islamaumaroc

نظرة على أحوال المسلمين ببعض أقطار إفريقيا الغربية

  دعوة الحق

113 العدد

إن الدارس لأحوال أقطار إفريقيا الغربية يلاحظ أن نسبة المسلمين العددية تفوق غيرهم بكثير فهناك أقطار يبلغ المسلمون فيها تسعين في المائة كالسينغال وغينيا مثلا، وأقل نسبة للمسلمين في بعض الأقطار كساحل العاج تبلغ خمسين في المائة.
وإن امتزاج المسلمين العرب مع المسلمين الزنوج وتصاهرهم معهم أدى إلى محو الفوارق وإزالة المركبات وجعل المسلمين هناك يشعرون بارتباطهم الدائم بإخوانهم في العالم الإسلامي يتألمون لألمهم ويفرحون لفرحهم. الأمر الذي يخيف المستعمرين والصليبيين والصهيونيين. ويجعلهم يقرؤون ألف حساب لمستقبل إفريقيا المتحررة التي يخشون أن تصبح عمليا إفريقيا الإسلامية.
وهذا ما يفسر الحملات التي يقوم بها التبشير المسيحي والمجهودات والإعانات التي تبذلها إسرائيل لتقوية العنصر المناوئ للإسلام، ولتكوين إطارات كفوءة لا تدين بالإسلام حتى تبقى الأقطار الإفريقية في قبضة يدها وحتى توقف المد الإسلامي الذي أصبح يهدد وجود الديانة التي مهدت للاستعمار وتشجعت من الاستعماريين وهو ما يفسر استيلاء طائفة من المسيحيين والوثنيين حاليا على الحكم ببعض هذه البلدان رغم أكثرية سكانها المسلمين.
فالإسلام والمسيحية هناك في صراع خفي، والمسيحية تحاول أن تحل مكان الإسلام في إفريقيا وهي تتفق على ذلك بغير حساب، والمبشرون على اختلاف مذاهبهم سواء منهم الكاثوليكيين أو البروتستانت نشطون كل النشاط في تشييد الكنائس وبناء المدارس وتوزيع الإعانات، والإسلام لا يلتقي أية إعانة تذكر من البلاد الإسلامية وإنما يدافع عن نفسه بنفسه أو كما قال أحد المعلمين الإفريقيين: إنه نور من الله يشق طريقه لنفسه رغم ما يتلقاه معتنقوه من عنت وحرب وإرهاق.
 ولسنا بصدد توضيح الأسباب التي جعلت الإسلام ينتشر بكثرة في أقطار إفريقيا فقد تكفل بذلك الباحثون المسلمون والأجانب على السواء.
 ولكني أود أن أؤكد بهذه المناسبة أن رسالة قادة المسلمين لا زالت مستمرة وأن آمال سكان إفريقيا الغربية المسلمين قوية في مساعدتهم لهم وإمدادهم بكل ما من شأنه أن يحي عقيدتهم ويصون كيانهم الإسلامي. إن سكان كل الأقطار الإفريقية يعانون كثيرا من المشاكل التي تتخبط فيها الدول المتخلفة. فزيادة على تخلفهم الاقتصادي وقلة الإطارات الفنية والتخلف الفكري لدى أغلبية المجتمع فإن مشاكل أخرى عقائدية وفكرية يعاني منها السكان.
إن أغلبية المسلمين هناك ليس لهم من الإسلام إلا الانتساب إليه فهم لا يدركون حقائقه وهم لا يستطيعون التعرف إلى مراميه وتعاليمه، وحتى أداؤهم للشعائر الإسلامية إنما هو مجرد عمل تقليدي، لا يتذوقون روحه، ولا يدرون حتى معنى الألفاظ والكلمات التي يتلونها أو يتلى عليهم أثناء الصلوات وكل هذا ناتج عن انتشار الجهل وعدم معرفتهم للغة العربية(إلا القليل) التي بها يتعبدون والتي بها نزل القرآن وبها يتلى عليهم.
 لقد حضرت أداء صلاة الجمعة في كثير من مساجد إفريقيا الغربية: دكار – ابيدجان – باماكو – كوناكري فكان الخطيب يلقي خطبة الجمعة بلغة عربية ربما كان لا يدري لها هو نفسه معنى فأحرى السامعين والمنصتين وهذا ما يفقد لصلاة الجمعة حكمتها حيث أنها ما شرعت وشرعت فيها الخطبة إلا لإرشاد المسلمين وتوجيههم في حياتهم الدينية والدنيوية.
 إنه لا ينبغي أن ينكر ما قامت وتقوم به بعض الطرق الدينية كالتيجانية والقادرية وبعض الجماعات الإسلامية كجماعة فولتا العليا من دعوة إلى الإسلام وتبشير به ولكن هذه الطرق نفسها في حاجة إلى من يأخذ بيدها حتى لا يبقى الإسلام محرفا وحتى تزول منه الأساطير والأوهام التي ألحقوها به.
 ولقد استطعت أن أجتمع مع بعض الشخصيات الشابة في الأقطار التي زرتها فوجدتها متألمة من الأوضاع التي عليها إخوانهم متخوفة على مستقبل الإسلام هناك حيث إن التبشير يساعد إطارات ويكون مثقفين ويتبنى مدارس بينما المسلمين لا يلقون أية مساعدة جادة من إخوانهم لتكوين نخبة مسلمة شاعرة بمسؤولياتها مثل ما يعمل المسيحيون كما وجدتها متذمرة من أساليب الطرقيين وتعاليمهم التي يدركون أنها أصبحت تنفر الأفراد والجماعات الواعية من المسلمين. ولا تستطيع أن تقف أمام التيارات والمذاهب والأفكار المعاصرة والمنحرفة.
ويزيد من خطورة الوضع أن المدارس الرسمية الموجودة في بعض الأقطار الإفريقية كفولتا العليا يتصرف فيها ويديرها مسيحيون يعملون جهدهم ليكون المعلمون بها من المسيحيين وحدهم ويضعون العراقيل أمام التلاميذ المسلمين، كما يقومون بتأدية الشعائر الدينية أمام التلاميذ حتى يقلدوهم ويسيروا على منوالهم يضاف إلى ذلك أن بعض معلمي اللغة العربية في بعض الأقطار يعانون اضطهادا ومتاعب ويعرضون للطرد من الوظيف إذا ما بدرت منه أية بادرة تتعلق بالنشاط الإسلامي، ولقد اتصلت بي جماعة من هؤلاء وعبرت لي عن ألمها من الأوضاع التي تعانيها، وأسفها من فقدان المساندة من أية حكومة إسلامية.
ورغما من الدعاية التي تقوم بعض الحكومات الإفريقية فإن اللغة العربية لا تلاقي مناصرة ولا مساعدة ولا تأييدا بل العكس من ذلك ينظر إليها كشبح مخيف رغم تطلع الكثير من الطبقات الشعبية لتعليمها لأبنائها حيث يعتبرها الأفارقة المسلمون من تراثهم الوطني باعتبارها اللغة التي نزل بها القرآن، والتي يتوقف على معرفتها أداء الواجبات الدينية ومعرفة أحكام الدين.
ومن الغريب الذي يجب أن نذكر بهذه المناسبة أن إسرائيل محاولة في التودد إلى الأفارقة وتحايلا في استجلاب رضاهم اقترحت على الجماعة الإسلامية بسراليون أن تزودها بمعلمين للعربية ولكن الجماعة أدركت المغزى من هذا الغرض فرفضته. كما أن السفير الإسرائيلي قدم للجماعة الإسلامية بفولتا العليا جملة وافرة من المصاحف القرآنية ولكن الجماعة المذكورة لم ترض أن تتلقى هذه الممنونية من إسرائيل. وهذا كله يبين بوضوح أن إسرائيل تشعر بالحاجيات التي يتطلع إليها المسلمون فتريد أن تؤثر عليهم ما من شأنه أن يكسبها عطفهم.
كما تبث دعايتها من طرق أخرى وذلك بإعطاء القروض وتأسيس الشركات وإعارة الخبراء والفنيين وبذل المنح لبعض الطلبة والطالبات الأفارقة الذين يوجدون بفلسطين ويتجاوز عددهم المائة والعشرين.
وسط هذا الخضم من المشاكل التي يعانيها المسلمون يضاف عنصر جديد هو النشاط الذي تقوم به الجماعة الأحمدية التي تتستر بستار الإسلام ولكنها تعمل على تحريفه وإعطائه معاني وتفسيرات جديدة.
فالجماعة الأحمدية نشيطة كذلك ولها إمكانيات مالية ضخمة لسنا ندري من أين تتلقاها فهي تعمل على بناء بعض المساجد وهي تؤثر حتى على النخبة من الإفريقيين وكمثال على ذلك أذكر أن الحاكم العام لكامبيا التحق بالجماعة الأحمدية، وأهمية منصبه تجعله يؤثر في العامة ويقدم المساعدات للمتمذهبين بمذهبه، كما أن جماعة مهمة من المسلمين في سراليون اعتنقت هذا المذهب وصارت تدعو إليه. وتوجد جماعة إسلامية أخرى بفولتا العليا تدعو إلى ترك صلاة الجمعة وتدعي أنها ليست بواجبة، وتعمل جاهدة على نشر فكرتها، ورغم مواجهة المسلمين لها وقيامهم ضدها فإنها سائرة في خطتها تعمل بجد وتكسب الأنصار ولسنا نجد تعليلا لذلك إلا أن يدا تعمل على محو معالم الإسلام والقضاء على شخصيات الجماعة الإسلامية.
ورغما عن هذا كله فليس هناك ما يدعو إلى اليأس ولا إلى التخوف الكبير على الإسلام فالمسلمون رغم جهلهم وتخلفهم وانتشار البدع والأفكار السخيفة بينهم والحروب المسلطة عليهم من مختلف الجهات رغما عن هذا كله فهم متمسكون بإسلامهم معتزون بديانتهم معتبرون أن الإسلام هو مظهر شخصيتهم والمحافظ على كيانهم.
فهناك طائفة من الشباب المثقف تتقد غيرة على الإسلام وحبا فيه وتعلقا به وتعمل جاهدة على بث الوعي الإسلامي الصحيح، ولقد حكى لي أحدهم وهو الدكتور صامبا من "كامبيا" أن شباب المسلمين المثقف شعر بعد الاستقلال بمركزه الإسلامي وأصبح مدفوعا بنوع من التحدي لإظهار شعائر الإسلام فصار يؤدي الصلوات ويؤدي صلاة الجمعة بالأخص في مظهر ينم عن روح صادقة وإخلاص مكين. كما اجتمعت بطائفة أخرى من الشباب المسلم المثقف بأبيدجان تشعر نفس الشعور وتبذل نفس المساعي.
ولكن هؤلاء وغيرهم من الجماعات الإسلامية ينتظرون العون، ويستغيثون بالدول لتمدهم بالمساعدات والإعانات، حتى يبقى الإسلام قويا حيا في قلوب معتنقيه، وحتى يستطيع أن يصمد أمام الهجمات التي تهدف إلى تحطيمه وإفنائه.
إن حكومات الدول الإفريقية (إلا القلة القليلة) لا تهتم بمشاكل المسلمين ولا تعيرها أدنى اهتمام بل إن البعض من هذه الحكومات يعمل معتمدا على تنويم الشعوب وإبقائها تتيه في لجج الجهالات، تسيطر عليها شخصيات مستغلة، وتتركها في غفلة عما يقصده خصوم الإسلام من محو الإسلام. وإذا كانت توجد بعض الكليات الجماعية بدكار وأبيدجان فإن أغلبية الملتحقين بها من الجماعات التي لا تهتم بقضايا الإسلام أو من معتنقي المسيحية أو الوثنية.
بل توجد بين هؤلاء وبين الذين يدرسون العربية والإسلام هوة عميقة يعمقها ويقويها خصوم الإسلام.
ومن جهة أخرى فإن حكومات الدول الإفريقية التي زرتها مسيطرة سيطرة كلية على مقاليد الأمور ولا تسمح بأدنى معارضة تذكر وهذا ما جعل بعض الجماعات الإسلامية القليلة التي لا تسير في ركاب حكوماتها لا تستطيع القيام بأي عمل بنائي لصالح الفكرة الإسلامية وهو نفسه ما جعلها تنتظر المساعدة والمعونة والتأييد من الدول والجماعات الإسلامية في الخارج.
والظاهرة التي تثير الانتباه هي الفقر الضارب أطنابه بتلك الربوع، فليس هناك مشاريع اقتصادية يقوم بها المواطنون بل ليست لهم إمكانيات تجعلهم يقومون بها.
أما التغلغل الإسرائيلي فهو يختلف باختلاف الأقطار فبينما هو قوي في ساحل العاج مثلا وبالأخص في الميدان الاقتصادي إذا به لا يظهر في غينيا مثلا، على أنه يكاد لا يوجد يهود مقيمون بهذه البلاد وعلى فرض وجودهم في بعضها فهم قلة قليلة، ووجودهم الحقيقي يتجلى في الميدان السياسي ومحاولة التأثير على الحكومات الإفريقية بما يسمى ببذل المعونات وإن كانت هذه المعونات تقل وتكثر حسب أهمية الأقطار.
ويبدو لي أن الدول العربية لو نظمت أمرها وأحكمت أساليب عملها لاستطاعت أن توقف هذا التغلغل الصهيوني في بعض الأقطار الإفريقية على الأقل، خصوصا تلك التي تتلقى مساعدات خفيفة وإعانات رمزية كطبيب أو فني مزارع.
وكيفما كان الحال فلقد أظهرت لي الاتصالات التي قمت بها في هذه الأقطار وبالأخص مع الجماعات الإسلامية أن أهم ما يتطلع إليه المسلمون هناك، هو مساعدتهم في الميدان الثقافي والديني، وذلك بتزويدهم بمعلمين وأساتذة للغة العربية والديانة الإسلامية وتخصيص منح دراسية لتلاميذهم ومساعدتهم بكتب دراسية ومصاحيف قرآنية، زيادة على منح جماعاتهم الإسلامية الموثوق بها مساعدات مالية لتأسيس المساجد والمدارس القرآنية، التي يرون ضرورة الاهتمام بهما حتى يستطيعوا أن يقاوموا الدعاية التبشيرية التي يقوم بها الرهبان والتي يتلقون عليها مساعدات متدفقة من مجمعهم الكنسي. وهذا المجمع الذي سبق له أن عقد جلسة استثنائية سنة 1962 لدراسة الأوضاع في إفريقيا خاصة أمام انتشار الإسلام وعجزهم عن مقاومته بل فشلهم الذريع في نشر الكنائس ومدارس التبشير وعيادات العلاج المجاني إلى غير ذلك من وسائل الدعاية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here