islamaumaroc

[كتاب] في الطفولة (لعبد المجيد بنجلون)

  دعوة الحق

117 العدد

ما أظن أنني بعد كتاب "الأيام" للدكتور طه حسين ، قد تمتعت بكتاب آخر من نوعه ، كما تمتعت في الأيام الأخيرة بقراءة الجزء الثاني من كتاب "في الطفولة" للأستاذ عبد المجيد بن جلون . لقد قيل عن هذا لكتاب عند صدور الجزء الأول منه ، أنه من أحسن ما ألف في جميع اللغات . وهي كلمة ربما بدت لأول وهلة ، ومن الكلمات التي قد تصدر عن أصحابها في غير تحفظ ولا احتياط ، حيث يجب التحفظ والاحتياط. ولكنها ليست في الواقع كذلك ، فإن كتاب "في الطفولة" سواء في جزئه الأول أو في الجزء الثاني ، هو من أحسن الكتب التي أتيح لنا أن نقراها في بابه ، مؤلف في اللغة العربية ، أو مترجمة إليها من لغات أخرى . ولا تظن أن كاتبا يستطيع أن يحتفظ بذكريات طفولته حية نابضة ، أو أن يصوغ منها قطعة فنية جميلة نادرة ، وأكثر أو أحسن ، مما فعل طه حسين في كتاب "الأيام" وعبد المجيد بن جلون في كتاب "في الطفولة" لقد أتيح للأستاذ عبد المجيد بن جلون أن يعيش في طفولته تجربة فريدة من نوعها ، وهي أن يتنقل وهو طفل صغير ، بين بيئتين مختلفتين عن بعضها اختلافا كبيرا جدا ، سواء في اللغة ، أو في العادات والتقاليد ، أو في نوعية الحضارة ومستواها ، أو في الفكر والمزاج ، أو في النظر إلى الأشياء وتقديرها والتجاوب معها . لقد أتيح له وهو طفل صغير أن يتنقل بين مدينة  مانتشتير في انجلترا حيث كان والده يزاول التجارة ، وبين مدينة فاس في المغرب ، بعد أن عادت العائلة إليها . ويكفي أن نذكر ذلك ، لندرك مقدار المفارقة التي  تصدى لها هذا الطفل الصغير أو تصدت له ، ومدى التجربة التي كتب له ـ ولا نقول كتبت عليه ـ إن بها ، وإن تترك أثرها في حياته لمدة طويلة ، ومن يدرى فلعل أثار هذه التجربة لا تزال قائمة إلى الآن في فن الأستاذ عبد المجيد بن جلون ، وفي أسلوبه في  الكتابة ، وفي سعة افقه، وفي قدرته على فهم الأشياء والتجارب معها ، بنوع ، أو بمقدار ، فلما أتيح لغيره من الناس وقد زاد في عمق هذه التجربة ـ ولعل ذلك كان من أثارها ولوازمها ـ إن الطفل الصغير عبد المجيد بن جلون ، عندما انتقل من مانشيستير إلى فاس كان عليه أن يمر بعدة تجارب آخري ، قبل أن يرسو على ما أرسى عليه ، فعرف الكتاب القرآني بشكله التقليدي الذي كان عليه إذ ذاك ، وعرف المدرسة الفرنسية ، وحط أخيرا رحله الصغيرة بجامعة القرويين ، ليستريح بها مدة لعلها لم تكن طويلة بالقدر الكافي ، ولكنها كانت خصبة بأكثر من القدر الكافي ، قبل أن يحمل " عصية " تسياره مر أخرى ، ويترك المغرب إلى الديار المصرية ، وفاسا إلى القاهرة ، حيث يعيش تجربة أخرى بدا من الآن يسجلها لتكون موضوع  كتاب أخر ، وهو كتاب " في الشباب" الذي يأتي بعد كتاب "في الطفولة " هذه التجربة الفريدة من نوعها ، زاد في قيمتها ، وجعلها تكون أعمق وأوسع وأخصب ، إن الطفل الصغير الذي مرت به ، كان من أول نشأته ، يتمتع بذكاء خارق وقاد ، وعينين مفتحيتين لكل  شاذة وفادة، وروح مرحلة طروب ، وعناد موروث ساعده كثيرا على أن يفرض إرادته ، ويحقق طموحه ، ويطفو فوق الصعوبات والمشاكل والعراقيل . وإذا كان مظهر الأستاذ عبد المجيد بن جلون ، لا يشي إلى الآن ، أو لا يشي الآن ، بروحه المرحة الطروب ، فإنما ذلك بالنسبة للذين لم يعرفوه عن قرب ، وأن كان يمكن لهم أن يملوه من خلال كتاباته التي تشع ذكاء خارقا ، ممزوجا بالابتسامة الساخرة في كثير من الأحيان . أما العناد ، فأشهد شخصيا ، وأنا أعرف الأستاذ شخصيا ، وأنا أعرف الأستاذ عبد المجيد بنجلون منذ سنة 1952 معرفة صداقة وأخوة، أنني كنت طيلة هده المدة ، المس فيه صفة معينة ، لم أكن أعرف كيف أسميها ، إلى أن قرأت الجزء الثاني من كتاب في الطفولة، فعرفت أن هذه الصفة التي كنت ألمسها فيه ولا أعرف كيف اسميها ، هي صفة العناد . وإذا كنت قد عجزت لمدة ستة عشر سنة ، عن تسمية هذه الصفة بالاسم الذي سماها به صاحبها في هذا الجزء من كتابه ، فذلك لأنها صفة ليس لها أي أثر خارجي ، وإنما هي شيء كامن في أعماق صاحبه ، لا يعلن عن نفسه إلا عندما تدعو الحاجة إلى ذلك ، ثم هو لا يعلن عن نفسه في صخب ولا ضجيج ولا توثر ولا انفعال ، وإنما يعلن عن نفسه في الكلمة القاطعة الحاسمة ، تلقي إلقاء سهلا بسيطا ، يدل على مدى اقتناع صاحبها بها ، بعد أعمال الفكر ، وتقليب الرأي على جميع الوجوه . وهكذا اجتمعت لعبد المجيد بنجلون في طفولته تلك التجربة النادرة ، وما أعقبها من تجارب كانت  مكملة لها وناتجة عنها ، مع ما تميز به من صفات حاولنا أن ندل على البعض منها ،لكان من ذلك هذا الأثر الفني الجميل ، وهذا العمل الأدبي البديع ، الذي هو كتاب " في الطفولة" وقد قرأنا جزءه الأول من مدة ليست باليسير ، وقرأنا جزءه الثاني في هذه الأيام . لقد قارأنا في بداية هذا الكلام ، وذكر كتاب "في الطفولة " لعبد المجيد بن جلون ، بذكر كتاب " الأيام " لطه حسين .
ولعل من الخير أن نبادر فنقول : أنه لا يجمع بين هذين الكتابين ، إلا أن كل واحد منهما يتحدث عن طفولته صاحبه ، وإلا أن كل واحد من الكاتبين قد استطاع أن يحيل طفولته إلى قطعة فنية نادرة ، يقدمها للناس ، وليمنعهم بها ، وليصور لهم في سهولة ويسير، وعن قصد أو عن قصد أو عن غير قصد ، قطعة من الزمن ، لا تستطيع أن تفي بوصفها على هذا النحو ، مجلدات متعدد في التاريخ أو في وصف المجتمعات . أما فيما عدا ذلك فإنهما يختلفان عن بعضهما اختلافا كبيرا جدا ، لاختلاف التجربة من جهة ، وللأصالة التي تتوفر في التعبير عن كل من التجربتين ، عند كل من الكاتبين ، من جهة آخري . ولعلنا نستطيع أن تحدد وجها مهما من وجوه الفرق بين الكتابين ، في أن طه حسين في كتاب " الأيام" كان يعبر عن طفولة لم يعشها في الغالب إلا من خلال نفسه ، من خلال عالمه الباطني ، فجاء كتابه "الأيام " عبارة عن عملية مركزة من عمليات استيطان الذات . أما عبد المجيد بن جلون ، فقد عاش طفولته من نوع آخر بطبيعة الحال ، طفولة مليئة بالحركة والنشاط ، و"العفوية " إلى جانب غناها بالتجارب والمفارقات ، فجاء كتاب " في الطفولة " تعبيرا عن الحياة بمعناها الكامل الواسع ، الحياة كما هي في دنيا الناس المشتركة ، والحياة كما تتراءى من خلال نفس ذكية ، وقلب طموح ، وخيال مجنح . وبعد فهل قلنا شيئا عن كتاب " في الطفولة" ؟ ونجيب بأننا لم نقل شيئا ، وإننا لا ننوي أن نقول عنه شيئا ، وإنما تحدثنا على هامشه ، ذلك ما كنا نقصد إليه البداية . أما الحديث عن كتاب فإنما يتكفل به الكتاب نفسه ولن يغني عن شم الزهرة، ولا عن سماع القطعة الموسيقية ، وصفها أو الحديث عنها . فعلى من يريد أن يتمتع بهذه الزهور ، أو بهذه القطعة الموسيقية أن يعود إليها هي نفسها ، أي أن يعود إلى كتاب " في الطفولة" يقرأه بنفسه.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here