islamaumaroc

بين العمل الأدبي والعمل السينمائي

  دعوة الحق

113 العدد

تعد السينما احدى وسائل الترفيه والتثقيف في هذا القرن، وان كان جانب الترفيه هو اول ما يلاحظ عليها, ربما لانه كان غالبا عليها في البداية، أو لان الترفيه هو مايهم الرجل العادي، ومهما يكن فهناك رابطة وثيقة بين العمل السينمائي، والعمل التثقيفي، يتجلى ذلك في الاعمال الادبية الكبرى التي تخرج عملا سينمائيا على الشاسة، ولعل مشاكل السينما لم توضع بالحاح وبحدة كما توضع اليوم في العالم اجمع، ذلك ان ازدياد أوقات الفراغ، بالاضافة إلى تحسين التقنية السينمائية، كل ذلك يدفع إلى الاقبال على السنما من طرف الجمهور، وبين عدد الافلام التي يتم انجازها كل سنة، ولكن هذا التناسب يصبح عكسيا إذا ما قارنا تزايد جمهور السينما، وتزايد اقباله على مشاهدة الافلام، مع ما يتم انجازه من الافلام الجيدة، فالتناسب مطرد ما دمنا نتحدث عن الكم، عن الكثرة، ولكن بمجرد ما يصبح الكيف والجودة طرفا في الموضوع فإن التناسب يظهر على شكل تناقص في انتاج الافلام الجيدة مقابل ارتفاع في عدد الجمهور، وفي حفلات العرض.
وعلى هذا الاساس تبدو مشاكل السينما سواء في علاقتها بالتثقيف أو في علاقتها بالتاثير في المجتمع، متشابهة لاتختلف من بلد إلى بلد، ومن شعب إلى شعب إلا أنه في الدرجة، وحسب المعايير المجتمعة السائدة في بيئة دون أخرى.
وفي المغرب، نلاحظ بمزيد الامل ان العمل السينمائي ينشأ لأول مرة، ويقام مهرجان سينمائي دولي ببلدنا لال مرة، وكل هذا شيء يستحق الفخر والاعتزاز، ويدل على طموح كبير من جانب الفنانين والمنتخبين على السواء، بيد ان هذا يتطلب ان نعرض لبعض مشاكل السينما التي قد تتولد عندنا بالضرورة، كما يتطلب مقارنتها بما في البلاد التي سبقتنا في هذا الميدان، وساحاول ان اعرض بعض هذه المشاكل بمقارنة مع مشاكل السينما في فرنسا كما عرضنا بعض النقاد(1) هناك وخاصة في مجال الربط بين العمل الادبي أو الثقافي وبين العمل السينمائي، ويجب ان نقرر مبدئيا أن دور السينما في بلدنا لا يقل عن دوره في فرنسا أو في غيرها، فالاحضائيات أو على الاصح المشاهدات البسيطة تدل على وفرة الداخلين إلى قاعات العرض السينمائي، ولقد اتيح لي مرة أن احضر تجربة بسيطة كانت نحوا من اسئلة، يجيب عليها بعض المرشحين، ومن ضمن الاسئلة يطلب من المرشح أن يجيب بتعيين عدد المرات التي يشاهد فيها فيلما سينمائيا، سواء في الاسبوع أو في الشهر، والمرشحون كانوا بين الخمسة عشرة والعشرين ومستواهم الثقافي بين الشهادة الثانوية والبكالوريا، والبيئة حضرية، ولم يكن هناك من اجاب بانه لا يشاهد الافلام السينمائية، واقلهم ترددا على صالات
العرض كان يشاهد فيلما سينمائيا واحدا في الاسبوع، أما أكثرهم ترددا عليها فوصل إلى أربع مرات في الاسبوع، ويمكن أن تأخذ بعين الاعتبار ان المرشحين كانوا من بيئات مجتمعة متفاوتة في مستويات معيشتها، فبينهم المتوسط والفقير والغني، وبما أنه جميعا يترددون على قاعات العرض، ولايختلفون إلا في عدد المرات، فيمكن التردد بصفة أكثر على قاعات العرض السينمائي، ونتيجة هذا أن هؤلاء المرشحين، فيما لو توفرت لهم جميعا، فرص مادية حسنة، لارتفع تبعا لذلك متوسط، مرات التردد على مشاهدة الافلام، ولا يمكن ان يقال ان توفر العامل المادي ربما كان له تأثير معاكس، بحيث سيتيح فرصا أخرى من الترفيه، غير السينما، إذ لوحظ أولا أن الجميع يتردد على السينما كما سبق، ولوحظ ثانيا أن التردد على السينما يتزايد بتحسن الوضع المادي، بحيث كانت نسبة التردد بين المتوسطين والاغنياء اكثر منها لدى الفقراء، وبالطبع فإن هذه تجربة محدودة جدا وليست لها قيمة مطلقة، لكن دلالتها لا تخفى، وخاصة إا تنبهنا إلى اعتبار آخر وهو ان معدل المشاهدة السينمائية في هذه التجربة لم يدخل الافلام التي تشاهد على الشاشة الصغيرة أي على التلفزة، فهذه أيضا من صميم التجربة وتكون جزءا أساسيا من المشاهدة السينمائية..
لهذه الاعتبارات كلها نتيجة واحدة، وهي ان السنما عنصر مؤثرفي حياة الافراد والجماعتا الحديثة، ومن المشاكل التي يطرحها العمل السينمائي، جملة اسئلة كالآتي: كيف يمكن التوفيق بين القصة الادبية الرفيعة وبين متطلبات الاخراج السينمائي؟ وفي حالة اللجوء إلى القصص الادبي القديم: كيف يمكن اخضاعه لحاجات المخرج التقنية دون المساس بجوهر الموضوع الادبي؟ وهل يفضل الاعتماد على الانتاج الادبي الوطني لم يلجأ إلى الا قتباس؟ وإلى أي حد يضر الاقتباس بالموضوع الاصلي، ويدل على ضعف او انعدام التأليف الوطني....؟ أنها سلسلة اسئلة يتعرض لها Roger Régent في اقتضاب، لكن التفاصيل تبدو واضحة من خلال ايماءاته، وخاصة بالنسبة للمبتدئين في ميدان السينما كبلدنا، ولايخفى كما لاحظنا سابقا ان السينما عندما تاخذ طريقها في بلد ما، تصبح عجلة سريعة الدوران، وفي اثناء ذلك تتضخم كل الائلة التي اتينا عليها.

أزمـــة مؤلفـــين:
وأول المشاكل هي التي يعبر عنها صاحب المقال بأزمة المؤلفين: "لم نفتأ نردد منذ أن رشدنا، أن السينما تعاني من أزمة مؤلفين" والمؤلف السينمائي يختلف بعض الاختلاف عن المؤلف الادبي الخالص ومن هنا يجب أن ندقق في معنى المؤلف بالمعنيين، فإذا كان المؤلف الادبي، مؤلف القصة مثلا، من الوجهة الادبية يتمتع بحرية كاملة في التعبير عن خواطره من خلال شخصياته، فإن حريته كمؤلف سينمائي، تخضع لقيود في الحركة والتعبير، وهي قيود ذاتية أي نابعة من العمل الادبي نفسه من حيث هو قد انقلب إلى عمل سينمائي، وتخضع كذلك لقيود اخرى خارجية، نابعة من التقنية السينمائية، أي لما تتطلبه آلات التصوير والمشاهد من مقتضيات، وثمة أيضا عنصر مجتمعي آخر هام له دوره، وهو الرقابة المجتمعية فهي في العمل السينمائي أشد، ويجب أن تكون أشد ما دام هذا العمل سيعرض على كل الناس في حركات حية، وغالبا ما يتعدى نطاق البلد المنتج إلى بلاد أخرى، ها هنا تبدو جليا صفة الحرية التي يتمتع بها المؤلف الادبي الحالص بالنسبة إلى المؤلف السينمائي. ففي العمل الادبي الذي يطبع وينشر تكون سلطة الرقيب اقل، وقد تنعدم في أحسن الظروف، لان المطلع على هذا العمل، إنما هو النخبة، وليس الامر كذلك في العمل السينمائي ومن هنا يكون المؤلف السينمائي إنما هو مؤلف جديد لعمل قد سبق تأليفه على الطريقة الادبية الخالصة، أو أن المؤلف الادبي يلتحم بالمؤلف السينمائي ليكونا واحدا وهطا ما يقول عنه ريحان في مقاله " والمفهوم من المؤلف، هو هذا الذي يتصور ويكتب حدثا Une histoire أي أنه السيناريت أو هو صاحب الحوار Dialoguiste إذا سمحت المناسبة.

أزمــة موضــوع:
الموضوع في الحقيقة هو العنصر الذي قد يسمو بالعمل السينمائي أو ينزل به إلى الحضيض، ودوره هذا لايقل عنه في العمل الادبي الخالص،  والملاحظ أن السرعة التي تتطلبها عجلة العمل السينمائي، كثيرا ما تجعل اصحابه يقعون في الموضوعات المبتذلة، وذات الحبكة الضعيفة وبالضبط يقول ريحان " من المؤكد أن القاعدة التي يرتكز عليها فيلم ما اي الموضوع ونموه، هي دائما النقطة الاشد ضعفا في العمل السينمائي، وخاصة بعد ان أصبح التقجم التقني
عمليا تحت تصرف الجميع"، والجملة الأخيرة في هذه الفقرة تبين عن عنصر جديد من العناصر التي تكون مشكل العمل السينمائي، وهو التقدم التقني الذي جعل كثيرا من الاعمال السينمائية تخرج إلى الجمهور، خالية من كل محتوى، معتمدة فقط على التبرج واستخدام التقدم التقني، من تلوين، وسرعة في التصوير وغرابة في المشاهد، إلى آخر ذلك، من الحيل السينمائية، ويمكن أن يقال بالنظر إلى الناحية التقنية في العمل السينمائي، أن اقل ما يطلب في الفيلم الحديث هو أن يكون متقنا من هذه الوجهة، وذلك لتوفر الوسائل، ومن هنا تبقى الازمة هي كما سبق، أزمة تأليف، وأزمة موضوع في العمل السينمائي، وأمام أزمة، أو أزمات من هذا النوع، فإن مشكلة جديدة تطرح: لماذا لايقوم المخرجون السينمائيون نفسهم بالتأليف في ميدانهم الذي هم ادرى الناس به؟ لاشيء يمنع من ذلك، وبالفعل فإن هذه الظاهرة قد انتشرت وشاعت في المخرجين السينمائيين من الشباب خاصة، ولعل لهذه الظاهرة حسنات لاتخفى أهمها ما يورده"ريجان" من أن مثل هذا العمل – اقبال المخرجين السينمائيين على التأليف بأنفسهم- يضمن عوامل النجاح للفيلم أو هذا، يبدو لاول وهلة، لان العمل السينمائي في مثل هذا الحال، يتوفر على الوحدة، فليس هناك فصل بين المؤلف الادبي الخالص وبين التقني السينمائي، بل هما شخص واحد، وهذا يضمن أيضا " الانسجام الكامل « Homogénéité complété » لكن هذا إنما هو محصل النظرة السطحية، أما عند الظاهرة، فإذا كان بإمكان المخرجين الشباب أن يتقنوا بصهولة نسبية أو بموهبة خاصة هي الاجتهاد في اتجاه تقني معين نا يتطلبه العمل السينمائي من مهارة آلية، إذا كان بامكانهم ذلك، فليس بالامكان قطعا أن ينزلقوا من ذلك الميدان إلى ميدان التأليف الأدبي بصهولة، وربما كان ذلك مستحيلا عليهم " فإذا كان هؤلاء الشباب المخرجون يستطيعون أن يستوعبوا بسهولة كبيرة، مع قليل من التطبيق، تقنية العمل السينمائي، وإذا كان بإماكانهم أن يصبحوا بسرعة فنيين فليس باكمانهم بمثل تلك السهولة أن يصبحوا مؤلفين". وهذا جد معقول مادام الابداع الادبي موهبة من نوع آخر او هو أقرب ما يكون إلى الموهبة .

ملامــح المشكلــة عندنــا:
ان لنا من واقع العمل السينمائي الناشئ ومن واقع العمل الادبي المتعرض على الدوام لعراقيل مادية ومعنوية بعضها يتصل بنفسية الاديب وبعضها يتعلق بالناشر، وبعضها الآخر يرتبط بالقارئ، ان لنا من هذه الوقائع ما يجعلنا نعتقد مبدئيا ان المشكلة التي الح عليها " ريجان " في الفترة السابقة ستتضخم، فنحن ننتظر أن يقوم المخرجون عندنا في غالب الاحيان بعملية التأليف، نظرا للوضع الذي لا يزال عليه التأليف الادبي عندنا، لكن بالرغم عن جميع العقبات، والاعتبارات المعوقة، فبالامكان ان يتحول العمل السينمائي عندنا لخدمة العمل الادبي، بسبب العوائق التي يواجهها نشر الكتاب عندنا، فما دام المؤلفون يجدون الصعوبة في اخراج ما عندهم مطبوعا إلى السوق، فلنا أن نتساءل: هل بإمكان العمل السينمائي أن يفتح باب لترويج الاعمال الادبية، فالأديب في هذه الحال بالرغم عن عجزه عن طبع الكتاب سيجد الامر هينا عليه بعض الشيء إذا ما قام بمحاولة تحويل تأليفه إلى عمل سينمائي، أو على الاقل، إذا سمح لغيره أن يمارس هذه العملية على تأليفه، وبالطبع هذا يتوقف مبدئيا على أن تكون تمة ثقة من جانب المؤلف في العمل السينمائي، وفي القائمين به وعلى مؤلفات، اننا نعتقد لحد الآن، والعمل السينمائي لو يسر بعد، خطوات طويلة عندنا، نعتقد أن الصلة لاتزال مقطوعة بين المؤلف الادبي الخالص وبين التقنيين من رجال السينما، فيجب فتح الطريق، والذي يجعلنا نلح على فتح الطريق بن المؤلف الاديب، وبين رجل السينما، هو ما رايناه من تهاون أو اهمال في هذا الجانب بالنسية إلى مسرحنا، فالبرغم من ان المسرح عندنا يوجد منذ سنوات، وتخصص له اعتمادات ان لم تكن كافية، فهي على الاقل تدعو إلى الاقبال على هذا الميدان، بالرغم عن ذلك، لايزال مسرحنا لم يحقق الهدف من وجوده سواء في تربية المجتمع وتوجيهه، أوفي تنشيط الحياة الادبية، فالمؤلف المسرحي عندنا هو رجل المسرح بالمعنى التقني، هو المخرج المسرحي في غالب الاحيان، وهو الممثل أيضا وبالنظر إلى السبب الذي لأتينا عليه بالنسبة إلى السينما وهو استحالة توفر رجل التقنية السينمائية على موهبة المؤلف الادبية، كذلك يستحيل على رجل المسرح التقني أن يتوفر على موهبة المؤلف.
ونظرا لسوء الفهم الحادث في هذا المجال، فإن المسرح عندنا لايزيد ما يؤديه على المشاهد الاستعراضية، والهزلية، وفي أحسن الظروف يعمد إلى الاقتباس وهو بدوره مشكلة رئيسية، سواء في العمل السينمائي أو المسرحي، وكما يقول "ريجان" "المفارقة الكبرى هي أننا فقط حين نتوجه لنشاهد سينما مؤلفين، نذرك إلى أي حد تعاني السينما من أزمة المؤلفين".

مشكلة الاقتباس:
هذه المشكلة تتشابه في معالمها البارزة عندنا، مع ما يشهد به النقاد للسينما الفرنسية، ولعلها كذل بالنسبة لكثير من الدول، مع الفارق النسبي طبعا، وهذا الفارق النسبي هو الذي يجعل المشكلة عندنا اصعب واشد تعقيدا، لماذا يتجه البعض إلى الاقتباس؟ أو لانعدامه، أما بالنسبة لغيرنا، كفرنسا مثلا، فإن الاقتباس يتخذ فقط شكل رجوع إلى المؤلفين القدماء، فهو أقل خطرا من اقتباسنا، فالفرنسي السينمائي في سنة 1968 عندما يعود، إلى فيكتور هيجو أو إلى موليير وغيرهما، ويمارس عملية الاقتباس، أو عملية تحويل العمل الادبي إلى عمل مسرحي أو سينمائي، لها، قضايا تمس المجتمع الفرنسي، اجل، إنه يعني ان مشاكل المجتمع الفرنسي في القرن العشرين ليست هي مشاكل العصر الذهبي للادب الفرنسي، وان ادب الشارع الشائع اليوم، ومايعرض له من قضايا، مخالف تمام المخالفة لادب الصالونات التليد، نعم، لكن بالرغم عن كل هذا، تبقى ثمة صلة وثيقة بن ذلك الادب وبين قضايا اليوم، وإذا وجدت العبقرية الصالحة، ففي امكان نفس الموضوع القديم، ان يعالج بطريقة حديثة، ويعرض باسلوب ملائم، ليعالج قضايا مجتمع اليوم، فالاقتباس اذن هو من مجتمع فرنسي إلى مجتمع فرنسي آخر لا يفصلهما إلا فارق زمني، لكن الاقتباس عندنا هو من جهة تحويل جذري للادب الاجنبي وقضاياه، ومن جهة أخرى فان قضايا مجتمعنا بدورها لاتدخل في العمل المقتبس إلا على نحو يفقدها كل اصالة.
ويقول صاحب المقال عن الاتجاه إلى الادب الكلاسيكي من قبل السينمائيين: "وهكذا أصبح كبار الكؤلفين السينمائيين هم....تولستوي...."جاريف.....سوفوكل...." لكن بالرغم عن القيمة الادبية الخالصة لهؤلاء المؤلفين الكبار، فإن سؤالا هاما يستمر قائما وهو: كيف يمكن معالجة هؤلاء المؤلفين؟ أو على الاصح كيف يمكن اخضاع الاختيارات الادبية الخالصة لمقتضيات الفن السينمائي؟ هنا بالطبع تعمل عبقرية التقني ومهارته، والشروط الاساسية تتخلص في محاولة الاحتفاظ بالقضايا الاساسية للعمل الادبي الاصلي، وهنا يحدد "ريجان" طريقين في نظره، لامحيد عن سلوك واحد منهما بالنسبة للمقتبس: أما أن يخرج العمل على حقيقته، فيصور اشخاصه كما هم في الاصل، بنفسياتهم المناسبة لعصورهم، وأما أن يعمد المخرج المقتبس إلى أن يمارس نوعا من التحويل الزمني، فيعرض العما الادبي، القديم كعمل معاصر، فهو هنا يقوم بزحزحة زمنية للتاريخ، وعلى هذا النحو يمكن مثلا أن نشاهد "البخيل" أو "أوديب الملك"...بلباس عصري وبنفسية مناسبة لزمننا، ومن الواضح أن لكل طريق من هذين، يسلكه السينمائي اخطاره و....... ولكن الواضح أيضا أن صعوبات الطريق الاول, محدودة أو طبيعية معقولة، لأنها تنحصر في انجاز العمل في صورة طبق الاصل مما أخذ عنه، بحيث لايكون ثمة تصرف في الموضوع والحدث، إلا بمقدار ما يتنافى ذلك مع مقتضيات وامكانيات التقنية السينمائية، اما الطريق الثاني فمتعدد الصعوبات، متشابك العناصر، انه يتطلب عملية تاليف من "الدرجة الثانية" كما يقولون، لان اسقاط مشاكل العصر السابق استيعابا كاملا، يساوي استيعابه لمشاكل عصره هو، كل هذا علاوة على المهارة التقنية التي هي حليف السينمائي في كل عمل، ولعل السينما التي ضربت رقما قياسيا في تقديم الاعمال الادبية لكبار الروائيين هي السينما السوفيتيتة كما يلاحظ كاتب المقال من تحليل للنماذج التي شاركت بها هذه السينما في المهرجانات الدولية، فقد عرضت على الشاشة أعمال تولسوي ودستوفسكي وغوركي....وغيرهم، ولكن السؤال أصبح قائما بصدد هذه الظاهرة ولهذا يتساءل الناقد : اين نحن من "الحرب والسلم" و "عند ما تمر اللقالق" و "الام"؟ أين نحن من تلك الضجة الفنية التي احدثتها تلك الاقلام ومشابهاتها ابن نحن من المتعة والورعة التي يخرج بها المشاهد من تلك الاعمال ولايمل تكرار المشاهدة ؟ لقد بدأ وكأن السينما ........ تراجعت عما كانت متجهة إليه، وذلك بالطبع ناتج عن الاهتمام بموضوعات المجتمع الحاضر، وهكذا نعود مرة أخرى إلى كلمة عن الموضوع الذي سبق أن قلنا انه أحد عناصر الازمة في العمل السينمائي.

الحب والابتذال السينمائي:
ان ازمة المؤلفين وأزمة الموضوع، تتركز لتتجلى عند العمل السينمائي في تكرار ممل لقضايا مجتمعية باهتة، وهذا ما يجعل السنوات تمر احيانا دون ان يشاهد المرء عملا سينمائيا بمعنى الكلمة. زيلاحظ الناقد أن جل الاعمال التي تشارك بها الدول في المهرجنات السينمائية، وهي خير الافلام، وأحسن ما تتوفر عليه الشعوب، يلاحظ الناقد أن الموضوع الرئيسي الذي تطرقه هو الحب وقد يكون ذلك كما يقول "ريجان" في كلمة اقتبسها لا "الحب هو الالم، والالم هو الحياة" وإذا كان النقاد السينمائيون يذهبون إلى عنصر الحب أساسي في العمل السينمائي، أو على الاقل، هو عامل مرغوب فيه، فإن كثيرا من الطرق التي تعالج بها مشائل الحب، هي اقرب ما تكون إلى الابتذال، ويبدو الغرض واضحا في جل الحالات أن المقصود بكلمة حب في هذه الافلام ليس تربويا ولا حليليا اجتماعيا، وانما هو لارضاء غرائز الجمهور وفي بعض الاحيان لاثارة هذه الغرائز، وافساد السليقة الخلقية في الاجيال الناشئة خاصة ان موضوع الحب بالرغم عن كل العيوب التي قلنا هي موضوع غني، ولكن السرعة التي تتطلبها "التجارة السينمائية" هي التي تذهب بروعة الموضوع، وجماله، ولهذا اصبح مجرد العلم بأن موضوع فيلم ما هو الحب علامة سابقة على فشله وابتذاليته.
كلمة أخيرة:
لعلنا نخرج، سواء من تحليلنا لبعض ما جاء في كلام الناقد للعمل السينمائي الفرنسي، او من عرضنا لبعض الملامح العامة للمشكل عندنا، نخرج من كل ذلك بأن المنعرجات التي من شأنها، أن تعوق عملنا السينمائي عن السمو إلى المكان اللائق، في البداية كثيرة، ويحتاج التغلب عليها إلى تخطيط محكم، وتعاون وثيق بين رجال الادب والثقافة ورجال السينما ولعلنا إذا طرحنا كل ما قيل عن أول فيلم مغربي عرض في مهرجان طنجة الاول أخيرا، سواء ما يتعلق منه بالممثليين أو بالموضوع أو بالتصوير، وإذا أخذنا بعين الاعتبار، الفترة الزمنية التي تم فيها تحقيق الفيلم، والطاقات المعنوية والمادية التي خصصت للمشروع، وهي لابد ان تكون في بداية الامر محدودة، لايسعنا إلا أن نقر بشيء واحد هو صفة الطموح التي يتميز بها رجال السينما عندنا، وهذه الصفة ضمانة كبرى لانجاح أي عمل وتطويره، لكنها لاتكفي ولا تستمر ضمانة إلا في بداية الامر، ولهذا نتمنى أن تكون بعض الملاحظات التي اتينا عليها، عاملا على الفات النظر إلى اهمية الموضوع، وخاصة من زاوية التعاون بين الاديب ورجل السينما، وهو فيما يبدو لنا الكفيل بالخروج بعملنا السينمائي الناشئ من " أزمة المؤلفين" و "أزمة الموضوع" ليمكن توجيهه الجهود على أزمات أخرى تعالج بالطرق المناسبة لها.

(1)  المقال كتبه Roger Régent  في La Revue des deux Mondes. 1 er aout 1968. p 450..

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here