسبي وهو ما يحتاج العقل في إدراكه إلى تعلم واكتساب ونظر واستدلال وهو المشار إليه بحديث إنما العلم بالتعلم أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني من حديث معاوية قال الحافظ في الفتح وإسناده حسن وعلم وهبي وهو ما يهيج على القلب ويقبض على الصدر لا بالدراسة والتعلم ولا بالنظر في الكتب بل بالاستقامة على قدم المصطفى والتخلق بأخلاقه الكريمة وحسن الاقتفاء والزهد في الدنيا والتبريء من علائقها وتفريغ القلب من شواغلها والإقبال بكنه الهمة على الله، وإليه الإشارة بقول الله تعالى: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا" وقوله: "واتقوا الله ويعلمكم الله" وقوله: "إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا" أي هداية في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل وتخرجون بها من الشبهات وقوله: "ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب" قيل في تأويله يجعل له مخرجا من الإشكالات ويعلمه علما من غير تعلم وقوله "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله، ومن أحبه الله فتح له الباب وأدخله حضرة الاقتراب وكشف له الحجاب وأجلسه مع الأحباب فرأى الغيب شهادة وصار له من الله الكشف عادة وأفيضت على قلبه مياه الحقائق وانكشفت له البراقع عن وجوه الدقائق وعلمه الله من لدنه علما وعرفه بنفسه وأدرك السر الأسمى.

وسرد الشيخ رحمه الله على سبيل المثال بعض أعلام الصحابة الذين خصهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض هذا العلم فذكر أبا بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وأبا هريرة ونقل عن علي قوله:

إن بين جنبي علما لو قلته لخضبتم هذه من هذه وأنشد له:
إني لأعلم علما لو أبوح به
                لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
ولا استحل رجال مسلمون دمي
                يرون أقبح ما يأتونه حسنا

قال الشيخ رحمه الله وقد نسب البيتين لزين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب غير واحد من المؤرخين والشائع نسبتهما إليه لا إلى علي رضي الله عنهم.

قال الغزالي: والمراد بهذا العلم الذي يستحلون به دمه هو العلم اللدني الذي هو علم الأسرار.

وقد تواترت الأخبار واتفقت معانيها على اطلاعه عليه السلام على الغيب وأجمع العلماء على أنه أوتي من علم المغيبات ما لم يؤته غيره. وذكر أرباب القلوب أن علمه صلى الله عليه وسلم اتسع اتساعا عظيما خارقا للعادة خارجا عن دائرة العقول وأن الله تعالى أطلعه على كل ذرة من ذرات العالم الكوني وعلى حقيقتها وما هي عليه في نفسها وعلى أسمائها ومفهوماتها وما يجري عليها من ابتداء خلقها إلى انتهائه وعلى جميع لغات الحيوانات كلها والجمادات بأسرها والمخلوقات بأجمعها أصولها وفروعها وأنه علم من العلوم والأسرار والمعارف ما علم آدم عليه السلام وغيره من الأنبياء والملائكة وسائر الخلق من الأولين والآخرين وزاد عليهم بعلوم أخر لا تحصى ولا تحصر انفرد بها عنهم واختص بها دونهم لم يبثها لجبريل ولا لميكائيل ولا لغيرهما لأنها لا تطيقها إلا ذاته الكريمة ولا يقدر على حملها سواه صلى الله عليه وسلم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here