islamaumaroc

العربية الفصحى-1-

  دعوة الحق

115 العدد

اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، وهي التي يقال لها اللغة العربية الفصحى، وكذلك سائر لهجات العرب، هي فروع من مجموعة لغات عرفت عند المستشرقين باللغات السامية، وقد أولع بعض المستشرقين بدراسة هذه اللغات فألفوا فيها كتبا وأبحاثا، وانشأوا مجلات عدة تفرغت لها وما زالوا يسعون في توسيعها وتنظيمها وتبويبها، وقد عرفت دراساتهم هذه عندهم بالساميات، وهي تتناول بالدراسة كل اللغات التي يحشرها علماء الساميات في مجموعة اللغات السامية، بغض النظر عن وجود اللغة أو عدم وجودها في هذا العصر، فالبحث علم والعلوم تبغي المعرفة دون تقيد بزمان أو بمكان، وينفق علماء الساميات مجهودا كبيرا في المقارنة بين اللغات السامية وفي معرفة مميزات كل لغة وما بينها وما بين اللغات الأخرى من فروق أو تطابق أو تشابه. وترجع تسمية السامية إلى عالم ألماني اسمه «شلوتسر» Schlotzer، فهو أول من استعمل السامية في بحوثه في تاريخ الروم القديم، ويعود فضل إيجاده إلى شجرة أنساب الأمم الواردة في التوراة والتي ترجع أنساب البشر إلى أبناء نوح الثلاثة سام وحام ويافث (1).
فأطلق العالم شلوتسر لفظ السامية على جملة شعوب رجعت التوراه نسبها إلى سام ابن نوح، وشاعت التسمية منذ ذلك الحين، وخاصة باستعمال المستشرق الألماني آيشن هورن  Eichhorn وإدخاله إياها في مؤلفاته وبحوثه، واستعملها غيره من العلماء الألمان والانجليز والفرنسيين حتى صارت مصطلح علم عندهم ذا مدلول معين مفهوم، ثم وجد هذا المصطلح سبيله إلى الأمم الآسيوية والإفريقية . (2)
والقرابة بين اللغات السامية واضحة بينة، وهي أوضح وأمتن وأوثق من الروابط التي تربط بين فروع طائفة اللغات المسماة باللغات « الهندو اوربية» أو الهند جرمانية على حد تعبير بعض العلماء، وليس الاختلاف بين اللغات السامية القديمة يزيد على الاختلاف الكائن بين اللغات الجرمانة، ولقد أدرك مستشرقو القرن السابع عشر من أمثال هوتنكر Hottinger (1620- 1997) وبخارت Bochart وألبرت سولتنس (1686 – 1750) Schuitens  ولود ولف Ludolf وكاسل Edmcastell (1606 – 1675) بسهولة الوشائج التي تربط بروابط متينة ما بين تلك اللغات، وأشاروا إليها ونوهوا بصلات القربى التي تجمع شملها، بل لقد سبقهم إلى ذلك علماء عاشوا قبلهم بمئات السنين هداهم ذكاؤهم وعلمهم إلى اكتشاف تلك الوشائج وإلى التنويه بها. فقد تحدث عالم يهودي اسمه يهودا بن قريش. Jehuda Ben Koraish
وهو ممن عاشوا في أوائل القرن العاشر عن القرابة التي تجمع بين اللغات السامية، وعن الخصائص اللغوية المشتركة بين تلك الألسن، كما أبدى هذا العالم اليهودي ملاحظات قيمة عن الأسس اللغوية التي تجمع شمل تلك اللغات، ولقدماء علماء السامية آراء بنيت على اعتبارات دينية ونفسية في قدم لغات أبناء سام، فتعصبوا للغتهم وحملهم تعصبهم هذا وتقديسهم للغتهم على تفضيل لغتهم هذه على سائر اللغات، بل لم يقبل بعضهم ذلك فوجده قليلا لا يليق بجلال لغته وجعل لغته لغة آدم في الجنة ولغة البشر بعد الموت ولغة السماء، وهكذا صارت العبرانية سيدة اللغات وأرقاها ولغة الوحي ولغة آدم في كتب الاخبار (3).
وهكذا صارت لغة بني إرم عند علماء بني إرم والمتعصبين لها لغة آدم وأقدم اللغات على الإطلاق وسرت هذه النظرية إلى غيرهم من الناس. ونظرة مثل هذه لا تقبل بالطبع وبأي حال من الأحوال (4)، وللمستشرقين آراء في أقرب اللغات السامية إلى الأصل، فذهب بعضهم إلى أن العبرانية هي أكثر تلك اللغات شبها بالسامية الأولى، وهي بذلك أقرب بنات سام إليها. وذهب آخرون إلى تقديم لغة بني إرم على غيرها جاعلينها البنت الأولى التي اجتمعت فيها الخصائص السامية الأصلية أكثر من اجتماعها في أي لغة أخرى، ولهذا استحقت في رأيهم هذا التكريم والتقدير.
وذهب آخرون إلى تقديم العربية على سائر اللغات الأخرى لمحافظتها أكثر من بقية اللغات السامية على الخصائص السامية الأولى، وعدم تنصلها منها، وتركها لها كالذي نراه من استعمالها للمقاطع القصيرة الصامتة، ومن كثرة تعدد قواعدها التي زالت بقواعد بقية اللغات، غير أن هذه الامتيازات والحصانات التي تتمتع بها اللغة العربية يقابلها من جهة أخرى مميزات لا نجدها في اللهجات السامية الباقية، مما يبعث على الظن أنها طرأت عليها فيما بعد، وأن اللغة العربية قد مرت بأطوار تطورت فيها تطورا ملحوظا. والتطور هذا معناه ابتعاد هذه اللغة عن الأصل ثم إننا نجد في العبرانية وفي لغة بني إرم قطعا من الكلام قديمة جدا لا نجد لها مثيلا في العربية، وهذا مما يدعو إلى حسبان اللغتين المذكورتين أقدم عهدا من اللغة العربية، غير أننا لا نستطيع مع ذلك أن ننكر أن معرفتنا وإحاطتنا باللغة العربية لا تكاد تدانيها معرفتنا وإحاطتنا ببقية اللغات السامية ، ومن هنا صارت اللغة العربية بلهجاتها المتعددة، حقلا مهما لإجراء التجارب والاختبارات في ميدان مقارنات اللغات السامية ودراستها. وقد ذهب المستشرق « نولدكه » إلى أن من الضروري في دراسة مقارنة اللغات السامية البدء باللغة العربية، وذلك بأن نأخذ في تسجيل خصائصها ومميزاتها وقواعدها وكيفية النطق بها وما إلى ذلك (5).
ويقسم علماء الساميات اللغات السامية إلى قسمين: لغات سامية شمالية ولغات سامية جنوبية، ويقسم العلماء اللغات السامية الشمالية إلى مجموعتين: مجموعة شرقية ومجموعة غربية ويقصدون بالمجموعة الشرقية اللغات السامية المتركزة في العراق، ويقصدون بالمجموعة الغربية اللغات السامية المتركزة في بلاد الشام، واللغات السامية الشرقية أو الشمالية الشرقية وتسمى أيضا بالآكدية نسبة إلى بلاد آكد في وسط العراق من حدود 2500 ق.م. إلى القرن الأخير ق . م وهي:
1 – اللغة البابلية القديمة والوسيطة والحديثة من 2.000 ق . م إلى القرون الأخيرة ق . م.
2 – اللغات الآشورية القديمة والوسيطة والحديثة من 2.000 ق.م. إلى 600 ق.م.
3 – اللغات السامية الغربية أو الشمالية الغربية منذ منتصف الألف الثاني ق. م. وهي السريانية، والآرامية والبابلية والمندائية - لغة الصائبة - والكنعانية والإخلامية والفينيقية والبونية والنبطية والمؤابية والأمورية والأوغاريتية ومن لهجات أخرى محلية (6).

أما المجموعة الجنوبية فتتألف من اللهجات العربية بأنواعها ومن بعض اللغات الإفريقية التي يطلق عليها العلماء اسم اللغة الحبشية أو المجموعة الحبشية، ويراد باللهجات العربية عربية القرآن الكريم والصوفية والثمودية واللحيانية، وهي لهجات عربية وردت بها نصوص جاهلية، ثم اللهجات العربية الجنوبية التي عثر على نصوص مدونة بها يرجع تاريخ عدد كبير منها إلى ما قبل الميلاد، وهي المعينية والسبئية والقتبانية والأوسانية والحضرمية والحميرية.
ولقد توصل الباحثون وعلماء مقارنة اللغات إلى خصائص اللغات السامية التي تميزت بها وهي:
1 – اعتماد مجموعة اللغات السامية على الحروف الصامتة Konsonani  أكثر من اعتمادها على الأصوات Vokale  فنرى أن أغلب كلماتها تتألف من اجتماع ثلاثة أحرف صامتة، أما الأصوات فلا نجد لها حروفا تمثلها في اللغات السامية، وهي بذلك على عكس اللغات الآرية التي اهتمت بالأصوات فدونتها مع الحروف الصامتة، وقد اضطرت اللغات السامية نتيجة لذلك إلى الاستزادة من الحروف فزادت في عدادها عن العدد المألوف في اللغات الآرية وأوجدت لها حروفا للتفخيم والتضخيم والترقيق وإبراز الأسنان والضغط على الحلق .
2 – ويتولد في اللغات السامية من تغيير حركات الأحرف الثلاثة الصامتة وتبديلها معان جديدة، ولهذا كان من أهم واجبات الأصوات في اللغات السامية تغيير حركات الحروف لتولد معان جديدة، فالأحرف الثلاثة الصامتة إذن هي التي تكون مفهوم الكلمة وهيكلها، ولكن مفاهيم هذه الأصول الثلاثة لا تبقى على حالها متى تغيرت حركات هذه الحروف.
3 – ومن الممكن إحداث معان جديدة في اللغات السامية، وذلك بإضافة زوائد تتألف من حرف وأكثر إلى الأصول الثلاثة فيتبدل بذلك معنى الأصل.
4 – وليس في اللغات السامية إدغام للكلمات أي  وصل كلمة بأخرى لتتكون من كلمتين كلمة واحدة يكون لها معنى مركب من معنى الكلمتين المستقلتين كما في اللغات الآرية، وأما ما نراه من عد كلمتين مضافتين كلمة واحدة تؤدي معنى واحدا فإن هذا النوع من التركيب بين الكلمتين شيء جديد في اللغات السامية لم يكن معروفا عند أجدادهم القدماء.
5 – وهذا هو سبب ظهور الإعراب في اللغة العربية، ويذهب العلماء إلى أن الإعراب كان موجودا في جميع اللغات السامية ثم خف حتى زال من أكثر تلك اللغات، ونرى له أثرا يدل عليه في العبرانية في حالتي المفعول به وفي ضمير التبعية، وفي السريانية والبابلية في ضمير التبعية، وإن هاتين الحالتين تدلان على وجود الإعراب في أصولها القديمة.
6 – ويرى العلماء أن الفعل قد تطور في اللغات السامية تطورا خطيرا استغرق قرونا طويلة، وأن ما نعرفه من تقسيم الفعال إلى ماض ومضارع وأمر لم يكن معروفا على هذا النحو عند قدماء الساميين (7).
مما سبق بيانه اتضح أن اللغة العربية من اللغات السامية التي نشأت فيما يسمى الآن منطقة الشرق الأوسط. وقد ظلت الآراء مضطربة في الأصل المشترك للغات السامية، والعلم على أي حال لم يعرف الكلمة الأخيرة. ومما هو جدير بالذكر أن اللغة العربية آخر لغة انفصلت عن اللغة «الأم» السامية. الأمر الذي مكنها أن تأخذ ما في السامية من مزايا وتتجنب إلى حد بعيد كثيرا من مزالق، مما لم يحصل للسريانية والعبرية اللتين سبقتا اللغة العربية في الانفصال، وقد استفادت اللغة العربية من تطور السريانية والعبرية وما اعتراهما من تحوير وتجديد، فجاءت بدايتها لا كبداية هاتين اللغتين، بمعنى أن بداية العربية جاءت أقرب إلى النضج والاكتمال من شقيقتيها فكانت بحق بداية جديرة بأن تقود إلى نتيجة هي أكبر نضجا واستقرارا وسعة.


1) سفر التكوين – الاصحاح العاشر.
2) كتاب « تاريخ العرب قبل الاسلام »للدكتور جواد علي – القسم اللغوي ج 1 ص 6، 7 مطبوعات العراق.
3) نفس المصدر ص 9.
4) المصدر نفسه ص 20.
5) نفس المصدر ص 21.
6) مجلة الرواد العدد الثاني من السنة الرابعة ص 9 ليبيا 1968 م.
7) تاريخ العرب قبل الإسلام ج 1 ص 30 – العراق.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here