islamaumaroc

لكننا…هزمنا في عقائدنا…

  دعوة الحق

119 العدد

تتجدد من حين الى حين ، ذكريات خالدة ، لها وزنها في تاريخ الشعوب، و اثرها في نفسية الافراد، و ان من اسمى الذكريات و اجلها ، هاته الايام التي نعيشها من شهر ربيع الاول ، و نحتفل بها بذكرى مرور اربعة عشر قرنا على بدء البعثة المحمدية ، و الدعوة الاسلامية ، و ذكرى ميلاد سيدنا محمد عليه الصلاة و السلام الذي منح الانسانية الحائرة نموذجا حيا للانسان الكامل ، و ضمن لها حياة صافية تفيض فيها عوارف الود و الاخاء ، و عطايا المحبة و السلام ...
لقد انبثق نور الدعوة الاسلامية من بطحاء مكة ، و انطلقت اشعاعاته من رحاب طيبة و سارت مواكب النور تهدي الانسانية الحائرة في بيدائها ، ووقف التاريخ الامين يسجل للدين الجديد الذي اتى به الرسول الاعظم سيدنا محم عليه السلام اروع انتصار عرفته البشرية في مجال البحث الروحي ، و العمل على إيقاظ الضمير الانساني و شحنه بقوى الخير ، و نوازع الفضل ، و باعث العدل و الاخاء ...
فقبل البعثة المحمدية كانت البشرية تعيش مرهقة معذبة في دنيا الشرك و الالحاد ، و الضلال و الجمود ، و تحيا حياة مشتركة غبية كافرة لا وعي فيها ، و تسير على سياسة فاجرة لا دين لها ، فانتقل بها الاسلام ، بعدله و تعاليمه و مبادئه ، من الفوضى الى النظام ، ومن الجهل الى العلم ، ومن التفكك الى التماسك ، ومن النظام الى التعاون ، ومن خور العزيمة ، الى يقضة الارادة و قوة الايمان ، فاوت الى ظله الظليل ، ورخائه الوارف ، و امنه المديد .
لقد كان ميلاد سيدنا محمد عليه السلام رحمة للعالمين ، و قبسا من نور السماء ينير السبيل للسادرين في غياهب الليل الدامس ، ومبهم الطريق الطامس ، الم تخبطين في الضلال و متاهات الاباحية و الفسوق ، و العصيان و الفجور ، فاحال اخلاقهم من فجوة البداوة ، و كثافة الجاهلية الى نعيم الحضارة ، ورقة الطبائع ، و بواهم مركز الصدارة بين شعوب الامم ، ومقام الهداية لموكب التاريخ ، وتم له في ثلاث وعشرين سنة من تعاليمه الدينية و ارشاداته الخلقية ، و قضاياه الانسانية ما لا يعقل ان يستكمل و ينمو الا في عديد من القرون ...
 فالعالم البشري ، قبل البعثة المحمدية ، كان يعيش في جو خانق مظلم ، متلبد بسحب من الاضطرابات النفسية و الخلقية و الاجتماعية ، تحيط به ظروف قاهرة مرهقة ، و تشيع في جنباته امراض مستعصية ، و دواء قاتلة ، اختفت عليه ، و اصابت الصميم منه ، فانحطت بذلك افراد و قبائل ، و امم و شعوب الى مهاوي الرذيلة و الفساد ، و عبثت يد الانسان بما اتى به الرسل و الانبياء ، و اصاب الكتب السماوية ما اصابها من التحريف و التبديل ، و انقلبت الفضائل بين الناس رذائل ، و استحكمت قوى الشر و البغضاء ، الى ان جاء نبي الهدى ، فقال للشرك نوره : الا ايها اليل الطويل الا انجلي ! يحمل دينا قويما يمتاز بتعاليم سامية ، و اصول عامة ، و في يده كتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ... فاستقام امرهم ، و حسن حالهم ، و اتضحت امامهم المعالم و الصوى ، و ساروا نحو الاقوم و الامثل و اسسوا حضارة نظيفة واعية ، و استعانوا على اعداء الدين بايمان صادق لا اسلمتهم دفة الموكب ، وراية الطليعة ، و عجف الزحف ، فهدوا الى الطبيب من القول ، وهدوا الى صراط الحميد ...
حقق الاسلام للبشر كل اشواقه الانسانية ، و اشبع رغبات روحه المتطلع الى ملكوت الله ، وعمق فيه مشاعر الحرية في مسالك النفس و العقل ، و في اغوار الفرد و الجماعة ، و في بذور الامة و الدولة ، و في اصول العقيدة و الشريعة ، و خلق من العرب المسلمين شخصية متميزة بارزة دعم بناء كيانها في رباط قوي ، و تماسك متين اصبحت معه الامة الاسلامية مرهوبة الجانب ، شديدة الاسر ، قوية المراس...
 هكذا كان عهد النبوة المصطفاة .. وهكذا كان مولد محمد عليه السلام ايذانا بانتهاء عهد الظلم و العبودية ، و التفكك و الانحلال ، و بشيرا بحاضر مزدحم بالامال الكبيرة ، و مبشرا بالمستقبل العظيم الرائع الفسيح الذي ادخره الله للامة العربية المسلمة التي اصطفاها الله فبعث فيها رسولا منهم يتلو عليهم اياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة ... فعز المسلمون في فجر الاسلام و ضحاه و ظهره ، و نشاوا في رحابه يرضعون افاويقه الصافية ، و يكرعون حياضه العذبة ، و يتمثلون مبادئه و اهدافه ، فلم تلن لهم قناة ، ولم يسلس لهم قياد ، و لم  ينهزم لهم جيش ، و لم ينكس لهم علم وكانوا بهذه المثل و المبادئ طوال ايام الاسلام الزاهرة ، فتية لا تنال الارض ادمعهم و لا مفارقهم الا مصلينا ...
                                                    *
لقد دب بين امم الاسلام في العصور المتاخرة اقعدهم عن السير ، و عوقهم عن مواصلة الدؤوب ، و شل نشاطهم عن التحفز و الوثوب ، فلم يقدروا على التحرك الى الامام ، لانهم قصروا في جنب الله ، و انحرفوا عن مبادئه المثلى ، و عميت عليهم الانباء ، و انبهمت عليهم السبل ، فاصيبوا بداء الضرائر ، و حل بساحتهم داء العجائز ، و اكتفوا بالدون والهون ، حتى ابتلاهم الله ببلية الاستعمار الكافر ، فالح عليهم ، و قتل فيهم وسائل المقاومة و المناعة ، و اضعف منهم روح التماسك حتى خضعوا لارادته ، و انصاعوا لامره ، و ذلوا لسلطانه ، و استكانوا لجبروته ، فكاد ان يفسد احساسهم ، و يعطل شعورهم ، لو ان قيض الله لهم زعماء الاصلاح ، ودعاة التجديد ، فاقاموا عترتهم ، و ايقظوهم من غفوتهم ، حتى بدا الشعور الاسلامي ، بفضل النوايا الطيبة و الارادة الصادقة ، يسري بين امم الاسلام بعد ان استوفت كل امة حظها ، و بدا الركب يتحرك و يسير بخطى حثيثة الى غايته نحو صبح مشرق ، و نهار ضاح ، و اخذت المشاعر الاسلامية تنتظم هذا العالم الكبير ، و تهز الطيب من اعراقه ، و الاصيل من غرائزه ، و الدفين من ماضيه لتجعل منه امة تعمل علة نصرة الخير ، و اذاعته بين الناس .
من اجل ذلك كانت هذه الذكرى الاسلامية المحمدية الخالدة العزيزة الحبيبة الى قلوب المسلمين تدفعهم دائما الى تذكر القيم الاسلامية الرفيعة ، و تحملهم ، كل سنة ، على ان يتمثلوها في انفسهم و في تصرفاتهم الخاصة ، و في علاقة بعضهم ببعض 
                                                   *
فاين نحن اليوم من الحياة النبوية الصافية التي كان يحياها الناس في العصور الزاهية للاسلام ، في صفاء و بذل ، يوم كانوا يضعون المصحف في يد ، و السيف في اليد الاخرى ؟؟؟
و اين نحن اليوم من ذلكم الالتحام القوي ، و التوادد الخالص ، و التواصي بالحق و الصبر الذي عرف في الصدر الاول ايام كان المسلم المومن البطل يرخص يوم الروع نفسه و يبذلها في سبيل العقيدة و الكيان ، و في سبيل الوطن المحبوب ، فيرفع راس امته عاليا شامخا ؟
و اين نحن اليوم من حياة الرجولة الكاملة التي كانت تطبع تاريخ المسلمين في اطوار حياتهم ، فتخلق منهم رجالا اشداء على الكفار ، رحماء بينهم ، من هذه الحياة الرخوة الفاسلة ، التي تتسم بالتفسخ و الميع و الانحلال ؟؟ !! فلا يشب فيها الفتى الا كما يشب قرن الماعز ، ينبت على استواء ، و لا يثبت الا على التواء !!
وماذا قدمنا ، من بذل و تضحية ، لقضية فلسطين الاسيرة و تحرير بيت المقدس اولى القبلتين و ثالث الحرمين الشريفين و مسرى النبي صلى الله عليه و سلم ؟
الحقيقة اننا لم نهزم في الواجهات التي نخوضها ضد اعدائنا لقلتنا ، ونحن غثاء كغثاء السيل !!
ولم ننكص على اعقابنا رغم وفرة عتادنا و قوته عند خطوط النار !
 و انما هزمنا  ، و يا للاسف ، في عقائدنا و تقاليدنا و مقدساتنا ، وعملت فينا عملية الغزو الفكري الملحد الذي ران على القلوب و استولى على الافئدة فصدها عن سواء السبيل ، فحقت علينا كلمة الله .
                                                   *
ومن دواعي اليمن و حسن الطالع ، و دلائل التوفيق و الاقبال ان تقترن ذكرى مرور اربعة عشر قرنا على بدء الدعوة المحمدية الخالدة ، بالذكرى الاربعينية لجلالة ملكنا المعظم مولانا الحسن الثاني نصره الله حفيذ المصطفى عليه السلام ، و ربيب الملك ، و سليل المجد ، ووارث سر محمد الخامس بيض الله وجهه، و اسكنه جنات العلى ...
و انما لموافقة عجيبة فريدة تدعوا الى التامل و الاعتبار ، و تشير الى المعنى الجميل الرائع الذي يكمن سره و جلاله في التوفيق الذي يحالف خطوات قائد هذه الامة المسلمة المومنة الذي اكتمل اشده في مهرجان هذه الذكرى الاسلامية و بلغ اربعين سنة ، و قال : رب ، اوزعني ان اشكر نعمتك التي انعمت علي ، و على والدي و ان اعمل صالحا ترضا ، و اصلح لي في ذريتي ...
و ان بلادنا التي تحتفل في هذه الايام المشرقة الوضيئة بهذه الاعياد و المواسيم ، و الافراح الدينية و المهرجانات الوطنية ، في حب صادق ، و نشوة غامرة ، و تخلد هذه الذكريات العذاب الحافرة للعمل ، ومواصلة السعي لنشر المبادئ الاسلامية ، و المثل الصحيحة السليمة بقلوب مفعمة بالرضا و المحبة و الاخاء ، لتقف مع التاريخ في لحظاته الحاسمة لتحاسب النفس و القلب و الشعور و الوجدان ، و تؤكد وفاءها للمبادئ الاسلامية السمحة ، و تعتصم بحبل القران و سنة سيد الاكوان ، و تجدد ولاءها و اخلاصها لامير المؤمنين ، العامل على نصرة الدين  و الحارس الامين على مقدسات الشعائر الاسلامية الواضحة .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here