islamaumaroc

تأملات في استعمال اللغة العربية ونحوها -2-

  دعوة الحق

113 العدد

                                                    ( 9 )
تحدثنا في الحلقة السابقة عن القتل الذي تسببه أمور دنيوية، وأعطينا لذلك أمثلة نعتقد أنها كانت كافية لتوضيح الأمر وتثبيته في الأذهان، سيما وأن هذه المسألة التي أثيرها جديدة عندنا في لغة الضاد، لم يتطرق لها بهذا الشكل، في علمنا، باحث بعد.
لكنه بقي أن نتحدث الآن عن القتل الذي يسببه الدين، والدين يلعب دورا خطيرا في حياة الناس، ومن الأشياء التي تقوم عليها حياة الناس لغتهم، وأول شيء في حياة الناس يتأثر بالدين هي اللغة، واللغة وتر البشرية الحساس يرن للمس الخفيف ويصرخ للوقع الشديد.
ولهذا فأول من حس بالدين الإسلامي الحنيف في مكة والمدينة لغة القوم كفارا معاندين أو مسلمين جدد، بدأت لغتهم تنفعل بأول آية نزلت على الرسول العربي الكريم يوم صعد بهذه اللغة بكلام لم تسمعه بعد: "اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق". علمت أن كلمة الرب يجب أن تتسع فتشمل إلها واحدا رب السماوات والأرض، لم يلد ولم يولد، ثم علمت أن كلمة الرب يجب أن يتقلص معناها، فلا تشمل إلا الواحد القهار الذي ليس كمثله شيء ويزيل من مضمونها صاحب الإبل وسيد الأرض ومالك الدار والمتحكم في رقاب الناس بحق وبغير حق.
وهكذا صارت اللغة تتأثر بكل آية تنزل على الرسول الكريم. القرآن لم يأت فقط بدين حنيف قويم، وشريعة سمحاء، ومبادئ إنسانية رفيعة، وخلق مثالي شريف، بل أتى أيضا بأسلوب واضح، بين، ووسع معاني ألفاظ، وحدد معاني كلمات أخرى ووضح تراكيب، وأرسى محسنات معنوية ولفظية لا حصر لها على قواعد متينة مضبوطة، وقنن أمورا لغوية كانت من قبل فوضى لا حدود لها.
فضل الدين على اللغة كبير، ولابد لكل دين من لغة، وإلا فكيف تقوم الحجة على الناس وتشهد عليهم حتى جوارحهم. ومن حسنات دين الإسلام التي نغفل عنها هي وجود هذه اللغة العربية التي حملت القرآن إلى أصقاع الدنيا النائية وبلغت الشريعة الإسلامية وعلوم الدين إلى ذوي الألباب من أبناء البشر بشكل لم تستطع، وما كانت لتستطيع أية لغة أخرى أن تفعل مثله. فهنيئا للإسلام بهذه اللغة وهنيئا لهذه اللغة بهذا الدين، وفقنا الله لخدمتهما.

                                                   (10)
إن الألفاظ التي قتلت، وكان سبب قتلها الدين، كثيرة: منها مفردة النافجة وهو الشيء يضاف إلى مال الرجل فيعظمه.
كانت العرب تقول في الجاهلية إذا ولد لأحدهم بنت: "هنيئا لك النافجة، لأنه يأخذ مهرها إذا كبرت، فيضمه إلى ماله، فينتفج.
فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، لأن هذا الرسول العظيم، وهو سيد المصلحين لا يرضى أن تكون المرأة تجارة تروج بين الناس، ولا سلعة تباع، ولا متاعا يمتلك وإنما هو إنسان له حرمته، حقوقه حقوق الرجل، وواجباته واجباته.
ومن هذه الكلمات المقتولة: "المرباع، ربع العتيمة كان يأخذه الرئيس في الجاهلية و "النشيطة" و "الصفي" و "الإتاوة" و "المكس وهي ألفاظ تهم الحياة الاقتصادية للأمة إن استمرت مستعملة فيها كانت بمثابة الداء في الجسد السليم فأصدر الدين حكمه عليها، فأماتها.
ولم يمت الألفاظ العليلة في عالم الاقتصاد فقط، وإنما حارب أيضا الألفاظ التي كانت تسيء إلى أدب السلوك فأماتها بما لديه من قوة مطاعة من طرف أمة متطلعة إلى حياة سعيدة طاهرة.
فأزال من الاستعمال قولهم: "أنعم صباحا وأنعم ظلاما" و "وأبيت اللعن".
وكان الدين والساهرون عليه لا يتحرجان من الضرب على يد من يخالف هذا الأمر. فإذا لم تطهر اللغة التي تحمل تعاليم الدين وطقوسه، عسر الوصول إلى الغاية المثلى التي يتوخاها.
وكما كان الدين يميت ألفاظا كان يحيي أخرى، فيبعث فيها روحا جديدة قوية تبعث فيها النشاط والحيوية، وكما كان الدين يخمد ألفاظا نابهة، كان يشهر بألفاظ مهملة منسية، فيطلقها من غفوتها، لتسير بين القبائل مشهورة معروفة.
وكما كان الدين يقلص معاني ألفاظ عديدة من دلالتها، كان في نفس الوقت يوسع مدلول مفردات أخرى، لتشمل ميادين جديدة، لم تكن قبل بزوغ الدين الإسلامي الكريم.
هذا الأثر البليغ في اللغة العربية من طرف ديننا الحنيف، رفع من شأن هذا اللسان فجعله يسمو من لهجة محلية تكاد لا تعدو الجزيرة العربية إلى لسان عالمي رفيع، ولله الحمد وله الشكر.
                                                   
                                                   ( 11 )
 لقد أحيا القرآن الكريم، كما سبق أن وضحنا ألفاظا كانت نسيا منسيا وأماتت مفردات عديدة كانت تصول وتجول في الميدان، تسير في القبائل العربية حاملة معناها مؤدية مدلولها. وما كان القرآن ليقتصر على ذلك، بل عمل زيادة على هذا في توحيد معاني ألفاظ لا تحصى، وأطلقها في الناس واضحة الدلالة، معروفة الاستعمال، فعم استعمالها سائر البلاد التي تتكلم لغة الضاد، في معنى شامل موحد، فلم تكن الكلمات: "نفض، ومسطور، وعني، ومأرب، وفشل، وزيل، وسقاية، وحماء، ومسنون، وغرام، وصرح، وبعل، ومقاليد، ووتر، ومعكوف، والت، وزعم، وإعجاز، ووبيل، ومرقوم، ورابية"، معروفة في سائر أجزاء الجزيرة العربية بله في البلاد العربية الواسعة الأطراف. بل كان استعمالها منحصرا في البقعة التي كانت تسكنها قبيلة حمير ولم تكن المفردات: العنت، وآناء، وفور، ومراغم، وفرقان، ووليجة، وعيلة، وغمة، وحصيد، وملتحد، وهضم، وهامد، وثاقب، وأجداث، وأواب، ووزر، ودهاقا، وزرابي، ومسغبة، معروفة إلا في البقعة الأرضية التي كانت قبيلة هذيل تعيش عليها.
أما الألفاظ: شطر، وحصور، وملبس، وسرابيل، وأبلاس، والسرد، ودحور، وركن، وأسفار، وثاقب، وكنود، فإنها وإن كانت معروفة في القبائل الأخرى، معرفة تتفاوت في العمق والاتساع، فإنها كانت في قبيلة كنانة معروفة، متداولة بين جميع أفراد القبيلة لا يجهلها فرد منها.
والقرآن الكريم، الذي شرف هذه القبائل، فاختار منها هذه الألفاظ حيث استعملها في أسلوبه الناصع، أصبغ عليها صفة الشمولية إذا لم تقل صفة القدسية.

                                                   (12)
إن القرآن الكريم، كما سبق أن قلنا، ساعد كثيرا على توحيد لغة العرب.. فبعد أن كانت بعض القبائل تستعمل ألفاظا خاصة بها، يغيب مدلولها في كثير من الأحيان عن أفراد القبيلة المجاورة لها، صارت تتبنى مفردات القبائل الأخرى فتدخلها في استعمالها اليومي، كما صارت في نفس الوقت تستعير من القبائل الأخرى المجاورة لها أو البعيدة عنها، ألفاظا لم تكن تعرفها، فتدخلها في الاستعمال موسعة بذلك ثروتها اللفظية، ومعلية من شأن لغتها التي، بفتح صدرها للدخيل، ترتفع من لهجة محلية ضيقة مقيتة، إلى لغة سيارة صالحة لحمل الأفكار ونقل العلوم، واستيعاب كل ما يحتاج إليه الإنسان في حياته التي يحياها.
فلم تكن قريش تعرف معنى هذه الألفاظ: شرد، وأرذال، ومحسور، وحدب، وودق، وشرذمة، وريع، وشوب، وقطر، واستغنى، كما كان يعرفها أفراد قبيلة جرهم، ولم تكن قريش تعرف لكلمة "آنية" المعنى الذي كان متداولا بين أفراد قبيلة مدين. ولم تكن قريش تعرف كلمة "أفضى" كما كانت قبيلة خزاعة تعرفها حتى استعملها القرآن بالمعنى الأصلي الذي كان لها في هذه القبيلة.
وما كانت قريش ولا القبائل الأخرى تستعمل كلمة "مقيتا" كما كانت تستعملها قبيلة مذحج. وكانت قبيلة اليمن تنفرد دون غيرها من القبائل العربية باستعمال كلمة "لهو" مقابل "المرأة".
وجاء القرآن صارخا بهذه الألفاظ في آياته البينات واضطرت قريش ومعها سائر العرب أن تعرف لهذه الألفاظ هذه المعاني، فوحد بذلك لغتهم ورقاها كما وحد صفوفهم وطهرها.
هذه وإن كثيرا من الناس لا يريدون أن يمنحوا لمثل هذه البحوث العناية التي تستحقها، رغم الحجج التي ما قتئت أدلى بها في كل مناسبة، ولن أقف جهودي بحول الله إلى أن تأخذ هذه الدراسات مكانها اللائق بها، وما ذلك اليوم ببعيد.
 
                                                 ( 13 )
لقد أحيا القرآن الكريم ألفاظا وأمات أخرى كما رأيت وحدد من معنى كلمات ووسع استعمال آخر،   لكنه زيادة على هذا وذاك عرب كلمات لا حصر لها فلم يستنكف القرآن على إدخال ألفاظ كثيرة في زمرة اللغة العربية من لغات أعجمية. وهكذا استعار كلمة الصراط الموجودة في فاتحة الكتاب من اللغة اللاتينية واستعار كلمات: مقاليد، وإبليس، وأساطير، وإنجيل، وحوت، ودرهم، وزنجبيل، وسندس، وسيماء، وفردوس، وقسط، وقنطرة، ومرجان، وياقوت، من اللغة اليونانية. واستعار الألفاظ: أدرك ودين، وربا، ودان، واختطاف، وحسر، وخمر، وخياط، وحاشا، وحرب، وحشرة، وحصد، وحكيم، وحنان، وحيوان، وخاتم، وخرطوم، وفك، وفرض، وفرعون، وفرقان، وفاسق، وقربان، وقس، وقصر، وقطران، وقيوم، وقيامة، وكأس، وكوكب، ولات، ومثقال، ومدينة، ومرج، والمسيح، ومسكين وملكوت. ونبي، من اللغة الآرامية. كما استعار من اللغة العبرية الكلمات: آمين، وجدت، (في بعض القراءات) وجهنم، وحج، وسيت، وسبح، وشيطان، كما استعار من الفارسية: أباريق، وإستبرق، وبرهان، وبستان، وبلبل، وجناح، وسربال، وسروال، وطبق إلى آخر ما استعار من الألفاظ من مختلف اللغات شرقا وغربا.
وبعد هذا الأمر الذي نبقى أمامه مبهورتين، وهذا العمل الجبار الذي أحيا اللغة العربية ورفعها من لهجة مهملة إلى لغة سيارة، أحب أن أقول للسادة الذين يرون حرجا في تعريب الألفاظ العلمية وغير العلمية التي نحن في أمس الحاجة إليها أن القرآن الكريم وهو كتابنا العربي المقدس الذي أعجز العرب الفصحاء ببيانه لم ير حرجا في ذلك فهل نريد أن يكون إنتاجنا من اللغة أقوى عربية منه وأسلم أسلوبا.

                                                   ( 14 )
النحويون على الخصوص، وعلماء اللغة على العموم، يقفون في كثير من الأحيان حجرة عثرة في تقدم اللغة. ونسوا أن اللغة وسيلة للتفاهم وآلة من آلات التعامل بين الناس، وكل وسيلة تتطور بتطور الأمور التي تعالجها، وكل آلة تتغير بتغير الأشياء التي تتعامل معها. ولذا يجب على اللغة على كل لغة أن تتطور، وأن تتغير تبعا لتطور الحياة وتغير وسائل العيش فيها.
والنحاة وعلماء اللغة أناس يصعب تطورهم ويعسر تغيير آرائهم للسبب البسيط وهو أنهم شبوا وشابوا على أمور تعلموها ثم أتقنوها فاحترموها، وهم يجدون ألما لا يوصف عندما يشاهدون تغييرا بما ألفوه وقدسوه. فبقدر ما تكون اللغة متطورة، بقدر ما يكون الساهرون عليها جامدون ومتحجرون.
اللغة تتطور وتتغير لأنها جزء لا ينفصم عن حياة متطورة متغيرة، سنة من سنن الله وعلماؤها ونحاتها وديعة من ودائع التاريخ، وسنة الوديعة أن تكون صامدة لا تأبه لتغير ولا ترضى بتطور.
خلق الله البشر الذين خلقوا بدورهم أفعالهم. فتفننوا في تنويعها، ومثلهم من أتى بأفعال خارقة للعادة اشتهروا بها، ومن بين هؤلاء الممثلة الفرنسية الشهيرة(Brigitte Bardot) التي بهرت العالم بحركات وأفعال أطلق عليها ذوو الألباب، من علماء أمريكا (to Bardot)  وكان المفروض أن يعرف هذا  الفعل في فرنسا أولا، ما دامت الممثلة، فرنسية أصلا وفصلا، فيطلق الفرنسيون على كل من يأتي بأفعال وحركات تشبه حركاتها(Bardoter).
لكن علماء اللغة في فرنسا أقاموا الدنيا وأقعدوها محرمين هذا الفعل، مانعين استعماله في لغتهم لأنهم يعتقدون أن دخوله في الفرنسية الفصيحة تشويه لها ومساس بكيانها وإهانة لأصلها الشريف الذي وجب أن يترفع عن سفاسف الدنيا.
هم يعرفون أن الحركة موجودة، معروفة بأوصافها لدى العام والخاص، ولكنهم يسيرون ضد تطور الحياة، فيتركون الفعل الحقيقي الموجود بدون مسمى يدل عليه، بدعوى المحافظة على كيان اللغة وهذا منتهى التزمت نعوذ بالله منه.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here