islamaumaroc

العنصرية، انثروبولوجيا وسيكولوجيا

  دعوة الحق

115 العدد

تعتبر ظاهرة التمييز العنصري أكبر مشكلة اجتماعية وأعقدها عرفها القرن العشرون.
هذه الظاهرة المرضية التي خلقت أكبر مأساة انسانية عرفها البشر، مأساة تشريد واضطهاد ملايين من الأفراد في جهات مختلفة من العالم لا لجريمة ارتكبوها ولكن لأنهم ملونون!؟ وقد ازدادت حدة الصراع العنصري في أيامنا هذه، وفي كل يوم تطالعنا الأخبار عن متاعب اجتماعية وصدمات دموية بين الأفراد بسبب هذه المعضلة الاجتماعية وفي السنة الماضية طالعتنا الأخبار باغتيال أكبر مناهض سلمي للعنصرية في أمريكا وهو الدكتور مارتين لوتركينج، وبذلك ازداد تماسك جماعة البيض والسود بعداء كل واحدة للأخرى، وأصبح الخطر محدقا بأمن وسلام المجتمع الأمريكي بل وفي كل جهات العالم التي يمارس فيها العنصريون عنصريتهم. إن الضمير العالمي يستنكر أيما استنكار هذه الظاهرة الخطيرة لأن خطرها لا يهدد أمن وسلام المجتمع الذي تقع فيه وحسب بل أصبحت تهدد أمن وسلام العالم، لأن أربعة أخماسه تقريبا ملونون، وأنه لمهم جدا أن نعرف هذا المرض الاجتماعي العضال وأسبابه وعلاجه معرفة علمية، وذلك على ضوء الدراسات الانتروبلوجية والسيكولوجية.

العنصرية انتروبلوجيا :
يفرق بعض علماء الإنسان بين المجموعات البشرية على أساس المظهر الفيزيقي الخارجي كلون البشرة ولون الشعر وحجم الرأس .. وشكل الجمجمة .. وقد اختلفوا في تعريف محدد للعنصر، ولكن جل العلماء يتفقون على التعريف الآتي له :
« العنصر هو مجموعة من الأفراد لهم أصل عام، وصفات طبيعية معينة قابلة للانتقال بالوراثة يشتركون فيها بصورة عامة» ولقي العلماء صعوبة لتصنيف العناصر البشرية واتخذ بعض العلماء مقياس الجمجمة كأساس لتصنيف العناصر البشرية. ولكن كل هذه المقاييس غير دقيقة. وأجمع جل علماء الإنسان على تصنيف العناصر البشرية إلى العنصر: القوقازي والعنصر الزنجي والعنصر الأصفر، من أجل التصنيف البحث وكل هذه التصنيفات للعناصر البشرية هي تقريبية، ويهمنا من هذا كله أن علماء الإنسان لا ينفون وجود عناصر بشرية، ولكن ينفون وجود عناصر بشرية نقية الدم ذلك لأن الأجناس البشرية خضعت عبر مراحل تاريخها إلى عوامل الهجرة والاختلاط والزواج الداخلي والخارجي ...
ولهذا فكل اعتقاد بوجود عنصر أو عناصر بشرية نقية هو اعتقاد باطل مبني على جهل أو على تضليل أو هما معا، ومن هذه الاعتقادات الخاطئة القول بوجود عنصر يهودي نقي، ذلك أن اليهود يكونون جماعات  متشابهة حضاريا على أساس ديني. أما فيزيقيا فهم مختلفون في اللون والطول والجمجمة .. بحكم البيئة الطبيعية التي تحتضن كل جماعة منهم، فاليهودي الصيني هو غير اليهودي الأمريكي في مظهره الخارجي وقس على ذلك. ويلاحظ من التصنيفات السابقة للعناصر البشرية أنها تقوم على أسس فيزيقية في المظهر، ولكن تلك التصنيفات كثيرا ما تحمل أحكاما تقويمية فينعت عنصر معين بأنه متأخر وآخر بأنه متقدم وكل ذلك بعيد كل البعد عن الحقيقة العلمية التي تنفي وجود أي فوارق بين البشر إلا فيما يخص المظاهر الفيزيقية الخارجية والمظاهر الحضرية المتمثلة في طرق العيش، وكل ذلك خارج عن نطاق الإنسان ويرجع بعض علماء الانتربولوجية هذه الاختلافات في الشكل الطبيعي إلى عوامل البيئة الطبيعية وبعضهم يرجعها إلى عوامل التغذية ...

ظهــور العنصـــريـة :
يخطئ البعض حينما يزعم بأن ظاهرة التمييز العنصري بما يؤدي من كراهية وعدوان كما هي الآن، أنها قديمة قدم الإنسانية ذلك أن الدراسة العلمية لتاريخ الإنسان تثبت أنه لم يكن قديما للفوارق الفيزيقية الخارجية بين البشر أثر في إثارة التعصب الديني والسياسي، وهذا لا يتنافى مع الحقيقة السيكولوجية لنفسية الأفراد بأنهم يؤثرون ربط العلاقات الاجتماعية مع من يجانسهم فيزيقيا ونفسيا وحضاريا ويأنفون الاندماج من شاكلهم في ذلك. ذلك أن الوعي العنصري والشعور بالفوارق الطبيعية والحضارية لم يكونا قويين قديما، بسبب عدم وجود احتكاك اجتماعي واختلاط بين الشعوب وبسبب وجود معتقدات دينية أعطت تفسيرات خاصة لاختلاف البشر في طبيعتهم الخارجية خالية من كل ثغرة عنصرية وأحيانا كانت هناك بعض الردود العاطفية الغير العنيفة اتجاه المختلفين حضاريا عن حضارة المجتمع، ونحن إذ ذهبنا باحثين عن الأسباب والعوامل التي أدت إلى تفشي هذه الظاهرة الخطيرة نجد ذلك يكمن في :
1) سوء فهم نظريات التطور التي حلت محل النظريات الدينية في تعليل وتفسير اختلاف البشر.
2) ضعف العقيدة الدينية بين المسيحيين بسبب الانتقادات التي وجهت إلى الكنيسة.
3) الإشاعات والأكاذيب التي روجها الاستعمار عن اختلاف الشعوب كتبرير لاستعمار الشعوب ويمكن أن تؤرخ للمرحلة التي ظهرت فيها العنصرية بشكلها الحالي بظهور الاستعمار الأوربي الذي اتخذها كتعليل في سبيل الاستغلال وإيجاد أسواق في الخارج لتصريف مصنوعاته، تعليلات ملفقة حيث حاول بعض الساسة الاستعماريون إعطاء تفسيرات دينية وعلمية لاختلاف الشعوب والدين والعلم بعيدان كل البعد عن تلك التفسيرات وروجوا إشاعات وأكاذيب باطلة، بين شعوبهم حول اختلاف الشعوب، فافتروا أن الجنس الأبيض هو الجنس الأعلى وأن الجنس الأسود هو حلقة وصل بين القردة العليا وبين الإنسان الأبيض إلى غير ذلك من الإشاعات الباطلة، فرسخ في ذهن الناس أن هناك اختلافا جوهريا بين البشر فكان لكل ذلك أن تشبعت نفوس الأوروبيين بالحقد والكراهية للشعوب المغايرة لها. وكان لذلك آثار سيئة على العلاقات الاجتماعية فيما بين أفراد المجتمع الواحد، وفيما بين المجتمعات الدولية وكان مما زاد الطين بلة أن بعض العلماء تأثروا بهذه الإشاعات فجاءت نظرياتهم العلمية إلى حد كبير كأنها صياغات نظرية لتلك المفاهيم الخاطئة عن اختلاف البشر كما هو الحال بالنسبة لنظرية التطور فيما ذهبت إليه من محاولة إيجاد تطور بيولوجي للإنسان عبر مراحل التاريخ، ولكن الانتروبلوجية الطبيعية والاجتماعية أثبتت بصورة علمية قاطعة أن الإنسان تطور في أنماط حياته وحضارته وليس في شكله الفيزيقي وأثبت الدراسات النفسية أن مستوى الذكاء ليس له ارتباط بالعنصر وأن نسبة الذكاء العالية وكذلك المنخفضة موجودة عند كل الشعوب، ومن الناحية التشريحية أثبت العلم أنه لا توجد فروق في الجهاز العصبي وفي الغدد بين الأفراد وهكذا يمكن اعتبار بصورة قاطعة وثابتة أن ظاهرة التمييز العنصري هي وليدة الاستعمار، وما زالت الإنسانية في كثير من مجتمعاتها تتلظى بويلاتها وتعيش مآسي صراعاتها.

العنصرية سيكلوجيا :
إذا كانت العنصرية في بدء ظهورها تتغذى أساسا بما أشاعه الاستعمار من الإشاعات الكاذبة ومن نظريات مفتعلة عن الشعوب الغير الأوربية فإنها في الوقت الراهن أصبحت تتغذى بالإضافة إلى ذلك بعوامل كثيرة منها الضغط المتزايد السياسي والاقتصادي الذي تعرفه شعوب مختلفة من العالم في وقتنا الحالي وبعبارة أوضح اتساع رقعة التباين الاجتماعي سياسيا واقتصاديا سواء على مستوى العلاقات الدولية أو على مستوى الجماعات المختلفة داخل المجتمع الواحد، حيث الصراع على أشده من أجل المصالح وفقدان الأمن والتماسك الاجتماعي، وبهذا يصبح الخوف العامل الأساسي المسبب للصراع العنصري بما يخلفه من أحقاد وكراهية وصدام دموي بين الجماعات المتصارعة عنصريا وكلما  ازداد هذا الصراع كلما قوي تماسك كل جماعة بعدانها للجماعة الأخرى، وتحتل المعايير الاجتماعية فيما بينهما وتصبح الروابط الاجتماعية التي تربط أفراد المجتمع متلاشية وتتحول العلاقات الاجتماعية من علاقات تعاونية إلى علاقات تنافرية تطاحنية فيصبح المجتمع بذلك مجالا لثورات واصطدامات اجتماعية وفوضى خطيرة، كما تطالعنا الأخبار في كل يوم عن ذلك، تهدد سلامة المجتمع وأمنه، فالعنصرية إذن حالة مرضية نفسية تعتري المجتمع للأسباب السابقة، وحالة من حالات التعصب، والتعصب سيكولوجيا ظاهرة نفسية ترمي إلى تأكيد الذات وهذه ظاهرة عامة ولكن التعصب العنصري تطرف في تأكيد الذات ومقالات في احترامها لدرجة أن الفرد المتعصب عنصريا لا يرى العالم إلا في ميدان ذاته الضيق، فيتسم سلوكه بالمظهر العدواني، وكما يقول « هامبري» في كتابه « أمريكا السمراء» أن التعصب نوع من أنواع النرجسية، فمغالات الأفراد في حب لأنفسهم يدفعهم إلى مقت وكراهية الآخرين الذين يختلفون عنهم ويحول بينهم وبين التفكير السليم، ولهذا فالجماعة بالنسبة للتعصب تنقسم إلى قسمين : جماعة داخلية وجماعة خارجية لأن التعصب يؤدي إلى عزل الجماعات المتعارضة، وفي حالة التوتر الداخلي للجماعة المتعارضة، وفي حالة التوتر للجماعة المتعصبة يتسم سلوكها بالعداء الخارجي نحو الجماعة المتميز عنها في المظهر فتكون كبش الفداء « وتحميل البعض وزر غيره» ويزداد اضطهادها ومعاداتها كلما رافق هذا السلوك العدائي تبريرات وإشاعات مفتعلة تمس الجماعة المضطهدة، وخاصة إذا كانت جماعة ضعيفة (فالضعيف يشجع الناس على الاعتداء عليه ) كما يقال .

نماذج للمجتمعات العنصرية :
ولنأخذ كنموذج لذلك على سبيل المثال لا الحصر، ببعض المجتمعات العنصرية. ولنبدأ بالمجتمع الأمريكي، فالمجتمع الأمريكي مجال خصب للصراعات العنصرية للشكل الذي تكون به المجتمع الأمريكي عناصر مختلفة متباينة. فيزيقيا وحضاريا، وللنظام الاقتصادي الذي يسير عليه المجتمع حيث المال هو غاية الغايات، فيتعرض المجتمع للصدام في المصالح.. وكم من أفراد يفشلون ... فتصبح الجماعات الخارجية المتميزة في المظهر هدفا للاعتداء الاجتماعي على اعتبارها بسبب الضغط الاقتصادي والتأثير النفسي- انها جماعة منافسة لهم وهكذا تكون جماعة الزنوج في أمريكا وهي الجماعة المضطهدة مجتمعا داخل المجتمع العام الأميركي، ورغم أن الزنوج في أمريكا قد تمثلوا الحضارة الأمريكية، فإنهم لا زالوا يضطهدوا ويحاربون بسبب اللون فالعنصرية الأمريكية هي عنصرية لونية فقط وهناك ملاحظة بالنسبة للعنصرية في أمريكا وهي اختلاف حدة الصراع العنصري بين الشمال والجنوب حيث في الشمال شبه اندماج بين الزنوج والبيض وتقل حالات الصراع العنصري بسبب ارتفاع مستوى التفكير هناك فارتفاع مستوى التفكير عامل مساعد في الاندماج بين الجماعات المتصارعة عنصريا. وفي روديسيا وجنوب إفريقيا حيث الصراع العنصري على أشده بسبب التركيب العنصري الذي تأسست عليه هذه المجتمعات وبسبب ما يخلقه العنصريون هناك من عوامل نفسية واجتماعية وتاريخية على إيجاد الصراع العنصري بالتشريعات التعسفية التي تستنكر لكل حقوق الإنسان الطبيعية بتشجيع العلاقات التنافرية غير الإنسانية بين البيض والسود ويجعلون من هذا السلوك الشاد المقياس الذي يحدد المركز الاجتماعي للرجل الأبيض، وبالطبع فالمجتمعات التي تعيش في هذا الصراع الدائم وتحت هذه الأوضاع الاجتماعية المجحفة لحقوق أفراد ينتمون لهذا المجتمع هذه المجتمعات لا يتم فيها الاستقرار إلا بالقوة ولكن للقوة نهاية، وكذلك الحال بالنسبة للصهيونيين العنصريين في فلسطين المحتلة حيث ظاهرة التمييز العنصري في أبشع صورها وهي عنصرية استعمارية، حيث تنعدم المساواة بين اليهود والعرب ولم يكتفوا بذلك بل إنهم يشجعون على إثارة الأحقاد والكراهية في كثير من المجتمعات التي تستوطن اليهود، حيث يشجعونهم على العداء للأوطان التي تأويهم بكل الوسائل، وقد أجريت عدة دراسات اجتماعية وسيكلوجية عن العنصرية والعنصريين أثبتت هذه الدراسات فيما أثبتته أن العنصريين المتعصبين جلهم من الكارهين للعمل والمعارضين للتغيير الإجتماعي والساديين سلوكيا، فهم شواذ نفسيا واجتماعيا.  

علاج الظاهرة العنصرية :
من عرضنا السابق يتضح لنا أن العنصرية وليدة التربية السيئة التي بثها الاستعمار الأوربي في نفوس الأوربيين، وانها وليدة ظروف اجتماعية ونفسية سيئة، وانها في واقعها تمييز اجتماعي بين أفراد المجتمع ومن أخطر الأمراض الاجتماعية التي عرفتها الإنسانية لتعقدها وصعوبة القضاء عليها حتى أن البعض من العلماء سلم بأنها مرض اجتماعي لا دواء له يقول البعض « لقد أصبحت عملية فلق الذرة الآن أسهل من عملية القضاء على التعصب» ومرد هذا الشعور بالخيبة والاستسلام لهذه الظاهرة فشل جل المحاولات التي اتخذت حتى الآن في سبيل القضاء عليها، حيث لم تعط هذه المحاولات النتائج المطلوبة من الاندماج الاجتماعي بين العناصر المتناحرة على أساس من العدل والمساواة الإنسانية. والواقع أن هذه الظاهرة الخطيرة لا تحارب في غالب الأحيان- بالدواء اللازم لها، فهي تحارب بالقوانين والتشريعات ... ولكن القوانين وحدها لا تحقق الغاية المنشودة بدون وعي وإيمان بصلاحية هذه القوانين، وتحارب أحيانا بهجومات عميقة ودعوات مستنكرة لوجودها، والأولى من ذلك كله أن تحارب الظروف التي أدت إلى هذا التعصب، لأن التعصب اختلال في العلاقات الاجتماعية كما تبين لنا آنفا .. والحكمة في إصلاح هذا الاختلال كامنة في إصلاح أسباب هذا الاختلال، وكما لاحظنا من عرضنا السابق للصراع العنصري بأن الخوف أساس كل صراع وكراهية واضطهاد، الخوف على المصالح الاقتصادية والخوف من الحرب والخوف من فقد الاعتبار الاجتماعي والخوف من فقد الاعتبار الاجتماعي والخوف من الفروق بين الجماعات ... ومن عوامل هذا الصراع كذلك الجنوح في إسقاط الصفات القبيحة على جماعات السود وتأثر الطفل في أسرته بالتباين الاجتماعي الخطير بين البيض والسود ..
فعلاج هذه الظاهرة يجب أن يقوم على الأسس الآتية :
1) محاربة الإشاعات الكاذبة والنظريات المفتعلة عن اختلاف الشعوب ونشر المعلومات الصحيحة عنها.
2) العمل بكل الوسائل على تشجيع الاختلاط بين البيض والسود في كل المجالات وخاصة الزواج.
3) علاج التوترات النفسية والاجتماعية الناتجة عن الظروف الاقتصادية والسياسية وذلك بنشر المبادئ الديمقراطية بين الجماعات المختلفة.
 بهذه الوسائل العلمية العملية ووجود نيات صادقة وعزيمة قوية. ووجود اختصاصيين في حقل الدراسات النفسية والاجتماعية يمكن علاج هذه العلة الاجتماعية القذرة التي يرتكبها عنصريون في حق الإنسانية وستجد الإنسانية نفسها في يوم- إذا لم يقض على هذه الظاهرة الخطيرة- إنها على شفا حرب عالمية عنصرية.
     

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here