islamaumaroc

نظرات في مجلة مجمع العربية

  دعوة الحق

113 العدد

أثناء مرضى العضال، الذي مازال(1) ولايزال ناهكا لقلبي، منحلا لجسمي، وصل إلى الجزء الثاني والعشرون من مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة والجزء الثامن من دعوة الحق هدية من السفارة المغربية بمدينة السلام بغداد، انجح الله مساعيها، وقد قرأت من المجلة اللغوية مبحثا للدكتور محمد كامل حسين عنوانه "اخطاء اللغويين" فيه آراء مفيدة وأقوال غير سديدة ولا رشيدة، قال-حفظه الله تعالى-في اوله:" تتشابه اللغات كثيرا في نموها وتطورها ويمر بكل لغة عصر يحرص فيه علماء اللغة على ما يسمونه نقاء اللغة وصفاءها، هذا الحرص يحلمهم على ان يحيطوا اللغة بقواعد تزداد تعقيدا كلما اوغلوا في بحثها وتنميقها، وفي هذا العهد يرى اللغويون ان لهم وحدهم القول الفصل في تحديد الصواب والخطأ، والصواب عندهم ما طابق قواعدهم والخطأ ما حالفهما ولايعنيهم كثيرا أثر الذوق والاستعمال في تطور اللغات"(2).
والفقرة الاولى من هذا القول سديدة، وما يليها مدعاة إلى التعقيب فاللغويون على اختلاف عصورهم ليس لهم ان يبتدعوا قواعد للغة من عند انفسهم أو نفوسهم ان شئت، وانما تعتمد القواعد على القياس المستنبط من كلام العرب الفصحاء، والقاعدة إذا كانت مطردة- كما قالوا- كانت كالقوانين الوضعية، وكما يصيب التعديل القوانين يصيب القواعد العربية، ولمثل هذا التعديل انشئت المجامع اللغوية في العالمين، والفت من علماء باللغات متبحرين، قد بلغوا من علمها اطوريه، وعرفوا من دقائقها كثيرا، ومن اسرارها مقدارا وفيرا، إلا أن اللغة العربية تخلفت عن اللغات المتقدمة فبقي حالها(3) على قدمها، ولما الفت لها مجامع كانت المحاباة الرسمية(4) متحكمة في وراثة الخنوع والخضوع، والذل والاستخذاء حتى في الشؤون العلمية، وهذا تحيف لحق اللغة العربية، عماد الامة ووجهها الواضح، ومظنة مجدها، ومركز حضارتها، ورباط الفتها فضلا عن كونها لغة القرآن الكريم والدين.
والنقد اللغوي يتناول فساد تركيب الجمل واساءة استعمال الافعال والاسماء والحروف، وقد ألفت كتب ورسائل فيه كثيرة، منذ تأليف الكساني لرسالته فيه في النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة المباركة، واشتهر من هذا التأليف بعد رسالة الكسائي كتاب "ليس في كلام العرب" لابن خالويه ودرة الغواص للحريري وشرح شهاب الدين الخفاجي المصري لها مدمجا في تعقيب عليها، وهو الشرح المعروف بالغرة وشرحها للسيد أبي الثناء محمود بن عبد الله الآلوسي ثم البغدادي وهو الموسوم بكشف الطرة عن الغرة لأنه أدمج فيه شرح الخفاجي وألف ابن الجواليقي تتمة لدرة الغواص سماها " التكملة فيما تلحن فيه العامة" مع أن درة الغواص خاصة بأوهام الخاصة، وهو من الكتب المطبوعة المداولة المشهورة، وألف ابن مكي الصقلي المتوفي سنة 501هـ-1107م كتابا في هذا الموضوع سماه "تثقيف اللسان" وقد نشره بالطبع الآلي الدكتور الفاضل عبد العزيز مطر بالقاهرة سنة 1386هـ-1966م، وفي القرن السادس الهجري الف العلامة اتبن الجوزي كتابا في ذلك وسمه بتقويم اللسان، ونشره بمساعدة مالية من الجمع العلمي العراقي، ناشر تثقيف اللسان، ولم يكن ابن الجوزي – رحمه الله تعالى- من فرسان هذا الميدان ولكنه ركض فرسه في هذا المشوار، وألف صفي الدين الحلي الشاعركتاب أغلاطـــــــي
(5)
وفي هذا القرن ظهر الشيخ ابراهيم اليازجي ناقدا لغويا، ثم الاب مساري الكرملي اللغوي المشهور وكلاهما لبناني في الاصل وان ولد انستاس وعاش في العراق وهما في معالجتهما للنقد اللغوي قد ذكراني بالعالم الفاضل ابن كمال باشا احمد سليمان التركي العلامة المتوفى سنة 940 هـ في تأليفه رسالة "التنبيه على غلط الجاهل والتنبيه" وقد طبعه الاستاذ لذبرك الالماني مع طرف عربية كما جاء في معجم المطبوعات، ثم طبعه الشيخ عبد القادر المغربي بدمشق سنة 1344هـ-1925م، والبرهة بين الطبعتين اربعون سنة، فالمؤلف ايضا غير عربي الاصل.
وقد جمع بعض المعنيين بالطباعة الآلية مقالات الشيخ اليازجي ونشرها في كثيب هو "لغة الجرائد" وذكر أنها المقالات لالتي نشرت تباعا في مجلة الضياء، واليازجي مع علمه باللغة العربية لم يسلم انشاؤه من اوهام ولا اقواله من التعقيب، ومن يقل لنا فيها حدباك نقل له جلناك
   (6). وجاراه في ذلك الاب انستاس الكرملي إلا أنه لم يكن هناك ولا بذلك.
وفي مجلة "لغى العرب" جملة صالحة من النقد اللغوي، وعلم المصطلحات قديمها وحديثها هو الذي كان غالبا عليه، ولم يخل انشاؤه من الغلط كسائر اناشيئنا(7)، ثم رعف الدهر بالكاتب اسعد خليل داغر فأخذ ينشر نقدات لغوية في مجلة المضمار راسما لها بسمة "تذكرة الكاتب" ثم ضمها إلى غيرها واخرجها بالطبع الآلي كتيبا بالاسم نفسه سنة 1923-1342هـ حاويا ستا وثلاثين وأربع مئة(8) نقدة، فيها الغث والسمين ومن غثها ما لم نزل ولانزال نعاني منه بأسا على العربية، كاصلاحه قولهم "السكة الحديد" بالسكة الحديدية، واصلاحه قولهم "توفرت الشورط" توافرت الشروط، مع أن القاعدة النحوية توجب "السكة الحديدية" فهو لم يدرسها، ومع أن "توفر الشروط" هو غير " توافرها" فالتوفر التمام والكمال، والتوافر هو التكاثر، فهم ارادوا توفر الشروط أي تمامها وكمالها لا توافرها أي تكثرها، وكان انشاؤه اقل صحة من انشاء الشيخ ابراهيم اليازجي، الاتراه يقول في اول التذكرة- ص 5- "وحدث أن حكومة السودان انتدبتني" ولم يذكر "انتدب" معتجيا، من اللغويين الاصاحب المصباح المنير، ولا يعتمد عليه إذا لم يسند قوله تخطئته وصف الرجل بالكسول، زاعما ان الكسول من صفات المرأة الخاصة، وهذا الراعي من أشعر الشعراء في عصر بني أمية المتقدم وافصحهم يقول"
طال التقلب والزمان ورابه
  كسل ويكره أن يكون كسولا(9)
وكتب ناس غير هؤلاء في النقد اللغوي كان علمهم باللغة ناقصا فجاء نقدهم المقتبس من كتب غيرهم تغاب عليه الصحة، ونقدهم الصحيح يحتاج إلى نظر وتعقيب فضلا عن اشائهم غير المبرئ من المعايب اللغوية، واذكر منهم احد اخواننا المقتبسين فأول كلمة بدأ بها رسالته بعد البسملة الكريمة لحن فيها وهي في قوله :"يحوجنا ونحن في ابان نهضة علمية حديثة يتمخض بها الشرق العربي ان نتجه في استكمال اسباب هذه النهضة إلى احياء الآداب الاسلامية"(10) أراد بقوله :يحوجنا" معنى "يعوزنا" و "بنا حاجة إليه" و "نجتاج إليه " وما في معناها مع أن معنى "يحوجنا" هو "يجعلنا محتاجين" فالتركيب فاسد بفساد استعمال الفعل في غير موضعه.
ومن ذلك قول العالم الفاضل محمد علي النجاري(11) في كتيبه "لغويات" – ص 11 – ولم اقف على التلاف فيما رايت من المعاجم". والمعاجم جمع المعجم بفتح الميم، قال العلامة الزمخشري في أساس البلاغة: " وفلان صلب المعجم لمن إذا عجمته الامور وجدته متينا" وقال في " ص د ن " من الاساس: "وفلان صدق وصدق المعاجم"، وهو جمع المعجم المذكور، فالمعجم في اصل معناه موضع العجم أي المضي للاختيار كعجم العود لمعرفة صلابته من رخاوته، والقياس الشائع للمعجم بضم الميم هو "المعجمات" ودونه في القياس ايضا " المعاجم" بزيادة الباء، وهي قاعدة جمع التكسير لجميع الاسماء الرباعية والخماسية الميمة الاوائل المضمومتها كالموسر والمياسر والمفطر والمفاطير والمطفل والمطافيل والمخنث والمخانيث والمخبل والمخابيل والمزورة والمزاوير لدواء من الاطعمة.
وقد ضمان العالم النجاري-رح-كتيبه المذكور آنفا سبعا وخمسين ومائة نقذة لغوية، فيها فوائد مبنية، ومن الغريب في كتابه استعماله غير الفصيح فيه كقوله في الصفحة 74:
"كما يثبت وجود هذا الضرب من التجار في المدينة الاسلامية في عصورها الغابرة" ، أراد" عصورها الماضية" والسالفة والمنصرفة والمنسلخة وما في معناها، مع أن "الغابرة" عند الفصحاء هي الباقية أي الحالية والمستقبلية، وقال الراغب الاصفهاني في غريب القرآن: " الغابر: الماكث بعد مضي ما هو معه قال (تعالى): الا عجوزا في الغابرين. يعني فيمن طال اعمارهم. وقيل: فيمن بقي ولم يسر مع لوط، وقيل فيمن بقي بعد في العذاب، وفي آخر: الا امراتك كانت من الغابرين، وفي آخر: قدرنا انها لمن الغابرين ومنه الغبرة، البقية في الضرع من اللين.....
وقيل: يقال للماضي غابر وللباقي غابر فان يكن ذلك صحيحا فإنما قيل للماضي غابر تصورا، بمضي الغبار عن الارض، وقيل للماضي غابر تصورا لتخلف الغبار عن الذي يعدو فيخلفه". وجاء فيلسان العرب، وقوله في الحديث: أنه كان يحرر فيمل غبر من السورة أي يسرع في قراءتها، قال الازهري: يحتمل الغابر هذا الوجهتين، يعني الماضي والباقي فإنه من الاضداد، قال: والمعروف الكثير ان الغابر الباقي ومنه الحديث: انه اعتكف العشر الغوابر من شهر رمضان أي البواقي جمع غابر....وقال غير واحد من الائمة(12) انه يكون بمعنى الماضي....قال الازهري: والمعروف في كلام العرب ان الغابر الباقي....! ابن الانباري: الغابر الباقي في الاشهر عندهم، قال: وقد يقال للماضي غابر، قال الاعشى في الغابر بمعنى الماضي:
عض بما أبقى المواسي له
  من امه في الزمن الغابر
أراد الماضي"، قال مصطفى جواد كاتب هذه المقالة: لاأرى وجها للاحتمال الذي اشار اليه الازهري –ر ج- فالغابر لم يرد في القرآن الكريم الا بمعنى الباقي فيحمل الحديث عليه، وأما "الغابر" المظنون في بيت الاعشى فهو عندي تصحيف "العابر" بالعين المهملة لان العابر بمعنى الماضي في بعض معانيه، ومنه العابر للميت جاء في لسان العرب: " ويقال: عبر فلان، إذا مات فهو عابر كأنه عبر سبيل الحياة وعبر القوم أي ماتوا، قال الشاعر:
فإن نعبر فان لنا لمات
  وان نغبر فنحن على نذور"
فالزن العا بر هو الذي عبر زمن الحال وجاوزه والتصحيف في العربية سيء الاثر عهو الذي ولد في عصرنا ّ التحوير" من التحويل، و " التكاتف" من التكاتف، و " التجول" من التجوال، و " الجمعية" من الجمعية تصغير الجماعة، وولد قديما "التخليص" من التخليص، فالتخليص المواد هو غير التلخيص القديم وهما متناقضان، وولد الامعان من الانعام، و "الماليخوليا" من المالنخوليا وعشات غيرهن.
فاللغويون لم يكن لهم وحدهم القول الفصل في تحديد الصواب والخطأ، وانما كانت اقوالهم تنبيهات مستندة إلى القواعد والمسموع الفصيح من كلام العرب، ومع هذا فقد انتقد بعضهم على بعض والفت كتب في انتقاد النقد، وكتيبات ورسائل، مثال ذلك أن ابن الخشاب البغدادي النحوي انتقد على الحريري ما عده غلطا في مقاماته، فانتصر ابن بري للحريري ورد على ابن الخشاب  (13).
والدكتور محمد كامل حسين نفسه في هذه المقالة عينها رد على من أنكر استعمال الفعل " برز" و "المبرر" من اللغويين قال " " لايزال من اللغويين من ينكر كلمة "مبرر" لأنها لم ترد بهذا المعن ويفصلون كلمة المسوغ وعندي أن المسوغ هو ما نقوله بعد أن يقع الامر، فكل حرب لها مسوغات أدت إلي قيامها وقليل منها ماله مبرر، ويستحسن أن تكون هناك كلمتان مختفتان تدلان على المعنيين، والتبرير كلمة عربية في صيغتها و اشتقاقها ودلالتها على ما تدل عليه كلمة أخرى في اللغة، فبقاؤها واجب وهي صحيحة بكل معاني الصحة"(14).
وكنت أنا من الذين يجدبون (15) استعمال "برر" ومصدره بالمعنى الذي يراد من "سوغ" ومصدره، فرايت الثقات الدكتور المدافع المذكور المنتقل من الدفاع إلى الهجوم صوابا في توجيه "برر". أما كلامه على "التسويغ"  فهو من بنات خالية، ولو لم يكن كذلك لشفعه بنص لغوي مروي عن الثقات الاثبات، فلا يشترط في التسويغ ان يكون قبل العمل كما ادعى، ففي مختار الصحاح "وساغ له ما فعل أي جاز، وسوغه له غيره تسويغا أي جوزه" وقال في ج و ز "وجوز له ما صنع تجويزا واجازه له أي سوغ له ذلك"، فالمضي مقدم على غيره في النص اللغوي، ولا فرق بين الماضي والاستقبال في الاستعمال.
وأول من استعمل "برر" بالمعنى المذكور آنفا المترجمون من اللغة الفرنسية وهي اشبع اللغات الغربية في الشرق، والمترجمون عيال على معجم الاب J.B.Belot  وقد ذكر بازاء Justifier  برا وبرر وزكى وسوغ وغيرهن فاختاروا "برر" لانسها(16) وخفتها وشيوع مادتها.
فاللغويون لم يحكموا احكاما قطعية بل تركوا باب الاستدراك والاستئناف وباب التمييز مفتوحة كما هو الامر في احكام القضاء في القوانين للوضعية، لعلمهم ان باب الاستعارة في العربية مفتوح ابدا وكذلك باب الاشتقاق والقياس، وما قيس على كلام العرب الفصحاء كان مثل كلامهم، اما اقتباس الاستعارات من اللغات الاعجمية فمنه ما يوافق اللغة العربية ومنه ما لا يوافقها(17)، فلا يصح ان يقال في هذا الرقض وهذا الاباء وعدم الموافقة انها جامدة، لان للغات اذواقا ايضا، والفرنج اشد تمسكا باستعمارات لغاتهم من العرب في هذا العصر، ولم انس ان احد الطلاب العرب الذين درسوا العلم والادب في فرنسة كتب رسالته لنيل شهادة الانجاح باللغة الفرنسية، فلما اطلع عليها استاذه المشرف عليه المشارف على تأليفه قال له: هذه عبارات عربية مكتوبة بكلمات فرنسية، ذلك لانه رأى الاستعمارات وهي الغالبة على كل انشاء أدبي هي استعمارات غير فرنسية والكاتب عربي فهي عربية.
وقولنا أن باب الاستعارة مفتوح معناه تنشيط اللغة العربية، ونريد قوتها، وتكثير ثروتها وتوسيع مجادلها، فدونك الفعل "عشر" على سبيل التمثيل، فك أن تستعيره لغير الانسان، فالمعتمد على الله العباسي في النصف الثاني من المئة الثالثة للهجرة سمى قصره الفخم العظيم القائمة اطلاله حتى اليوم بغربي سامرا أي سر من رأى التي أنشأها الخليفة الهمام قاهر الفرنج ونصير الاسلام المعتصم العباسي – رح – (المعشوق)، ووصف أبو حيان التوحيدي بليغ القرن الرابع للهجرة ومؤلف الامتاع والمؤانسة والصداقة والصديق ومئالب الوزيرين وغيرهما يقول في كتابه الاخير:"...ايام راسك غينان، وأنت كالصعدة تحت السنان، شطاطك(18) معجب، وحديثك معجب، وحديثك (معشوق)ن وقربك متمنى، والليل بك قصير، والنهار عليك مقصور، والعيون اليك كوامح، والعوازل دونك نوائج، وذاك زمان قضى فانقضى (19)".
فهذه الاستعارة مضى على استعمالها السائغ بل المعشوق اكثر من مئة والف سنة فائدة من الجدل فيها، واللغويون المتبحرون لا يحولون دون استعمالها إلا من خفي عليه امرها فهو معذور واحسبه إذا رأى الحق والصواب في استعمالها لم يعرض عنهما.
ونفضل الرجوع إلى قول الدكتور محمد كامل حسين فيما نقلناه من كلامه: " هذا الحرص يحملهم على ان يحيطوا اللغة بقواعد"، فنسأله أولا من استعمل " أحاط يحيط" هذا الاستعمال من الفصحاء، وإذا قال باب الاستقامة والقياس مفتوح، قلناه: أجل لعلك اخذته من " حاطه يحوطه حوطا وحياطة وحيطه" أي كلاه ورعاه، لان الكالئ والراعي يدور حول المكلوء والمرعي، فالدوران والحف هما اصل المعنى، فمعنى قوله: "على أن يحيطوا اللغة بقواعد" مع انه اراد ان القواعد تدور حول اللغة وتحف بها، فاللغويون يعدون الدكتور محمد كامل مخطئا، ويقولون له: قل: على ان يحيطوا قواعد باللغة". فهذا وجه الصواب، ولانعكر ولا نقلب.
ونأتي إلى قوله الصفحة المئة والعشر: " فإذا كان كل ما ورد عن العرب صحيح (كذا) فكل ما يشبه كلامهم الذي فيه، والمعروف ان ما ورد في الفصحاء من الكلام هو الصحيح، وقد وسم الدكتور عبارته بسمة الركة حين آخر "كلامهم" فخرج عن قوله "كل ما ورد" وكان حريا ان يقول "كل ما ورد عن العرب من كلام " حتى يرد إليه قوله " ما يشبه كلامهم".
وقال في الصفحة 107: " فتتبع قواعد الصرف المعروفة اتباعا دقيقا لايتفق والحاجة إلى دقة الدلالة" ومقالته محشوة باستعارة "الدقة" فيما يسوغ وما لايسوغ، فلندع حسن الاستعارة وقبحها، ونذكر غلطه النحوي في قوله "لاينفق والحاجة" بعطف الحاجة على الضمير المرفوع أي ضمير الرفع المستند في الفعل "يتفق" وذلك غلط، إلا إذا فصل بين المعطوف والفعل بفاصل لفظي من ضمير وغيره كقوله تعالى "اسكن انت وزوجك الجنة". فالفاصل الضمير وكذلك الحال في العطف على ضمير الرفع الظاهر،  كقوله تعالى : " سيقول الذين اشركوا لو شاء الله ما اشركنا ولا أباؤنا" فالفاصل هو : "لا"، ولايجوز للدكتور محمد كامل حسين أن يجعل "الحاجة" مفعولا معه لان الفعل "يتفق" مشترك يجب ان يستوفي مرفوعية اللذين يتم بهما الانفاق.
وقال في الصفحة المذكورة: " ولاضير على اللغة أن تخرج على ما ورد في المعاجم (كذا) بل وعلى القياس إذا كان التمسك بذلك يؤدي إلى تسمية منطقة الحديد في اسوان بكلمة تدل على "حزام المرأة"، قال ذلك منكرا استعمال "المنطقة" لمنطقة الحديد في اسوان، ولكنه اجاز استعمالها "للحزام الكهربائي" الذي يحيط بالارض، وما درى ان "الحزام" الذي ذكره هو "المنطقة"، والمنطقة ترجمة الكلمة الفرنسية Zone وقد اثبت الاب بلوفي معجم المقدم ذكره بازائها: "منطقة من مناطف الارض" : ونحن يهمنا قوله : " أن تخرج على ماورد" باستعماله "على" بدلا من "عن" وقوله: "بل وعلى القياس" بجمعه بين حرفي العطف المتناقضين: حرف الجمع وحرف الاضراب، واستعمال "على" قد قاسه على قولهم: " خرج فلان على السلطان" أو " على الدولة" مع أنه تعبير خاص بالعصاة وبالعصيان، كالخوارج الذين خرجوا على الامام علي بن ابي طالب- ع – فمن البداهة انه لا يقال: "خرجوا عن علي" لان المراد "عصوه" وفي تعبير مولد " عصوا عليه". ولو علم ان معنى قوله : " ان تخرج على ما ورد" هو " أن تخرج على حسب ما ورد" وهو ضد ما أراده ما قاله، ألا ترى قول الشريف الرضى في كتابه المجازات النبوية: " وهذا القول خارج على طريق المجاز"(20) والشريف الرضى من فصحاء الامة العربية.
فكيف يغمض اللغويون عن الدكتور محمد كامل في هذه العبارة وهو قد استعملها بضد ما يستوجبه تركيبها من المعنى؟
وقال الدكتور في الصفحة 105 من المجلة : " حتى لاتكون هناك فرقة بين اللغة وتفكير أهلها". استعماله "هناك" حشو لا محل له وهو من محدثات الترجمة السيئة، لانه اشارة إلى غير متقدم ولا مائل بإزاء المشير، فإن أراد الظرفيو اغنته (بين) عن غيرها، فهي المرادة وهي المقصودة.
وتكلم الدكتور في الصفحة 106 على "المتحف" بفتح الميم و "المتحف" بضمها، فجدب الثانية ثم قال: "والحاجة التي دفعت العربي إلى صياغة فاسدة أو شاذة ليست أشد من حاجتها إلى صوغ كلمة تدل على مكان تكثر فيه التحف ولذلك تكون كلمة متحف بفتح الميم هي الكلمة العربية الصحيحة: ، ومن جدبه للثانية أي المتحف بضم الميم قوله : " أما الذوق اللغو بيأباه، والذوق يدق عن القواعد، ذلك أن اشتقاق اسم المكان من افعل المعتدي نادر جدا واكثره من الافعال اللازمة".
فنقول: أما تسويغه "المتحف" بفتح الميم فلا وجه له في السماع ولا في القياس ولا في الاشتقاق ويقترن القياس والاشتقاق احيانا، والقاعدة في صوغ كلمة تدل على مكان يكثر فيه الشيء المصوغ له، ان تأتي الكلمة على وزن "مفعلة" بفتح الميم والعين مثل "مأسدة ومأذبة ومقتأة ومرزة لوضع الرز، ومسبعة، وعلى هذا ينبغي ان يكون الاسم " متحفة" بفتح الميم والحاء لموضع التحف، وعلى هذا القياس يجري في صوغ اسم لمنطقة حديد اسوان التي جدبها، فيقال "محدة" أسوان بتشديد الدال، كالمرزة بتشديد الزاي، فاللغويون يريدون اتباع القياس اللاحب والاشتقاق الصائب.
أما قلة ورود " المفعل" بضم الميم وتسكين الفاء وفتح العين اسم مكان فليس مرجعها الذوق، بل روح العربية، لان اكثر الافعال الثلاثية في العربية متعدية وذلك لان التعدي في الافعال هو الاصل واللزوم طارئ عليها، فاستغنى العرب بصوغ اسم المكان من الثلاثية المعتدي عن صوغه من " افعله يفعله افعالا" ، ولم يفكروا فيما لا حاجة بهم اليه وان ورد نادرا كالخمد لواد باليمن والمدرك لموضع في جزيرة العرب والراخ لموضع قرب المزدلفة والمراد لحصن قريب قرطبة والمعظم لموضع في بلاد العرب، ومع ندورها يجوز اعتدادها اسماء مفعول في الاصل، فهو نادر كما قال الدكتور ونعم ما قال.
وبما قدمنا يظهر للدكتور أن اللغويين يريدون المبنى والمعنى معا لا كما قال: " مقاييس الصحة هذه الامور هو عند اللغويين صحة المبنى على حين ان المقياس يجب ان يكون وضوح المعنى وصدق الدلالة(21). قوله: "هو" للاخبار عن المقاييس غلط والصواب "هي" بالبداهة.
وقال الدكتور محمد كامل حسين وهذا القول من اقوله هجوم ولادفاع، وهو يذكر اللغويين: " ومن اغفالهم المعنى قولهم في تفسير عبارة (قدم) انهم يقولون أن (حدث) لم يرد في كتب اللغة وانها هنا للاتباع، وما هي من الاتباع في شيء وإنما (حدث) فيه معنى الحداثة وهو ضد قدم، ولايدل على المعنى أن يقول: وما حدث، بفتح الدال فهذا من الحدوث وذلك من الحداثة".
وهذا القول قيه جرأة غير مستندة إلى علم، فاللغويون نصوا في كتبهم على ان (حدث) بضم الدال لم يسمع ولم ينقل عن العرب إلا أن في العربية انواعا من التحسين اللفظي، وتنسيقه، فكانوا يقولون: "ماقدم وما حدث" على سبيل الاتباع والازدزاج، أما الحداثة التي ذكرها الناقد على اللغويين قولهم فهي مصدر "حدث" أيضا بفتح الدال، قال مؤلف لسان العرب: " الحديث نقيض القديم والحدوث نقيض
القدمة، حدث الشيء يحدث حدوثا وحداثة، حداثة السن كناية عن الشباب واول العمر...ورجل حدث السن وحديثها: بين الحداثة والحدوثة". فالحداثة عندهم.
والناقد يريد وجود " حدث " لوجود الحداثة وكأنه يشير إلى أن أحد مصدري "فعل بفعل" (يضم العين ) المشهورين هو ( فعالة) كالحداثة، فغلط اللغويين-أدام الله علمه الغزير- كأن ذلك من دعاواهم، وما درى أن ذلك من اسرار العربية التي لا يطلع عليها الا بالتبحر وتوفيق من الله تعالى، فوزن "فعل يفعل" ككرم ابدعته العرب- بعد ضيق الاوزان بالمعاني-للتحويلات الغزيرية وشبهها، ولابد للتحول الغزيري وشبهه أن يسبقه طور من الاطوار، فيقال: "حدث الشيء" أي كان حديثا لم يسبقه طور لانه جديد، فاذا بعد زمان حدوثه قيل "قدم" بضم الدال، لتحوله شبه الغزيري، فهل يجوز أن يكون القديم "حديثا" بالنسبة إلى حالته وحدها؟ هذه مسالة علمية والدكتور الناقد علمي ولا أدبي، وهل يعود امس فيكون اليوم القابل أي غدا؟ ليكون حديثا وجديدا؟ ف الذي حدث سيكون قديما، وهذا وزنه، والذي "قدم" لن يكون حديثا، فتأمل دقائق هذه اللغة المنطقية.
وقال الدكتور في الصفحة 100 " ويجدر بنا أن نتبين مقاييس الخطأ" فعكس استعمال الفعل فالانسان هو الذي يجدر ان يكون جديرا، فالصواب " ونجدر ان نتبين" ولعله أراد " يحسن بنا" و " يليق بنا" فهل من فائدة في ذلك القلب؟ هذا كلامنا في مقالة واحدة من مقالات مجلة-مجمع اللغة العربية-، فنسأل الله الشفاء لنطارحها الفوائد والآراء.

(1)هذا تام ومضارعه "يزول".
(2) مجلة اللغة العربية "ج 22 ص 105".
(3)  الحال تؤنث وتذكر وتأنيثها افصح من تذكيرها.
(4)  أناعضو عامل في المجمع العلمي العراقي وعضو مراسل في مجمع دمشق فلا يحملن أحد قولي على كوني موتورا.
(5)  منه نسخة في خزانة الكتب المصورة بالجامعة العربية في القاهرة.
(6)  بلغت بابراهيم اليازجي دعواه ان غلط الحارث بن حلزة اليشكري صاحب المعلقة "ص 18 من لغة الجرائد " وهو امر مضحك وذلك في تأنيث الحارث "الضوضاء" مع أن وجود العلامة يدفع كل مؤاخذة وملامة.
(7)  الأناشي جمع الانشاء وهو جمع قياسي، لأنه مصدر نقل إلى الاسمية.
(8)  هو الرسم الجديد الصحيح للاعداد المقرونة بالمئة.
(9)  جمهرة اشعار العرب (344).
(10)  أغلاط اتلكتاب "ص 1".
(11)  كان – رح – يسمي نفسه "محمد علي النجار " والتسمية خطأ لانه لم يكن نجارا بل كان ابوه او جده فهو نجاري، وهو عالم ازهري مشهور ومن اعضاء مجمع اللغة العربية بمصر وكان رحمه الله مفتونا بعلمه انتقد على انكاري وجود " المطاوعة" في العربية، في مجلة الازهر فلم اجبه، فما كل قائل بجاب.
(12)  اعترض بعض الاعاجم المبتدئين بعلم اللغة علة في همزة "الائمة" مع أنها القراءة الشائعة قديما  وحديثا في القرآن الكريم وكسرة الهمزة هي التي قرتها على البقاء كما تقول "اؤيدك" بتحريك الثانية.
(13)  طبع النقد والرد في مطبعة الشركة الطبعية بخان الوزير باسطنبول سنة 1328 هـ.
(14)  مجلة مجمع اللغة العربية " 22: 108".
(15)  يجدبون: يعيبون، وفي مختار الصحاح " والجذب أيضا العيب وبابه ضرب، وفي الحديث انه جدب السمر بعد العشاء أي عابه" وكتاب العصر يستعملون " شجب يشجب شجبا" مكان "جدب"  ومضارعه ومصدره وذلك خطأ.
(16)  التأنيت باعتدادها كلمة.
(17) تطرقت إلى ذلك في كتيبي "المباحث اللغوية في العراق".
(18)  الشطاط حسن القوام واعتداله.
(19) اخلاق الوزيرين :ص 32 طبعة المجمع العلمي العربي بدمشق". والصحيح تسميته باحدى تسمياته المختلفة وهي " مثالب الوزيرين" لانه جمع الثلبة والبذاءة والاختلاف باسلوب بديع وانشاء بارع وبلاغعة مطنبة لان الغالب على البلاغة الايجاز كما هو معلوم.

(20)  المجازات النبوية ص 26 طبعة مصطفى البابي بالقاهرة 1356-1937م.
(21)  مجلة مجمع اللغة العربية " 22: 106".


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here