islamaumaroc

أدباء من العصر العلوي

  دعوة الحق

116 العدد

هناك حقيقة لا بد من إبرازها أولا، وهي أن الدارس للأدب المغربي يجد شيئا من الحرج في تطبيق التقسيمات المتعارفة للأدب العربي على هذا الأدب وعلى الأدب الأندلسي كذلك مع فارق. وذلك حينما تواجه الحقائق التالية :
1) العوامل التي أطلق بسببها على عصر الانحطاط هذا الاسم لم تكن منطبقة تماما على الأدب المغربي، فهجمات المغول والتتر والاحتلال العثماني، ومناهضة اللغة العربية. واتخاذ التركية لغة رسمية بدلها، كل ذلك لم يعرفه المغرب.
2) إن هذا العصر الذي يمتد حسب اصطلاح مؤرخي الأدب العربي من احتلال هولاكو لبغداد سنة 1258 إلى القرن الثامن عشر نجده من أزهر عصور الأدب عندنا، ذلك للدور الثقافي الهام الذي كانت تلعبه بعض الزوايا المنبثة في مختلف جهات المغرب على عهد السعديين والعلويين فيما بعد، وبالنظر أيضا إلى موجات الهجرة من الأندلس إلى المغرب بعد سقوطها في يد الاسبان.
فالزاوية الدلائية، والزاوية الفاسية، والعياشية، والبكرية، وغيرها كلها كانت تعنى إلى جانب الدراسات الدينية بالدراسات الأدبية واللغوية، بصرف النظر عن اهتمامها بتلقين بعض الأوراد وتلاوتها على طريقة من الطرق كالطريقة الشاذلية، وغيرها، فرجال الزاوية الدلائية مثلا كانوا في أغلبهم من الأدباء الذين لهم باع طويل في الشعور والنثر معا، كما كان لهم اهتمام بالغ بتدريس كتب الأدب كمقامات الحريري، والكامل للمبرد، والأمالي، ومختلف الدواوين الشعرية. ولم يقل عن ذلك اهتمامهم بتدريس علوم اللغة، وقد استفاد من هذه الزاوية خلق كثير انتشر في أنحاء المغرب(1)   يضاف إلى ذلك الإشعاع الثقافي الذي كانت تقوم به جامعتا القرويين وابن يوسف ثم التشجيع الذي كان الطلبة والمثقفون يلاقونه من ملوك الدولة السعدية، ثم الدولة العلوية منذ عهد الملوى الرشيد.
3) العوامل التي يقدمها مؤرخو الأدب العربي كإرهاصات لعصر النهضة لا يراها دارس الأدب المغربي تنطبق حذو النعل بالنعل على المغرب، فالانتفاضات القومية التي يساق كمثال لها انتفاضة محمد بن عبد الوهاب بالحجاز في القرن الثامن عشر، وقبلها انتفاضة فخر الدين المعني الثاني بلبنان، وانتفاضة مصر على إثر حملة نابليون (1798 -1799) وقيام محمد علي الكبير (1805-1848) لم يكن لذلك كله تأثير مباشر على النهضة الأدبية بالمغرب في شكلها الحديث، إذ أن تلك الانتفاضات قام بعدها ضد الأتراك، والبعض الآخر ضد الغزو الفرنسي بالإضافة إلى ذلك، ولم يكن بالمغرب احتلال تركي بالمرة، بينما لم يقع بسط الحماية عليه من لدن فرنسا إلا في سنة 1912 أي قرن ونيف بعد ذلك التاريخ الذي استهدفت فيه مصر للغزو الفرنسي، ومع ذلك فإننا ننكر أن بعض تلك العوامل لم تكن لتخلو من صدى لها بالمغرب، كالإصلاح الديني ونبذ الخرافات، ومحاربة الشعوذة، ومناهضة الطوائف الهدامة، كما وقع في عهد السلطان مولاي سليمان العلوي. أما الشعور بالقومية، فقد ظهر هنا غير منفصل عن الشعور الديني اثر الحملات الإسبانية والبرتغالية والانجليزية على الشواطئ المغربية، ولم تتميز معالمه القومية إلا بعد الاحتلال الفرنسي والاسباني، وإن لم ينفصل هذا الشعور بتاتا عن الوازع الديني، على أن ميزة الاستقلال التي امتاز بها المغاربة من قديم عن الخلافة في الشرق، سواء منها العباسية أو العثمانية، إن كانت لا تخلو من دوافع قومية بالنسبة للخلافة العثمانية فإنها لم تكن لنفس الدوافع بالنسبة للخلافة العباسية.
وحقا ما ذهب إليه الأستاذ الكبير عبد الله كنون في محاضراته حول الأدب المغربي الحديث من أن النهضة الأدبية هنا تأخرت إلى ما قبل نشوب الحرب العالمية بقليل2)
4) لم تكن المعالم الأدبية للمغرب قد اتضحت وتبلورت في تلك العصور التي ازدهر فيها الأدب العربي بالمشرق والأندلس، ولا نعدو الحقيقة إذا قلنا بأن بدء اتضاح هذه المعالم لم يكن قبل العصر الموحدي، إلا أن هذا لا يعني مطلقا خلو المغرب قبل ذلك من أدباء وشعراء، سيما وقد كان للتدخل المرابطي بالأندلسي أثره في تردد العلماء والأدباء بين العدوتين، إنما الذي نعنيه أن المغرب منذ العصرين الموحدي والمريني بحكم تكاثر موجات الهجرة من الأندلس، واحتكاك المغاربة بالعناصر المهاجرة وتحمل عناصر أندلسية مختلف المسؤوليات في المغرب كالوزارة والقضاء والكتاب وغيرها، كل ذلك كان له أثره القوي في وضوح الوضع الأدبي، وهو وضع لا تعدو الحقيقة إذا حكمنا بأنه لم يكن إلا امتدادا للوضع الأدبي بالأندلس، حتى إذا حل عهد السعديين كان قد بلغ الذروة التي لم ينحرف عنها إلا قليلا قبيل عصر النهضة، ولا نتجاهل في هذا الصدد أن أكبر موجة للهجرة الأندلسية تمت على عهد الوطاسيين أي قبيل عصر السعديين ببضع سنوات، وذلك بعد سقوط غرناطة آخر معقل إسلامي بالأندلس سنة 897 هـ 1492م.
وما أن تم للعلويين الأخذ بمقاليد البلاد حتى كان النشاط  الأدبي قد اتسعت رقعته دون أن ينزل عن مستواه، وقد ساعده على ذلك ما كانت تمارسه مختلف الزوايا من نشاط ثقافي على ما ألمحنا سابقا، كما ساهم في ذلك بالنصيب الأوفر ما كانت تلاقيه شؤون الثقافة من تشجيع كبير من لدن ملوك الدولة العلوية، وكمثال على ذلك نشير إلى ما ذكره العلامة ابن زيدان في "الإتحاف" من أن السلطان سيدي محمد بن عبد الله وزع خزانة كتب المولى إسماعيل على مختلف المساجد المغربية " وكانت تزيد على الإثني عشر ألف مجلد، رجاء تقع عموم الناس، وسعيا وراء نشر العلم وتحصيله"(3)
ونخلص مما تقدم إلى حقيقة واضحة وهي أن ازدهار الأدب المغربي –غير الحديث طبعا- يقع معظمه فيما اصطلح على تسميته بعصر الانحطاط، ولا يسع الباحث بعد أن يبذل بعض الجهد في البحث والتنقيب إلا أن يعترف بذلك، حيث يلتقي بأدباء فطاحل غير قليلين، برعوا في الشعر والنثر على الطريقة الأندلسية، ولا أعتقد أن هناك أي واحد من المهتمين بالأدب ينكر على أديب كابن الخطيب السلماني فحولته الأدبية، والواقع أن الكثيرين من أدبائنا المغاربة قد لا يقلون عن ابن الخطيب، ولم يكن ينقصهم إلا نفس العناية التي لاقاها هذا الأخير، ليس في العصر الذي تلاه فحسب ولكن في العصر الحديث أيضا، حيث لا يزال كثير من الباحثين المحدثين يتناولون حياته وآثاره بالدراسة والبحث.
وكان من حسن حظ أدبائنا المغمورين أن تصدى للكشف عنهم جماعة من الأدباء المحدثين يأتي على رأسهم الأستاذ عبد الله كنون الذي أثمرت جهوده المشكورة عن التعريف بطائفة هامة منهم في سلسلة "ذكريات مشاهير المغرب(4)" وقبل ذلك في "النبوع المغربي" والأستاذ محمد الفاسي الذي عرفنا بطائفة هامة منهم في مختلف المجلات المغربية، واهتم أخيرا بالكشف عن أدب الرحلات فأصدر رحلة محمد ابن عثمان المكناسي المعروفة ب "الأكسير في افتكاك الأسير" مع دراسة هامة عن حياته ونشاطه الثقافي والسياسي كوزير وسفير.
ولا ننسى في هذا الصدد مجهودات أساتذة آخرين، إلا أن المجال سيبقى فسيحا لمزيد من البحث والباحثين،  والتعريف والمعرفين.
وقد اخترنا أربعة أدباء فطاحل من بين أدباء العصر العلوي. هم : أبو العباس أحمد الغزال، وأبو العباس أحمد بن عثمان المكناسي، ومحمد بن إدريس العمراوي. وأبو عبد الله محمد بن أحمد أكنسوس.

أبو العباس أحمد الغزال :
 ذكره صاحب سلوة الأنفاس بما يلي : "الأديب الكاتب الفقيه السيد المهدي الغزال، كان رحمه الله فقيها أديبا، بل كان آخر أدباء الوقت، بعثه السلطان سفيرا لجزيرة الأندلس مثل أبيه من قبله وألف في سفره رحلة ذكر فيها عجائب تلك الأرض، وله غيرها من التآليف، توفي رحمه الله سنة 1191 هـ ودفن بصحن الزاوية المذكورة(5)  وذكره صاحب الأتحاف من بين كتاب السلطان سيدي محمد بن عبد الله، كما ذكره من بين شعرائه، حيث سماه هكذا "أبو العباس أحمد بن المهدي الغزال الحميري الأندلسي المالقي الفاسي السفير الكاتب المتوفى في سنة 1191 هـ" ويذكر فصولا من رحلته التي سجلها عن سفارته لاسبانيا والمعروفة ب "نتيجة الاجتهاد في المهادنة والجاهد" وذكره صاحب الاستقصا من الكتاب المعتبرين للسلطان محمد بن عبد الله، كما ذكر معه أحمد بن عثمان المكناسي. ولا نعلم شيئا عن تاريخ ولادة الغزال، إلا أننا نعلم أنه من أقران أبي القاسم الزياني، حيث ذكر هذا الأخير في الترجمانة الكبرى أنه بعد رجوعه من الحجاز مع والده سأل "عمن كان يألفه من الطلبة في القراءة والأنس، فوجد أكثرهم تعلق بخدمة السلطان سيدي محمد بن عبد الله" وذكر من بينهم صاحبنا الغزال، وأحمد بن عثمان المكناسي.
وحسب القصائد التي أوردها ابن زيدان في الإتحاف، يبدو الغزال متمكنا من صناعة الشعر، ومتمرسا به كل التمرس، وموجها عنايته بصفة خاصة إلى المدح الذي ألزم نفسه فيه بضروب من الطرق التي استنبطها، مجهدا نفسه في أن يأتي كل سنة بجديد وعن ذلك يقول في الإتحاف "إلى أن فتح عليه في طريق ما سلكها قبله ذو ذهن ثاقب، ولا عبرها من سمت منه في الأدب مناقب(6)" ومن ذلك ثلاث رسائل تحمل الأولى اسم "اليواقيت الأدبية يجيد المملكة المحمدية" وتحمل الثانية اسم "الأطروحة الشطرنجية الإنسية" أما الثالثة فوسمها بـ "نتيجة الفتح المستنبطة من سورة الفتح" وقد ألزم نفسه في تلك الرسائل بضروب من التفنن والابتكار تلاعب فيها بالبحور والأوزان كما اهتم بذكر تواريخ أهم الأحداث في عهد السلطان محمد بن عبد الله عن طريق الرمز بالحروف. ومن ذلك قصيدة من بحر الوافر سماها "نزهة الملك المنصور، في مستعذب وافر البحور"
(ر)حيب البذل بادي العدل مسدي
                جزيل الفضل عن كرم وجود
(ف)ضائله الغزيرة ليس تحصى
            ومن يحصي الجواهر بالعقود
وأخرى دعاها "نزهة الإمام الكامل في جواهر الكامل" ومنها :
(يـ) حمي دمار المسلمين بعدله
            وبسيف حق كف كف المعتدي
(د)امت صنائعه الجميلة في الورى
            أمد المدى أمدادها لم ينفد
(صـ)اقي المشارب كوثري طعمه
            في ورده نيل المنى والمقصد
وقد تعمد أن يفتح أبيات كل بحر بنفس الحروف التي وضع أولا في مربع وبديهي الا نفاجأ  باستعمال الجناس وباقي المحسنات، فقد كانت من مقومات الشعر على ذلك العهد، وخلو القصيدة منها كان يعرض صاحبها إلى أن يتهم بالقصور وعدم الإلمام بالبلاغة. كما يرمي الكتاب بذلك إذا خلت كتابتهم ورسائلهم من السجع على ذلك العهد أيضا، وليس على الناقد أو المؤرخ الأدبي أن يضيق صدره بظاهرة أسلوبية اعتبرت في عصر من العصور من مقومات الإجادة.

ومما ورد في الرسالة الثالثة قوله :
وأبى عز وفخر
            لمن له الذكر ذاكر
تلك السعادة ممن
            حاز العلى عن أكابر
فكن أمام المعالي
            لأنعم الله شاكر
فقد بلغت الأماني 
            وحزت اسمى الذخائر
أما في رسالته الثانية فيعتمد على سير قطعة الغرس في لعبة الشطرنج حيث تتألف فصول أربعة يعتمد في جمعها وتصنيفها على حروف أبيات وضعها في مثمن، وبدون شك فإن الغزال الذي كان يتوفر على براعة فائقة في هذه اللعبة، حيث انتصر على أحد كبراء الاسبان فيها كما حدثنا عن ذلك في رحلته السفارية الآنفة الذكر، حاول أن يقتبس منها هذا الأسلوب في وصف بعض الأبيات الشعرية، ولا ينسى أن يذكر أن طريقته تعتمد على أسرار الحروف وخواصها وأن ذلك مما كان يعتمده ملوك العجم واليونان. وتبعهم في ذلك العرب، وعلى أي فإن الطريقة التي نهجها الغزال تنبئ عن تمكنه من صناعة الشعر، وتلاعبه بموازينه وبحوره، وإخضاعها لفرضه في مدح ممدوحه، وذكر تاريخ بيعته، واسمه واسم أبيه وجده وأخبار مملكته، ولا نعدم أشياء من هذا القبيل عند ابن زيدون والمعتمد بن عباد، وابن الخطيب، وابن زمرك، وقبل ذلك بديع الزمان الهمداني صاحب الرسائل المنقوطة الحروف وغير المنقوطة، والأبيات التي تقرأ من أولها فتفيد معنى، فإذا عكست أفادت معنى آخر، كما يبدو لنا تمرس الرجل بعمود الشعر في قصيدته الطويلة النفس في مدح السلطان المولى محمد بن عبد الله، وفي هذه القصيدة نلاحظ اهتمام الشاعر باستقاء تشبيهاته من الطبيعة، مما يؤكد ولوعه بها ومن ذلك قوله :
فيالك روضا من بكاء غمامه
            تبسم من أثغار أكمامه الزهر
كان به الأدواح تهتز نصره
            عرائس تزهو فوقها حلل خضر
كأن بها ورق الحمائم سجعا
            فبان لها في صوغ ألحانها جهر
كأن ثغور الأقحوان مباسم
            تسلسل من ظلم الرضاب بها خمر
كأن الشفاه اللعس منها شقائق
            تناسق فيها تحت قانثها در
كأن احمرار الورد في ريق الحيا
            خدود غواني الغيد لاح بها بشر
كأن ذيول النرجس الغض عادة
            لواحظ من أهواه ماج بها سحر
ويستمر على هذا النفس ليأتي بالمشبه به 
            خلال أمير المومنين (محمد)
إذا صيغ فيه المدح أو نظم الشعر
ومما يزيد من قيمة هذه القصيدة ما تحفل به من معلومات تاريخية ووصف لمجد المغاربة على ذلك العهد وانتصاراتهم الباهرة  على مختلف الدول الأجنبية الغازية، وافتكاك بعض الثغور كقوله :
تزلزل أهل الشرك منها وأذعنوا 
            وعم على آفاق أجناسهم قهر
وصاروا عبيدا من مهابة بأسها
            ولم ينجهم في الأرض بر ولا بحر
يؤذون بالإذلال والهون جزية
            يقون بها الأنفاس فهي لها عمر
وكقوله :
كما حاق بالمهدومة الخير جهرة
            وحل بها من سوء أفعالها خسر
تصدى لها فخر الملوك بغزوة 
            تزعزع منها الجو والبر والبحر
إلى أن يقول :
فيالك من عز تكامل سعده
            ويالك من فتح به سمح الدهر
وفي عرضه لمناقب السلطان يقول :
وعادت رياض الفتح عابقة الشذا
            تغرد من أفنان أدواحها الطير
وشدت ذرا الآداب فاعتز أهله
            وصار لهم في كل شاسعة فخر

أبو العباس أحمد بن الرضى بن عثمان المكناسي
كان من أبرز كتاب السلطان سيدي محمد بن عبد الله، كما كان من بين العلماء الذين انتدبهم للقيام بتدريس العلم في مساجد مراكش، وصفه سليمان الحوات بالأديب البليغ الهمام، وذكره الزياني من جملة (الحضرة السلطانية المحمدية) ووصفه بالمشاركة، وقال عنه صاحب الاتحاف "نابغة زمانه، علامة مشارك، محدث نقاد، فصيح، بليغ، ذو ملكة واقتدار، ناظم ناثر الخ ... ثم يقول : "استكتبه السلطان الأعظم سيدي محمد بن عبد الله في بساط ملكه، وقدره قدره، وأسدل عليه أردية الإجلال والإكبار" وهو شخص آخر غير محمد ابن عثمان المكناسي صاحب الرحلات "إحراز المعلى والرقيب" و"البدر السافر بهداية المسافر الخ" و"الأكبر في فكاك الأسير" وهذا الأخير حققه الأستاذ محمد الفاسي وطبع على يده.
ولم أعثر بعد على تاريخ ولادته ولا تاريخ وفاته فيما اطلعت عليه من بعض المصادر التي تعرضت له، غير أننا نعلم من خلال ما كتبه الزياني أنه من قرنائه وقرناء الغزال الآنف الذكر، إلا أن صاحب الإتحاف(7) ذكر جملة من أساتذته هم : أبو حفص الفاسي المتوفى في شهر رجب عام 1188 دفين زاويته بمخفية فاس، والشيخ أبو عبد الله محمد التاودي بن سودة، وأبو عبد الله محمد بن الحسين بناني المتوفى سنة 1194.
شاعريته :
ومن خلال بعض القصائد التي ساقها له صاحب الإتحاف يتبين لنا مدى تمرس الرجل بالشعر، ورقة حاشيته. ومن ذلك قوله في التغزل :
وأشنب أبدى الحسن فيه بدائعا
            أزهارها تجلى على غصن القد
ترى العود أن جسته منه أنامل
            كفيداء قد تاهت فرقت في الوجد
على أنه مهما ترنم منشدا
أراك حلول الروح في الجسد الصلد
            فديتك بدرا في سما الحسن كاملا
به بين أرباب النهي وريت زندي
وقوله في الطبيعة :
لهفي على تلك العشايا التي
            قضيتها تحت وريف الظلال
ما بين أزهار زهت بالرذا
            ذ وبين أزهار جرت بالزلال
والورق في الأوراق راقصة
            وجامات الراح براح الغزال
قد أودعت في خده لونها
            وأثرت رقتها في الشمال
لازلت في سكر لواحظه
            فكيف أقوى سكر بنت الدوال
وكلما رمت اقتطاف جنى
            من وجنتيه رشقتني النبال
فإن رجعت القهقري لدغت
            عقارب الصدغين مني القذال
وإن أحم حول حمى ثغره
            تلسعني النحل، فضاق المجال
من منقذي من أسر طلعته
            من حاذري من حب بدر الكمال
رأيه في الشعر :
ذوو الذوق إن كانوا بروضهم مكثا
            بأجمعهم قالوا فجئت به بثا
إذا موهت أقلام ذي أدب فمن
            خشونة طبع المرء يستعمل الحثا
وليس كلام الشاعر بن بعمدة
            يحث على تحقيقه ذو النهى حثا
مغالطة حينا وحينا خطابة
            وحينا وحينا فهو لم يستدم مكثا
وقد عده أهل اللطافة وردة
            تشم فإن تضم تكسبها رثا
ويختم هذه القطعة ببيت لعله موجه إلى أحد المنتقدين لبعض قصائده وفيه هجو لاذع !
وفي رثاء شيخه أبي حفص الفاسي يقول من قصيدة طويلة :
            الدمع يروي عن فؤاد الأكمد
بمسلسل وبمرسل وبمسند
            ذفاجعل حديث الدمع عنك حجة
واطرح مقالة جاهل لم يرشد
            وأيك العلوم أصولها وفروعها
وأيك الدروس ولا تكن كالجلمد
            وأيك السماحة والصباحة والفصا
حة والبراعة والبراعة تهتدي
            عظم المصاب بفقد من ساد الألى
قد أحرزوا رتب العلا والسؤدد
            بحر المعارف والعوارف والهدى
كهف المريد السالك المسترشد
            نور العلوم وتاجها وبهاؤها
وضياؤها قطب الشيوخ الرشد
            عمر أخو التحقيق والتدقيق والتحـ
ـرير سبط العارفين الزهد
            من معشر فوق السماك منارهم
            شم الأنوف من الطراز الجيد

وقال من قصيدة في مدح السلطان سيدي محمد بن عبد الله :
غرام لا يحبط به بيان
            وشوق ليس يشرحه لسان
وقلب لا يزايله اضطراب
            عظيم كيف يمسكه العنان
لحا الله المتيم لا يبالي
            بما يلقى وان عظم الهوان
أطارحه الهوى آثار قوم
            عليها الحصر يقصر والبيان
تقروا مسلكا صعبا تساوى
            به البطل المسود والجبان
ولكن لو لناظرهم تبدى
            سنا الملك المؤيد ما استكانوا
مليك في بسيط الحسن شدب
            مناطقها لغته ألحان
وقبلهم رأينا الشمس تعنو
            له وبذا لعمرك ما تهان
تقبل أخمصيه لدى شروق
            وإن غربت كما شهد العيان

وفي العتاب نعثر له على هذه الأبيات الرقيقة :
أحبتنا حتى الحروف تحرمت
            وحتى براع السلم قد حارب الحبرا
فأصبح معمور الرسائل منكم
            مهامه لا تنفك موحشة قفرا
وعذبتمونا بالجفا دون زلة
            كانا جنينا الود في دينكم وزرا
وخاطب شيخه أبا عبد الله محمد بن الحسن بناني قائلا :
أبدرا لاح بين الشهب بدرا
            فنارت منه نيرة النفوس
وبحرا خاض بحر العلم حتى الثـ
            ـنى بالجوهر الصدفي النفيس
إلى أن يقول :
وبرد غلة الصادي بأحلى 
            مذاقا من معتقة الكؤوس
بقيت لفك مشكل كل فن 
            ففتحك في المجالس والطروس
ولا تنفك بين الناس تاجا
            أبا عبد الله على الرؤوس
ولا تزال في حياة هذا الأديب جوانب هامة تحتاج إلى أضواء كاشفة توضح تاريخ ولادته وحياته وتاريخ وفاته، وتآليفه التي لا نشك لحظة واحدة في أنها هامة بالنظر إلى قيمة الرجل العلمية والأدبية.
وفي فرصة أخرى سنتعرض بحول الله للأديبين الوزير محمد بن إدريس العمراني، وأبي عبد الله محمد بن أحمد أكنسوس.


(1) – الزاوية الدلائية للأستاذ محمد حجي ص 75.
(2) -  طبعت تلك المحاضرات في كتاب يحمل اسم "أحاديث عن الأدب المغربي الحديث" صادر عن معهد الدراسات العربية التابع للجامعة العربية ص 9
(3) – الإتحاف ج 3 ص 185.
(4) -  منها الوزير محمد بن ادريس" و "اكنسوس"
(5) – الزاوية الفاسية بالقلقليين بفاس. سلوة الأنفاس ج 1 ص 331.
(6)   الاتحاف ج 3 ص 342.
(7) – الإتحاف ج 1 ص 354.

 

 

 

 

 

 

 


 


 
 
           

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here