islamaumaroc

الإبداعية في الفن المعاصر

  دعوة الحق

113 العدد

نطلق كلمة (فن) فإن المدلول يكون اوسع وأعمق من مجرد الدلالة على النغم الساحر واللون الزاهي المشرق أو الرقصة التي تتحد مع الايقاع قوة وضعفا تصعيدا وعربدة.
كما يتعدة التعبير عما يطربنا ويهز مشاعرنا فنهيم في خضم نشوته ونحلق كالملائكة في سماء خياله.
ان الفنون باعثة من كل زوايا الحياة تستفضي كل انواع المهارات التي تعتمد بالاصالة على الذوق. ولما كانت الاذواق مختلفة تبعا لاختلاف المزاج والعناصر البشرية تعددت الفنون واختلف تقويمها فصار معيار الجودة والرداءة فيما يقاس بما يتوفر عليه من خيال خصب يكسبها حلة قشيبة تمتاز بالروعة والابداع ويرفعها من عالم المادة والمدركات الحسية إلى عالم الفنان فيصبح رهين تياره.
ولا يعنينا الآن أن نعدد كل ما ذكره الباحثون في تعريف الفن وتمييزه، ولكن حسبنا أن نتدرج من هذا لنشير إلى ما خلفته الانتفاضة الاخيرة في الفنون الحديثة من مدارس متعددة قلبت اوضاع الفن رأسا على عقب، فمن تأثيرية إلى تجريدية إلى رمزية....
وانصار هذه الحركات التجديدية ممن رفضوا التعبير عن الواقع بواقعية جافة لاخيال فيها ولاإبداع وطالبوا بأن يبتعد الفنان ما أمكن عن الطبيعة حتى يمتاز عمله بالخلق والابداع.
ويظهر أن هذه الحركة بدأت وتحددت معالمها في الرسم في القرن عشر على يد تلة من أنصار الفن أمثال ( مونيه) و (ديجا) و (سيزان) يوم أن أقاموا معرضا لهم وأعلنوا فيه رفضهم تقليد الطبيعة، ولقد اطلق على هذا المعرض اسم معرض المرفوضين ومهما يكن من أمر هؤلاء وغيرهم من انصار التحررية في الرسم والموسيقى والشعر والأدب فإنه قد بات من المسلم به اليوم أن التعبير عن أي لون من ألوان الفنون والمهارات يقوم على الحدس والتأمل كما يحتاج إلى الطبيعة الفنية والمرهبة الخلافة.
وهو إلى جانب هذا وذاك لا يمكن بأي حال أن يكون نسخة طبق الاصل من الطبيعة كما لا يمكن أن يضع نفسه رهن قواعد وأوزان ومقاييس تحبس الفنان وتحبره على اتباعها، ذلك لان طبيعة النشاط الفني مرتبطة بكل انواع النشاطات الاخرى التي تكون في مجموعها سلوك الانسان كالصناعة والفلسفة والعلم والحضارة ولاشك أن هذه الجوانب المختلفة في تطور وتجديد دائم مرتبط بتطور الفرد من الناحية الفكرية والسيكولوجيةن فكان من الطبيعي أن يتطور الفن ويشق طريقه نحو التجديد والابداع وليس لاحد ان يحبسه في قالب يحدد جوانبه ومقياس معين يدخله في حظيرة الفن.
فكما ان الصور المألوفة التي تراها العين وتديم النظر إليها تصبح عديمة الاثر في النفس وتفقد جاذبيتها وروعتها. فكذلك الفن هذا هو سر مروئته وتطوره المستمر، ولاشك ان الخيال الابداعي يلعب دوره في هذا التطور لان الابتعاد هن المألوف يستدعي خلق الصور، ولا يتأتى ذلك إلا لذوي الخيال الخصب والافكار العميقة فتصويرك للشجرة ملاحظا الابعاد والمقايسس والموقع بالنسبة لخط النظر لا يعد عملنا فنيا فيه خلق وابتكار، وانما هو نقل مريح سطحي لطبيعة الفناها منذ زمان في لوحة جامدة خالية من كل روعة.
ومما نراه حالما تداعبها الرياح فترتعش اوراقها، ونسينشفه حينما يحمل النسيم إلينا نفحة من شذى عبيرها فيعبقنا اريجه، ولكن عملك يصبح فنا كلما عبرت بريشتك أو قلمك عما خلفه المنظور في نفسك من صراع وحركة ذائبة مع الذكريات والاحلام والاخبار الماضية والاحوال النفسية. وسوف تكون الصورة على غرابتها ومخالفتها للواقع المحسوس، جديدة مبتكرة عذراء ليست تزف إلا لمن يدرك كنهها ويتجاوب معها فتحكي له كل ذكرياته، وإذا كانت القيم الفنية تختلف باختلاف الاذواق فإنه لايعد فنا مبتكرا ما اصطلحت معرفته مجمعا عليها، وإذا حدث أن ظهر فسوف لا يدوم، وسرعان ما تحل محله فنون مخالفة له إلى حد بعيد يجد بخيال فيها مرتعا خصبا.
ويبدو ذلك واضحا في النظام الاكاديمي الذي كان يهدف إلى نقل الحقائق بغية المطابقة التامة بين العمل الفني وما تراه العين دون إضافة أو تشذيب كما يبدو في الثماتيل والآثار التي تعبر عن الحقائق بتعبير مادي هندسي.
أما التأثير العربية والفنون المعمارية التي لا زالت تحكي ما وصل إليه العرب من تقدم وازدهار وتشهد على ما وهبهم الله من احساس مرهق وطبع صاف وخيال حاد وتذوق لمعاني الجمال.
هذه الآثار يلمس الناظر إليها النزعة التجديدية التي اتخذت من الخلق والابتكار والابتعاد عن الطبيعة قواما لها، ويظهر ذلك في انواع الزخرفة واشكال المقرنصات والمثاليات والاقواس والصور الرمزية التجريدية المرسومة بالحروف وبالحروف فقط، ولعل هذا من الادلة الواضحة التي تؤكد على أن العرب نزعوا إلى التجديد في الفن منذ زمان وحازوا قصب السبق قبل غيرهم. وليس هذا في ميدان الرسم فقط بل حتى في الفنون الاخرى من شعر وادب فقد تفننوا في التعبير بانواع الاستعارات والتشابيه وضروب المجاز التي تحمل الفنان من الارض التي اعتادها الناس وترفعه ليلحق كالملائكة في سماء الخيال.
وإذا امعنت النظر في البيت التالي ترى الشاعر قد تحرى الدقة المتناهية في التصوير حتى انك تتخيل الصورة تتحرك بالتدريج لتتخذ التعبير اللائق باحساسه:
فامطرت لؤلؤا من نرجس وسقت
  وردا ومضت على العتاب بالبرد
وليس هم الشاعر هنا مجرد تشبيه الاعضاء والحواس بما له علاقة بها فقط بل التعبير بصورة تشكيلية عن وضع الفتاة وهي حزينة وما خلفه هذا الوضع في نفسه من احساس عميق وشعور حاد فاتخذت ريشته من اللؤلؤ والنرجس والورد والعناب والبرد ادوات رمزية للتعبير عن الوضع المحزن للفتاة.
تماما كما يعبر الفنان المجدد المبتكر بألوان مبعثرة حمراء وخطوط متشابكة معقدة في لوحته ليقص علينا قصة صراع أو معركة فمنا من يدرك أنها تحكي معركة الجنود واختلاطهم في ساحة الوغى ومنا من يهتدي بخياله إلى ان اللوحة تعبر عن صراع بين الانسان والزمن أو صراع بين قلبين، أو مشهد حزين يحمل إلينا الهم والاسى.
وهذا ما يجعلنا نقول بأن الفن المبتكر يستعصى ادراكه وتختلف فيه الاذواق لانه مجموعة تشكيلية تركيبية تحكي الخواطر والاحاسيس لاتدرك إلا بالاستقصاء والتأمل وحدة النظر وبعد الخيال.
ومن الضرورة بمكان أن نشير إلى أن معنى الابتكارية في الفن ليس هة مخالفة الطبيعة مخالفة تامة لأن ذلك لا يتأتى وليس في  وسع أي فنان مهما كان لأن الطبيعة أعلى من الفن وهذا هو محض الخطأ الذي يقع فيه بعض الفنانين انصار الشعر الحر معتقدين أن الفن ما خالف الطبيعة في الصورة والمضمون والاداة، فينثروا بقع الاصباغ على الورق ويغتنموا ما تحدثه الفرشاة تلقائيا من علامات أو يغتنموا ساعة التحرر في الشعر من قيود الوزن والقافية وقواد البلاغة والبيان ليعبروا يجمل متنافرة وكلمات منقطعة وتفعلات متكسرة، ونقط متراكمة عن ما شاءوا ويعلنوا على الملأ دون تربث أو اناة هذا فن رمزي أو شعري حر.
والواقع أن الفن الحديث مهما تحري التجديد وتبنى الابتكارية لا يعد مبتكرا ومحدثا لآن الطبيعة هي التي تعلمنا كيف تأخذ عنها ما استطعنا تقليده واهتدينا إليه من ألوان وصور، فكيف يستطيع من لم بهبة الله حاسة السمع أن يحدث لحنا أو يبتدعه؟
وكيف يستطيع الاعمى ادراك الالوان فقط وليس خلقها؟ لاشك أنه لايستطيع، لأنه لم ير الطبيعة.
ومن هنا كان الشبه موجودا والعلاقة متوفرة في الفن المبتكر بين ما يحدثه الفنان وما يؤثر فيه من الخارج ولو كانت كيفية التعبير غربية رمزية كانت أو تكعيبية أو كاريكاتورية.
ويؤكد ذلك ديكارات عندما عرف الخيال بأنه قوة مصورة تعيد ما في النفس من الصور المرتبطة بالواقع وتمثلها.
وإذا كان كذلك فالفن الحديث يستدعي الدقة والمهارة وحدة النظر وبعد الخيال وعمق الفكرة، وحدس والهام، ولايحق لكل متطفل ان يغتنم فرصة الرمزية والتحررية ويخط بريشته ما شاء بالوان وخطوط عديمة الحيوية جافة لا موسيقى فيهما ولا خيال ولاعاطفة صادفة وكذلك الشأن بالنسبة لمن أراد أن يقول شعرا...

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here