islamaumaroc

أحمد شوقي شاعر الإسلام

  دعوة الحق

113 العدد

 أمير القوافي جئت بالشعر هاديا
    وخلقت فيه الذكر للـه شاديـا
 وسبحت خلاق البريـة حيثمـا
    وجدت سنيات المعانـي بواقيـا
 فهل عرف التاريخ في الله شاعرا
    يضاهيك؟ لا والله لم نلق ثانيـا
 فليتك جئت البيت تلقى جمالـه
    على مكة البطحاء بالخلـد باديـا
 ومن حوله العباد بالوجد عكف
    يناجـون ربـا للخليقـة راعيـا
 إذن لكنيت الشعر من وحي (أحمد)
    وصغت الدراري في الزمان قوافيا
 حين راح "شوقي" إبان الحرب الكونية الأولى مختارا النفي إلى ديار الأندلس، وقد ساء ما بينه وبين صاحب القصر الخديوي، الذي خلف " عباس حلمي" وكان شوقي شاعره الأوحد، حط رحاله في البلاد التي بلغها بنو أمية وراء البحار. من أرض الإسبان. في العدوة الأوربية بعد المجاز الإفريقي. لقد ذهب ومعه مواجده في الشعر وروعات بيانه، فلم يكد يطوف بآثار المسلمين في تلك الديار النائية المفتان. وقد راى شواهدهم في البناء الصاعد بمئذنة "الجرالدا" باشبيلية، وفي قصر الحمراء والدارة الزهراء والمسجد الجامع بقرطبة على نهر الوادي الكبير فرأى الطواحين الإسلامية القديمة وأبراج الحصون الشواهق من دنيا حملة القرآن الفاتحين، استلهم التاريخ الأعظم قصيدته السينية يعارض بها أبا عبادة البحتري، التي قالها في وصف إيوان كسرى. وإلا يحسن دارس الأدب العربي الحديث، إن شوقيا كان يبتغي بالمعارضات التقليد، فإن هذا الرأي قائل ولا ينهض عليه من دليل. وإنما أرى أن شوقيا كان يريد ليظهر لمعاصريه ومن يأتي بعدهم. في دهر الأمم، إنه عارض الشعراء ليبزهم وليجري كما جروا وليسابقهم في المضمار، وهو قد سبق الجموع منهم، إلا واحدا فإنه لم يستطع أن يتقدم عليه في أية معارضة. وهو أبو الطيب المتنبي، فأحب شوقي أن يعارض قصيدته الميمية التي يرثي المتنبي بها جدته فراح شوقي يرثي أمه "تمراز" وإذا به يظل دون المتنبي، حتى النشور، كما تظل الصقور دون النسور.
وقد تقاوى شوقي، تقاوى البحتري في السينية وجاء موقفا فقال في مطلعها:
 اختلاف النهار والليل ينسى
   اذكرا لي الهوى وأيام أنسى
    حتى يقول:
 وعظ البحتري إيوان كسرى
   وشفتني القصور من عبد شمس
تلك سانحة غير مبارحة، مست شعوري وأنا بمكة في بيت الله الحرام، أجيل نظري في جبالها المحدقة بها، والمترامية على دراتها، ذوات الحنين، أجدها جبالا جلادا جرارا، لكنها عطوف رفت منذ ألف عام بأجوائها الندايا، على رسول الله محمد بن عبد الله صلوات الرحمن عليه. ومن هذه الجبال تفجر ينبوعه الأعظم الذي روى الظماء في الأذاني والقاصي.
ولقد جعلت وأنا أشاهد هذه الأعالي السوامق، أدير في خاطري لشاعر العصر الحديث "أحمد شوقي" أبياتا وقصائد في التضرع والدعاء وفي الإيمان بالقضاء وفي التأمل والاستغراق، وكلها فياضة المعاني بشعوره الديني. حتى وقف ناظري على الجبلين الأخشبين المحيطين بمكة فهتف بقول شوقي يخاطب الله سبحانه ويذكر الرسول.
 سبحانك اللهم خير معلم
   علمت بالقلم القرون الأولى
 فجرت ينبوع البيان محمدا
   فسقى الحديث وناول التنزيلا
وانحط عقلي على بادرة العصر الصاعقة في أيامنا، التي هزت الكائنات وطارت نحو السماوات وهي القوة الذرية التي فجرها الإنسان العاني. فوجدت كلمة "التفجير" التي جاء بها شوقي سباقة في الدنيا بتفجير قوة هائلة الرجحان كانت للخير والبناء ولم تكن للشر والتهديم. وهي قوة الرسول الأعظم التي فجرها خالقها فدوى صوتها الناعم في أرجاء الدنيا.
وبث أذكر شوقيا، وهو الخالد أبد الضاد، فأرى الروح الإسلامية تتجلى في شعره بأفضل حلة ما خطر فيها، ناظرا عطفيه، شاعر إسلامي قبله، في دنيا العرب والإسلام جعلتني أمارس الموازنة بين شعره وبين الذين سبقوه. فوجدت شعراء بني أمية قد ألهاهم التفاخر والجدال، وعلقوا بالسباب والشتائم واستغلت ألسنتهم السياسة بالنقائص التي سلخوا أعمارهم ينظمونها في الهجاء المقذع الطعان، فلم يذكروا الله في شعرهم ذكرهم دنياهم ولا استلهموا الفضائل الإلهية والرسولية اللهم إلا نفرا في العهد الراشدي وفي مقدمتهم حسان بن ثابت الأنصاري، الذي وقف شعره الإسلامي على المنافحة عن الرسول، وكان ذلك من حق الشعر على حسان وهو من الأنصار الذين نصرت مدينتهم "يثرب" رسول العرب والإنسانية كافة، وقد نهضوا منجدين للرسول في بطون الأوس والخزرج، ووجد المسلمون المهاجرون عندهم الفؤاد الحاني والغياث الحالي والإيواء الكريم. وقد اختار القدر للرسول وصحبه مضاجع الراحة الأبدية فتوسدوا تراب المدينة المنورة. ولعل هذا كان كفاءة ما صنع للإسلام أهل المدينة في نصرة الرسول فكانت تجاليد الرسول معترفة لهم بهذا الجميل الذي لا يفنى.
وكيف استطعت أن أدير التعليل، فإن الشعراء كانوا كلما بعدوا عن عهد الرسول وصدر الإسلام قل وجود الروح الإسلامية فيهم. ولم يظهر الشاعر الإسلامي الذي عليه أن يحمل لواء الإسلام في شعره، ليعرف بأنه رافع شعلته الدائمة، وكان الشعراء في العصر العباسي والأندلسي وعصر الانحطاط قد شغلتهم السياسة والفتن والتواقع على المديح ابتغاء الجوائز، فتوزعوا في البلاد وراء أغراضهم ومرت بهم عواصف ونكبات شغلتهم عن كل شيء حتى عن أنفسهم.
وحين تضع موازين الدراسة والمقارنة بين الثلاثة الأعاظم في الشعر العربي في عصر بني العباس أبي تمام والبحتري وأبي الطيب المتنبي، نجد الأول شاعرا إسلاميا سياسيا، ليس مديما للتحدث عن الروح الإسلامية في كل شعره، وإن تحدث طويلا عن البطولة في شخص أبي سعيد الثغري قائد الحملات الإسلامية على بيزنطة قبل عصر سيف الدولة ونجد شعر شحنات لاهبة من الدفاع عن حوزة الإسلام في قصيدته اليافية التي وصف فيها فتح حصن عمورية، فوصف تحريقها، وقيادة الخليفة الأعظم المعتصم للجيش زاحفا حتى صدم حصنها ودكه فصور أبو تمام هذه الحرب بأنها ليست حرب العرب للروم وإنما حرب الإسلام للشرك كله.
وأما البحتري فشغله الزخرف في اللفظ والمعنى أن يكون شاعر الإسلام، ولم يخل شعره من النزعة الإسلامية والحفاوة بالدين، ولكنه لم يستطع أن ينهض بهذا العبء الجسيم في الشعر العربي خلال عهده الذي عاش فيه.
وجاء أبو العلاء المعري جبار الشعراء والفلاسفة بعد هؤلاء – ليحتل زعامة الشعر العربي فلم يجد الإسلام في شعره مناه، وإن وجد العبقرية واللغة، والفهم العميق والقدرة الفنية التي لا تضاهي، فظل الإسلام محروما شاعره الأعظم المنتظر، حتى جاء شوقي عصرنا فوهب نفسه للإسلام وهي مفتحة هذه الأبواب، وقد خلق شاعرا مؤمنا رضيا، نولت الطمأنينة على قلبه الشاعري الرهيب، ولم تكن قصائده الإسلامية ولا ابتهالاته القوانت سوى فيوض روحية في صميم الإسلام، ورأى جوال في مشاهدة الآثار الإسلامية في السماء والأرض وخلال النفوس في نطاق الفرد ودوائر المجتمع.
لقد كان إيمان شوقي الحار هو الذي دعاه ليكون شاعر الإسلام، فبدأ شاعرا صافيا، لا صوفيا يفتن بالقول، أو متواريا وراء الروح غيبيا، فشاقته "البردة" وهي قصيدة ميمية كبيرة نظمها الشاعر البصيري من شعراء عصر الانحطاط السياسي في القرن السابع الهجري بعد سقوط بغداد تشوقا إلى الرسول وابتهالا للخالق بدأها بقوله:
 أمن تذكر جيران بذي سلم
   مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
فشاق شوقيا أن يجري على غرارها في قصيدة ميمية كبيرة أولها:
 ريم على القاع بين ألبان العلم
   أحل سفك دمي في الأشهر الحرم
ولقد جعلها شوقي لنفسه حلة كالبردة الرسولية ليلبسها – كما قلت في شعري – فتجلله بالرضوان حتى الحشر. وتسبغ عليه الرحمة الإلهية والثواب المستديم، ولقد انطلق بإنشادها صوت ملائكي حنون طالما شق أجواف الليالي من نحو أرض النيل، فعم أرجاء الدنيا، وتغلغل في الأسماع القانتة، بذلك الصوت الفياض من قدرة الخلاق الذي أطلقته من حنجرة إنسانة سماها أهلوها – في تاريخ الفن – باسم مبارك عرفه التاريخ منذ عهد الرسول.
وصاغ شوقي همزيته الدينية يعارض بها همزية البصيري أيضا، ورفع في شعره جميعه منارات الإسلام مثل أعلام وصوى في طريق الأدب العربي الكبير والشعر الإسلامي الباني للغة العرب ودين المسلمين.
ومارس شوقي في شعره الإسلامي إثبات العدالة الإسلامية التي ملأت الدنيا، وكان من توالي دأبه التوحيد وتبيان القدرة الإلهية، على الخلق، والإشادة بالعبقرية الخالدة التي تجلت في رسالة الرسول، الذي أعطى العالم النظام والسلام وعمر القلوب بالإيمان والتقوى..
وظل الشعر الديني مرصودا، خلال العصور الإسلامية ليسلم قياده إلى شاعر عصرنا "أحمد شوقي" الذي دخل التاريخ من بابه الكبير – كما يقول الغربيون – والتعليل النفسي في تحليل شعور شوقي حيال الإسلام، إنه منسكب الطبع والخاطر في الروح. ومترامي الوجدان في رحاب الإيمان، لم تسود عقله وساوس الشكوك، والريب التي دخلت حياة كثير من شعرائنا في القديم والحديث فعطلت فيهم الناحية الإسلامية، فقد كان قلبه مغسولا من الشك عامرا باليقين.. وكان عقله الوضاء صافيا فأطل عقله على قلبه، مثل إطلائه على بستان، فلم يفسد عقله قلبه، كما أفسد كثيرا من الشعراء في القديم والحديث ولست أزعم أن شوقيا تقرب من معاصريه أو بخاصة أهل مصر. حيث وجد أن الشعر الديني يروح بين أظهرهم، فقال فيه قصيدة، فإن هذا المذهب في دراسة الشاعر لا يجوز دليلا، ولا ينهض اتهاما.
ولقد كان يحب الرسول فظهرت في كلماته معالم الصدق والإجلال المتصاعد، وكان شوقي يمزج شعره الديني بالمثل الأخلاقية ويبني به الأمة وقد ابتهل إلى الله بمثل هذه الأبيات داعيا ومريدا.
 سألت الله في أبناء ديني
   فإن تكن الوسيلة لي أجابا
 وما للمسلمين سواك حصن
   إذا ما الضر مسهمو ونابا
    ومزج الناحية التاريخية القديمة بالحياة الحديثة للمسلمين.
 يا رب هبت شعوب من منيتها
   واستيقظت أمم من رقدة العدم
 فألطف لأجل رسول العالمين بنا
   ولا تزد قومه خسفا ولا تسم
ولم يكن شعور شوقي الديني جديدا بعد رجعته من الأندلس، وإنما كان من أقدم، فإنه كان يدعم الخلافة الإسلامية بنصر من بيانه وأشاد بالحركة الكمالية أواخر الحرب الكونية الأولى فقال لكمال أتاتورك:
    "يا خالد الترك جدد خالد العرب".
وتلك القصيدة البائية:
 بسيفك يعلو الحق والحق أغلب
   وينصر دين الله أيان تضرب
حشد فيها شوقي في العهد التركي كل شعوره الديني نحو الخليفة والفتح والنصر.
وحين جاء شوقي دياري الشامية قال فيها قصائد لم يمنحها الدهر مثلها علقا نفيسا يزين وجودها حتى الأبد، فقد عمل فيها قصيدة وصفية كانت عجبا عجابا في الشعر العربي الحديث.
بدأها بقوله:
 قم ناج حلق وأنشد رسم من بانوا
    مشت على الرسم أحداث وأزمان
فنثر أزاهير أوصافه على دمشق بما يتعايا عنده الخيال دون التمثل. وراح يسابح سائح من الشعور الديني يجول خلال مسجد بني أمية الدمشقي الذي بناه الوليد بن عبد الملك فوقف طويلا تحت قبابه وبين عواميده، ونظر إلى المنبر، فقال له وقد جثم المنبر أمامه تلقاء ضريح النبي يحيى:
 ووقفت بالمسجد المحزون اسأله
   هل في المصلى أو المحراب مروان
 تغير المسجد المحزون واختلفت
   على المنابـر أحـرار وعبـدان
 فـلا الأذان فـي منارتــه
   إذا تعــــال ولا الأذان أذان
وفي معركة ميسلون التي نال فيها القائد السوري المشهور يوسف العظمة الشهادة بقنابل الفرنسيين الدامرين على ديار الشام في معركة ميسلون بظاهر دمشق في صحراء الديماس فسكب شوقي عليه تراتيل الدموع في رثاء البطل العظيم.
 سأذكر ما حييت جدار قبر
   بظاهر جلق ركب الرمالا
 تغيب عظمة العظمات فيه
   وأول قائد لقي النبـالا
 مشى ومشت فيالق من فرنسا
   فلما زال قرص الشمس زالا
وشوقي يخاطب دمشق بنت الإسلام وربيبة الدين في القافية التي رثى فيها شهداءها يوم ضربها الفرنسيون بقنابل الطائرات سنة 1926 للميلاد.
 ألست دمشق للإسلام ظئرا
   ومرضعة الأبوة لا تعـق
 ولا يبنى الممالك كالضحايا
   ولا يدنس الحقوق ولا يحق
ثم طرح في هذه القصيدة بيته الخالد الذي سار "كعملة" الشرف في ضمير الزمان، لا تشتري بها إلا الحريات:
 وللحرية الحمـراء بـاب
   بكل يد مضرجـة تـدق
وتكاد لا تخلو قصيدة في دواوينه الأربعة وفيما صنعة مدة أربع سنين صديقنا بالقاهرة الدكتور السوربوني محمد صوري – رئيس قسم التاريخ في الجامعة المصرية الذي نشر كتابين كبيرين جمع فيهما شوقي الذي لم يطبع في دواوينه ولا عرفه إلا خاصة أصحابه فسماه "الشوقيات المجهولة" وقد ظهرت في ذلك كله فلم أجد فيما صنع شوقي من شعر إلا بدافع نفسه على مشكلة الإسلام بقبس منها أهوار بلاغته الخالدة. وفي تلك المجموعة الكبرى من شعره قل أن نجد قصيدة لم يذكر فيها الله والرسول والدين والإسلام والمروءة والتقوى والخلق مازجا كل ذلك بروائع الوصف ناضرات الحكمة وفصل الخطاب.
فإذا جاز الأساتذة الأدب أن يقرروا في التاريخ الأدبي المعاصر وفي حواضر العربية والإسلام، اسم الشاعر الإسلامي الأكثر، فإني أجده (أحمد شوقي) وأطلق عليه لقب (شاعر الإسلام).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here