islamaumaroc

أثر الإسلام في الحضارة العربية

  دعوة الحق

113 العدد

كان العرب قبل الاسلام يعيشون في اقليم محدود بالجنوب الغربي من آسيا يتصل بالبحر الاحمر غربا وبالمحيط الهندي وبالخليج الفارسي شرقا وببادية الشام شمالا، بل ان هذا الحد الشمالي كان يضم جزءا من العراق وجزءا من بلاد الشام.
وحيث ان بلاد العراق وبلاد الشام مرت عليهما حضارات قديمة وكانتا مجاورتين للفرس والروم فانهما كانتا اقرب إلى الحضارة من باقي الاجزاء العربية إذا استثنينا الجزء الجنوبي الذي هو بدوره عرف نوعا من الحضارة التي اهتمت بالزراعة الفنية وبالصناعة المحكمة.
ان الجزيرة العربية إذا استثنينا اطرافها الشمالية وجزءها الجنوبي كانت في اغلبيتها صحراء قاحلة لايستقر فيها الساكنون ولايطمئنون إلى عيشهم ولا يتوجهون إلى تنمية اقتصادية شاملة أو إلى نضر تعليم ينمي فكرهم ويرفع مستواهم الاجتماعي وذلك راجع إلى أسباب كثيرة أهمها انهم لم يستمتعوا بأسس الحضارة التي تعتمد على الاستقرار والاطمئنان والامن فكانوا يرتحلون من حين لاخر وينتقلون في جزاء شبه الجزيرة يطلبون الكلا ويتناحرون من اجله.
ول يستثن من ذلك الا بعض الواحات او المدن المعدودوة التي ازدهرت فيها التجارة او التي استقرت بها الاوثان كمدينة مكة التي كان يلجأ إليها العرب في عبادتهم وكانوا يجتمعون قربها بسوق عكاظ حيث كانوا يلقون اشعارهم وينشرون خطبهم ويتحدثون في مشاكلهم وشؤونهم ويتفاخرون بادبهم ويلتجئون إلى حكام امتازوا بذوقهم الادبي ومعرفتهم بالشعر ويستمعون إلى آرائهم ونظرياتهم بحيث كانت هذه السوق مظهرا من مظاهر الحضارة العربية آنذاك في الحجاز.
ولكن ليس هذا كافيا لوضع العرب آنذاك في صفوف الدولة الراقية لانهم كانوا ينتمون إلى وحدة دينية أو إلى وحدة قومية تشد ازرهم وتعلي شأنهم وتجعلهم يتوجهون إلى العلم والبناء والتشييد ويبتعدون عن الجهل والحرب والخراب.
وإذا كانت أحوال الجزيرة العربية قبل الاسلام مضطربة في البوادي العربية وفي جل اطراف الحجاز وكانت مظاهر التخلف في مختلف القبائل الشمالية فإن هذا التخلف أصبح شاملا حتى لبعض الاقاليم التي كانت قد اشتهرت بحضارتها في التاريخ القديم.
فالجنوب العربي مثلا كان في التاريخ القديم موئلا لحضارات عربية مازالت الآثار والكشوف إلى الآن تبرهن على قيمها وجلالها وكان مقرا لدول ذات حزم وعمل فالمعينيون والسبئيون والحميريون كل هؤلاء كانت لهم درية زراعية وخبرة صناعية واهتمام تجاري.(1)
لقد تعهدوا اليمن واسسوا السدود وبرعوا في تنظيم وسائل الري فازدهرت البلاد وارتفع مستوى المعيشة بين افرادها ونمت حركتهم التجارية وارتبطوا بالهند في معملاتهم وكانوا حلقة الوصل بينها وبين باقي الاجزاء العربية بل كانوا هم الذين يرسلون كثيرا من صنائعهم إلى البيزنطيين والفرسيين ولكن هذه الظاهرة لم تدم بسبب الحروب الداخلية التي نشأت بأرضهم تلك الحروب التي أخذت صبغة دينية من جهة وصيغة سياسية من جهة أخرى.
ففي عهد الحميريين دخلت المسيحية واليهودية إلى بلاد اليمن ونشأ خلاف بين هاتين الديانتين ادى إلى اقتحام الحبشيين أرض اليمن ليكرهوها على اعتناق الدين المسيحي وليتدخلوا في تسييرها السياسي ولما استقروا بها بنوا بمدينة صنعاء كاندرائية عظيمة جدا كانوا يريدون أن يوجهوا إليها أنظار العرب في كل جزء وان يسميلوا إليها عرب الشمال .
ولكن الوثنية في الشمال كانت قائمة ومتحكمة وكان العرب يتوجهون إلى الكعبة ويتمسحون بأوثانها واصنامها ويتقربون بها إلى الله فلما رأى الحبشيون ذلك أرادوا أن يهدموا الكعبة حتى لايجد العرب مقرا من اللجوء اليهم.
وتوجه الجيش الحبشي بقوته إلى الشمال يريد هدم الكعبة وأراد رئيس أن يدخل الرعب في المقاومين العرب وأن يثير الفزع في خيولهم فركب فيلا عظيما ذعرت من رؤيته خيول العرب وفرسانها ولم يستطع القرشيون حماة الكعبة قدرة على مقاومة هذا الجيش العظيم ولكنهم التجأوا إلى الايمان بان الكعبة بين مقدس عند الله وان لهذا البيت ربا يحميه.
وكان الله أراد ان برفع من قيمة قريش بين القبائل العربية وان يذيع فضلها بين الناس وان يمهد الدعوة التي ستنبعث منها بعد اربعين سنة فقط فحقق آمالهم وحمى هذا البيت الكريم من الهدم بسبب مرض الجدري الذي انتشر بين الجنود الحبشيين.
واعتبر عرب الشمال هذه النكسة التي اصيب بها الحبشيون نصرا عظيما لهم ورفعا لمكانتهم وقهرا لاعدائهم.
وكانت هذه الواقعة سببا في اعزاز قريش وفي نشر نفوذها المعنوي على جميع القبائل العربية وقد جعلها الله عبرة لهم فذكرهم بها لئلا يستمروا في معارضة الرسول صلى الله عليه وسلم وقوى بها امل محمد في النصر فقال: "ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وارسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف ماكول".
وكان انهزام الحبشيين تشجيعا لليمنيين على تأسيس حركة وطنية تعمل من اجل تحريرهم واستعانوا ببلاد فارس على تحقيق ما يرجون وتزعم هذه الحركة اول الامر ابن يزن احد اشرافهم ثم ابنه سيف الذي اصبح فيما بعد بطلا من ابطال الملاحم الشعبية التي نذكي الهمم وتربي النفوس.
ومن المعلوم ان الحرب إذا استمرت في امة من الامم حطمت معالم حضارتها ووجهت عناية افرادها إلى التفكير في المقلومة وفي البحث عن وسائللا التدمير والتغلب والقضاء على الطرف المعادي.
وكانت هذه الحروب عاملا آخر من عوامل التخلف الذي منيت به اليمن في مناسبات شتى.
فقد كان اليمنيون يعتزون يسدودهم وبتجاربهم ولكن التجارة تقلصت بسبب فتح بعض الطرق الجديدة على يد المصريين والروم وبسبب حماية البطالة  للبحر الاحمر، اما السدود فقد اهملت ويكفينا دليلا على ذلك انهيار سد مأرب الذي حاول حكام اليمن أن يتعهدوه وان يرموه ولكنهم لم يستطيعوا فقد اصيب بالتصدع الاول الذي كان سببا في القضاء على الدولة السبلية قبل الميلاد بمائة وخمس عشرة سنة 115 ق م ثم كان له تصدع آخر أيام الحمريين التبابعة سنة 450 م ثم تصدع نهائي سنة 540م ايام التغلب الحبشي.
ةلقد اشار القرآن الكريم إلى التصدع الاول الذي كان سببا في القضاء على السبليين سنة 115 ق م وأظن أن سياق الآيات لا يقتضي غيره (2) فقال: (لقد كان لسبا
في مساكنهم آية، جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له، بلدة طيبة ورب غفور فاعرضوا فارسلنا عليهم سيل العرم، وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي اكل خمط واثل وشيء من سدر قليل، ذلك جزيناهم بما كفروا، وهل يجزى إلا الكفور"(3)
وبانهيار السد ضاعت مقومات تلم الحضارة اليمنية التي كانت تعتمد في بنائها على الزراعة المنظمة وعلى الهندسة في استجلاب الري وسقي الاراضي وعلى القدرة على مد الانابيب وصناعتها وعلى ما يخلفه الري الاصطناعي من رفع للانتاج وتضخم للغلات.
وهكذا نلاحظ ان الحضارة اليمنية لم تكن في الحقبة التي جاء فيها الاسلام ذات قيمة ولم يكن لها نفوذا أو وجود فكان اليمنيون أيضا يعيشون في تخلف كأغلب الاجزاء العربية.
ولم يبق بين ايدينا آنذاك الا الجزء الشمالي في حدود بلاد فارس وفي حدود بلاد الروم.
فقد عرف العرب في حدود بلاد فارس حضارة نسبة أدت إلى قيام دولة عربية بالعراق(4) بمدينة الحيرة على نهر الفرات كان القائمون عليها هم اللبخميون اشتركوا مع الفارسيين في تسيير دواليب الحكم بالنسبة إلى السياسة الخارجية وبقي لهم حق التصرف الداخلي وتأسست أيضا بالشام الدولة الغسانية التي كانت تسير وفق السياسة البيزنطية(5) وكانت هاتان الدولتان بحكم اتصالهما بالحدود الفارسية والورمية متصلتين بالثقافة اليونانية التي كانت سائدة في كل من الشام وبلاد فارس.
وعرف ملوكها نوها من الرفاهية لم يكن معهودا لدى العرب في وسط الجزيرة وصار لهم من الانظمة الحكمية ما يلائم رفاهيتهم وعظمتهم واصبحت قصورهم تستقبل الشعراء والخطباء وأصبحت مدنهم تستقبل وفود التجار من باقي الاجزاء العربية واصبح بعضهم يتحكم في بعض القبائل المجاورة ويريد التغلب عليها ويكفينا من ذلك ما عرف عن عمرو بن هند (554م569) من مناصرة للبكريين على التغلبيين في المحاكمة التي وقعت بين عمرو بن كلثوم والحارث بن حلزة والتي أدت إلى اغتيال هذا الملك من طرف الشاعر عمرو بن كلثوم زعيم التغلبيين.
ورغم وجود هاتين الدولتين اللتين كانتا حاجزتين للروم والفرس عصر ما قبل الاسلام فان نفوذها صار ضئيلا قرب ظهور الاسلام نظرا لاحتدام الحروب بينهما ولاحتدام الحروب بين الفرس والروم.
وقد تقدم ان عدم الاستقرار يؤدي إلى انحلال الحضارات وإلى انهيارها أو إلى انعدامها على الاطلاق.
وهكذا لاحظنا في هذا العرض ان الجزء المتحضر من الجزيرة العربية لم يكن ذا استقرار ايضا مما جعل حضارته جزئية اقليمية لا تمثل استقلالا في الراي او قوة في الحكم أو شيوعا في الثقافة او الصناعة ولم تكن لهم قدرة على التوسع او التحكم فكانت حضارتهم مقفلة خاضعة للاتجاهات الفارسية والبيزنطية لم تظهر للشخصية العربية طابعا ولم تجعل لها نفوذا.
إذا اتضح ذلك امكننا أن نقول ان العرب في اواخر القرن السادس الميلادي كانوا في حاجة إلى قوة توحدهم وتبعد عنهم مظاهر التخلف التي كانت متجلية في جل اقاليمهم وتبعد عنهم شبح الاحتلال السياسي الذي كانت تتنافس فيه كل من دولة الفرس  والروم.
فالعرب في هذه الحقبة لم تكن حضارتهم واضحة ولم يكن تقدمهم ثابتا لانهم فقدوا الازدهار الذي كان في الجنوب واصبحت معالم حضارتهم في الشمال ضيقة لاتتجاوز الحيرة وغسان وأما باقي الاجزاء العربية فاغلبها قبائل متناحرة متنافرة يغلب قويهم ضعيفهم وتتحكم فيهم الوثنية فيقضون ساعات كثيرة بين اصنامهم واوثانهم يظنون ان لها القدرة على التوجيه والهداية فيخضعون لها الخضوع المطلق ويخنعون لها خنوع الاستسلام.
فلم ين للشخصية العربية اذن وجود فعلي في هذه الحقبة لأن العرب كانوا بين بدوي تتحكم فيه الخرافات والعوائد وبين متحضر ليست له القدرة على التحكم وفرض الوجود لانه يوجه من قبل غيره ولا يجد القدرة السياسية على مد نفوذه على اقاليم اخرى يستطيع تمدينها وتحضيرها.
وفي كذا الحالتين لا يظهر للعرب فضل ولاتقوم لهم قائمة.
شيء واحد كان يمكنه ان يلعب دورا عظيما في توحيد العرب وتوجيههم إلى الخير هو إيجاد شعور مشترك بينهم يرفع من قيمتهم ويبين لهم أنهم لم يخلقوا ليكونوا تابعين خاضعين لاية دولة ولم يهيؤوا ليكونوامتقاطعين متنافرين إذ لابد من إيجاد وحدة بينهم توحد بين اراضيهم وبين مبادئهم وتربط بينهم وبين غيرهم من الدول والشعوب فليس هناك أي معنى لانطواء العرب على انفسهم ولاستمرارهم على غيهم وطغيانهم وتنازعهم وتنافرهم لان ذلك يدفع الدول الاخرى إلى الابتعاد عنهم وإلى محاولة غزوهم إذا اقتضى الحال ذلك.
وقد أحس بعض الالشعراء والادباء والخطباء في اواخر القرن السادس وأوائل القرن السابع بضرورة هذا الاصلاح واصبح المجتمع العربي متشوقا إلى منقد ومتطلعا إلى مصلح بغير الاوضاع.
وثار بعض الشعراء ضد التفرقة وضد الحرب رغم ان الحرب عندهم كانت مظهرا من مظاهر الشجاعة التي يجعلونها اسمى صفة عند العربي خصوصا إذا اضيفت إلى الكرم.
ويكفينا دليلا على ذلك ما سجله الادب العربي من صيحات عالية مدوية لزهير بن ابي سلمى كان ينفر منها الذبيانيين والعبسيين من بعث الحرب التي كانت بينهم، تلك الحرب التي عرفت فيتاريخ العرب بحرب داحس والغبراء او بحرب السباق والتي انتهت بسبب تدخل سيدين من قبيلة غيظ بن مرة من غطفان استطاعا ان يقدما دية القتلى وان يمحوا شيح الحرب بكرمهما ويزلاه، واستحق هذان السيدان وهما هرم بن سنان والحارث بن عوف التخليد في معلقة زهير حين قال:
سمعا ساعيا غيظ بن مرة بعد ما
  تبزل ما بين العشيرة بالدم
ولما احس الشاعر بان شخصا من الذبيانيين يريد ان يتناسى قانون الصلح وان يعيد للحرب جذوتها خاطب قومه بقوله:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم
  وما هو عنها بالحديث المرجم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة
  وتضر إذا ضربتموها فتضرم
فتعرككم عرك الرحى بثغالها
  وتلقح كشافا ثم تنتج فتتلم
فتنتج لكم غلمان اشام كلهم
  كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم
فتغلل لكم ما لاتغل لاهلها
  قرى بالعراق من قفيز ودرهم
ولكن هذه الصيحات كانت جزلية لم تجد من العرب من ينفذها ويذيعها ويجعلها قانونا عاما وحكما ثابتا:
والسبب في ذلك هو ان الدعوات لم تكن ذات فلسفة خاصة تماسك بعضها ببعض لتكوين فكرة اساسية تقضي على الاسباب الداعية إلى الحروب:
فالقبائل العربية لم تكن مولعة بالحرب فقط بل كانت هناك أسباب مختلفة متحكمة في تربية الافراد قاهرة لهم في اتجاههم على شكل معين ولهذا لم يكن من المعقول الدعوة إلى السلام دون التفكير في محو الدوافع إلى الحرب.
وكان اول ما يجب أن يقوم به المصلحون آنذاك هو تحديد مقياس جديد للمفاهيم الخلقية في البيئة العربية وتوحيد العرب على قانون يجمع بينهم ويوجد بين آرائهم وعواطفهم وينظمون به شؤونهم وآنذاك يمكنهم أن يشاركوا مشارعة فعالة في الحضارة الانسانية ولكن كيف يتأتى ذلك دون اصلاح جذري قوي يستطيع به الفرد العربي ان يثور على عوائد متمكنة من نفسه تمكنا متينا قد لا يزول عنها إلا بقوة خارقة للعادة تقوم بتربيته وبرفع معنويته وباظهار كرامته وباشعاره بوجوده ووجود من معه وانه لم يخلق في هذه الحياة ليعيش وحده وانما الحياة مبنية على التعايش السلمي وعلى تبادل المصالح وعلى الاقتناع باللجوء إلى حكومات تفصل فيما يقع بينه وبين غيره وان يقتصر على الانتقام الفردي أوالانتقام القبلين وهذا امر لا يعرف ما فيه
من صعوبات تطبيقية إلا الذين حاولوا تغيير ما بانفسهم من انحرافات وما كانوا يلقون فغي ذلك من مشاق عظيمة في تغليب ارادتهم على هواهم وعواطفهم.
المجتمع العربي كان مجتمعا يؤمن بالحرب اشد الايمان جون تامل في الاسباب والغايات ودون بحث عن الدوافع والحوائل وانما يقوم بالحرب مناصرة للقبيلة ظالمة كانت أو مظلومة، قال شاعرهم:
وما أنا إلا من غزية أن غوت
  غويت وان ترشد غزية ارشد
وان اشعار هذا المجتمع بالابتعاد عن الحرب الغير الهادفة للمصلحة  القومية العربية لايجد مصغيا ولا مطبعا إذا كان هذا الاشعار من فرد لا قوة له أو كان خاطره من الخواطر التي تستند على برنامج عام شامل.
وان هذه الاشعار لايلقى قبولا من مجتمع كان يفقد الوسائل التي تجعله متماسكا متحدا.

ان المجتمع العربي بدأ يشعر بعض افراده يواجههم، ولكن هذا الشعور كما تقدم لم يكن عاما ولم يكن مبنيا على قوة موحدة بين جمع القبائل، ولذلك لم يكن كافيا في تغيير اوضاع هذا المجتمع المتخلف المتخادل الذي كان يؤمن بأشياء قد تبعث على الضحك والسخرية.
ان افرادا من هذا المجتمع كانوا يؤمنون بأشياء مضحكة تدل على تخلف فكري وضعف عقلي من ذلك مثلا انهم كانوا يؤمنون بالصدقة ويجعلونها تتحكم في مصيرهم، واي عقل سليم يقبل جعل المصير في اجنحة طير تتصرف في سلطة الانسان وفي اعماله، وقد يريد الفرد العربي السفر من اجل تنمية اقتصادية او من أجل تحقيق عمل شريف، ولكنه قبل الاقدام عليه كان يزجر الطير، فإذا تياملت اقدم على عمله، واذا تياسرت أحجم عن العمل.
ومافائدة هذا الطائر الميمون إذا كان يؤدي إلى القيام بعمل لم يقتنع العقل بمصلحته، وما فائدة هذا الطائر الجائح إلى اليسار إذا كان سببا في تعطيل عمل نافع.
ان المجتمع الذي يقبل هذه الخرافات مجتمع متخلف فكريا لانه يزيل سلطته ويجعلها في تصرف طائر لا عقل له ولافكر..
وزيادة علة ما تقدم من مظاهر التخلف فإن بعض القبائل كانت تؤمن بتقديم القرابين البشرية إلى الاصنام والاوثان، وهذا عمل غير معقول يدل على الجهل بالقيمة الانسانية.
شخص برئ يقدم لحجر لا يعقل ولايفهم قد يكون ذلك الفرد اصلح للامة من جميع اوثانها، ولكنه الضعف الفكري والتخلف الحضاري جعل هذه الظاهرة تتجلى في المجتمع العربي،
ولم تقتصر هذه العادة على القبائل المتخلفة بل كادت توجد حتى في اشهر القبائل كقريش مثلا، فالتاريخ يروي ان عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم نذر على نفسه إذا بلغ ابناؤه عشرة ان يذبح احدهم بباب الكعبة فداء وتقريبا لانهم سيعينونه على تحمل الاعباء وعلى القيام بشؤون القبلية.
وفعلا فقد بلغوا العدد الذي نذر من اجله واراد ان يختار من بينهم من يقدم قربانا فكتب اسم كل ابن على قدح ووقع الاختيار على عبد الله اصغر ابنائه وكان جميلا وسيما محبوبا لدى والده، فعز على القرشيين تنفيذ هذا النذر وتشاوروا فيما بينهم وقرروا اللجوء إلى كاهنة بالحجر يستفتونها فأشارت عليهم بان يفدوه بالابل وكان الفداء عشرة على شرط ان يضربوا بين الابل وبينه ولكن الاختيار وقع عليه مرة اخرى وارتفع الفداء وتكرر ضرب القداح، ولم ينت الامر إلا بعد ابن بلغت الابل مائة، وآنذاك وقع الاختيار على الابل دونه فنحرت فداء له.
وربما يعتبر عمل الفداء عذا اول ثورة ضد هاته العادة المنحرفة التي كانت تدل على التأخر الفكري والتخلف الحضاري وقد روى الطبري أن مروان امير المدينة لما سمع بهذا النذر وهذا الفداء رفضه وقال :"لانذر في معصية فلم تنحر الابل واعتبرت مقالته هذه سنة متبعة عند العرب"(6).
وعلى كل حال فإن هاته العادة التي كانت تؤدي بحياة افراد ابرياء تعد حاجزة للعرب عن التفكير السليم ومانعه لهم من التقيد بقيود الحضارة وفاصله بينهم
وبين الوسائل التي تمكنهم من التفتح العقلي والازدهار العلمي.
ولم يكتف المجتمع العربي بما تقدم بل أننا وجدنا بعض افراده قد وقفوا مواقف شائنة تدل على انهم كانوا في حاجة إلى قوة جديدة تبث فيهم روح التفكير السليم وتيسر لهم سبل الحضارة.
إننا وجدنا هؤلاء الافراد ينظرون إلى المرأة نظرة لا تتلاعم مع الاتجاه الطبيعي للبشرية كانوا يلدونها ويحرمونها من الارث بل كان بعضهم يجيز لنفسه ان يرث زوجة الهالك وذلك بأن يأتي الوارث ويلقي رداءه على زوج مورثة ان لم يكن منها وآنذاك يكون له الحق في أن يتزوجها أو يزوجها لغيره لبأخذ عوضا عنها يتكها دون زواج ليرثها بعد زوجها(7).
وان هذه العوائد وان لم تكن عامة بين جميع الافراد فانها لم تجد قانونا رادعا يبعدها عنهم ولذلك اذواقهم وينمي احساسهم بالمسؤولية ويوجد بين اجزائهم وآنذاك يمكن ان تتلاحم اجزاء الجزيرة العربية ويمكن أن يستفاد من الواعين الذين تحدثنا عن بعضهم والذين قانا انهم اصبحوا يحسون بالتفسح الاجتماعي والتخلف الحضاري في مجتمعهم.
ومن الظواهر العامة التي كادت تكون سببا رئيسيا في الانحلال الحضاري في الجزيرة العربية قبل الاسلام فكرة الانتقام تلك الظاهرة التي كانت شائعة بين اجزاء المجتمع العربي والتي ادت إلى حرب متواصلة وإلى اضطراب متتابع.
كانت غريزة الانتقام لا تترك مجالا للامن ولا الحياة الهادئة التي يمكن ان تعين على الرقي والازدهار وتتجلى هذه الظاهرة غي جل اشعار العرب سواء في اوائل القرن السادس أو في آخره من ذلك قول المهلهل في رثاء أخيه كليب وائل:
خذ العهد الاكيد هلى عمري
  بتركي كل ما حوت الديار
وهجري الغانيات وشرب كأس
 ولبس جبة لا تستعار
ولست بخالع درعى وسيفة
 إلى ان يخلع الليل والنهار
وإلا أن تبيد سراة بكر
 فلا يبقى لها أبدا أثار
لقد لاحظنا فيما تقدم ان المجتمع العربي في اغلبه مجتمع منفك منحل متخاذل ولاريب أن القوة التي في استطاعتها ان تؤلف بين اجزائه وتوحد بين اطرافه تربط بين شعوره ستكون القوة الهائلة التي ينسب إليها الفضل في بعث الحياة في الامة العربية.
ونحن بدورنا لابد أن نبحث عن هذه القوة التي منحت للعرب فضل التآلف والتي آخت بينهم ومهدت لهم سبيل النصر والتطلع إلى المعرفة والتقدم.
ان مهمة الباحثين تدفعهم إلى أن يطلعوا على احوال الامم السابقة وان يروا البواعث التي كانت تحييها أو تتسبب في انهيارها، لماذا فقد البحث التاريخي هذه المهمة كان بحثا ناقصا إذ لا فائدة في التاريخ إذا لم يكن موجها ورائدا.
وعليه فإن الضرورة كانت تحتم علينا أن نقارن بين وضع العرب قبل الاسلام وبين وضعهم بعد ظهوره لنعرف الاثر الكبير الذي حققه هذا الدين غي ازدهار الحضارة العربية ولذلك وجهنا اهتمامنا إلى تصوير البيئة العربية قبل الاسلام لنقارن بينها وبين العنصر الجديد الذي طرأ على العرب فحور اتجاههم وغير مجرى تاريخهم، ولقد لاحظنا أن تلك البيئة منخلفة متأخرة تنتظر قوة موحدة تزيح عنها كابوس التخلف.
في نلك البيئة المضطربة المؤمنة بالخرافات البسيطة الميالة إلى الحروب المعتزة بالانتقام نشأ محمد صلى الله عليه وسلم وكان دقيق الاحساس راجح العقل قوي التفكير بعيد النظر دقيق التأمل فأصبح يرى ما عليه قومه من ضلال وما هم فيه من جهل ولم يطق ان يلاحظ ضلالهم وان يكون إلى اوثانهم فكان يتحنت بغار حراء إلى أن نزل عليه الوحي وجاءه جبريل فقال(8): ابشر يا محمد أنا جبريل وانت رسول الله على هذه الامة ثم قال له اقرأ فقال ماأنا بقارئ فأخذه فغطه بالنمط الذي كان ينام عليه حتى بلغ منه فأخذه ثم ارسله فقال اقرأ فقال ما أنا بقارئ فأخذه فغطه ثانية ثم ارسله فقال اقرأ ما أنا بقارئ فغطه الثالثة ثم ارسله فقال: " اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق اقرأ وربك الاكرم الذي علم بالقلم علم الانسان مالم يعلم".
وهنا بدات الانطلاقة الاولى في تحوير مجرى التاريخ العربي فقد جاء هذا الدين الاسلامي وانيعث من مكة العربية في الحجاز ووجد الرسول صلى الله عليه وسلم طوائف من الملحدين والوثنيين راكنين إلى ماورثوه عن آبائهم لايريدون منه بديلا فعارضوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاربوه ولقى منهم عنتا كبيرا فاضطر إلى الهجرة إلى يثرب مع اصحابه فنصره الله بقبيلتي الاوس والخزرج بعد أن ألف يبنهما الاسلام وانطلقت من مدينة يثرب اصداء هذا الدين واذاعته واتسع الفتح في عهد الامويين وامتزجت الثقافة الاسلامية بغيرها من الثقافات وازدهر الاتصال بين الثقافة الاسلامية والثقافة الهندية والفارسية واليونانية.
ولم يعد العربي يعيش منعزلا عن العالم خاضعا في الحكم لغيره بل اصبح لوجوده قيمة واصبحت دول كثيرة تعمل على الالتقاء مع العرب في دينهم ولغتهم وتطورت الفكرة العربية من الفكرة القبلية الضيقة إلى الفكرة الاسلامية الكبرى التي وحدت بينهم واخضعت  لهم جبابرة العالم ولم يعد فكر العربي ضيقا بل اصبح فكرا يقبل الجدل ويميل إلى التأمل ويعتز بالإيمان.
وارتفعت في نفسه نخوة الاعتزاز بالكرامة التي اصبحت قانونا عاما يتحكم في مصير العرب وغيرهم من المسلكين الذين آمنوا بدين الله.
وكان لهذا الالتحام بين العرب وغيرهم اكبر الاثر على الحضارة العربية سواء في تفكيرها وعمرانها وثقافتها العامة إذ لم يعد العقل العربي قاصرا على ماكان بيده في رقعته الصغيرة بل اصبح يفكر نفكيرا عاما يجمع بين المصلحة الاقليمية والمصلحة البشرية وهذا اكبر تلقيح ولتفتح القرائح.
ولم يعد العربي مشتت الراي لايشعر بتحمل المسؤولية العامة بل اصبح بعيدا عن انانيته مؤمنا بالوحدة البشرية، مؤمنا بحق الحياة وبحق التملك وبحق التأمل في الكون.
وتعلم العربي من القرآن الكريم نوعا من الجدل العقلي صار يدفعه إلى التأمل في مصير الكون وفي اسباب وجوده واحيث القصص القرآنية طريقة الجدل ضد الوثنية ذلك الجدل الذي يكاد يقنع كل الملاحظينه فاستمع إللا القرآن يتحدث ابراهيم عليه السلام وكيف انفصل عن عبادة الوثان ومظاهر الطبيعة التي تجلب بعض البسطاء فيعبدونها قال تعالى يتحدث عن ابراهيم عليه السلام: " فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما افل قال لا أحب الآفلين، فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لاكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذاربي هذا أكبر فلما اقلت قال ياقوم إني برئ مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات الارض حنيفا وما أنا من المشركين".
فالعربي اصبح يشعر بضرورة التفكير وضرورة التأمل ولم يبق قانعا بالمظاهر البسيطة التي كانت تتصرف في امره وتتحكم في مصيره ومن هناك اصبح للعقل نفوذ في الاتحاد الجديد ولكنه العقل الذي يبحث في مجالاته.
ومن هذا اصبح الفرد لايرضخ لتلك العوائد كانت تتحكم في مصيره واصبح حرا في التفكير حرا في التأمل إذ لم يعد يطمئن إلى طائر يزجره أة إلى وثن يعبده أة إلى قربان بشرى يضحى به بل اصبح المسلم هو نفسه يبعد مظاهر التخلف في امم فتحها فعمر بن الخطاب مثلا قد ابطل عملية العروس المهداة إلى النيل كل سنة ليفيض وأبي أن يترك ذلك لأنه لا يدل على تقدم عقلي أو على إيمان بالله.
وإذا كان بعض المؤرخين ينكرون وجود هذه العادة في ايام عمر فلانهم انها لاتنسجم مع مضاهر التقدم في مصر ايام الفتح.
وسواء كانت هذه العادة موجودة فأبطلها عمر أو لم تكن فإن الذين نسبوها إلى عمر راعوا الحيثية الجديدة للدين الجديد الذي اصبح يحارب الوثنية ويحارب العوائد الضالة والرافات الزائفة .
ولما فتح العرب مصر ارتبطوا بالاتجاه العلمي الذي اصبح عنصرا أساسيا في ثقافتهم واطلعوا على الاثر العلمي الذي كان واضحا في مدرسة الاسكندرية التي اندبت العلماء والمفكرين والفلاسفة.
كما استفادوا من فتحهم لبلاد الشام وبلاد العراق وبلاد فارس والهند ثم لفتحهم شمال افريقيا وبلاد الاندلس، واستطاعوا ان يتصلوا بالفكر اليوناني عن طريق الترجمة وعرفوا آنذاك آراء ارسطوا وافلاطون ونظريات فيتاغورس في الفيض واطلعوا على الاصول العامة في الرياضيات فاستهوتهم هذه وراوا صلاحيتها وانسجامها مع الفكر الاسلامي الذي يدعو الانسان إلى دراسة اسرار الكون ومعرفة خباياه.
الشيء الوحيد الذي يدعو إليه الدين هو ان نتصرف في هذه العلوم تصرفا لايتفانى مع الاسس الدينية في الاخلاق والمعاملات.
ان العرب حينما ارتبطوا بغيرهم من الدول والاجناس لم تكن غايتهم القهر عن طريق الغزو العسكري وانما كانت غايتهم نشر الدين ورعاية اللغة العربية وتعميم المبادئ الخلقية الاولى التي صارت دستورا للمسلمين لا فرق بين عربيهم وغيرهم.
حقيقة لم تكن الغاية من الفتح العربي قهر الاجناس او الدول المفتوحة وانما كانت في جعل الدين الاسلامي اساسا يربط بين المتساكنين ويوحد بين ابناء البشر.
وتساهل الدين الجديد مع اهل الكتاب-إذا رضوا بدفع الجزية-ان يحافظوا على دينهم وليس ذلك حبا في المال وانما كان ذلك تحقيقا للسلطة الاسلامية في تطبيق مبادئها دون ان تجد محاربين يعوقونها عن السير قدما إلى الامام.
وحيث ان الدين الجديد قد انبعث من ارض العرب وكانت اصوله مدونة بلغة العرب وكان الداعون الاولون إليه من ابناء العرب كان من الطبيعي ان يقوم بتعهد مبادئه وتعاليمه اول الامر الفاتحون الاولون من العري
وكان من الطبيعي ان يتولى العرب الشؤون العسكرية للامة الاسلامية ويهتموا بتنظيم الاقاليم التي اصبحت تخت سيطرتهم وان يتعهدوا العلوم والصناعات وات يشجعوا من كانت له خبرة بها من الاراضي المفتوحة.
وليس من المعقول ان يقع الامتزاج المطلق بين العرب وغيرهم بمجرد الاتصال إذ كان الزمن ضروريا لايجاد التقارب الفكري بين المسلمين الجدد من جهة وبين المسلمين الاولين منجهة اخرى فكانت التعاليم الدينية توجه من قبل الفاتحين وكان الفاتحون يتأثرون بما لاحظوه من علوم منتشرة في العراق وسوريا ومصر وفارس والهند واوربا وغيرهما من البلدان.
واهتم الخلفاء العباسيون بالخصوص بتعهد الثقافة الاسلامية حين ريطوها بالثقافات الاخرى وحينما اضافوا اليها ما يلغ إليه العلم آنذاك من تقدم في الطب والعلوم الطبيعية والعلوم الرياضية التي كانت متصلة بالفلك ايضا.
ولم يقتصر اهتمامهم بهذه العلوم بل أضافوا إليها الاهتمام بعلم اللاهوت فأدخلوا العنصر الفلسفي في التفكير في اصل الكون.
واحس المسلمون آنذاك حينما صاروا يدرسون العلوم القديمة ويحاولون ربطها بالاسلام انهم لا يتحدثون باسم العرب، او باسم الفرس او باسم الاتراك او غيرهم، بل اصبحوا يتحدثون باسم الثقافة العربية الاسلامية من جهة ويحاولون ربطها بالتقدم العلمي الفكري ليجعلوا هدا الالتقاء مبدأ الانطلاق إلى العمل الجدي من أجل تطور هاته العلوم وتنميتها.
فالمجهودات الجبارة التي قام بها العرب في عهد حكمهم كانت لالفكرة الاسلامية العربية التي محت عنصر التفاضل الجنسي وإنما كانت تعمل من اجل تحقيق النصر للفكر العربي الاسلامي.
فالحضارة العربية بعد الاسلام أصبحت حين اطلاقها لاتنفصل عن روح الدين الجديد ولا تنفصل عن مفهوم العروبة العام الذي صار لايأبه بالسلالات وانما يأبه بالفكرة العربية الاسلامية ولو استعانت بغير المسلمين فان ما قام به السريانيون مثلا والواردون على دار الخلافة ببغداد من تراجمة للاسس العلمية وللمصادر اليونانية وغيرها في مختلف العلوم بأمر من الخليفة العباسي لايبطل في الحكم الحضاري إن هذا العمل مظهر للفتح العقلي عند العرب لانهم هم الذين رعوه وشجعوه وفكروا في صلاحيته.
فهذه الاعمال العلمية وان قام بها افراد ليسوا بعرب داخله في الحكم الحضاري كما تقدم تحت اطار العمل العربي.
وإذا كان هذا الامر ظاهرا بالنسبة إلى من لم يكن مسلما فهو اكثر وضوحا بالنسبة إلى المسلمين الذين امتزجوا بالعرب واستعانوا معهم على رفع مستوى الحضارة العربية الاسلامية.
ولهذا فما قام به العلماء الفارسيون والاتراك والهنود وغيرهم من الذين اندكجوا في الحضارة الاسلامية العربية من اعمال داخل اطار الفكر العربي الاسلامي لاينفصل عن الحضارة العربية بأي حال من الاحوال.
فنحن حينما نتحدث عن الفارابي أو الكندي أو ابن خلدون أو ابن طفيل او عن المجهودات التي قام بها الموحدون مثلا في بلاد المغرب في نشر اصول الدين وفي تعهد معاهد الحضارة في البناء والتشييد فإنما نتحدث عن مظاهر الحضارة العربية الاسلامية دون أي اعتبار آخر.
ولهذا لايمكن ان نقبل أي راي يريد ان يبخس حق العرب وأن يقول عنهم بانهم لم يهتموا بالصناعات والفنون والعلوم وانهم تركوا ذلك لغيرهم واكتفوا بالحكم العسكري فقط لان التاريخ يكذب ذلك فهم قد تعهدوا العلوم واغدقوا العطايا على العلماء والمفكرين وان هذا التعهد يضفي على عملهم حق المشاركة الاساسية في التقدم الحضاري العربي الاسلامي خصوصا وانهم لم يكتفوا بهذا التعهد التشجيعي بل شاركوا مشاركة فعالة في العلوم وفي الفلسفة بعد ان حققوا المهمة الاولى التي كانوا يحملونها في قلوبهم ونفوسهم فعلموا اسس الدين واسس الاخلاق.
ومادمنا نحن لانعترف بان الحضارة العربية تمثل سلالة خاصة فإن كل ما قام به المسلمون تحت رعاية هذا الدين الذي انبعث من الجزيرة العربية والذي كان حريصا على ايجاد الوحدة بين المسلمين تلك الوحدة التي كانت تتجلى في وحدة الشعور واللغة....أقول ان كل ما قام به المسلمون آنذاك يدخل في مفهوم الحضارة العربية.
ومما يؤيد نظريتنا هاته قول المؤلف الشهير د. لاسير أوليري في مقدمة كتابه علوم اليونان وسبل انتقالها إلى العرب هنا من معنى واسع فلا يقصد منها هنا تلك السلالة العربية لحما ودما فحسب بل منها هنا تلك السلالة العربية لحما ودما فحسب بل تشتمل على كل من خضعوا للحكم السياسي العربي واتخذوا العربية لغة  واعتنقوا دين العرب.....ثم يقول: "وأهم من الاتحاد السياسي والعنصري والديني أن القوم الذين عليهم هنا لفظة العرب قد ساهموا  بنصيب في تاريخ ثقافي مشترك وشاركوا في التراث العلمي الذي استقوه من العالم الهيلنسي).
وهكذا اصبحنا ترى أن ان الاسلام حقق للعرب هذا الخلود الاسمى بسبب ما قالوا به من فتوحات رفعت من مستواهم الفكري والاجتماعي والعمراني.
ولم ينل العرب هذه الدرجة إلا بعد تهذيب لنفوسهم عن طريق الاسلام وترقيق اذواقهم  عن طريق الاتصال ببعض الدول التي فتحوها.
وهكذا نجد ان النظرية التي تقول بأن العرب الذين غزوا امما كثيرة غزوا دينيا أو غزوا سياسيا قد تأثروا هم أيضا بعوائد تلك الامم وثقافاتها نظرية مقبولة وهي توافق الدراسات الهامة التي تربط بتاريخ الاسلام وبفلسفته في جميع الاصقاع.
وهذا التأثر لم يكن في الجانب العلمي فقط بل كان في الجانب العمراني والسياسي والاداري أيضا ولكنه لم يكن تأثرا سلبيا بل كان ممتزجا بالروح الاسلامية الجديدة التي نفخت روح العمل في العرب واخرجتهم من ظلماتهم التي كانوا يتخبطون فيها وفتحت امامهم حرية الفكر ونقاء الضمير وحيوية العمل فأصبحوا بذلك ساسة العالم وقادة الفكر.
وما أجدرنا ان نعاود النظر في هذا التاريخ وان نحيي من جديد روح الدين في انفسنا وروح العروبة في دمنا وان نجدد للحضارة العربية شبابها وللحضارة الاسلامية وجودها وبذلك تكون الابناء البررة الذين لم يكفروا بتاريخهم ولم يكونوا له جاحدين.


(1)  الدور المعيني ما بين 3000 وألف قبل الميلاد، والدور السبتي كان ما بين 1000و 115 قبل الميلاد أما الدور الحميري فكان ما بين 115 ق م و 525 ميلادية.
ولقد تحكم الحبشيون في اليمن ما بين 525 و 575 ميلادية ومن سنة 575 م إلى سنة 632 م كان للفارسيين تدخل في الحكم انظر تفصيل ذلك في كتاب عصر ما قبل الاسلام تأليف محمد مبروك نافع صفحة 51 فما بعدها.
(2)  ذلك لأنها تحدثت عن سبأ وعن نهايتها وكان ذلك سنة 115 ق م أما التصدعان الآخران فكان أحدهما في عهد الحمريين وكان الآخر في عهد التغلب الحبشي لم يكن للحكم السبلي أثر وعليه فلا معنى لقول محمد مبروك في كتابه عصر ما قبل الاسلام بعد ذكره لتاريخ التصدعات.....ولا نعلم علم اليقين إلى أـيها يشير القرآن الكريم لان ذكر سبأ في الآيات مخصص للتصدع المقصود انظر عصر ما قبل الاسلام صفحة 81.
(3)  من سورة سبأ 15+17
(4)  تأسست دولة الحيرة في اوائل القرن الثالث ومن اشهر ملوكها امرؤ القيس بن عمرو (288-328) والنعمان الاول (400-418) والمنذر الاول (418-462) والمنذر الثاني (505554) وعمر بن هند (554-569 (والنعمان الثالث (580-602).
(5)  من أشهر ملوك الغسانيين الحارث بن جبلة (529م – 569) وكان ذا مركز عظيم في تاريخ هذه الدولة ثم المنذر بن الحارث الذي وقعت بينه وبين الروم خصومات أدلت إلى نفيه إلى القلب للطينية ثم إلى صقلية وأدى ذلك إلى قيام ثورة ضد الامبراطور من قبل ابناء المنذر زاسر منهم ابنه النعمان سنة 583 م.
(6)  عن حياة محمد للمرحوم حسين هيكل صفحة 62.
(7) محمد المثل الكامل تأليف محمد أحمد جاد المولى صفحة 172 وفي تحريم هذه العادة الاخيرة نزل قوله تعالة: " ياأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها".
(8)  عن نور اليقين في سيرة سيد المرسلين لمحمد الخضري.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here