islamaumaroc

البلوي صاحب كتاب ألف باء

  دعوة الحق

113 العدد

شخصيتان لامعتان في تاريخ الأدب الأندلسي اشتهرتا بهذه النسبة "البلورية" وكل منهما اشتهر داخل بلاده وخارجها.. وكل منهما أديب رحالة... لكن أولهما عاش خلال القرن السادس الهجري.. بينما عاش ثانيهما خلال القرن الثامن...
- فالبلوي صاحب كتاب "ألف باء" هو أبو الحجاج يوسف الذي عاش في ظلال حكم الموحدين بالأندلس..
- والبلوي صاحب رحلة "تاج المفرق" هو أبو البقاء خالد بن عيسى الذي عاش في ظلال حكم بني الأحمر وتولى لهم خطة القضاء في أحد الأقاليم التابعة لحكم غرناطة...
والحديث الآن منصرف إلى البلوي صاحب كتاب "ألف باء"... وقبل أن نرافق هذه الشخصية الأندلسية الغربية ينبغي أن نقف قليلا عند هذه النسبة "البلورية".
فكتب اللغة والأنساب نقول: إن قبيلة "بلي" على زنة "رضي" تنتمي إلى قضاعة... والنسبة إلى "بلي" بلوي جريا على القاعدة الصرفية المعروفة.. وينبغي هنا أن نشير إلى الضجة الكبرى التي أثارها النسابون والمؤرخون حول قضاعة.. فبعضهم يجعلها ضمن القبائل اليمنية.. بينما يأبى آخرون إلا أن يجعلوها ضمن القبائل العدنانية..وهذا الخلاف يرجع إلى أسباب سياسية معروفة نشأت حول التعصب القبلي أيام الأمويين (1)...
فالبلوي إذن ينتمي إلى قبيلة عربية أصيلة عرفت بالأندلس نبغ فيها جماعة من أهل العلم والفضل والنبل.. وهو بالذات يمثل هذه الفضائل الثلاث.. في سلوكه الشخصي والاجتماعي وثقافته الواسعة وفكره الخصب...
ففي مدينة مالقة فتح أبو الحجاج عينيه على نور الحياة سنة 529هـ وفيها نال حظه الوافر من الثقافتين الدينية والأدبية.. وفيها اشتهر بخلقه النبيل.. وأريحيته.. وإنفاقه الواسع في باب البر والإحسان ولا شك أن أبا الحجاج البلوي شاهد وسمع في سنيه المبكرة الأحداث الأندلسية التي رافقت انهيار دولة المرابطين بالأندلس وقيام دولة الموحدين بها ولكنه كان بطبعه عزوفا عن الميدان السياسي في سائر مراحل حياته.. فزيادة على أنه كان في تلك الظروف ما يزال في بواكر الشباب.. وميعة الصبا.. فإن اتجاهه كان يبعد به عن المغامرات لاقتناص الفرص..
نعم إن أبا الحجاج كانت له مغامرات أخرى.. في ميدان آخر.. وهو ميدان الجهاد والتضحية بالنفس في سبيل الله لرد الغزاة الصليبيين عن الأوطان الإسلامية في المشرق والمغرب.. فيحدثنا كل من ابن الآبار.. وابن الزبير أن صاحبنا أبا الحجاج البلوي جاهد بنفسه مع يعقوب المنصور في الغزوات التي خاض غمراتها في الأندلس لرد الصليبيين كما أنه جاهد بنفسه أيضا مع صلاح الدين الأيوبي في الغزوات التي خاض غمراتها في الشام دفاعا عن حوزة الإسلام والمسلميـــــن.. .(2)
فصاحبنا كان يعيش في معركة المصير.. ويؤدي واجبه المقدس في كل من معركتي المشرق والمغرب..!!
وهناك ميدان آخر لفت أنظار المؤرخين الذين اهتموا بترجمة البلوي وهو ميدان تأسيس المساجد والإسهام الفعلي في عملية البناء بها. زيادة على إنفاق الأموال، وتسديد النفقات وأحصى المؤرخون له خمسة وعشرين مسجدا بناها بمدينة مالقة...! من ماله الخاص...! كما أحصوا له خمسين بئرا حفرها.. لينتفع الناس بمياهها (3).
يسير علينا أن نتصور صورة لهذا الرجل من خلال أعماله الإنسانية... فيخيل إلينا في هيئة تطفح بنورانية الإيمان.. وجلال العلم.. وجمال الخلق.. وبساطة العيش.. فهو إنسان يعيش لإسعاد إنسانية الآخرين.. ولا تملك لنفسه إلا ما يملكه للآخرين...
ويسير علينا أيضا أن نتصور المكانة السامية التي حظي بها هذا الرجل بين أهل عصره من أساتذة وطلبة وقضاة وحكام.. فقد دمع إلى سعة علمه.. سعة خلقه وصفاء عقيدته وطهارة وجدانه.. وبذلك ضرب مثلا أعلى لأهل وطنه..
ورحل البلوي إلى المشرق سنة 561هـ وهو في ريعان الشباب وكمال القوة.. ونحن نعرف أن رحلة الأندلسيين كانت تجشمهم أخطارا وأهوالا في البر والبحر.. ولكنهم كانوا يتهافتون عليها ليتصلوا بأهل العلم والمعرفة ويأخذوا عنهم كل ما أمكن أخذه باحثين منقبين عن الأخبار والآثار والكتب والفوائد العلمية والأحاديث النبوية.. وفي موسم الحج يؤدون المناسك الدينية.. ويتصلون بعلماء الأقطار الإسلامية.. ويتلقون عنهم كل ما جد من علم وأدب وتاريخ وأخبار.. وهكذا فعل البلوي.. فقد مر على مدينة بجاية وأخذ بها العلم عن شيخها أبي محمد عبد الحق الاشبيلي صاحب كتاب الأحكام.. ويصرح ابن الزبير في الترجمة التي كتبها للبلوي أن عبد الحق الاشبيلي إنما ألف كتاب "الأحكام" إجابة لرغبة تقليده البلوي.. وقد زاره في ذهابه وإيابه..
ويمر البلوي على الإسكندرية فيأخذ بها العلم عن شيوخها ولا سيما منهم أبو الطاهر السلفي..    (4)واشتهر أمر البلوي في مصر.. ومن أجل ذلك نجد أصداء عدة لإخباره في عدة مصادر تاريخية كتبت في مصر في ذلك العصر أو قريبا منه..
ويحج البلوي.. وفي ذلك الموسم العظيم يشاهد عالما من الحجاج اختلفت ألسنتهم وألوانهم واتفقت قلوبهم وعقائدهم فأخذ يسعى إلى العلماء منهم باحثا عن ضالته المنشودة في العلوم والمعارف.. وقد أشار إلى ذلك في كتابه (ألف باء).
وقصة جهاد البلوي مع صلاح الدين الأيوبي التي رواها المؤرخون الثقات لا ندري وقتها بالضبط..
 فهل كانت في هذه السنة التي حج فيها...؟ أم كانت في سنة أخرى..؟ وينبني على ذلك سؤال آخر.. وهو هل رحل البلوي مرة أخرى إلى المشرق بقصد الجهاد مع صلاح الدين الأيوبي..؟
ليس لدينا جواب شاف في الموضوع...! غير أن المؤرخ أبا الفداء الذي تتبع حياة صلاح الدين الأيوبي في مراحل حياته.. يذكر لنا في حوادث سنة 562هـ حصار الفرنج لصلاح الدين في مدينة الإسكندرية.. وقد دام هذا الحصار ثلاثة أشهر..!  (5)والبلوي كان في هذه السنة ما يوال بالمشرق.. فلعله جاهد مع صلاح الدين  لفك الحصار المضروب على هذه المدينة.. وعلى كل فقصة جهاد البلوي مع صلاح الدين أمر ثابت لاشك فيه..
ويرجع البلوي من رحلته التي استغرقت نحو السنتين على نفس الطريق التي ذهب منها.. حاملا معارف كثيرة وأخبارا وكتبا.. ويجد في مالقة ميدانا خصبا لإظهار مواهبه العلمية والأدبية والخلقية..
فهو عالم أديب مؤلف شاهر لغوي رحالة وهذه كلها أوصاف تغري الناس بالأخذ عنه والاستفادة منه.. وقد عاصر البلوي في الأندلس جماعة من أعلام الفكر والثقافة والسياسة.. كما عاصر ملوك الدولة الموحدية:
- عبد المومن..
- ويوسف بن عبد المومن..
-  ويعقوب المنصور..
- والسنوات الأولى لمحمد الناصر..
ولجميع هؤلاء أعمال مشهورة في الأندلس والمؤرخون حينما ذكروا قصة جهاد البلوي مع يعقوب المنصور كانوا يعنون "في الغالب" مشاركته الفعلية في معركة "الأرك" الشهيرة سنة 591هـ التي هزمت فيها الجيوش الصليبية القشتالية شر هزيمة.. وسنة البلوي إذ ذاك يجاوز الستين...!!
وودع أبو الحجاج البلوي هذه الحياة سنة 604 بعد أن خلد ذكرا يفوح منه أريج النبل والفضل والعلم.. وقائمة من أعمال البر والإحسان شرقا وغربا.. وعددا من التلاميذ أشادوا بعلمه وأدبه وخلقه..
لكن الأثر الوحيد الذي نملكه الآن من آثار البلوي هو كتابه النفيس الممتع الذي سماه: "ألف باء".
وينبغي أن نقف قليلا إزاء هذا الكتاب العظيم الأهمية في اللغة والأدب والتاريخ.. بعد أن طبع منذ قرن من الزمن طبعته الأولى.. ثم تناساه الباحثون في تاريخ الأدب الأندلسي مع كثرتهم في هذا العصر..!!
ألف البلوي كتابه هذا في آخر حياته وقد أصبح يطل من خلال سنيه الطويلة على مسرح الحياة في جدها وهزلها.. وجعله معلمة واسعة لابنه عبد الرحيم الذي كان إذ ذاك ما زال يتخطى السنين الأولى من طفولته..
والكتاب معلمة حقيقية مرتبة على نسق غريب من الحروف الهجائية.. يذكر المادة اللغوية ثم يذكر مادة أخرى مكتوبة من قلب ترتيب المادة الأولى.. يستمر في هذا النسق الغريب.. إلى آخر الكتاب.
والبلوي متأثر إلى حد كبير بلزوم ما لا يلزم المعروف عند أبي العلاء المعري وعند غيره من الشعراء والكتاب.. فنجده يستعمل هذا اللزوم في شعره ونثره ويحافظ على هذا الاستعمال محافظة غريبة حقا..
وقد شحن هذا الكتاب بالفوائد التي أراد أن يطلع عليها ابنه عبد الرحيم ويستفيد منها.. كما روى لنا فيه عدة أشعار نظمها.. وطرائف سمعها.. وأخبار رواها.. مع الإشارة إلى بعض أخبار حياته الخاصة في إقامته وسفره.
ويذكر المؤرخون أن هذا الكتاب الذي بين أيدينا الآن ليس إلا اختصارا لكتاب كبير سماه:
" تكميل الأبيات، وتتميم الحكايات مما اختصر للألباء في كتاب ألف باء".
 ويزيدنا المؤرخ ابن الزبير معلومات عن هذا "التكميل" فيقول:
" وجمع كتابا آخر سماه التكميل ضمنه كثيرا مما جرى بينه وبين صديقه ومؤاخيه وشيخه الخطيب الأديب الحافل الورع الزاهد أبي محمد عبد الوهاب القيسي" (6).
ولو وصلنا هذا "التكميل" لكنا نعرف عن أبي الحجاج الشيء الكثير..! ولكنا على علم تام بقائمة كتبه. وشيوخه. وتلاميذه..
ولعله من المفيد هنا أن نشير إلى أن هناك مصدرين يظن أن بهما معلومات مفيدة عن أبي الحجاج البلوي:
1) معجم السفر للحافظ السلفي الذي أخذ عنه ولازمه في الإسكندرية.. وتحدث بشيء من أخباره في كتابه "ألف باء" وتوجد من هذا المعجم نسخ خطبة في المغرب والمشرق (7).
2) كتاب  "التكملة لوفيات النقلة" الذي ألفه الشيخ عبد العظيم المنذري المصري المتوفى سنة 656هـ (8) بعد نحو نصف قرن من وفاة البلوي.



1) انظر (تاج العروس) مادة قضع.
2) انظر" التكملة" لابن الابار الترجمة رقم 2089 من طبعة مجريط سنة 1887م ... وانظر صلة الصلة لابن الزبير الترجمة رقم 426 طبعة الرباط 1937م.
3) انظر المصدرين السابقين..
4) السلفي بكسر السين كما هو منصوص.
5) تاريخ أبي الفداء ج 3 ص 45.
6) انظر التكملة لابن الابار ترجمة 1795.
7) استخرج من هذا المعجم الدكتور إحسان عباس مجموعة من أخبار وتراجم الأندلسيين قلعة بيروت سنة 1963 وليس في هذه المجموعة شيء عن البلوي..!!
8) أشار إلى هذا الكتاب الشيخ خير الدين الزركلي في الإعلام ج 9 ص 327 ونقل من بعض أجزائه المخطوطة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here