islamaumaroc

زيارة الوفد المغربي للاتحاد السوفياتي -4-

  دعوة الحق

115 العدد

وافينا مدينة سمرقند، والشمس مالت إلى الغروب، كغادة جنحت إلى الإغفاء، بعد عناء سفر طويل ومفيد من مدينة طشقند، فوجدنا في استقبالنا عند مدخلها أعيانها وعليتها، والهيئة العلمية بها، وهم يتهللون شوقا للقانا وقدومنا.
وأن النفس لترتاح إلى جو هذه المدينة المنعش، وهوائها العليل، ومائها العذب القراح، وتتفتح لأخلاق أهلها الذين تقرأ على وجوههم آيات العناية واللطف، وتتوسم فيهم إمارات الرضى والظرف.
وقد ازدانت شوارعها الفسيحة بغراسة الأشجار ذات الأفنان الناضرة، والورود والرياحين ذات العرف والشذى، مما جعلها، بحق، كعبة السواح، وقبلة الوافدين، ومزار العشاق الفنون والآثار ينسلون إليها من كل حدب وصوب يبتغون عافية ومتاعا، ويقفون على ما خلفته  يد الإنسان الصناع ..
إن مدينة سمرقند تعتبر من أجمل المدن التاريخية بآسيا الوسطى، أنها تبدوا من فوق ربوة « افرسياب» للمساجد والمآذن والمدارس متألقة تحت أشعة المتوهجة ..
ومن وراء القبب السامقة التي تفضي النجوم إليها بأسرارها، والقناطر العتيقة والحديثة تتفرع شوارع فسيحة رحبة، ذات ابنية فخمة ضخمة، وعمارات شرقية كثيرة الطوابق كالجامعة، ومعاهد التربية، التي تشهد لسمرقند الحديثة الجديدة بالعظمة والانفتاح ..
لقد كتب أحد الشعراء عن مسجد « بيبي خانوم» الذي خلفه الفنانون القدماء ليثير دهش الفنانين المعاصرين، وينتزع منهم التقدير والإعجاب، هذه الأبيات :
« لولا السماء ..
لما رأيت القبة لها مثيلا ..
وأن السماء .. نفسها صورة عن قبة هذا المسجد الجميلة.
ولولا درب التبان ...
لما رأت القبة لها مثيلا ..
فإن هذا الدرب يأتي بعدها بالجمال. »
إنها مدينة سمرقند ذات الحضارة القديمة العريقة، والتاريخ بالأمجاد والبطولات، والتي تحتفل في هذه السنة بيوبيلها 2500 عام على تأسيسها.
ولقد تحولت هذه المدينة في العقود الأخيرة إلى مراكز صناعية حديثة عصرية حيث توجد معامل لبناء الآلات، وشركات ضخمة للأسمدة المعدنية، وأخرى للحرير الملون، كما تحتوي مدينة سمرقند اليوم على أكثر من مائة مدرسة ...
ولم تشتهر سمرقند بنصبها التذكارية الرائعة، ذات الرسوم الدقيقة والأصباغ الحية، والمادة العجيبة فقط، بل إنها تفتخر أيضا بعلمائها الأفذاذ، وأبطالها الأشاوس، ومجاهديها الوفياء الذين فتحوا عذارى الممالك، وابتسلوا نفوسهم للموت، ورفعوا رؤوسهم للحياة، فسجلهم التاريخ على صفحات الخلود.
وقد حفظ لنا التاريخ كثيرا من أعلامها، نذكر من بينهم : علاء الدين السمرقندي صاحب « تحفة الفقهاء»، والذي تثقفت عليه ابنته فاطمة فكانت الفتوى تخرج وعليها خط فاطمة وخط أبيها، وأبا القائم إسحاق بن محمد السمرقندي الماتريدي مؤلف كتاب «السواد الاعظم» و المتوفي سنة 342هـ .و شمس الدين محمد السمرقندي الفيلسوف الأديب الذي الف نحو 1291«رسالة في اداب البحت المعروفة باداب السمرقندي و هي  من أشهر الكتب في هذا الفن و مؤلف كتاب «قسطاس الميزان »في المنطق توفي سنة 1203هـ.و أبا محمد عبد الله بن عبد الرحمن التميمي المعروف بالدارمي صاحب كتاب «السنن في الأحاديث »المتوفى سنة 255هـ.و نجيب الدين الطبيب الشهير الذي كان من أهل القرن السابع ، و معاصرا لفخر الدين الرازي و الذي مات مقتولا في هراة اما دخلها التتر، له «الاسباب و العلامات في الطب »جمع فيه العلل و أنواع معالجتها، وعبد الرزاق الكاشي السمرقندي مؤلف معجم في مصطلح الصوفية المتوفي سنة 887هـ. و أبا سعيد عبد الله بن محمد المؤرخ الذي عاش إبان القرن الثالث الهجري و نزح إلى سمرقند و صنف عنها تاريخا حافلا،  وأبا الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي الحنفي المشهور بامام الهدى و صاحب بحر العلوم و المتوفي سنة 373.
                                                         ***
وفي ساحة ريكستان الكبيرة الواسعة التي تقع في صدر مدينة سمرقند تقف جماعات من السواح الوافدين الى هذه المدينة من انحاء العالم، واطراف المعمور و هم يملاؤن خيالهم، بالتامل الحالم، و ذهنهم بالتفكير الرفيع، مشدوهين واجمين ومعجبين باطلال هذه المدينة و رسومها و التي كانت في القديم من اعظم المدن التي يمر بها «طريق الحرير »و الممر الرئيسي الذي كانت تتسرب اليه الديانات والفنون الجميلة، والتجارة الرابحة، كما يقراون عن مسلميها الذين عرفوا بانهم اصلب الناس عودا، و اشدهم تعصبا، و اكثرهم استمساكا بالتقاليد و وسائل المعيشة الخاصة بهم. فقد عاشوا سادة قادة طوال عشرة قرون، فلم يرضخوا للذل، ولم يستكينوا للعبودية،و لم ينصاعوا لاوامر الاجنبي الفاجر الواغل العنيد.
و قد ظلت مدينة سمرقند بماضيها المجيد، وتاريخها الحافل، محتفظة بطابعها الاسلامي الأصيل تطغى على كل جديد مستحدث، وعاصمة لامبراطورية المغول في عهد « تيمورلنك»، ومركزا هاما من مراكز العلوم والفنون الإسلامية .. إلى أن نقلت هذه العاصمة ..! ومع ذلك فما برحت مدينة سمرقند الشرقية القديمة، الإسلامية الصميمة، تفرض طابعها الأصيل، وفنها الرائع وتخلع على وجودها وضاءة الحسن، وعلى حياة أهلها رونق السعادة.
                                                  ****
فتح المسلمون مدينة سمرقند بقيادة البطل العربي المسلم سعيد بن عثمان، وذلك في عهد الأمويين، ثم فتحها عنوة بعد ذلك قتيبة بن مسلم ابن عمر بن الحطى الباهلي سنة 88 هـ. وذلك في عهد الوليد بن عبد الملك المتوفى سنة 96هـ..
وقد روى أبو عبيدة معمرو بن المثنى روايتين في سبب غزو قتيبة لمدينة سمرقند، ولم يرجع واحدة منهما عن الأخرى :
فالرواية الأولى تقول : ان أهل سمرقند غدروا بالمسلمين، وأجلوهم عنها، فرد قتيبة على صنعهم هذا بالتوجه إليهم بجيش كبير فتح به بلدهم، وترك بها حامية كبيرة منه حتى لا يعاودوا الغدر بالمسلمين.
ورواية ثانية تقول : أن سعيد بن عثمان فتحها صلحا، على مال يؤدونه للخليفة، فلما مات، وخلفه قتيبة بن مسلم في قيادة الجيوش الفاتحة لأرض خراسان، استقل هذا المال الذي يدفعونه، وفتح بلادهم عنوة، دون أن يخطرهم بنقض العهد السابق، وايدانهم بالحرب !!.
والمؤرخون المحدثون يرجحون الرواية الثانية لأن منطق الأحداث يؤكد رجحانها.
ذلك أن قتيبة لما استقل المال الذي يدفعه أهل سمرقند فتح مدينتهم غيلة وغدرا، فضح سكان المدينة، وجاروا بالشكوى، وقبلوا هذا الفتح على مضض خشية أن ينكل بهم، وتعرض حياتهم للدمار والهلاك، وأرزاقهم للتلف والضياع، لكنهم تنفسوا الصعداء لما آلت الخلافة إلى الملك العادل سيدنا عمر ابن عبد العزيز في عام  99 الذي عرف عهده بالإنصاف والعدل، والقسطاس المستقيم مما هو معروف، ومسجل في صفحات التاريخ المشرقة الناصعة.
ولا يفوتنا في هذه المناسبة قصة رائعة في القضاء الإسلامي العادل لدى فتح المسلمين لمدينة سمرقند كان لها صدى بعيد في دار الخلافة، ودوي هائل في نفوس المسلمين، ودرس بليغ في تلقين العرب المسلمين لغيرهم كيف يكون الاستعمار النظيف يحمل في طياته حضارة ونضارة، وعدلا وانصافا، وعلما وتثقيفا. وقد حلل هذه القصة الدكتور أحمد عبد المنعم البهي الاستاذ بكلية الشريعة بالجامع الأزهر في مقال قيم كان قد نشره في مجلة العربي الزاهرة حيث قال :
« لما بلغ أهل سمرقند عن عمر بن عبد العزيز ما ملأ أطراف الدولة وجوانبها من الحديث عن عدله ونصرته للحق، ووفائه وبغضه للظلم، أنابوا عنهم وفدا يلقى الخليفة، يشكو له من قتيبة معهم.
ولقي الخليفة وقدهم، فعرضوا الأمر عليه وقالوا فيما قالوا له: إن قتيبة غذر بنا ظلما، وأخذ بلادنا، والأمر إليك لترفع عنا ما نزل بنا على يديه.
وتناول الخليفة فرطاسا وقلما، وكتب إلى سليمان أبي السرح، عامله على سمرقند، كتابا قال فيه : « إن أهل سمرقند شكوا ظلما أصابهم وتحاملا من قتيبة عليهم، فإذا أتاك كتابي هذا فاجلس لهم قاضيا يقضي بالحق في هذه الظلامة .. »
وعاد وفدهم بكتاب الخليفة إلى عامله، فأحال قضيتهم إلى القاضي جميع بن حاضر الناجي قاضي سمرقند، فاستمع إلى ظلامتهم، واستدعى شهودهم عليها، ثم استدعى شهودا من الجيش الذي حضر الموقعة مع قتيبة فشهدوا بالحق، شهدوا أن قتيبة لم ينبذ إليهم عهدهم، بل فاجأهم بفتح بلادهم عنوة.
وعندما وضح هذا أمام القاضي أصدر حكمه في هذه القضية صريحا لا غموض فيه ولا التواء، مجلجلا ناطقا بعدالة الاسلام وسماحته ..
قال القاضي : « على الجيش الإسلامي الذي فتح سمرقند بقيادة قتيبة أن يتأهب للخروج منها فورا، وكذلك يخرج منها المسلمون الذين دخلوها بعد الفتح وبعد أن يتم هذا ينابذ الجيش أهل سمرقند على سواء، فأما صلح ان أرادوا، وأما حرب إذا لم يختاروا الصلح.»
هذا هو الحكم الذي أصدره القاضي وقد كان له رجة في أنحاء سمرقند إذ ما كان يتصور أحد أن تعاليم الإسلام تمضي على هذا النحو، وتعطي الحق للقاضي أن يأمر الجيش بالخروج من بلد فتحه واستقر فيه.
واسرع الوالي يخطر الخليفة بالحكم، ويطلب مشورته، فجاء الرد بتنفيذ حكم القاضي بحذافيره، وعنذئذ أصدر أمره إلى الجيش بالتأهب للرحيل، وإلى المسلمين المدنيين بمغادرة سمرقند.
وبينما هذا يجري على قدم وساق، والجيش يجمع أسلحته وأمتعته، ويفك مخيماته، وبينما المسلمون المقيمون بالمدينة يودعون أهل سمرقند، ويحزمون أمتعتهم، ويعلنون بيع أملاكهم فيها، وإذا بمفاجأة تجد لم تكن بالحسبان ... فقد جاء وفد يمثل أهل سمرقند إلى الوالي، وأبلغوه أنهم تشاوروا فيما بينهم بعد هذا الحكم الذي ما دار بخلدهم لحظة واحدة أن تعاليم الإسلام لا تضيق بمثله، وأنهم ما كانوا يتوقعون أن هناك قاضيا يجرؤ على مطالبة الجيش الفاتح بالجلاء عن بلد فتحه، وانهم ما كانوا يتصورون أن القاضي سيهمل في هذه القضية عصيبة لقومه، وأنهم استبعدوا أن يأمر الخليفة بتنفيذ الحكم كما صدر مع انصياع الجميع له، أمام هذا، وأمام حسن المعاملة التي وجدوها من اخوانهم المسلمين بالبلد حال إقامتهم بما لا يسعهم إلا أن يعلنوا عن تنازلهم عن حقهم والمطالبة ببقاء الحال على ما هو عليه، لآنهم لن يخشوا بعد اليوم غدرا أو ضرا ينالهم، وقد أمر الجيش بالبقاء، وأمر المسلمون بعدم الخروج» واسلم عدد كبير من أهل سمرقند، وانضووا تحت لواء الاسلام.
وبعد الحروب الصليبية، كانت قبائل المغول تجتمع كلمتها حول جينكيزخان الذي أعلن نفسه امبراطورا عليها، واجتاح الصين، ثم اتجه غربا، فدخل أرض الإسلام، وغزا خوارزم، وقتل من جيشها 160 ألف جندي، ثم دخل بخاري واحرقها، وسبى وسلب، ونهب منها ما شاء له طغيانه، ثم استمر في تقدمه نحو الغرب، فقاومته نيسابور : فكان جزاء أهلها الذبح والقتل حتى بلغ غايته المحتومة، فخلفه ابنه، فاتجه غربا، واكتسح روسيا، وجعلها ولاية مغولية في عام 633 هـ وكذا استولى على بولندا والمجر، ولكن المغول انسحبوا من أوروبا عندما حدث نزاع على العرش ... وأخيرا استولى مانجو 
على مقدرات المغول عام 649 هـ. فولى أخا له على الصين، وسير أخاه الثاني « هولاكو» ليغزو غرب آسيا، فدخل بغداد وهدمها، وقضى على الدولة الإسلامية، ووصل فلسطين، ولكنه هزم على أيدي الممالك عام 658هـ.
وبعد هذه الهزيمة النكراء، توقفت فتوحات المغول، وتناثروا بددا، وتطايروا قددا، وتفرقوا طرائق، وتجزات دولتهم إلى أجزاء يحكم كلا منها خان مستقل، واعتنق ديانة المنطقة التي يحكمها، فاعتنق حكام شرق آسيا البوذية، ودخل خانات غرب آسيا واواسطها في الإسلام ..
قام تيمور بتزعم التتار الذين ثاروا على حكامهم المغول، وكان أبوه « طرغاي» حفيد جينكيزخان شيخا تقيا ورعا عرف بالزهد والورع والتقوى .. وكان تيمور نفسه يداوم على قراءة القرآن، ويحافظ على الصلاة، حيث كان يصلي دائما في المسجد، واثناء الغزوات يصلي في مسجد متنقل من الخشب ..
وقد استطاع تيمور أن يوسع رقعة دولته حتى غدت سمرقند عاصمة التنار تتبعها أقاليم واسعة .. وورث التتار إمبراطورية المغول الشاسعة بعد حروب طاحنة، ومناورات عظيمة، واحتفظ تيمور لنفسه بلقب أمير ..
ومنذ عام 771 هـ بدا سلسلة جديدة من الفتوحات كان لها صدى بعيد ولم تتوقف إلا بوفاته، فاستولى على مدينة بلخ وخوارزم وبذلك وطد سلطانه في آسيا الوسطى.
ثم اتجهت موجة الغزو التيموري بعد فتح العراق صوب الشمال فاستولى على الجزيرة بعد أن فتح تكريت وماردين وآمد عام 790 هـ كما استولى على تبريز وأوصفهان وشيراز، ثم أنه اخترق القوقاز، وواصل السير شمالا حتى بلغ موسمو عام 798، واحتلها عاما ..
وفي عام 800 بدأت غزواته الناجحة و ملاته الظافرة على الهند، فعبر نهر السند، وانتهت انتصاراته بالاستيلاء على دلهي في العام الثالث بعد ان هزم جيوش السلطان محمود الثالث.
وبعد غيبة مديدة، وجولات موفقة عاد تيمور إلى عاصمته سمرقند في عام 807 هـ ليستعد لفتح الصين، ولكنه لم يلبث ان مرض وتوفي في الطريق اليها حيث دفن بضريحه التذكاري العظيم.
وهكذا تغلب تيمور على خصومه، واخضع آسيا الوسطى فذلل اعرافها، والان اعطافها، ثم توجه إلى ايران، وما وراء القوقاز، كما نهض بحملات عسكرية إلى آسيا الصغرى والهند، ثم جعل عاصمة دولته مدينة سمرقند ذات التاريخ العريق في العلم والحضارة، فقام ببنائها، واعادة تخطيطها بصورة نشيطة، فانبعثت الحضارة من مجامعها ومنابرها، وانبتقت الهداية من جوامعها ومنابرها.
ونتيجة للحروب الضارية التي خاضها تيمور ضد اعدائه، والفتن التي وجدها، والمراوغة التي لاحظها من الأمراء، والمصائب والكوارث التي حلت به، والنوازل التي آلت بأسرته، ومصرع ابنائه واحفاده في القتال، ان اعتاد تيمور على سفك الدماء، وأصبحت صفة تلازمه، حتى يروي أنه كان يقيم من الجماجم اهراما، وغدا لا بروي حقده الا رؤية الدماء، ولا يشفي صدره إلا القتل.
                                                      ****
وقد كان لشعوب آسيا الوسطى، قبل الفتح العربي وانتشار الإسلام تقاليد راسخة معمارية، وحضارة عريقة قديمة، وفد مكنت هذه التقاليد من مواصلة تطور فن المعمار الذي قطعه الفتح العربي، وساعدت الأوضاع السياسية والاقتصادية الملائمة ذلك التطور.
وكان انتشار الإسلام بين شعوب آسيا الوسطى سببا لبناء هذه المنشآت التي أصبحت بنايات ضخمة اساسية في المدن، وقد تطور فن المعمارات الضخمة خلال فترة طويلة على صلة بانشاء بنايات دينية بالدرجة الأولى، وكانت هذه البنايات تقع في أهم مراكز المدينة، وتكسبها مظهرها، كما أدى نمو المدن الاقتصادي وأهميتها إلى وجود مستويات فنية رفيعة
وقد وصف السواح أكبر المدن بآسيا الوسطى بأنها مدن غاصة بالسكان، واسواقها زاخرة بالنشاط وحرفها متطورة، وبناياتها جميلة ...
تلك فذلكة تاريخية، لابد من تقديمهما بين يدي نجوى القارئ الكريم، عن تاريخ دخول الإسلام إلى مدينة سمرقند، وحياة تيمور الذي ترك آثارا خالدة بهذه المدينة .. ومن أعظم تلك الآثار واجلها مجموعة « شاه زنده » التي يجد فيها المرء جمالا وجلالا وروعة وأصبحت في عهده مكانا لدفن آل تيمور، وكبار موظفيه، وهي تعتبر من أجمل المجموعات المعمارية في آسيا الوسطى. ولقد زرنا هذه المجموعة الجنوبية وهي تتألف من ضريح « تركان آقا، وضريح «طوغلوغ تكين»، وضريح «شيرين بيكة آقا، وضريح «امير زاده» كما تتألف مجموعة في الدرب العلوي، ضمن هذه المجموعة، من عدد كبير من الاضرحة يوجد من بينها ضريح سيدنا قثم بن العباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي ناشر دين الإسلام في سمرقند وما وراء النهر والذي كان قد خرج إليها مع سعيد بن عثمان بن عفان زمن معاوية فاستشهد بها، وقد كان، قبل، واليا لعلي ابن أبي طالب على مكة لما عزل خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي عن مكة، فلم يزل واليا عليها حتى قتل علي ...
ومن العسير جدا أن يبلغ المرء في تقدير القيمة الفنية التي تتصف بها المنحنيات المزخرفة في مجموعة «شاه زنده»، فقد يستولي على المرء شعور بالهدوء والسكينة، فيجد نفسه مسبوهة مشدوهة، موزعة بين سمو الفن، وعظمة الفنان، ويحل ذلك محل الشعور بالجمال المدهش للزخارف المعمارية للمراقد والاضرحة ..
وأثناء إقامتنا بهذه بهذه المدينة الساحرة زرنا مدرسة «اولوغ بك» التي أصبحت، الآن، واجهتها تختلف عن الواجهة الرئيسية عما كانت عليه في البدء وذلك بعد فقدان الطابق الثاني، وانهيار القبب – بفعل عوامل الطبيعة – على قاعات الأركان، والمئذنتين من المآذن الأربع.
وقد رأينا إحدى هذه الصوامع تميل إلى السقوط، وتتداعى أركانها من القواعد، فقد أصبحت سيئة، لكن المهندس المعماري السيد «أمانييل هانديل» وضع تخطيطا لتقويم الصومعة، وإنقاذها من السقوط، فقد سبق لنفس المهندس أن اشتهر بإصلاح وتقويم كثير من البنايات المتداعية ..
ويوجد بجانب هذه المدرسة مرصد فلكي رائع يمثل أعظم ما وصل إليه علم الهيئة والفلك والأرصاد في العصور الوسطى لهذه المدينة .. وما لعلمائها من القدم الفارعة في جميع الميادين
وقد أقام هذا المرصد، الذي اشتهرت به سمرقند أجيالا طويلة، «أولوغ بك» أحد أمراء الدولة التيمورية الذي تميز عصره بالعلم، وتوفر على الدراسات الدينية والتاريخية والأدبية والعلمية، وشارك فيها بالبحوث والتحقيقات والتأليف، فضلا عن تشجيع الحركة الأدبية والعلمية.
وقد نسب إلى « أولوغ بك» وضع مؤلف في الفلك عرف بالزيج السلطاني.

أمام مرقد الإمام البخاري:
وكان يحدونا شوق عنيف. ونحن نقطع جهوريات الاتحاد السوفياتي الحافلة بعلماء الإسلام وقاداته، لزيارة ضريح الإمام البخاري أمير المحدثين، وصاحب الجامع الصحيح، وناشر العلم والعرفان في تلك الربوع التي كانت مليئة برجال العلم، وغاصة بالمجاهدين الذين جاهدوا في الله حق جهاده ..
ويقع ضريح الإمام البخاري خارج مدينة سمرقند في قرية تبعد عنها بنحو 20 كلم كانت تسمى في وقته بخرتنك، وببابه استقبلنا جمع غفير من المومنين المرابطين بهذا المزار في مقدمتهم أمام المسجد وبيده باقات من الرياحين والورود ..
لقد أحيط هذا الضريح بسور مرتفع يحجبه عن المارة بقارعة الطريق، كما بني بجواره مسجد لاداء الصلوات تحفه أشجار باسقة ودوح متلاصقة تقي لفحة الرمضاء ..
وقفنا أمام ضريح الإمام البخاري مترحمين معتبرين، داعين الله أن يكشف عن  المسلمين ما لحقهم من ضر، وينصر الإسلام، ويحصنه من عاديات الزمان، ويوفق الأمة المغربية والعربية والإسلام لما يرشدها ويهديها إلى السبيل القويم.
ولقد مرت لحظات لطاف بيننا وبين السيد ضياء الدين بباخانوف وعلماء القرية، تجلى فيها نور هذا الإمام الذي خدم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحيا ما اندرس من العلم، وانطمس، في هذه الأرض الطيبة العاطرة المعطاء ..
وقد نزلنا دوحة شجرة غناء، عالية سامقة، تأرها في السماء، لها خمسمائة عام، قد أرخت افنانها واحتضنتنا، وحنت علينا حنو الوالدات على الفطيم، فشربنا – تحت ظلالها – كؤوس الشاي، بجوار الضريح، في جلسة تعد فلتة من العمر، وقد تدفقت في قلوبنا أحاسيس شتى من الغبطة واللذة ونحن نعطر جوها بتاريخ هذا الامام العظيم ..
ومن اللطائف، أن السيد المفتي ذكر لنا بأن الشاي الذي نشربه من مدينة سمرقند، والماء الذي هيء به المشروب من بخارى « بكسر الراء هكذا بنطقون بها» فارتجل الأستاذ السيد عبد الرحمن الدكالي على التو واللحظة هذين البيتين :
الشاي شاي سمرقند
            والماء ماء بخارى
واليوم يوم ممجد
             مع الإمام البخاري
لماذا لم يدفن الإمام البخاري بمدينة بخارى؟
يحدثنا التاريخ بأن الإمام أبا عبد الله البخاري رجع إلى مدينة بخارى بعد غيبة طويلة، زار أثناءها بلخ، ومرو، ونيسابور، والري من بلاد المشرق، ثم انتقل إلى العراق، وسمع وحدث بالبصرة والكوفة وبغداد، ثم سار إلى الحجاز حاجا، وسمع وحدث في مكة والمدينة، وطاف الشام، ونزل بدمشق، وقيسارية، وعسقلان، وحمص، وانتهى به المطاف غربا إلى القاهرة، وذاع صيته، واشتهر أمره، وكان يجتمع حوله خلق كثير من طالبي الحديث والحفاظ في كل بلد ينزل به، ثم عاد رحمه الله القباب على فرسخ من البلد، واستقبله أهلها حتى لم يبق مذكور، ونثر عليهم الدراهيم والدنانير فبقى مدة ثم وقع بينه وبين الأمير، فأمره بالخروج من بخارى فخرج إلى بيكيند ..
وخلاصة ما وقع أن الأمير خالد بن أحمد الذهلي وإلى بخارى بعث إلى الإمام محمد بن اسماعيل البخاري أن يحمل إليه كتاب الجامع والتاريخ ليسمع منه.
قال محمد البخاري لرسوله : قل له : « إني لا أذل العلم، ولا أحمله إلى أبواب السلاطين ولا يسعني أن أخص بالسماع قوما دون آخرين، فإن كانت له حاجة إلى شيء، فليحضرني في مسجدي أو في داري، فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان، فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة، أني لا أكتم العلم، فكان سبب الوحشة بينهما.
فاستعان خالد بحريث بن أبي الورقاء وغيره من أهل بخارى حتى تكلموا في مذهبه، فنفاه عن البلد.
قالوا: فدعا عليهم بقوله :
« اللهم ارهم ما قصدوني به في أنفسهم وأولادهم وأهاليهم.» فلم يأت عليه الا أقل من شهر حتى ورد أمر الظاهرية بأن ينادى عليه، فنودي عليه وهو على أتان، واشخص على اكاف، ثم صار عاقبة أمره إلى الذل والحبس، واما حريث بن أبي الورقاء، فإنه ابتلى في أهله، فرآى فيها ما يجل عن الوصف! ...
فخرج البخاري إلى خرتنك، وهي قرية من قرى سمرقند، كان له بها أقرباء، فنزل عند غالب ابن جبريل.
قال عبد القدوس ابن عبد الجبار سمعت البخاري ليلة من الليالي، وقد فرغ من صلاة الليل يقول في دعائه :
« اللهم قد ضاقت علي الأرض بما رحبت فاقبضني إليك»
قال : « فما تم الشهر حتى قبضه الله »
قال غالب بن جبريل : « إن الإمام البخاري أقام أياما بخرتنك، فمرض حتى وجه إليه الرسول من أهل سمرقند يلتمسون منه الخروج إليهم، فأجاب وتهيأ للركوب، ولبس خفيه، وتعمم، فلما مشى قدر عشرين خطوة أو نحوها إلى الدابة ليركبها، وأنا آخذ بعضده، قال : أرسلوني، فقد ضعفت، فأرسلناه، فدعا بدعوات، ثم اضطجع، فقضى، ثم سال منه عرق كثير ... »

في جامعة سمرقند :
وقبل أن نزور جامعة سمرقند توجهنا إلى جامع «الخواجة احرار» الذي يعد من المساجد العتيقة ذات الأثر الخالد لهذه المدينة فوجدناه غاصا بمآت المصلين، وطلبة العلم، وفضلاء المدينة، وقد انسنا بحديثهم، وتعلقهم بمبادئ الدين، وتطلعهم لاخبار وأحوال المسلمين، وبعد ذلك قصدنا جامعة سمرقند التي تقع في حي جميل وفسيح تحيط به الأشجار، وتتناثر على حافاته الورود والرياحين، وقد بدأت الدراسات فيها عام 1927، وتحمل اسم « جامعة علي شيرناوي» الذي تحدثنا عنه في عددنا السابق.
وكان في استقبالنا عميدها الأستاذ الكبير العالم الحازم، السيد واحد عبد الله يف فاظهر من العلم وسعة الاطلاع، وشمول المعرفة الواعية بشؤون الثقافة والتعليم، وقوة الحافظة، ورحابة الصدر، وجلال الوقار ما ترك السنة الوفد تلهج بالتقدير والثناء على علمه ولطفه، وقد قدم لنا أساتذة الجامعة الذين تخرجوا كلهم منها. وهم من الطبقة المثقفة التي انبثقت من صميم الشعب الاوزبكي، وظلت رغم ثقافتها المتينة، وثيقة الصلة بالجماهير المومنة.
لقد وجدنا هذه الجامعة تستعد للاحتفال بمرور سنة قرون على ولادة الشاعر الكبير مؤسس اللغة الأوزبكية السيد علي شيرناوي الذي طبعت آثاره الآن في عشر مجلدات باللغة الروسية، وبهذه المناسبة فقد وشح السيد العميد صدورنا بشارات تحمل اسم هذا الشاعر العظيم.
« في مدينة بخارى »

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here