islamaumaroc

حاضر العالم الإسلامي -1-

  دعوة الحق

113 العدد

"مضى أكثر من ثلاثين عاما على صدور كتاب "حاضر العالم الإسلامي" الذي ألفه لوثروب ستوارت وترجمه الأستاذ عجاج نويهض وعلق عليه الأمير شكيب أرسلان، وأعتقد أننا في حاجة ماسة إلى دراسة جديدة لعالم الإسلام، وقد حاولت أن أجد كتابا وافيا بالغرض يصلح للقارئ العربي والمسلم فلما لم أجد بعد طول البحث حاولت أن أعد دراسة في هذا المجال وكنت قد ألفت كتابي "العالم الإسلامي والاستعمار" عام 1956 الذي أصبح اليوم في حاجة إلى مراجعة كبيرة للتغير الكبير الذي أصاب العالم الإسلامي، لذلك حاولت اليوم محاولة جديدة في كتابة دراسة جديدة تحت عنوان "عالم الإسلام في واقعه المعاصر" وسأخص بها مجلة دعوة الحق الزاهرة".
"تجمع الملايين من المسلمين المنبثين في مختلف أنحاء العالم عقيدة واحدة تطبع مجتمعاتهم بطابع واحد قوامه التوحيد والعدل والحرية والمساواة وتحمل السلام والوحدة والتقدم وتلتقي مع جميع شعوب العالم وأممه لقاء الأخوة، وهذه الملايين تتطلع إلى أن تكون قوة فاعلة في النمو الحضاري والبناء الإنساني الأكبر."

يمثل "العالم الإسلامي" وجودا حقيقيا للجماعة الإسلامية، وهو وجود سياسي واجتماعي له طابعه ومفاهيمه المستمدة من "الإسلام" بوصفه ليس دينا فقط، ولكنه دين ومجتمع، ونظام كامل للحياة، ومهما تشكلت هذه الجماعات في نظم عصرية مستحدثة فإنها لم تفقد صلتها بجذورها الأصلية، وما  زالت تتحرك في إطار الإسلام – ويوجد المسلمون في 67 دولة بنسبة أو بأخرى، وهذا  يوازي أكثر من نصف دول العالم، ويبلغ عدد الدول الإسلامية 29 دولة نصفها في آسيا والنصف الآخر في إفريقيا، ويبلغ تعداد المسلمين حسب أصح وأرجح الإحصائيات ستمائة وأربعة وثلاثين مليونا، ويمكن القول بأنه [...] دولة في العالم لا يوجد فيها المسلمون بقدر ما، والمسلمون موزعون بين القارات الخمس، وهم موزعون أيضا بين الشعوب الهندية، والفارسية، والمغولية، والتركية، والعربية، والإفريقية السوداء، فهم قارة وسطية تنصهر فيها جميع الأجناس والثقافات والأمم، وقد استقر الإسلام منذ وقت بعيد في (الأمة العربية) والدول الإسلامية الأسيوية القديمة (إيران وتركيا والهند وأفغانستان) ومازال طابعه هو أوضح الطوابع، غير أن الإسلام في العصر الحديث قد أخذ يغزو بقوة منطقتين من أخصب مناطق العالم وأشدها تقبلا للإسلام والتوحيد هي (1) جنوب شرق آسيا أو ما يسمى أرخبيل الملايو، (2) شرق وغرب ووسط إفريقيا وجنوبها حيث يواجه البوذية في الأولى  والوثنية في الثانية.
ويجد الإسلام مجالا واسعا في محيط السود في كل مكان بوصفه رد الفعل الحقيقي للتفرقة العنصرية والاستعمار ونفوذ الرجل الأبيض.
وقد حقق الإسلام وجوده عن طريق الدعوة لا عن طريق القسر والإرغام، حتى في المناطق التي سيطر عليها سياسيا وأقام فيها دولة في المرحلة الأولى من حياة الدعوة الإسلامية، فقد ظلت الدولة لا تفرضه على الشعوب والأمم، وتركت الأمر للدعاة والعلماء الذين أذاعوا به وعرضوه فاقتنع به الناس عن تقبل فكري وروحي، وبعد مقارنات طويلة ومنافسات واسعة مع الأديان الأخرى: سماوية أو أرضية.
غير أن نهضة انتشار الإسلام ذاتيا في العصر الحديث إنما تعزى للدعاة والتجار ورجال الطرق الصوفية الذين انبثوا في مختلف المناطق الوثنية، كما كان للدعاة الهنود والباكستانيين الذين ترجموا معاني القرآن والحديث النبوي إلى اللغة الإنجليزية أثر كبير في نفوس الأوربيين في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا وأمريكا، مما نتج عنه تيار جديد لمجموعة من الباحثين المنصفين الذين يرون في الإسلام المصدر الأكبر للسعادة الإنسانية وحل مشاكل الإنسان المعاصر، والقضاء على المعضلات الثلاث الكبرى التي يواجهها العالم اليوم وهي: العدل الاجتماعي والتفرقة العنصرية والوحدة الإنسانية.
 قامت الدعوة الإسلامية على قاعدة أصيلة مستمدة من القرآن الكريم هي:
"لا إكراه في الدين"
وقد اعترف بذلك الباحثون المنصفون في الغرب. يقول هنري دي كاستري في كتابه: الإسلام خواطر وسوانح:
"إن الإسلام لم يكن له دعاة مخصوصون يقومون بالدعوة إليه، وتعلم مبادئه كما في المسيحية، ولو أن كان للإسلام أناس قوامون لسهل علينا معرفة السبب في انتشاره السريع، فقد شاهدنا الملك شارلمان يستصحب معه على الدوام ركبا من القسس والرهبان ليباشروا فتح الضمائر والقلوب بعد أن يكون هو قد باشر فتح المدن والأقاليم بجيوشه، والتي كان يصلي بها الأمم حربا لا هوادة فيها، ولكنا لا نعلم أن للإسلام مجتمعا دينيا ولا رسلا أو أحبارا وراء الجيوش فلم يكره أحد عليه بالسيف ولا باللسان".
ولكن هذا "الإسلام" الذي لم يفرض نفسه على أحد، والذي دخل فيه كل من اعتنقه رضاء به وقبولا، كان غاية في التصميم على مقاومة كل من حاول الإدالة منه أو تشويه مفاهيمه أو الإدالة من أرضه، فقد كانت مفاهيمه الأساسية تحمل دائما طابع "الجهاد" والمقاومة لكل غاز ومحتل ودخيل.
وإذا كان قد عرف بالتأكد أنه ما من إنسان دخل في الإسلام ثم خرج منه، فإنه قد عرف أن المسلمين كجماعات لم يستسلموا أمام الغزو الاستعماري، وأنهم قاوموا بالأجساد والأرواح حين أعجزتهم الأسلحة، وأنهم لم يسقطوا في قبضة المستعمر – إلا بالخداع والمؤامرة – أو بعد أن فقدوا كل سبيل إلى المقاومة، ومع ذلك فقد كانوا لا يلبثون إلا قليلا كيما يضمدوا جراحهم، ليعودوا مرة أخرى إلى المقاومة.
وقد أثبتوا أنهم أحرص الناس على التضحية بالأرواح في سبيل الحرية والحق. وقد وجد منهم المستعمر معارضة شديدة ومقاومة بالغة، حطمت كل خططه التي كان قد رسمها للقضاء عليهم أو القضاء على مقوماتهم الأساسية في الاجتماع والاقتصاد والسياسة والمستمدة من القرآن والإسلام.
وقد عرف الإسلام بالصمود في وجه المغيرين عليه عسكريا وفكريا، وواجه حملات متعددة على طول تاريخه. واستطاع في كل معركة أن ينتصر بقوة الإيمان بحقائقه ومضامينه التي تستمد جوهريا من التوحيد والعدل والحرية والإخاء.
2– يمثل العالم الإسلامي في مجموعه "وحدة جغرافية": فالعالم الإسلامي أشبه بـ "قارة وسطى" بين القارات متصلة البنيان ضخمة المساحة تبلغ مساحتها 12 مليون ميل مربع تقريبا، تضم الصحراوات والسهول الزراعية وتجري فيها أعظم الأنهار (النيل ودجلة والفرات والسند والكنج والنيجر) وهي جماع المناخ والنبات، فيها الإقليم الاستوائي الحار، والشمالي البارد، وبينهما الأقاليم المعتدلة.
ويبدأ العالم الإسلامي غربا بالساحل الإفريقي الغربي المطل على المحيط الأطلنطي ويمتد إلى التركستان الصينية وباكستان الشرقية.
ويشغل العالم الإسلامي قلب العالم القديم، تخترق بحاره خطوط الملاحة العالمية ولهذا كان لعالم الإسلام أهمية اقتصادية واستراتيجية كبرى.
والعالم الإسلامي يسيطر على مداخل المحيط الهندي، وجزره تصل المحيط الهادي بالمحيط الهندي، والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط يقيمان في قلب أرضه، وجبل طارق، وقناة السويس:
(وحدة اقتصادية)، وهو متنوع الغلات والمحاصيل والثروات والمعادن والنتاج الحيواني. وبالجملة فهو وحدة جغرافية طبيعية، تضم أضخم الموارد الاقتصادية والموارد الطبيعية، فضلا عن ثروة الغابات والصيد البحري.
ويضم العالم الإسلامي مناطق زراعية واسعة، تزرع جميع المحاصيل والغلات وتربى فيها ثروة حيوانية ضخمة، كما يضم ثروة معدنية قوامها الفحم والحديد والفوسفاط والرصاص.
وتوجد في العالم الإسلامي كميات وافرة من البترول بما يوازي (ستين في المائة) من احتياطي العالم كله. وتنتج الدول الإسلامية ما يساوي ثلاثين في المائة من الإنتاج العالمي.
وحقول البترول موزعة على الكويت والمملكة العربية السعودية وإيران والعراق وقطر والبحرين وأبو ظبي وتركيا والجزائر وليبيا والجمهورية العربية المتحدة ونيجيريا والمغرب وأندونيسيا وسارواك وبروناي وباكستان. وتمتد أنابيب البترول من شتى أنحاء العالم الإسلامي إلى الموانئ المختلفة. وتعد قناة السويس أعظم شريان مائي يتدفق عبره البترول، حيث تعبر منها إلى أوربا سنويا ما لا يقل عن 114 مليون طن.
وتسهم الدول الإسلامية بما يوازي 70 في المائة من حجم التجارة العالمية. ويبلغ إنتاج العالم الإسلامي من الحديد 7ملايين ونصف مليون طن، وهذا الإنتاج تقدمه دول إفريقيا وآسيا حيث ينتج اتحاد ماليزيا نصف إنتاج العالم الإسلامي، وتمثل الجزائر المركز الثاني في إنتاج الحديد الخام ثم يليها مراكش وتونس وتركيا.
وتقوم صناعة الحديد والصلب في العالم الإسلامي في أربع دول إسلامية فقط هي: تركيا وباكستان والجزائر ومصر.
ويقدم العالم الإسلامي 164 ألف طن من القصدير بما يساوي نصف الإنتاج العالمي. ويقدم العالم الإسلامي إنتاجا ضخما في مجال الصناعة، كالزيوت النباتية وصناعة السكر والسجائر، والمنسوجات وغزل القطن والصوف والحرير الصناعي والمطاط ومواد البناء والصابون.
ويصدر العالم الإسلامي قدرا كبيرا من المعادن الخام كالمنغنيز والفوسفاط والزنك، والفحم، والنحاس والكروم، والكوبالت، وغيرها من معادن السبائك والصناعات الكيمائية.
(وحدة اجتماعية) فهو يصدر عن ثقافة واحدة مصدرها القرآن الكريم، والإسلام بوصفه "منهج حياة" بالإضافة إلى أنه دين سماوي يرسم للمسلمين القيم الأساسية لمفاهيمهم في الاجتماع وفي السياسة والاقتصاد والتربية، ونظريتهم إلى الحياة والحضارة والعلم تقوم على شيء كبير من السماحة والتقدم والمرونة، ويتيح لهم الإسلام الانفتاح على ثقافات العالم وحضاراته، يأخذون منها ما يتفق مع مقوماتهم، ويجددون حياتهم دائما دون أن ينفصلوا عن جذور دينهم الأساسية: وهي التوحيد والعدل والحرية والإخاء.
(وحدة الفكر) طبع الإسلام هذه الشعوب بطابع اجتماعي وثقافي وفكري موحد قوامه التوحيد والأخلاق والاستمداد من الشريعة الإسلامية علاقات الأفراد والجماعات. وقد صنعت روح الإسلام الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في العالم الإسلامي كله وعاشت مظاهر الفكر الحديث.
وكانت وحدة الفكر والارتباط بالثقافة الإسلامية واللغة العربية عاملا واضحا في عدم التمزق وفي العودة إلى التلاقي الروحي والفكري.
كما أعطت وحدة الفكر شعوب العالم الإسلامي القوة والقدرة الذاتية على النفوذ الاستعماري – سياسيا واجتماعيا وفكريا.
(وإلى الحلقة القادمة:)

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here