islamaumaroc

ما وجهة الأدب العربي؟

  دعوة الحق

115 العدد

سؤال يجب أن نلقيه على أنفسنا في هذه المرحلة من تاريخ الأمة العربية. إذ أنها عرفت حدثا كبيرا هز وجدانها، وآثار ضميرها، وحرك كل قيمها ومعتقداتها، ووضعها وجها لوجه، أمام تحديات لا قدرة لها على تجاهلها أو الفرار منها. وكان من شأنه أن دفع قادة الفكر فيها إلى مراجعة الأسس الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، التي يقوم عليها المجتمع العربي في هذا العصر، وسط ما يحيطه من ظروف دولية قاسية شديدة الوطأة. بل أن منهم من استولى عليه التشاؤم، وانزلقت قدماه في هاوية ما لها من قرار، فرد فشل السياسة العربية والعسكرية العربية أمام التحدي الصهيوني، إلى التمسك بالتراث والدين بصفة خاصة.
وإذا كانت الأحداث الصغيرة مما يؤثر في التيارات الأدبية ويغير من طبيعة تحولها، فإن للأحداث الكبرى أثرها القوي الفعال، الذي يجعلها تقوم حدا فاصلا بين عهدين من عهود الفكر والأدب والحضارة بصفة عامة، كسقوط دولة وقيام أخرى، أو زوال إمبراطورية كبيرة، أو ظهور ديانة جديدة، أو هزيمة ساحقة أمام عدو دخيل، إلى غير ذلك من الأحداث التي تقف كمطالع للتواريخ، وفواصل كبيرة بين العصور. ذلك لأنها- أي تلك الأحداث- تبلغ من قوة التأثير على الأمة، إلى حد أنها تضع كل مبادئها وقيمها ومثلها العليا ومعتقداتها الدينية والوطنية والقومية موضع الامتحان، فاما الصمود والتحدي، وإما الانهيار والتفسخ.
وما كارثة الهزيمة الثانية أمام الصهيونية إلا احد تلك الأحداث الخطيرة في تاريخ الشعوب والمجتمعات، وسيكون  لها من الأثر في اتجاهات الأدب العربي المعاصر، ما سيجعلها فاصلة بين عهدين، أو بين عهود من تاريخه. بل أن ملامح ذلك الأثر قد بدأت تظهر بالفعل. فهذه الصيحات الساخطة الحالقة التي ترتفع من شتى آفاق البلاد العربية، إن هي إلا دليل على صدق ما تقول ومصداق له.
فسنؤرخ لأدب هذه المرحلة وما بعدها بهزيمتنا أمام العدو، كما تؤرخ بسقوط دولة بني أمية، أو انهيار الخلافة في الأندلس أو غير ذلك من الأحداث الكبرى في تاريخنا. وان كان مما يحز في النفس، أن تكون مرحلة من مراحل تطورنا الأدبي، مرتبطة بصفحة مخزية ملطخة بالعار من كتاب تاريخنا السياسي. وكم كنا نود أن تكون هذه المرحلة مقترنة بالانتصار العظيم المأمول على العدو الدخيل، حتى تكون أناشيد هذا النصر كفاء لمجد الأمة القديم، وعزها التليد. ولكن هو سوء الحظ المقرون بالتهاون والجهل وعدم البصر بما جريات الأمور، وصم هذه النقطة من تاريخنا بالعار والشنار.
وبعد، فما هي المميزات والخصائص التاريخية والسياسية والفكرية، التي أعطت هذه المرحلة من تاريخنا القومي تلك القيمة، ووهبتها الخطورة التي تكتسيها؟ في رأيي أن في طليعة تلك الخصائص والمميزات، كونها جاءت معبرة عن مدى الضعف الذي تعانيه أمتنا العربية في مجالات الفكر والسياسة والاقتصاد والاجتماع، وزاد هذا الضعف بشاعة وخطورة أنه يقف بجانب قوة وقحة مسلحة بكل أسلحة العلم والتقنية، وكل معطيات الحضارة الحديثة. ويقع هذا في ظروف عالمية فقد فيها العالم كل المقاييس الخلقية، وصار يحتكم إلى القوة في حل المشاكل والأزمات الدولية، متخذا منها الفيصل فيها، حتى أوشك العالم على اعتقاد أن الحق هو في جانب القوة وحدها، وان الضعيف لا حق له في شيء، حتى في حقوقه الطبيعية، وأشدها مساسا بمصيره، ووجوده على هذه الأرض.
ومن تلك الخصائص والمميزات التي تخص هذه المرحلة، أنها تتضمن أزمة حادة لعلها أن تكون من أشق وأخطر ما واجه الأمة العربية من أزمات في تاريخها الطويل. فقد تعرضت هذه الأمة لعدة تهديدات ومخاطر قاسية، غيرت من اتجاه تاريخها، وأمالت ميزاتها مرات عديدة. نال منها المغول، والفرس، والأتراك القدماء والمحدثون، وكذا المماليك والمستعمرون الإنجليز والطليان والفرنسيون، وقوض الأسبان جناحها الغربي في الأندلس، حيث طويت صفحتها هناك إلى الأبد، ولكن مع ذلك، فقد كانت مظاهر القومية العربية ومميزاتها غالبة، فرضت نفسها على كثير من الأجناس الدخيلة، وصمدت أمام الشعوب الاستعمارية، وكان الإنسان العربي يضطهد، ويلقى به في أنون المحن والشدائد، ولكن كان يفعل به ذلك كله فوق أرضه، وبين أهله وذويه. أما اليوم، فالقومية العربية تعيش أزمة من نوع جديد، هي أزمة البقاء أو الفناء، ذلك أن عدو اليوم يختلف عن عدو الأمس في كون هذا كان في الغالب يريد الحكم والسيادة واستغلال الثروات والإمكانيات، على حين أنذلك يريد استئصال الأصول الجنسية والقومية، ليزرع محلها جنسيته وقوميته. يريد سرقة الأوطان وإزالة كل أثر لسكانها الأصليين ومحو شخصيتهم، بل إبادتهم نهائيا وإلى الأبد، ليعيش وحده على الأرض المغتصبة. وهذا ما لم يخطر أبدا ببال فرس أو أتراك أو مغول او استعماريين محدثين في هذا الشكل، وبهذا التصميم. لذلك كان الكفاح في أيام الاستعمار الأجنبي كفاحا ضد الاستبداد والطغيان والاستغلال. أما اليوم، فهو كفاح من أجل ما هو اخطر من ذلك، من أجل حق البقاء، واستمرار التاريخ، وحياة الشخصية القومية لتصل إلى أبعد ما قدر لها من أحقاب وعصور.
ومن مميزات هذه المرحلة أنها أوقفتنا عراة أمام العالم بأسره، عراة بهزالنا وعاهاتنا وكل نقائصنا، من حيث أنا كنا نغطي ذلك بفخفختنا وتمويهاتنا وعنترياتنا، وهو موقف عرضنا للهوان، ومس كرامتنا في الصميم، وفرض علينا أن نجاهد لاسترجاع الكرامة والشرف السليب.
تلك في نظر هي أهم مميزات المرحلة التاريخية البشعة التي نجتازها الآن. والأدب الذي هو ترجمان الأمة ولسان حالها، والناطق باسمها لابد أن يعكس كل رواسب هذه المرحلة وأبعادها وملابساتها، لا بالطريقة السريعة التي يريدها البعض، وإنما بالطريقة التي تتناسب وطبيعة التطور الأدبي الخاضع لقوانين تاريخية لابد له أن يسير على مقتضاها. وإذا كان سقوط الدولة الأموية، أو قيام الدولة العباسية، أو هجوم المغرل على بغداد، أو غزو نابليون بمصر، مما يتخذ عند المؤرخين للأدب العربي- حسب النظرية الكلاسيكية- فواصل بين عهود من تاريخ هذا الأدب، فإن تعرض القومية العربية لخطر الصهيونية وخضوع أجزاء من الوطن العربي لسلطانها الجائر، لهو أقوى ما يمكن أن يفصل بين عهود من تاريخ الأدب العربي، نظرا لما يشكله غزو الصهيوني من خطر داهم على أمتنا، لم يسبق أن واجهنا مثله من قبل، إذا نحن استثنينا الغزو الصليبي في القرون الوسطى.
وإذا كانت ملامح التبدل قد بدأت تظهر على أدب ما بعد النكسة، فإنها لا تظهر لنا بذلك الوضوح الذي ستظهر به لمؤرخ الغد، نظرا لكوننا معاصرين لها، لا يفصلنا عنها ذلك البعد الزمني الذي يساعد على رؤية الأشياء في وضوح وشمول. على أن تلك الملامح نستطيع الإشارة إليها حسب ما تسمح به إمكانيات المعاصرة.
أولها أن الأدب العربي أصبح بعد النكسة الأخيرة لا يبكي ضياع فلسطين ولا يندب حظ أهلها السيء، وإنما أصبح يعمد إلى أسباب النكسة بطريقة موضوعية، ضاغطا على منبع الدمع كي لا يتبجس، متخليا عن الخطابة وأسلوب التهريج الذي كان يسير عليه إلى وقت قريب. وهذه ظاهرة تستحق الوقوف عنها لاستخلاص ما يكمن فيها مغزى عميق. ذلك أن التحول من الذاتية إلى الموضوعية في الحديث عن أخص شؤون الفرد والأمة، وتغليب جانب النشر العلمي الموضوعي على جانب الأسلوب الشعري، المعتمد على وقدة العاطفة وشطحات الخيال، ليس من الأمور العارضة، ولا من تلك التي تأتي عن طريق الصدفة وحدها. وإنما هو من الأمور المحتومة التي تأتي نتيجة لمقدماتها وأسبابها الأساسية . وليس أمرا شكليا يتعلق بطرق الأدباء وأسلوب العرض، وإنما هو أمر شديد الصلة بالتطور الفكري الجدري لأدباء الأمة ومفكريها، هؤلاء الذين هم بدورهم مرآبا لعقلية الأمة ونظرتها إلى مشاكلها والأشياء المحيطة بها. وليس معنى هذا أن الذاتية تخلت نهائيا عن موضعها للموضوعية الصرفة في هذا الأدب، فهذا بعيد عن التحقيق، بالنسبة لأمر يمس الإنسان العربي في آماله وطموحه وتطلعه إلى غد مشرق كريم. وإنما معناه أن الذاتية قد كفكفت من غلوائها، وتخلت عن غطرستها، معتدلة آخذة بالتهندم بهندام الموضوعية، ملتمسة التعبير عن نفسها بواسطتها. ولهذا فأنت عندما تقرأ ما يكتب الآن من بحوث مستفيظة عن الكارثة، تلمس العاطفة الثائرة مقيدة بقيود الموضوعية ملجمة بلجامها، حتى لكان الكاتب يشعر بعقله ويفكر بقلبه، فنجد الذاتية والموضوعية ممتزجتين في وفاق وتكافؤ.
ومن تلك المميزات أن الأدب العربي أصبح يعاني أزمة القيم، أو قل هو يعكسها كما تضطرب في المجتمع العربي والنفس العربية. ولهذا نرى عدة محاولات ترمي إلى مراجعة قيمنا التاريخية والحضارية والإعتقادية، على ضوء النكسة الأخيرة، وبالاستعانة بطرق العلم. وعملية مراجعة التراث لفحصه وبيان القيم الزائفة والقيم الخالدة التي يحتويها، هي في الحقيقة مراجعة للأسس التي تنبني عليها الشخصية القومية، ومعرفة مدى سلامتها من الطفيليات وأسباب الانحلال العالقة بها. ويفهم من هذا أن كثيرا من الشكوك صارت تراود عقول المفكرين العرب، حول القيم السائدة في المجتمع العربي والعقلية العربية بصفة أقوى مما كان في الماضي. وهي شكوك خطيرة لأنها تتصل بأقدس ما في حياتنا وشعورنا القوميين. ويزيد من شدة خطورتها كونها تصادف ما يشجعها في تقدم المدنية الغربية وبريقها الذي يبهر العيون. فإذا لم يكن الباحث العربي قوي الإيمان بشخصية أمته، مخلصا لها، متسلحا بأقوى أسلحة العلم، محصنا ضد عوامل الهدم المحيطة به، انزلق- دون شعور منه- إلا هاوية سحيقة، وأصبح يشكل عامل تخريب بالنسبة للجيل العربي الجديد، والأجيال الآتية، نظرا لما يتمتع به من مكانة فكرية واجتماعية، في بلاد تغلب على أهلها السطحية، وتطبعهم سرعة التصديق لما يلقى إليهم من أقوال.
ومن مميزات أدب هذه المرحلة أيضا أنه أصبح أدبا مستقبليا، أي تغلب عليه النظرة المتطلعة إلى الغد القريب أو البعيد، من حيث أنه كان قبلك  خاضعا خضوعا يكاد يكون تاما لوحي الماضي وإيحائه، فالمتتبع لما يصدر عن المطابع العربية من النكسة إلى اليوم يلاحظ وجود هذه الظاهرة في كل ألوان الإنتاج الأدبي، وهذا شيء طبيعي بالنسبة للظروف العربية الراهنة، ذلك أنها ظروف عصيبة تفرض فيما تفرضه، التفكير في الحلول الناجعة للازمة قصد الخروج منها بأقل ما يمكن من الخسائر. وغير خاف أن التفكير في المستقبل هو من جنس التفكير في الحاضر، لما بينهما من ارتباط متين، بحيث يتأثر كل منها بالآخر، ويعطيه ويأخذ منه، لذلك ترى الآن أشعة الفكر العربي تسلط على الواقع العربي لتشخيص أمراضه وعاهاته قصد تلافيها، والعمل على ابعادها عند وضع تخطيط للمستقبل، يكون مسالما من أخطاء الحاضر.
وكأني بالفكر العربي أخذ بعد هول النكبة يتخبط وسط طرق متقاطعة، لا يدري أي طريق يسلك، فبينما تراه متفائلا يومن بالنصر ويعتقد الهزيمة للعدو، ويحول سيئات الحاضر إلى حسنات، ويستمد من أسباب الضعف أسباب القوة، إذا بك تراه متشائما، يضاعف من سيئات الحاضر، ويصور المستقبل قاتما مليئا بالمصاعب، وهي تناقضات تسير ومنطق الضعف السياسي والعسكري والعلمي الذي يعيشه العرب اليوم.
ونتيجة لما تقدم فأدب هذه المرحلة تشيع فيه التفاهة من الوجهة الفنية الصرفة، فكأن بالأديب العربي في عجلة من أمره، إذ الأحداث لا تعطيه الفرصة، ولا تمكنه من أن يكون طويل البال فيما ينتجه من أدب. فالحقائق الصارخة تفرض نفسها عليه، وتلح عليه وتأخذه من جميع أقطاره، أو كأنما هو بدا يرى التأنق في الأساليب وصور البيان، ضربا من العبث في وقت جد فيه الجد، وانطلق فيه صوت المدفع ليسكت تغريد البلابل، ووسوسة الحلي في أطراف العذارى، أو كأني به في ذهول، وفي حيرة من أمره، لا يعرف كيف يصوغ أفكاره ومشاعره، فيؤديها كيفما اتفق، لاحظ تلك التفاهة في المجلات العربية على العموم، وقارن بين ما كان ينشر فيها من دراسات وبحوث قيمة شكلا وموضوعا، وما ينشر فيها اليوم، من إنتاج مفتقر إلى السمات الفنية المعهودة.
فأدب هذه المرحلة إذن هو أدب تطلع واعتراف، واعتدال في العواطف، وتفاؤل ممزوج بتشاؤم، كما انه في دهشة وحيرة وبحث عن الطريق. وكل هذه الصفات موجودة الآن في الواقع العربي، ومائلة في النفس العربية، وما الأدب إلا معبر عنها، ممثل لها.
ومع ذلك فالحاضر الأدبي لم يتخلص نهائيا من طوابع ما قبل النكسة، فما زال عندنا الشاعر الذي تقوم الدنيا من حوله وتقعد، وهو يناجي ليلاه، مستمرا في مغازلتها ومطارحتها رقيق الأحاديث، على نحو ما كان يفعل قبل النكسة، وما زال عندنا الكاتب الذي ينأى بنفسه وفنه عن غبار المعارك، ويعيش لفنه في بعد عن مشاكل الساعة. ولكن هؤلاء الأقلية إذا هم قيسوا إلى الأكثرية من أدباء الأمة العربية ومفكريها.
والآن ألا نستطيع أن نستشف وجهة الأدب العربي الحديث على ضوء حاضره ومميزاته الحالية؟
الواقع أن ذلك أمر محفوف بالمزالق لأمور أهمها : أننا لا نرى الحاضر الأدبي رؤية واضحة تظهر معها جميع الخصائص والسمات، لأن المعاصر حجاب كما يقولون، وأن تاريخنا السياسي المعاصر لم يصل بعد إلى نتائجه، فالأحداث مازال بعضها آخذا برقاب بعض، ولا يعلم احد ما يكمن وراءها من مفاجآت سارة أومؤلمة، وأن الأدب العربي تتجاذبه الآن تيارات منها القديم، ومنها الحديث، منها الآتي ومنها الغربي، ولا ندري على وجه التدقيق نهاية هذا الصراع في آخر الشوط، وأن الفكر لا يسير دائما سيرا مطردا، وفق قوانين صارمة لا تعرف المرونة، بل أن له مفاجآت وانتكاسات وتطورات قد لا تخطر على البال، فقد نتوقع ظاهرة أدبية حسب ما انتهينا إليه من بحث ودرس، ولكنها لا تقع بأسباب خفية، وقد يكون العكس.
ولكن مع ذلك لنحاول أن نتبين وجهة الأدب العربي استنادا إلى سمات الحاضر، وما يحمله من ملامح المستقبل.
ونبادر أولا إلى التذكير بان وجهة الأدب العربي ستكون هي وجهة الأمة العربية، فلا يمكن أن يتجه الأدب العربي إلى غير الجهة التي تتجه نحوها الأمة العربية التي يصدر ذلك الأدب عنها. هذه بديهة لا تحتاج إلا إقامة الحجج والبراهين. فما هي وجهة الأمة العربية؟ وجهتها- كما لا تحتاج إلى البرهنة أيضا- هي البحث عن الطرق الموصلة إلى السيادة والكرامة والتقدم العلمي والرخاء المادي، واللحاق بركب الأمم المتقدمة، وإزالة الدخلاء من أوطانها، وازدهار اقتصادها، وتقدم صناعتها، والتعايش مع كافة شعوب الأرض، دون تبعية أو خضوع لهذا المعسكر أو ذاك من المعسكرات المتنازعة على مسرح السياسة الدولية.
وغير خاف أن الأدب الذي يخدم هذه الأهداف، هو الأدب النضالي الشاعر بمسؤولياته، الباحث عن أرضية يثبت فوقها قدميه. ولكي نكون واضحين قدر الإمكان، ينبغي أن نحدد ما نريد عنه إطلاق (الأدب النضالي) فهو لا يعني- كما قد يتبادر إلى الذهن- إهمال موضوعات الحب والتغني بجمال الطبيعة، باعتبارها منافية للصفة النضالية التي يتسم الأدب بها. فهذا فهم خاطئ لطبيعة هذا النوع من الأدب ومجالات نشاطه، إذ كل القوالب والأغراض الشعرية والأدبية صالحة لأن نصب فيها مادة الأدب النضالي. فالغزل الذي قد يظن أنه أبعد الفنون الشعرية عن النضال، طالما حمله الشعراء الفرسان معاني البطولة والتضحية والإيثار وكل معاني الحماسة. تجلى ذلك في إشعار عنترة وأبي فراس وغيرهما من فحول الشعراء. فعنترة الذي قال مخاطبا صاحبته :
انني علي بمـا علمـت فإننـي
               سمــح مخالقتـي إذا لم أظلـم
فـإذا ظلمــت فإن ظلمـي باسل
               مـر مـذاقتـه كطعـم العلقــم
كان يضع بطولته وأمجاده في وقدة العواطف المشبوبة واللوامع المحرقة. وعلى هذا يمكن للشعراء العرب أن يستمروا في تغني أشواقهم وأشجانهم وتعشق مهوى أفئدتهم، وهم في صميم الأدب النضالي، طالما كان أدبهم أدب قوة لا أدب ضعف، تتحقق فيه الرجولة الأدبية في أسمى معانيها، ويصبح في الحب حافزا إلى طلب المعالي، ونشوان البطولة.
ولا يتبادر إلى الذهن أن الأدب النضالي يكون دائما قرين الفرقعة والضجيج، فقد يكون هادئا واثق الخطى، ومع ذلك لا بفقد صفته النضالية. فذلك العالم الأديب الذي يكب على أوراقه في هدوء وطمأنينة، ليضع بحثا حول إصلاح اجتماعي، أو منهاج تربوي، أو خطة دراسية، يكون في صميم الأدب النضالي، ما دام عمله مساهمة في تلافي أوجه النقص، ونواحي التقصير، وكذا قل بالنسبة لكل من استخدم الكلمة قصد الخروج من التخلف، بأية طريقة من الطرق، أو شكل من الأشكال.
ولقد قلنا منذ قليل أن اتجاه الأدب العربي الحديث، لا يمكن أن يكون غير اتجاه الأمة العربية، واتخذنا من ذلك هاديا يهدينا إلى تلمس الطريق الذي يسير فيه هذا الأدب. وغير خاف أن الأمة العربية تسير في طريق بناء نفسها من جديد، على أساس من العلم الحديث، ووفق ما لها من عقيدة وأصول قومية عريقة خالدة، قصد ملء ما فيها من فجوات، والقضاء على ما في كيانها من نقط الضعف، وهنا ننتظر من الأدب العربي أن يساير هذا الاتجاه، بل لا يكتفي بالمسايرة، وإنما يكون هاديا ورائدا وباحثا عن المجهول، لأن هذه مهمته الأساسية ورسالته الخالدة.
وأغلب الظن أن الأدب العربي متجه الآن إلى هذا الغرض الذي تتجه إليه الأمة العربية نفسها، وهو بناء الشخصية العربية على نحو جديد، يستفيد من تقدم العلم، ويحافظ على الأصول التي انبثقت منها هذه الأمة، وخرجت بفضلها إلى الوجود.
ففيما قبل، كانت الصفة الغالبة على الأدب العربي هي الوصف، ووصف التراث الفكري والأدبي وتقييمه، ووضع المناهج الدراسية لتناوله، وتقليبه على مختلف وجوهه، لاستنطاقه إلى أبعد مدى، أما منذ اليوم، فالغالب على الظن أن يتجه الأدب العربي نحو البناء، وإذا كان الوصف والتقييم لا غنى عنهما، فما ذلك إلا لاتخاذهما وسيلة إلى غاية أبعد، وهي بناء الشخصية العربية الجديدة. وليس البناء هو الطلاء الخارجي، وترميم ما تصدع من الكيان العربي، وإنما هو تناول الجذور وصميم الكيان الداخلي بالتكوين المنشود.
وهذه العملية لا يمكن أن توكل إلى العلماء العرب وحدهم، بل لابد من مساهمة الأدباء فيها بشكل قوي، وذلك لعدة اعتبارات، منها أن الشخصية التي ينتظر بناؤها، يراد لها أن تكون شخصية متكاملة، لها جوانبها العقلية والشعورية وغيرها، فلا تكون جامدة صلبة لا تعرف المرونة، ولا مائعة مفتقرة إلى التماسك والثبات، وهذا لا يتأتى إلا بتعاون كل من العلم والأدب، أو قل بتعاون رجال العلم ورجال الأدب، أولئك يخلقون فيها علمية مستمدة من فضائل العلم الحديث داخل الحياة العقلية العربية، وهؤلاء يتولون زرع أرقى مفاهيم الحضارة الروحية ومبادئها العالية، على أن يكون عمل الأدباء منسجما مع التكوين العقلي الذي يضطلع به العلماء، حتى لا تكون هناك هوة بين العقل والعاطفة، فتكون النتيجة أننا نحدث شخصية منقسمة على نفسها، تومن بقلبها بما يكفر به بعقلها. وهذا يتطلب من علمائنا أن يأخذوا بنصيب من الأدب، ومن أدبائنا أن يأخذوا بنصيب من العلم، لنضمن حياة عقلية عربية لا تناقض فيها ولا تصادم.
ومن تلك الاعتبارات أيضا أن جمهور الأدب في البلاد العربية أكبر من جمهور العلم الخالص، الأمر الذي يمكن الأدب من نقل فضائل العلم نفسها إلى السواد الأعظم، في اتراب القصة والرواية والمسرحية والمقالة، بعد أن يهبها القدرة على الحركة والتسلل من عدة منافذ، إلى داخل الذوق والإحساس والعقل. فلا شيء أقدر من الأدب على نقل القيم والمبادئ والأفكار إلى نفوس الناس وعقولهم، لما يتمتع به من صفات مؤثرة مثيرة لا يتوفر عليها العلم الخالص.
ولكن ما هي مزايا الشخصية العربية التي يرجى بناؤها؟ اقترح على القارئ أن نقوم بعملية وصفية جد مختصرة، للشخصية العربية في وضعها الحالي، لنتخذ من ذلك منطلقا نحو وصف الشخصية العربية كما ينتظر لها أن تكون.
يمكن إجمال خصائص هذه الشخصية في وضعها الحالي في أنها شخصية سلفية، تنظر إلى الوراء أكثر مما تنظر إلى الأمام، عاطفية أكثر منها عقلانية، خيالية أكثر منها واقعية، اتكالية تعتمد أكثر ما تعتمد على الحظ والمصادفة، وتفتقر إلى التصميم والتحدي والصمود والجدية والإصرار. وأنا إذ أصفها بهذه الصفات، لا أعممها على كل أفراد المجتمع العربي، وإنما أطلقها لتنصرف إلى الجمهرة الكبرى من أمتنا العربية.
وإن أدبنا العربي المعاصر ليجسم تلك الخصائص والصفات بشكل بارز، يمكنك ملاحظة ذلك في القصة والمسرحية والمقالة وغيرها من ألوان النشاط الأدبي. ففي القصص والمسرحيات، يعتمد الكتاب أو قل جلهم على عامل الحظ والمصادفة، حيث يجعلون أبطالهم غالبا سلبيين، ضعفاء أمام الظروف الصعبة التي تواجههم، تاركين أمورهم للحظوظ تتلاعب بها كما تشاء، وقل أن تجد ذلك البطل الذي يتحدى ظروفه المعاكسة، ويفرض شخصية عليها، بخطة وعزم وإصرار. والرائيون والقصصيون لا يعابون من أجل ذلك، لأنهم إنما يعكسون الواقع العربي في نماذجه البشرية. وكتاب المقالة جلهم أفكارهم مرتجلة، تعتمد على الذاكرة والمحصول الفكري أكثر مما تعتمد على ملكة الخلق والابتكار، إذ تشعر بعد الفراغ من قراءتها أنها تعوزها الهندسة الفكرية المتينة، وأن فقراتها تأتي من عفو الساعة ووحي الخاطر، وقل ذلك الكاتب العربي الذي يخرج عن هذه القاعدة، فإذا وجد كان الشاذ الذي يؤكد القاعدة ولا ينفيها.
وأخطر ما في الأمر أن هذه الصفات التي يحملها أدبنا العربي المعاصر، تعود بدورها لتنغرس في طلبة الآداب، وجمهرة المتأدبين، تكيف عقولهم، وتصوغ أذواقهم ونفوسهم على شكلها وطابعها، مضافا إليها العيون التي أكتسبتها بتكرار التجربة انتقالها من فوج إلى فوج، ومن فريق إلى فريق.
بعد تشخيص عيوب الشخصية العربية بوضعها الراهن، في إمكاننا إدراك خصائص الشخصية التي نود تكوينها، نريدها شخصية تومن بالواقعية، وتنظر إلى الأمس، بقدر ما يفيدها ذلك في الاستعداد للغد، وتتناول شؤونها الخاصة والعامة بروح من الجدية والتصميم والإصرار، وتعتمد في الدرجة الأولى على العمل، لا على الصدفة والحظ، وتملك القدرة على التغيير، واضعة لكل هدف الوسيلة أو الوسائل الموصلة إليه. وهي خصائص ليس من السهل تكوينها، إذ هي تحتاج إلى زمن طويل، تتوالى فيه الجهود والتضحيات بدون انقطاع، فليس من السهل اكتساب تلك الفضائل الفكرية والنفسية، ما دام تكوينها يتوقف على التربية الطويلة البعيدة المدى، خصوصا بالنسبة إلى الأمة العربية التي ينتشر فيها الجهل والخرافة، وتقع ضحية فوضى فكرية يصعب التخلص منها. وستكون مهمة الأدب أشق وأصعب، إذا لم يعد النظر في أساليب التربية المنزلية والمدرسية، مما يعد الطفل لتلقى تقاليد أدبية وفكرية قوية في مستقبل حياته الثقافية. هذه التربية هي الأساس، وإذا كان الأساس منهارا، انهار البناء كله.
وسوف لا يقوى الأدب العربي على تأدية هذه المهمة، وهي إعادة بناء الشخصية العربية التي هي هدف الأمة العربية منذ اليوم، إلا إذا أعاد بناء نفسه، بحيث يتخلص من آفاته رويدا رويدا. ويضع مكانها فضائل وقيما أدبية أخرى، تتناسب وحاجيات الأمة في حاضرها ومستقبلها. فإذا تكونت هذه الشخصية أصبحت هي بدورها قادرة على إلهام الأدب نفسه، وتوجيهه، وإضافة مزايا أخرى إلى مزاياه. وبذلك يحصل التفاعل المثمر، بين الأدب وما يمثله من عقلية الأمة وموازينها ومقاييسها.
وليس للأدب أن ينتظر إلى أن توجد الشخصية العربية المرجوة، ليأخذ منها ما هو في حاجة إليه، وليستكمل أسباب قوته ونمائه، نعم ليس من حق الأديب العربي أن يقول لنا أنه في حاجة إلى وجود المثال الذي يحاكيه ويستمد منه في عالم الواقع، ظانا أن قوة الأدب تتوقف دائما على قوة شخصية الأمة التي يمثلها، ذلك لأن الأدباء هم القادة الروحيون، وواجب الفكر الذين يقومون بواجب الريادة، ويستشفون من وراء الحجب ملامح المستقبل، ويتمثلون طرق الإصلاح الأدبي والنهوض الفكري، للبشير بها والعمل على سلوكها، وإلا لما استحقوا هذه الزعامة الفكرية التي يتمتعون بها وسط الجماهير القارئة. ليس دور الأدب مقصورا على تمثيل الواقع بكل حسناته وسيئاته، وإنما يتجاوز ذلك إلى خلق أنواع جديدة من القيم، وإبداع ألوان من النشاط الفكري، وتوجيه العقول نحو آفاق غير مطروقة، وابتكار مثل عليا ينصبونها للاهتداء بهديها والسعي وراءها.
ومع ما توقعناه للأدب العربي من اتجاه ينسجم واتجاه الأمة العربية، فستعيش الاتجاهات الحالية جنبا لجنب مع الاتجاه الجديد المنتظر، كالشأن في كل تيار حديث، تداخله تيارات سابقة، وتجاهد لتظهر عليه، ولكنه في الأخير لابد أن يكتب له الانتصار، متى كان يحمل في طبيعته أسباب البقاء، وهكذا ندرك أن أدب الانحلال سيعيش إلى جانب أدب البناء، وأدب الكتب والذاكرة سيعيش إلى جانب أدب الملكة المبدعة، والأدب السلفي يعاصر الأدب المستقبلي، كما حدث ذلك ويحدث في كل الآداب الإنسانية، ولكن النصر دائما للجديد، متى كان قائما على أسس متينة، وجاء معبرا عن أوثق الأشياء اتصالا بمشاكل الناس الفكرية والنفسية والاجتماعية.
وكالشأن في جميع الاتجاهات الأدبية الجديدة، لا يمكن أن يبرز الاتجاه المتوقع للأدب العربي فجأة وعلى غير انتظار، بل لابد أن تأخذ سماته في الظهور شيئا فشيئا، خاضعة في ظهورها لقانون التدرج إلى أن تكتمل، ولسنا بعيدين عن الحقيقة إذا قلنا بأن الأدب العربي بوضعه الحالي يحمل في تضاعيفه ملامح من أدب الغد، فقد نعثر أثناء قراءتنا لنصوصه المتنوعة، على أعمال أدبية فيها ثورة على العاهات الفكرية، ومساهمة في إعادة بناء الكيان الفكري على أسس جديدة، ولكن الأعمال التي من هذا النوع نادرة، يبدعها بعض من أوتوا من وضوح الرؤية، وحدة الذهن، والملكة الخالقة، ما يستطيعون به تجاوز الحاضر إلى آفاق المستقبل.
                        

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here