islamaumaroc

الشعر والترجمة

  دعوة الحق

113 العدد

كثرت في هذه الأيام ترجمة الشعر إلى اللغة العربية، حتى صار النقل مشاعا بين المثقفين وأنصاف المثقفين.. وهم ماضون في ذلك، ممعنون في تشويه الآثار الأدبية الرائعة ومسخها، لأن أحدا لم يقل لهم مرة أن الشعر لا يترجم، أو أنه يأتي في آخر الأعمال الأدبية التي تقبل الترجمة.. ولست أدري ما هي الغاية التي يسعون إليها من وراء ترجمة الشعر دون القصة مع أن ترجمتها أيسر وأسهل بمرات، لأنها لا تعتمد على الإيحاء والرمز والتأشير. ولأن الخيال فيها عادي، أو قل إنها لا تعتمد على عنصر الخيال مطلقا.. ومن هنا جاءت الصعوبة في ترجمة الشعر، ذلك لأن المترجم مهما يكن قديرا ومحيطا باللغتين المنقول منها والمنقول إليها، فهو عاجز كل العجز عن نقل الشعر نقلا أمينا جيدا.. فما قولك بالذي ينقله وهو جاهل أصول النظم، غير متمرس به، ومع ذلك يتصدى لنقل أشعار بيرون وشلي، ولامارتين وشكسبير وملتون وادغار الن بو وطاغور ودى فيني ودي موسيه وغيرهم من عمالقة الشعر الأوروبي والأميركي.
الشعر إن ترجم يجب أن يبقى شعرا، فيه كل ما في الشعر من مقومات فنية، لا أن يتحول إلى نثر باهت مغسول دفعة واحدة.. تنقصه الديباجة، ويعوزه الإشراق، ويفتقر إلى الروح والشفافية.. لغسل العرب القدامى أدركوا هذه الناحية، فلم يتعرضوا له، ولم يوسعوا له مكانا في آدابهم، ولم يعربوه في جملة ما عربوا.. فعرفوا فلسفة سقراط وأفلاطون وأرسطو، ولم يعرفوا إلياذة هوميروس وروائع سوفوكليس وهوراس.
يقول شلي: "كل شعر سام لا يحدد، قد نزيح ستار إثر ستار ولا نصل إلى جماله الحقيقي فماذا يبقى من الجمال الذي يعنيه الشاعر إذا ترجم هذا الشعر؟ وقال أيضا: الشعر في رائحة الوردة ولونها لا في العناصر التي تتألف منها. فلغة الشعراء تظهر دائما بلون خاص، وموسيقى لها صداها، وبدونهما لا تكون شعرا، فترجمة الشعر ضرب من العبث، ومن يحاول ترجمة شاعر إلى غير لغته كان كمن يلقى بنفسه في بوتقة ليكشف أسرار لونها ورائحتها". ويقول بول فاليري: "الناشر يمشي مشيا، والشاعر يرقص رقصا، وهل يكون الرقص بلا وزن؟ وأين الإيقاع الذي ينفق الشاعر ساعات وشهورا لإحداثه إذا ترجمت شعره إلى غير لغته".
من هنا ندرك استحالة ترجمة الشعر حتى بالشعر، فكيف ذا انقلب نثرا؟ فلا يتحتم الإيقاع، وتختفي الرشاقة، وينقلب الرقص الخلاب مشيا رهيبا باردا؟ لعل مارون عبود كان أكثر النقاد إنكارا لترجمة الشعر عندما أشار إلى أن "الشعر لا يقاس بالترجمة، وكل قطعة فنية في كل أدب تذهب بروعتها ترجمتها، خذ الشعر الجاهلي وترجم منه ما شئت ثم قل لي ماذا أبقت منه الترجمة؟ وهذه الثوراة ألم تفقدها الترجمة شيئا بل أشياء من روعتها الشعرية؟.. وهاك مثلا ترجمة كليمان هيار لشعر عنترة، فهو يقول أن عنترة هو القائل: "إننا ندور كما تدور الرحى على قطبها، بينما سيوفنا تتفتت على رؤوس محاربينا".
أعرفت أي بيت ترجم من شعر عنترة؟ وهل بقي شيء يقال له شعر؟".
إن أغلب الذين ينقلون الشعر إنما يهتمون بالأفكار، ولكن متى كان الشعر أفكارا فحسب؟ وينظرون إلى ما قال الشاعر لا إلى كيف قال كأنهما الشعر يقوم بمعناه دون مبناه... إن فيه بالإضافة لذلك روحا وفنا وموسيقى وعاطفة.. لو حاول نقلها لفشل، وهبه استطاع أن ينقل كل شيء فهل بمقدوره أن ينقل الكلمات المموسقة، والتعابير المنغومة؟
قارن معي هذا المقطع من الشعر الفرنسي لفرلين، ولاحظ كيف أن الموسيقى اضطربت وتشوشت رغم الجهود التي بذلها المترجم ليخرج العبارة العربية بنفس مستوى الفرنسية؟؟ إنني أتحدى أي شاعر مجيد أن ينقله إلى العربية بنفس إطاره الفرنسي الأنيق..
    النهنهات المتمادية   Les sanglots longs     
     لكمات الخريف         Des violons    
     تجرح قلبي         De l’automne          
     بحزن رتيب   Blessent mon cœur   
     D’une langueur monotone  

في الشعر لغة خرساء تتفاهم بها الأرواح، فهي كموسيقى (فندلسون) غير الناطقة التي يفوق تأثير ألحانها قوة الكلام.. الشعر والموسيقى روحان في جسد واحد، فحسب الموسيقى ما فيها من الشعور، وحسب الشعر ما فيه من النغم، وما من شك في أن نقل أي منهما خسارة كبيرة للآخر.. للموسيقى معنى لا يقل عن معنى الألفاظ نفسها، وهذا هو السبب في أن اللفظ المرتان يحمل في طياته طاقة إيحائية غريبة. يمتص الانفعالات الفائضة، والأحاسيس الخفية المبهمة، إذ كثيرا ما تعجز اللفظة المجردة عن حمل شحنات التوتر الحاد. تأمل معي هذا البيت:
 عودي يا ليالي أمسنا عودي
    وجددي ذكرى محروم وموعود
ولاحظ كيف أن حروف المد استطاعت أن تفصح عن حالة الشاعر التحسرية، فكأنها صرخات أسى وحرقة وندم على ما فات ولن يعود.. فهل ثمة ترجمة قادرة على استبقاء الجو المأساوي الذي أشاعته الحروف المطلقة؟
يقول الآن: "الشعر أخو الموسيقى، بمعنى أنهما نشآ معا بعد الرقص، فكان الغناء اتحاد الموسيقى والشعر". والشعر الغنائي يشبه الموسيقى في التكرر وترجيع القرار الذي يزيد المعنى قوة ويجذب الانتباه من السامع إلى الموضوع الرئيسي.. والشعر يشبه الموسيقى في دلالة الأصوات على المعاني، بحيث أن السامع يفهم المعنى من الرنة والوقع وإن هو لم يفهم الألفاظ تمام الفهم، إلا نحس بحركة الجواد في قول امرئ القيس: .
 مكر مقر مقبل مدبر معا
   كجلمود صخر حطه السيل من عل
 ونسمع صوت اصطكاك الأسنان في تتابع حروف الراء في قول البحتري يصف الذئب الجائع:
 يقضقض عصلا في أسنتها الردى
    كقضقضة المقرور أرعده البرد
   
وما قولك في يقضقض، وقضقضة، أفلا نوحي بنفس المشهد السابق؟ ولاحظ التفخيم والتضخيم اللذين أشاعهما توالي حروف الضاد في قول بشار بن برد مفتخرا:
 إذا ما غضبنا غضبة مضرية
    هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
 وفي الأبيات التالية لالبير سامان نسمع – كما تقول رور غريب – زفره متكررة، ورجاء صارخا يتردد تباعا في المقاطع الطويلة الرنانة التي تعقبها أصداء كأصداء النواقيس:
Oh! S’ en aller sans violence!
S’evanouir sans qu’on y pense
D’une suprême défaillance!
Silence! Silence! Silence!
وللموسيقى – كما للصور – أهمية كبرى عند الرمزيين، فالشعر في نظرهم صور موسيقية لها قوة الموسيقى التعبيرية وتأثيرها، على أن بعض الشعر الرمزي حر لا يتقيد بوزن. ومن هنا نرى أن الشعر لا ينفصل عن الموسيقى والتكرار المتسق، وإن هو انفصل عن الوزن.
بعد أن بينا العلاقة الوثيقة الوشيجة بين الشعر والموسيقى، فيصح أن نقول أن الشعر يترجم؟ إن في اللغة – كل اللغة – أشياء دقيقة لا يدركها حسن المترجم، ولا يستطيع أن يحيط بها إلا الشاعر نفسه، وقد يتعذر عليه أحيانا إيجاد اللفظة المناسبة أو الصورة المقابلة إن هو حاول ترجمة شعره.. مع أن إحساسه ظل هو هو إزاء المشهد المعبر عنه.. وفي مثل هذه الحال لا يرى مناصا غير الإقلاع عن الترجمة والاقتناع بعدم جدواها إلا في الضرورات.
رب قائل يقول: نحن في عصر تمازج الثقافات وتبادلها، فهل ترانا نستطيع أن نستغني عن الترجمة والنقل؟ وجوابي هو أن ترجمة الشعر يجب ألا تكون إلا بقدر، فلا يضطلع بها إلا المقتدرون المتمكنون، لأن عملية الترجمة الحق شاقة وعسيرة، تحتاج إلى نفس الجهد الذي عاناه الشاعر إبان النظم...
ويمكننا أن نخفف من حدة المشكلة بدراستنا أكبر عدد من اللغات، الأمر الذي يساعدنا على الاطلاع على أكثر هذه الأشعار بلغتها الأم.. وكم ثم من فرق بين أن نقرأ القصيدة مكتوبة بقلم الشاعر، وبين أن نقرأها منقولة من لغة إلى لغة إلى لغة، أفلا تصلنا في النهاية ممسوخة مشوهة هزيلة؟.
 
      
(1) النقد الجمالي وأثره في النقد العربي لروز غريب ص 95. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here