islamaumaroc

زيارة الوفد المغربي للاتحاد السوفياتي -2-

  دعوة الحق

113 العدد

غادر الوفد المغربي عاصمة الاتحاد السوفياتي التي قضى بها يوما كاملا يتفقد معالمها، ويتعهد أحوال المسلمين بها إلى مدينة لنينفراد الواقعة على شاطئ بحر البلطيق، وقد عمد منظموا هذه الرحلة إلى أن يكون هذا السفر لهذه المدينة بواسطة القطار، لأنه يتوفر على أسباب الراحة الهادئة، والهناء المطمئن، ووسائل الترفيه.
وقد قطعنا الليل كله والقطار ينهب الارض نهبا إلى أن استيقظنا صباحا على مدينة الليالي البيض التي طالما تغنى بها الشعراء، ولهج بجمالها ذزز الاحساس المرهف، وخلدها الرسامون في لوحاتهم الفنية الرائعة.
وجدنا في استقبالنا جماعة من مسلمي هذه المدينة في زيهم التقليدي، فاظهروا حفاوة بالغة، وتقديرا عظيما لضيوفهم المغاربة.
كان البرد قارسا، فلا يقوى أحد على احتماله، والمدينة يغلفها ضباب من السحاب الابيض الرقيق، والعمال يركضون إلى أوراشهم في عزم وإرادة، ودؤوب ونشاط.
وكنا نستقبل، أو تستقبلنا، مدينة لنينغراد الساحرة، التي تقع على ضفاف النيفرا ( Novera )، بحدائقها الغناء، وجناتها الناظرة، ومناظرها الخلابة وشوارعها الواسعة ومتاحفها الخالدة، وبناياتها الجميلة التي تعتبر من أجمل بنايات مدن العالم.
فمدينة "لينيغراد" تعتبر بحق مدينة التقدم المتقني، والتكور العلمي، كما أنها مركز هام من أهم المراكز الصناعية في بلاد الاتحاد السوفياتي.
وهي، أيضا، مدينة التضحية والفداء، ومهد الثورات الثلاث للاتحاد السوفياتي، فقد عاشت حصارا لم يعرفه التاريخ، من قبل حيث دام تسعمائة يوم، واستشهد فيه نحو سبعين واربعمائة ألف من سكان هذه المدينة، ولا تزال مقبرة هؤلاء الشهداء التاريخية "بيسكاريفسكوبي" إلى يومنا هذا تشهد بالسنوات السنين الصعبة من الحرب العالمية الثانية.
كان الوفد المغربي على موعد مع برنامج حافل هيأته الادراة الدينية، التي تشرف على مسلمي الاتحاد السوفياتي الاروبي وسيبيريا، وهذه الادارة تقع بمدينة "اوفا" عاصمة جمهورية باشكيريا الاشتراكية وتعتبر اكبر مركز للثقافة والصناعة، ويتألف سكانها الاصلاء من الباشكير والتتر.
في مدينة القصور والمتاحف
لابد للوافد على هذه المدينة من زيارة قصورها الفخمة، وجامعاتها العامرة، وتماثيلها الرائعة، وجسورها القوية المنعة ومتاحفها الخالدة.
على أن مدينة لينيغراد ليست مدينة المتاحف، والاحجار المنقوشة، والمآثر التاريخية فحسب، بل إنها مدينة شابة جميلة مغرية....فقد واجه المهندسون السوفياتيون مشكلة من أكبر مشاكل، وهي خلق لينيغراد جديد يتفق مع البنايات القديمة، وتاريخها التليد، وقد تغلبوا على هذا المشكل، فضواحي المدينة تحولت إلى أحياء عصرية متحركة بزغت للوجود بعد حرب ضروس أضفت على المديينة جمالا ما بعده من جمال.
ويعض هذه القصور قد تحول إلى معاهد وكليات وابرزها جامعة .......  جدانوفـ،، التي تعتبر أقدم معاهد التعليم العالي بالبلاد، فتاريخها وثيق الصلة بتطور
العلم والثقافة في روسيا، كما أنها مرتبطة بعدد من الاسماء اللامعة في هذ القطر، إذ منها تخرج السيد (لنين) عام 1891 من كلية الحقوق، ويتابع بها اليوم نحو 14.000 طالبا، وتحيط بها عدة معاهدـ وأندية للطلبة ومطاعم تضفي على الحي حيوية دافقة، ونشاطا متفتحا، كما أن بها كلية للصحافة، وكلية اللغات وكلية المستشرقين....وقد اتصلنا بكثير منهم وهم يتكلمون بعربية لاباس بها.
وإنه ليستحيل على الزائر لمدينة لينيغراد أن يمر من الكرام على قصر "أسمولني" دون أن يغشاه، ويقف على معالمه الناطقة، ويعطيه ما يستحقهمن الاكبار والتقدير، لذلك كان اول قمنا بزيارته في جولتنا العابرة لهذه المدينة.

وقصر (اسمولني) عبارة عن قصر عضيم شامخ كان المجلس الرئيسي للقيادة الثورية في عام 1917 حيث حولت بنايته إلى قيادة عليا، ومنه قدا "لنين" الثورة، فطفنا بساحاته وباحاته، وانحائه وارجائه، كما غشينا الغرفة الخاصة التي كان يستعملها "لنين" فراينا مكتبة وكرسيه وأدواته الخاصة....وهي أدوات بسيطة جدا، وينظر إليها السوفياتيون على أنها مظهر لعظمة الرجل، وأنها من أقدس المقدسات التي لابد من زيارتها والوقوف على رسومها ومعالمها.
وقد قمنا بعد هذه الزيارة بالتوجه إلى مقابر "بيسكاروف" وهي مقابر للشهداء الذين سقطوا ضحية الهجومات الالمانية قياما بواجبهم الدفاعي نحو وطنهم حيث باغ عدد قتلاهم في يوم واحد ما يريو عن 470 ألف ضحية، مات جلهم جوعا، وعريا، وبردا، وقد حدثنا رئيس مجلس هذه المدينة لدى زيارة وفدنا إلى المجلس البلدي الذي يقع ازاء كنيسة اسحاق الشهيرة عن اعمال التخريب التي لقيتها مدينة لينيغراد غداة الزحف الالماني الرهيب، وان المجلس البلدي وحده وقعت عليه تسع قنابل، ومع ذلك فقد احتفظت المدينة بطابعها الاصيل، وعمل رجال الدولة على ترميمها والعناية بها حتى أصبحت الان تحتوي على تسعة عشر مركزا اداريا وعدة معاهد ومؤسسات في مختلف المجالات.
ولقد كان لنا وعد آخر مع زيارة القصر الشتوي (1762) الذي كان سكنا قديما للملوك القياصرة الروس وهو من اقجم البنابات الموجودة على الطراز القيصري، ومنخلف المهندس المقتدر السيد ( راستريلي).
أصبح اليوم هذا قصر الشتوي من أكبر متاحف العالم، ومقر الفن العالمي، فهو يضم نحو مليونين من التحف والاعلاق فالمجموعة النفيسة التي يحتفظ بها هذا المتحف تتكون من نفائس الثقافة العتيقة التي وردت على الاتحاد السوفياتي من الشرق والغرب.
ومن الروائع الفنية الخالدة في مدينة لنينغراد كنيسة اسحاق العظيمة العالمية، ذات الشهرة الواسعة الحافلة بالتحف والآثار وروعة البناء وضخامته، وقد حولت هذه الكنيسة إلى متحف يضم مجموعة من فسيفساء القرن التاسع عشر، كانت نتيجة عمل 460 ألف يد صناع من البلاد الروسية، وقد صبغت قببها بمآت الكيلوات من الذهب الابريز، وفيها من الاحجار الكريمة مالا يقوم بمال الدنيا، وترجع هندستها إلى القرن التاسع عشر حيث دام بناؤها نحو اربعين سنة، وتعتبر ثالث ثلاثة الكنائس في العالم، وتؤوي في نفس الوقت خمسة عشر ألفا من الزوار.
والحق أننا اندهشنا لروعة الفن المعماري الذي بنيت به هذه الكنيسة العالمية الفذة التي تترك الزائر مشدوها واجما ازاء ما تزخر من ثمين المرمر والرخام المذهب، والاقبية السابقة التي تسافر فيها العيون، وتحسر من بعد اقطارها.
وفي طريقنا إلى مسجد لينيغراد الجامع عرجنا على الخزانة العظيمة التي تضم نحو خمسة عشر مليون مجلدا، ويتلقى يوميا ستة آلاف نشرة، وتبلغ مخطوطاتها العربية نحو الالف، وقد طفنا بجنبات هذه المكتبة بالقسم الشرقي يرافقنا شاب مستشرق يتقن العرببة، وله المام بمعظم المخطوطات الشرقية لهذه الخزانة، وقد وجدنا آثارا أدبية وعلمية محفوظة في هذه الخزانة.
وقد كشف المستشرق السوفياتي البروفسور "شرباتوف" عضو وفد الصداقة السوفياتية العربية النقاب عن وجود ما يزيد عن اثنى عشر ألف مجلد من المخطوطات العربية المدونة بالخط العربي في معهد شعوب آسيا في مدينة لنينغراد وقال هذا الاستاذ في محاضرة القاها مؤخرا على مدرج جامعة دمشق وتحدث فيها عن الدراسات العربية في الاتحاد السوفياتي، ان مكتبات المخطوطات العربية في الاتحاد السوفياتي قد توسعت خلال السنوات الأخرية، ومن أكبر هذه المكتبات مكتبة معهد شعوب آسيا مدينة لنينغراد.
وفي مدينة لنينغراد صدرت ثلاث مجلدات تضمنت وصف عدد من المخطوطات العربية الادبية والتاريخية والجغرافية الموجودة في مكتبتها، وإيضاح ما تحتويه بين دفتيها من علوم وتراث عربي، ومن بين المخطوطات التي ثم نشرها مؤخرا عدة كتب، من بينها كتاب حققه أحد العلماء السوفييت عن رسالة أحمد بن فضلان حول رحلة قام بها إلى "بولفا" في الاتحاد السوفياتي خلال القرن العاشر لفائدة الدولة العباسية، وهذه المخطوطة كما هو معلوم، قيمة جدا، لما فيها من المعلومات والفوائد التي انفردت بها، والملاحظات الدقيقة التي لم يكذبها الزمن رغما عن تطورات الاحداث اليوم في عالم الاتحاد السوفياتي،ثم أنها تظهر الصلات القديمة القائمة بين الشعوب العربية والاتحاد السوفياتي، وقد كان الاستاذ زكي الوليدي قد نشر جزءا من هذه الرحلة في عام 1939 وبعضها الآخر بمكتبات الاستانة.
وقد وجدنا كثيرا من العلماء الشباب في بلاد الاتحاد السوفياتي يبدون اهتماما كبيرا بدراسة الادب العرب، ووضع رسائل علمية عنه لنيل الدكتوراه، وهم يتكمون بلسان عربي مبين.

في مسجد لنينغراد
في وسط هذه المدينة الصاخبة، وفي صميم بلاد شيوعية ملحدة، يوجد مسجد جامع خاص بآداء الشعائر الاسلامية لمسلمي هذه المدينة الاروبية، انه مسجد يوحي بروحانية الشرق في مطهره، وعظمة الاسلام في مخبره، انه يقع في مركز رائع من صدر المدينة، لقد احتشدت امامه في انتظار الوفد جماعة من مسلمي هذه المدينة، وصالحي المومنين، وقلوبهم تطير شوقا إلى اخوانهم في الدين، وأعينهم تفيض من الدمع فرحا باجتماعهم مع وفد يذوب وجدا للقياهم، وتحمل عنت الرحلة، وبعد الشقة، وشط المزار لربط وشائج القربى، واحياء اواصر العقيدة والدين.

مسجد لنينغراد
كان منظر هؤلاء الشيوخ الذين كانوا في رحاب المسجد ينتظرون الوفد المغرب لأاء صلاة الجمعة في مسجد لنينغراد مؤثرا، فإنهم لم يخفو انفعالهم باجتماعهم باخوانهم في الدين، وتأثرهم العميق، ولا سيما منظر المسلمات اللائي كان متلفعات بروطهن، وهن يلوحن، في استحياء، بمناديلهمن تحية بمقدم الوفد الاسلامي تلذي وجهه مولانا صاحب الجلالة الحسن الثاني نصره الله وايده.
اخترقنا صفوفا متراصة، والعيون تتطلع في لهف وشوق، والدموع تجول في المآقي، فالمسلمون هنالك، وفي مدينة لنينغراد، رأوا، ويعضهم قد تراخى به حبل الزمن، وبلغ من الكبر عتيا، ان الاسلام لازال بخير، وانه أقوى رابطة بين أعضاء أسرة الاسلام.
قام سماحة المفتي الشيخ السيد ضياء الدين بباخانوف بتقديم أعضاء الوفد، مشيدا بالروابط الاسلامية المتينة، ومنوها بالمواقف الحاسمة التي يقلها أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني لصالح امنه والجماعة الاسلامية، والاعمال الخالدة التي يقدمه للاسلام في قرنه العشرين حيث أنه سمح –حفظه الله- للوفد الذي يترأسه وزيره في عموم الاوقاف والشؤون الاسلامية الاستاذ السيد احمد بركاش الذي يمتاز بسمعة طيبة، وذكر جميل، واحدوثة حسنة، ان يزور مسلمي هذه الاقطار.
وفي مدينة لنينغراد التي تحمل اسم نبي الشيوعية "لنين" ويعد اذان الظهر قام فضيلة الاستاذ السيد عبد الله كنون الامين العام لرابطة علماء المغرب خطيبا فوق منبر هذا الجامع العظيم الذي اكتظت جنباته بمآت المصلين المخبتين الذي إذ ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آيات زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون.

السيد المفتي ضياء الدين يقدم الوفد المغربي إلى جمهور المومنين بمدينة لنينغراد
لقد حدتهم، سيادته، عن مبادئ الاسلام، وأسباب ظهوره، ومواقف الرسول الأعظم في تبليغ دعوته للناس كافة، كما أشار إلى أثر العقيدة الاسلامية في نفوس اتباعه، واستماتة المسلمين في سبيل نشر الدعوة الاسلامية، وقد أعطى نماذج من الصحابة الذين اوذوا في سبيل عقيدتهم، والذياذ عن عقيدة الاسلام، وحماية الدعوة المحمدية.
ثم قام السيد باباخانوف بترجمة الخطبة التي لقيت باللغة العربية إلى اللغة الازيكية.
ويلاحظ بأن جل المسلمين كانوا يصلون بأحذية من الجلد الاسود الرقيق الذي يرتفع إلى الركبتين، ولعلها أثر من آثار فرسان المغول.
وبعد آداء مراسم الصلاة، والشكر لله، انفض الناس وتفرقوا في أمل ورضى، وهم يودعون ضيوفهم في إيمان وحرارة، وصدق واخلاص، انهم سعداء بلقاء وفد مومن، نشقوا فيه نسمات الايمان الندي، واليقين الراسخ، والحب الصادق لدينه ووطنه وملكه.
وبهذه المناسبة أقام الامام بداره المناوحة للمسجد مأدبة غذاء اكراما للوفد المغربي، حيث حضرها مسؤولون عن الادارة المركزية للشؤون الدينية لهذه المدينة، وعقبها تفضل معالي الوزير بتقديم هدية مولانا صاحب الجلالة الحسن الثاني إلى مسلمي آسيا الوسطى وأوربا وسبيريا بالاتحاد السوفياتي، وهي عبارة عن المصحف الكريم الذي أمر صاحب الجلالة وزارة الاوقاف بطبعه ومجموعة من الكتب التي قامت بطبعها هذه الوزارة وغيرها، مما يبعث المحبة والتقدير، فكان مصحف الحسن الثاني يوضع على الرأس والعين، ويقبل في تجلة واكبار وخشوع.
ولاريب في أن الهدية التي قدمها الوفد المغربي الاسلامي إلى مسلمي الاتحاد السوفياتي وآسيا الوسطى باسم صاحب الجلالة مولانا الحسن الثاني نصره الله وأيده مغزى عميق، وأثر بالغ، ودلالة لها معناها وابعادها.
فقد اشعرت المسلمين هنالك بأن مولانا أمير المومنين وحامي حمى الملة والدين يهتم بأمور المسلمين، ويعتني بتربة عقائدهم وتهذيبها، كما يتعهد برعايته تنمي الوعي الاسلامي في نفوسهم مما زاد تعلقهم به، وحبهم له، وراوا فيه راعيا أمينا، ومخلصا متفانيا في خدمة الحركة الاسلامية في كل صقع من أصقاع المعمور.
تجلى ذلك حينما كنا نغشى كل مجمع، وندخل مع بعض الاوساط الاسلامية كل مكان، فتتتحدث إليهم حديث المتطلع المشوق إلى معرفة ذات شؤونهم الدينينة، ثم نقدم إليهم تلك الهدية-باسم جلالته- والتي كانت نورا من الحق يهدي به من يشاء من عباده، وهو "مصحف الحسن الثاني" فكانت خير عهد بيننا وبينهم وأوكد ميثاق واثقنا به اولئك المومنون الصادقون المخلصون الذين وجدوا في وفد أمير المومنون الصادقون المخلصون الذي وجدوا في وفد أمير المومنين مفيضا لخواطرهم الجائشة، ومتنفسا لعواطفهم المتأججة.
كانت دموعهم ودعواتهم تشي بما يعتلج في نفوسهم من لواعج الحب والتقدير، وصادق الود والاخلاص لأمير المومنين، وسبط النبي الامين.
وكفى وفد صاحب الجلالة فخرا ومجدا انه حمل هدية صاحب الجلالة إلى مسلمين متطلعين لشؤون دينهم، ومعرفة حقائق الاسلام على وجهها الصحيح.
وحسب سيد البلاد أنه أضاف بطبعه لكتاب رب العالمين، وتوزيعه في انحاء العالم منقبة جلى تضاف إلى مناقبه العديدة الاثيرة التي تخلد مآثره على صفحات الخلود.

إلى طشقند:
المسافة الفاصلة بين مدينة نينغراد الاروبية، ومدينة طشنقد الاسيوية عاصمة جمهورية عزيكستان نحو خمسة آلاف كيلومتر، أي المسافة التي تفصل تقريبا بين مدينتي الرباط ونيويورك، فلابد من قطع هذه الابعاد بواسطة الطائرة، والطائرة تستغرق خلال رحلتها الطويلة الشاقة نحو إحدى عشر ساعة، وهذا مما يشق على النفس، ويبعث القلق والقنوط، لكن رحلتنا بواسطة طائرة عظيمة من نوع "تيبوليف" جعلت رحلتنا في منتهى الراحة والاطمئنان، إذ استطاعت أن تطوي هذه الابعاد السحيقة في مدة خمس ساعات بعد توقف، دام ساعتين، بمدينة "تشيلا بينسكي" التي تعتبر من أكبر مدن سيبيريا.
لقد بدت معالم هذه المدينة تظهر لنا من الطائرة، إذ كانت الانوار المضيئة تلمع في جل مدنها وقراها حتى ليخيل اليك في بلد غير سيبيريا التي يعرف الناس عنها ما يعرفون.
وإذا ذكرت، سيبيريا، فان النفس تتجه إلى أن هذا البلد يمتاز بطبيعة قاسية، وصعوبة المناخ، ووعورة الجبال، إذ تجلله الثلوج طوال السنة، وإنه كان منفى سحيقا لمعارضي الانظمة الروسية في مختلف عهودها، لكن الحقيقة تختلف عن هذا كل الاختلاف، فإلى جانب معسكرات العمل التي يزج بالمسجونين والمحكومين عليهم فيها، توجد أيضا، مدن كبيرة حديثة ذات طابع عصري ومصانع ومعاهد للبحوث كما أن بها سدودا لتوليد الكهرباء وحقولا غنية بالبترول، ومناجم الذهب والماس، والفحم والقصدير زيادة على الغابات الواسعة، والاحراج الغنية التي تمثل ثورة خشبية ضخمة.
ويوجد بهذا القطر الفسيح أكبر مشروع لتوليد الكهرباء من المياه في العالم، وهو مشروع سد (انجرا) الذي تتدفق منه المياه بقوة وغزارة، وحول هذا السد تقوم مصانع قطع الاخشاب، والورق، والالومنيوم.
لقد اخبرنا مرافقونا بأن بسيبيريا عدة مؤسسات علمية تقوم بأبحاث في الذرة والكمياء والاقتصاد والبيولوجيا والجيولويجا.
ان سيبيريا مركز هام للتجارب واجراء البحوث العلمية التي تتيح استغلال الثروات البشرية والطبيعية للاتحاد السوفياتي.
وجدنا بها جوا رائقا معتدلا، فاننا في بداية الصيف، والصيف عندهم قصير جدا، وقد تصل حرارته، أحيانا، إلى 37 درجة مائوية حيث تشرق الشمس، ويسيل الثلج ويذوب الصقيع.
وبعد هذه الفترة القصيرة، والتوقف في هذه المدينة اقلعت الطائرة بنا متوجهة إلى ارض آشيا إلى جمهورية أوزيكستان وعاصمتها طشقند بعد أن عبرت جبال الاورال الشاهقة المنيعة.
وفي ارض ذات روابي خضر ومروج ناظرة، ومراع خصبة، وحدائق غناء نزلت بنا الطائرة فوق مدرج مطار طقشند ذات الطابع الشرقي وعاصمة آسيا الوسطى التي تعد من كبريات المدن السوفياتية.
لقد وجدنا في استقبالنا مسلمي هذه المدينة ورؤساءها فاقبلوا على الوفد مرحبين ومهنئين بسلامة الوصول ثم توجهنا في سيارات خاصة مخفورة برجال الامن إلى قصر خارج المدينة تحف به الرياض والغياض، وتجوس المياه خلال دياره، ويكاد جو هذه المدينة يقرب من جو مراكش عندنا في أيام الربيع.
لقد حدثونا عن مدينة طقشند، ومعناها باللغة العربية مدينة الاحجار لاجل جريان انهارها المشهورة، وقالوا بأنها كانت مدينة في عداد المدن التي بلغت في القرن السادس عشر مستوى عاليا من الرفاهية وبلهنية العيش، واتسعت هذه المدينة من جديد بعد أن أضعفها الغزو المغولي في دولة تيمور، وكان اسمها القديم، فاخ، باللغة المغولية وبدلها العرب لما فتحوا  هذه البلاد سنة 55 ه تخت قيادة سعيد عثمان باسم شاش، والعلماء القدامى الذي تخرجوا منها يعرفون بالشاشي كالامام الكبير محمد بن اسماعيل القفال صاحب محاسن الشريعة، وابنه ابي القاسم صاحب التهذيب، ونظام الدين الشاشي.
وشيدت بطقشند في النصف الثاني من القرن الخامس عشر منشآت اسلامية دينية كبيرة أعيد بناؤها فيما بعد، واستمر في طقشند في القرن السادس عشر بناء منشآت ضخمة اغلبها دينية تألفت منها مجموعة معمارية.
وبقيت من هذا العهد مدرسة براق خان، وضرح الامام أبي بكر محمد القفال الشاشي احد ناشري الاسلام فيما وراء النهر في القرن التاسع هـ المتقدم الذكر وقد زرنا قبره يوم وصولنا إلى هذه المدينة.
وحينما غزاها في عام 1865 الجنرال تشيييرنايف باسم قيصر روسيا كانت صغيرة ملتوية الطرقات معظم ميانيها من اللبن، ثم ما لبث المستعمر ان بنى بجانبها مدينة جديدة تضم الادرات الحكومية والثكنات العسكرية على غرار غيرها من مدن روسيا.
والطراز السائد في المباني يتكون فيها من طابق واحد تحيط به حدائق صغيرة، وهذا راجع إلى طبيعة الارض نفسها إذ أن هذه الاراضي داخلة ضمن الزلازل التي تحدث عادة بكثير في هذه المنطقة، فقد ورد في التاريخ ان مدينة طقشند القديمة قد دمرها زلزال عنيف، اتى بنيانها من القواعد منذ اثنين وعشرين قرنا.
وقد ضربها أخيرا زلزال مروع في عام 1965 ترك اهلها يعيشون مأساة مفجعة من اروع مآسيها التاريخية.
وقد زادت مساحة طقشند، خلال السنتين الفارطتين باربعة آلاف هكتار، وهذه الزيادة ناتجة، كما ذكرنا، عن نكبة 1965 وهن الهزات الارضية التي تحدث من وقت لآخر، وبما أن مركز الزلزال والهزات يقع وسط طشقند، فقد تقرر تشييد جميع البنايات الجديدة في الضواحي، وتحويل بنايات وسط المدينة إلى حدائق ومنتزهات.
وتعتبر طقشند اليوم أكبر المراكز الصناعية والعلمية في الاتحاد السوفياتي. وهي أول مدينة بين مدن الجمهوريات المتحدة في آسيا الوسكى من حيث عدد سكانها إذ يقطنها أكثر من مليون نسمة.
وقد غدت اليوم من أكبر المراكز الصناعية والثقافية في آسيا الوسطى، ان طقشند من حيث منظرها العام إنما هي مدينة حديثة حسنة التنظيم، حاوية لجميع المرافق، تغرق شوارعها في الحضرة، وتؤلف مسارح المدينة وقصورها للثقافة ومعاهدها وحدائقها الظليلة وبركها الصناعية مجموعات هندسية رائعة.
بعد أن أخذنا قسطا من الراحة، توجهنا إلى الادارة الدينية لمسلمي آسيا الوسطى وقازاغستان، حيث أممنا أولا مسجد طلاشيخ لاداء الصلاة، وقد وجدنا هذا المسجد العظيم غاصا بجموع المومنين الذين اكتظت بهم رحابه، وبهد أداء تحية المسجد، قام السيد ضياء الدين بباخانوف، كعادته، خطيبا امام هذه الحشود من رجال العلم والدين الذين كانت الشوراع، خارج المسجد، تضيف بهم، فرحب بالوفد الاسلامي،  وقدمه للحاضرين باسمائه، واشاد بالمواقف التاريخية التي عرفها التاريخ الحق للمرحوم مولانا محمد الخامس طيب الله تراه ، وخلفه ووارث سره صاحب الجلالة مولانا الحسن الثاني حفظه الله وايده، كما أشار إلى الاحتفالات العظيمة التي اقيمت في المغرب بمناسبة الذكرى الرابعة عشرة  على نزول القرآن الكريم.
وقد لاحظنا بأن السيد المفتي ضياء الدين خطيب مصقع لكلماته وقع عظيم في نفوس المسلمين، وله دالة كبيرة على قومه، يرسل كلامه القوي، فتشعر صادقا بأنه يخرج من القلب ليقع في القلب، فكان، سيادته، ملء العين والنفس والشعور والوجدان، وقد ابدى من الحفاوة والتكريم لملك المغرب، وشعب المغرب، ووفد المغرب، ما يحفي القلم دون توفيته بعض حقه، وتضيق مجالات التعبير عن تصوير شطر من حقيقته.
زقد رد معالي الوزير على هذا الترحيب الجم، والعناية البالغة، والاحتفاء الكريم بكلمات تضمنت معنى الاخوة الاسلامية، والرباط الاسلامي المقدس، وذكر الحاضرين بأن المسليمين اخوة تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم ادناهم، وانه لافرق لعربي على عجمي إلا بالتقوى، كما حملهم، معاليه، تحيات صاحبا لجلالة ملك المغرب الذي عمل ويعمل، حفظه الله وايده،على تقوية الورابط الاسلامية، وتأكيدا، وبعث الوفود المختلفة إلى شتى الاقطار الاسلامية في انحاء العالم، كما بلغهم تحيات الشعب المغربي المسلم الذي يتسقط أخبار المسلمين واحوالهم في هذه الديار.
في مكتبة الادارة المدينة لمسلمي آسيا الوسطى....
(يتبع)
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here