islamaumaroc

المساواة في الإسلام (تأليف: ع.ع.و.وافي)

  دعوة الحق

113 العدد

كتاب "المساواة في الإسلام" يعتبر من أهم الكتب التي تتطرق لقضايا الإسلام بشكل صريح ومبسط، وإذا كان مؤلف هذا الكتاب قد عودنا في كتبه الاقتصادية نوعا من التفكير المتحرر، المعتمد على الأخذ بالنظريات العلمية الحديثة، فإننا وجدناه في كتابه الأخير ينقد كثيرا من النظريات التي يوجد عكسها في الشريعة الإسلامية، وبذلك يكون كتابه هذا ثورة على الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها عالمنا هذا والتي يطلب تعويضها بما في الإسلام من نظريات ونظم.
والكتاب على الرغم من صغر حجمه (130 صفحة) فإن المعلومات التي احتوى عليها والموضوعات التي شملها تعتبر خطوات جبارة سلكها المؤلف في تزويد القارئ بأحسن النظريات الإسلامية مقارنة بالنظريات الحديثة.
فأول ما يطالعك في الكتاب الآية القرآنية الكريمة من (سورة الحجرات:13):
"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير".
وكذلك قول الرسول الجليل في خطبة الوداع: "لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أبي ولا لأبيض على أحمر إلا بالتقوى ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد".
ولعل في هذا بيان صريح من كون الإسلام على المساواة المطلقة لا يفرق بين هذا وذاك.
                                                - 1 -
مساواة الإسلام بين الناس في القيمة الإنسانية المشتركة.
بدأ المؤلف يتساءل عن معنى المساواة فقال بأنها تتمثل في الاعتقاد بأن الناس جميعا متساوون في طبيعتهم البشرية، وأن ليس هناك جماعة تفضل عن الأخرى بحسب عنصرها الإنساني، فالتفاضل بين الناس إنما يقوم على أمور أخرى خارجة عن طبيعتهم في الكفاية والعلم والأخلاق والأعمال.
فالإسلام كان حريصا على أن تكون المساواة في أكمل صورها فقرر أن الناس سواسية في الحقوق والواجبات فلا فضل لأحدهم على الآخر إلا في الأعمال. فيقول الله تعالى: "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا" ويقول تعالى في سورة آل عمران تأكيدا للمساواة الإنسانية "فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض" وعندما نقول المساواة تكون العبارة شاملة في مدلولها ومعانيها يعني مساواة الفقير والغني الأبيض والأسود القوي والضعيف... فقد سمع الرسول الأمين، أبا ذر الغفاري يحتد على بلال وهو يحاوره قائلا له: يا ابن
السوداء. فغضب عليه السلام غضبا شديدا وانتهز أبا ذر وقال (طف الصاع طف الصاع) أي أن الأمر تجاوز حده "ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل إلا بالتقوى أو عمل صالح" فوضع أبو ذر خده على الأرض وأقسم على بلال أن يطأه بحذائه حتى يغفر الله له زلته ويكفر ذنوبـــــه(1) .
                                                - 2 -
موازنة بين عقيدة الإسلام والعقائد والشرائع الأخرى.
تحت هذا العنوان حلل الكاتب عدة جوانب مسهبا في طريقة الموازنة بين الشريعة الإسلامية والشرائع الأخرى ولا سيما عند الهنود واليونان والعبريين والعرب في الجاهلية وهكذا نجده يقول: "فالكتب المقدسة للهنود البرهميين تقرر التفاضل بين الناس بحسب عناصرهم ونشأتهم الأولى. فتذكر أن براهما قد خلق فصيلة البراهميين Brahmames من فمه، وفصيلة الكشتريين Kchartiya من فخده، وفصيلة السودرئين أو المنبوذين Soudras,Sadras من قدمه ولما كان أشرف الأعضاء وأطهرها هو ما علا السرة، وأشرفها وأطهرها جميعا هو الفم ويليه في ذلك الذراع، ولما كان أحط الأعضاء هو ما كان أسفل السرة وأحطها جميعا هو القدم لذلك كان أشرف الناس جميعا وأطهرهم بحسب العنصر والنشأة الأولى هم الذين انحدروا من فم براهما وهم البراهميون، ويليهم في الفضل الذين انحدروا من ذراعه وهم الكشتريون، وكان أحط الفصائل الإنسانية الذين انحدروا من فخدة وقدمه وهم الفيسائيون والمنبوذون، وأكثرهم رجسا ونجسا هم المنبوذون المنحدرون من قدم براهما(2)" .
ولم تنشأ التفرقة في العنصر البشري وحده بل تقوم التفرقة عند الهنود البراهميين حتى في مجال الشغل وممارسة طقوس الدين، وهكذا تقسم الأسفار والوظائف بين هذه الطبقات بحسب منزلة كل طبقة فللبراهميين أرقى الوظائف الدينية فهم وحدهم الذين (3)يعلمون الناس أسفارا الفيدا(Védas)  ويشرفون على المذابح والضحايا وهم وحدهم الذين لهم الحق في "المنع والقبول" أو "العطاء والأخذ" وللكشتريين الوظائف الحربية وحماية الشعب والعمل على استتاب الأمن، وللفسائيين القيام بتربية الأنعام وفلح الأرض وشؤون التجارة، وأما السودرا أو المنبوذين فلم يعطهم السيد إلا وظيفة واحدة وهي أن يكونوا خدما للطبقات السابق ذكرها، وهم فوق ذلك رجس ونجس فلا يصح لمسهم ولا مصاهرتهم ولا الارتباط بهم بأية علاقة غير علاقة السيد بالمســـــــــود(4) .
أما اليونان القدامى فقد اعتقدوا أنهم شعب مختار قد خلقوا من عناصر تختلف عن العناصر التي خلقت منها الشعوب الأخرى التي كانوا يطلقون عليها اسم البربر وأنهم وحدهم كاملوا الإنسانية مزودين بجميع ما يمتاز به الإنسان عن الحيوان من قوى العقل والإرادة في حين الشعوب الأخرى ناقصة الإنسانية لا تختلف عن فصائل الأنعام وقد عبر عن ذلك كبير فلاسفتهم أرسطو في كتابه السياسة.
وقد اعتقد الإسرائيليون أنهم شعب الله المختار أيضا، وأن الكنعانيين شعب وضيع قد خلقه الله ليكون رقيقا للإسرائيليين، ورجع تفكيرهم هذا إلى ما ورد في سفر التكوين الذي جاء فيه أن نوحا قد شرب مرة نبيذ العنب الذي غرس كرمه بيده بعد الطوفان بدون أن يعلم خاصيته المسكرة ففقد وعيه، وانكشفت سوأته، فرآه ابنه حام على هذه الصورة فسخر منه وحمل الخبر إلى أخويه سام ويافث. ولكن هذين كانا أكثر أدبا منه، فحملا رداء وسارا نحو أبيهما، حتى لا يقع نظرهما على عورته، وسترا به ما انكشف من جسمه فلما أفاق نوح وبلغه ما كان من موقف أولاده حياله، لعن كنعان بن حام، ودعا عليه وعلى نسله أن يكونوا عبيدا لعبيد سام ويافث(5) .
وعلى هذا الأساس انعدمت المساواة في الشرائع القديمة ولاسيما عند الأمم التي تقدم الحديث عنها.
ولم يكن العرب في جاهليتهم يتوفرون على مبدأ المساواة حتى جاء الإسلام، ولكن مع ذلك كانوا يعتقدون بأنهم شعب كامل الإنسانية وأن الشعوب الأخرى(6)  شعوب وضيعة ناقصة الإنسانية، وبسبب هذا التفكير كان العربي لا يقبل أن يزوج ابنته من أعجمي مهما كان عظيما ويرى في ذلك امتهانا لشعبه وإنسانيته وإنسانية لبنته، ويذكر المؤلف أن كسرى ابرويز أحد ملوك الفرس خطب حرقة بنت النعمان بن المنذر، فرفض النعمان مصاهرته خضوعا لهذه التقاليد مع أن النعمان كان ولاة كسرى ومن الخاضعين لسلطانه(7) .
                                                   - 3 -
مساواة الإسلام بين الناس.
وبخلاف الشرائع السابقة فإن الإسلام قرر أن يعامل الناس على قدم المساواة في الحقوق والواجبات ففي الحقوق المدنية لهم حق التعاقد والتملك، وفي الحقوق العامة لهم حق التعليم والتثقيف والعمل.
وهكذا يقيم الإسلام المساواة ويحترمها، لا فرق في ذلك بين شريف ووضيع، غني وفقير، قريب وبعيد مسلم وغير مسلم، ولا بين رجل وامرأة، فالشريعة الإسلامية لها ميزان واحد يطبق على جميع الناس.
والذي يؤكد هذه المساواة النص القرآني الصريح الذي نقله من سورة النساء (8) "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين، إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما، فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا، وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا".
والقرآن الكريم يتضمن آيات كثيرة كلها تحث المؤمنين على مبدأ المساواة فيكفي الرجوع إلى سورة المائدة والنساء، فقد خاطب الله رسوله في هذا الباب بقوله: "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله، ولا تكن للخائنين خصيما..".
وحتى الرسول كان دائما يحث على أن تسود المساواة جميع أفراد الأمة الإسلامية وغيرهم فقد قال عليه السلام "لا تفلح أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوى".. ولم ينته أمر المساواة بانتهاء الوحي أو بموت الرسول بل استمر هذا المبدأ شعارا لمن يتولون شؤون المسلمين، ولا أدل على ذلك من كون الخليفة الجليل أبو بكر الصديق(ض) قد حث في أول خطاب له على ذلك بقوله "ألا أن أقولكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه"، ونجد عمر(ض) يخاطب الناس بنفس المعنى قائلا: "أيها الناس! إنه والله ما فيكم أحد أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ الحق له ولا أضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق منه".
وإذا استمررنا في عرض الآيات والأحاديث المتعلقة بهذا الموضوع فقد لا يسع هذا العرض الوجيز لذكرها في صفحة أو صفحات ولذلك نكتفي بما تقدم حتى يمكننا إعطاء بعض الأمثلة التي أوردها المؤلف فمن ذلك ما حدث في عهد الرسول بشأن فاطمة المخزومية التي كان وجب عليها حد السرقة لسرقتها قطيفة وحليا. فقد جاء أسامة بن زيد – وكان أحب الناس إلى الرسول – يشفع فيها ويرجو أن تغفر لها زلتها ولا يقام عليها الحد مبررا شفاعته بأنها تنتمي إلى بطن من أشرف بطون قريش وهو بطن مخزوم ولكن الرسول أنكر عليه  شفاعته وانتهره قائلا: "أتشفع في حد من حدود الله". ثم خطب في الناس " إنما أهلك الذين من قبلهم إنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".
وكلنا يعرف الرواية المشهورة المتعلقة بالخليفة المأمون بن هارون الرشيد الذي جلس يوما للمظالم فكان آخر من تقدم إليه امرأة عليها ثياب رثة، فوقفت بين يديه وأفضت إليه بأن لها شكوى من خصم ظلمها فسألها: أين الخصم؟ فقالت الواقف على رأسك يا أمير المؤمنين وأومأت إلى العباس ابنه. فقال يا أحمد ابن أبي خالد خذ بيده فأجلسه معها فجلس الخصم فجعل كلامها يعلو كلام العباس. فقال لها أحمد بن أبي خالد: يا أمة الله إنك بين يدي أمير المؤمنين، وإنك تكلمين الأمير، فاخفضي من صوتك، فقال المأمون: "دعها
يا أحمد، فإن الحق أنطقها وأخرسه" ثم قضى لها بزد مظلمتها وإحسان معاملتها وأمر لها بنفقــــــة(9) .
                                               - 4 -
هل المساواة بين المسلمين فقط أو المسلمين وغيرهم؟
لقد أجاب المؤلف عن هذا السؤال بان الإسلام سوى في تطبيق هذا المبدأ بين المسلمين وغير المسلمين فيقرر أن الذميين في بلد إسلامي أو في بلد خاضع للمسلمين لهم ما للمسلمين من حقوق عامة وعليهم ما للمسلمين من واجبات، ويجب على الدولة أن تقاتل عنهم كما تقاتل عن رعاياها المسلمين، وأن الحاكم المسلم لمطالب فوق ذلك بالمجاملة وحسن المعاملة ولعل هذا واضح في قول الرسول(ص) "من قذف ذميا حد له يوم القيامة بسياط من نار" ويقول أيضا "من آذى ذميا فقد آذاني".
وقد بالغ الإسلام في تسامحه مع الذميين والمعاهدين واحترام حوزتهم ولو كانوا غير مؤمنين بين ديار المسلمين وديار أعدائهم. فأين من هذه المبادئ الإسلامية السمحة مما تقرره أسفار اليهود بصدد التفرقة بين الإسرائيلي وغيره وبين اليهودي وغير اليهودي؟ فقد سبق أن ذكرنا موقف الشريعة اليهودية من الشرائع الأخرى، ومدى التفرقة التي تخلقها هذه الشريعة ومن ذلك أن الإسرائيلي لا يجوز أن يتعامل مع الإسرائيلي بفائدة إما غير الإسرائيلي فمباح أن يتعامل معه بأبشع أنواع الربا الفاحش(10) .
فأين المبادئ الإسلامية السمحة التي سبق ذكرها مما تسير عليه معظم الأمم المتحضرة التي تدعي الديمقراطية، حيث نراها تفرق بين الأبيض والأسود من أبناء شعبها في شتى أنواع الحياة وأصناف المعاملات؟ فحتى التعليم يشمله الميز العنصري، فمن ذلك أن فتاة سوداء من ولاية "الاباما" تدعى "اوثرين لوسي" رفضت جامعة الولاية المذكورة قبولها لسواد لونها فلجأت الفتاة إلى المحكمة الفيدرالية في برنامجها فقضت المحكمة بقبولها وأصدرت أمرا بذلك سنة 1955 ولكن ما إن علم طلاب الجامعة والكليات بذلك حتى استنكروا هذا الإجراء القضائي فنظموا مظاهرات عنيفة شارك فيها نحو سبعة آلاف طالب خرجوا إلى الشوارع هاتفين بموت الفتاة الزنجية أو شنقها، ولم يكتفوا بذلك بل صنعوا تمثالا لها وحرقوه في الميدان وقد قامت جماعة من الطلبة البيض بالاعتداء على الطالبة الزنجية فرموها بالأحجار والخضر ولما رأت الفتاة المسكينة أن الجامعة أصدرت قرارا يوم 6 فبراير بطردها اضطرت أن تجلس بمنزلها هروبا من ثورات الجماهير وإبقاء على حياتها(11) .
وفي اتحاد جنوب إفريقيا لا زالت نظم الميز العنصري تسود هذه المنطقة بشكل فظيع. مجافية لمبادئ حقوق الإنسان، فكلنا يعرف واقع روديسيا وسيطرة الأقلية البيض على السكان الشرعيين، أجل! ما أعظم الفرق بين ديمقراطيتهم المزعومة التي تبيح هذه الاعتداءات الصارخة على مبادئ الأخلاق والعدالة، وبين تعاليم الإسلام السمحة التي تعمل على تقديس كرامة الإنسان وحقوقه بقطع النظر عن جنسه وشعبه ولونه ودينه ووضعه الاجتماعي.
                                                   - 5 -
الإسلام والمساواة بين الرجل والمرأة
الإسلام لم يقم التفرقة بين الرجل والمرأة فقد سوى بينهما في المسئولية والجزاء في الدنيا والآخرة. وهذا مبدأ صريح في القرآن طبقا لقوله تعالى: "من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون"(12)  ويقول "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة" (13) ويقول "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله(14)" .
والمساواة في الإسلام بين الرجل والمرأة تتجلى في حق كل منهما في التعليم والزواج والعمل والتجارة والوظيف وسائر الأعمال المشروعة لا فرق في ذلك بين رجل وامرأة أبي وأسود غني وفقير: فقال عليه السلام "طلب العلم فريضة على كل مسلم" وفي باب العمل كانت أسماء بنت أبي بكر تخدم الزبير خدمة البيت كله وكانت تسوس فرسه وتعلفه وتحتشي له وكانت تسقي الماء وتحمل النوى على رأسها من أرض له على ثلثي فرسخ، بل لقد اضطلعت المرأة المسلمة ببعض شؤون الحرب فلم تخل غزوة من غزوات الرسول إلا وكان النساء يقمن بمساعدة الرجال وبإسعاف الجرحى ومن بين هؤلاء من حفظ لهم التاريخ مواقف خالدة كالسيدة أمينة بنت قيس الغفارية التي أكبر الرسول(ص) حسن بلائها في غزوة خيبر فقلدها ما يشبه أوسمة الحرب في عصرنا.
فهذه المساواة التي أقامها الإسلام بين الرجل والمرأة لم تستطع القوانين الحديثة رغم رقيها أن تضمن للجنسين مبدأ المساواة بشكل نزيه فالشريعة اليهودية تجرد المرأة من معظم حقوقها المدنية وتجعلها تحت ولاية أبيها وأهلها قبل زواجها وتحت ولاية زوجها بعد زواجها(15) .
وتقضي الشريعة البرهمية الهندية على أن المرأة تظل حياتها تحت سيطرة الرجل ومنفذة لأوامره وليس لها الحق في أي تصرف قانوني(كما ورد في المادتين 147، 148 من قوانين مانو).
وكذلك الأمر عند قدامى الرومان واليونان حيث جرد القانون المرأة الرومانية من معظم الحقوق المدنية في مختلف مراحل حياتها فقبل زواجها تكون السيطرة المطلقة لرئيس الأسرة Pater familias وسيطرته تكون في كافة الحقوق عليها حتى حق الحياة والموت وحق إخراجها من الأسرة وبيعها بيع الرقيق. وإذا كانت قوانين أثينا من أرقى قوانين اليونان ديمقراطية فإنها مع ذلك لا تتيح فرصة الثقافة والتعليم إلا للأحرار من ذكور اليونان بينما توصد هذه الحرية في وجه النساء (16). وبالنسبة للقوانين الوضعية الحديثة نجد المرأة في فرنسا كانت إلى عهد قريب أشبه شيء بحالة القصر المدني فقد جردها القانون من صفة الأهلية في كثير من الشؤون المدنية، فالمادة 217 من القانون المدني الفرنسي (قانون نابليون) تقرر: "أن المرأة المتزوجة، حتى لو كان زوجها قائما على أساس الفصل بين ملكيتها وملكية زوجها، لا يجوز لها أن تهب، ولا أن تنقل ملكيتها ولا أن ترهن، ولا أن تملك بعوض أو بغير عوض بدون اشتراك زوجها في العقد أو موافقته عليه موافقة كتابية" وبالرغم من بعض التعديلات التي أدخلت على هذه المادة فإن كثيرا من آثارها لا يزال ملازما لوضع المرأة الفرنسية المتزوجة من الناحية القانونية إلى وقتنا الحاضر، أضف إلى ذلك أن المرأة الغربية بمجرد زواجها تفقد اسمها واسم أسرتها وتحمل زوجها وأسرته.
وإذا كان بعض المسلمين قد اتخذوا من عادات الغرب وتقاليده قانونا لحياتهم حيث نجد بعض الأزواج يرغمون أزواجهم على حق التصرف في أموالهم أو أن يحملوا أسماءهم، فإن هذه الأمور مخالفة للدين الإسلامي ومنافية لما يأمر به من تعاليم سمحاء.
                                                - 6 -
مساواة الإسلام بين الناس في شؤون الاقتصاد
لقد خصص المؤلف الجزء الكبير من كتابه للموضوع المتعلق بالاقتصاد مبرزا أهمية الاقتصاد الإسلامي والتناقضات الموجودة في النظم الاقتصادية الحديثة المطبقة في العالم ولاسيما المذاهب السائدة وعلاقتها بأنواع الملكية والحقوق والواجبات المترتبة عنها.
وإذا سبق أن قلنا بأن الدكتور علي عبد الواحد وافي، يشغل منصب أستاذ الدراسات الاقتصادية بجامعة القاهرة، وله تآليف في الاقتصاد وأهمها "الاقتصاد السياسي، علمنا أيضا مدى تخصصه في هذا النوع من الدراسات، ولذلك يعتبر بحثه في هذا الباب من أهم البحوث التي تناولها الكتاب بعناية وتجرد وسوف نقف في هذا العرض على أهم الموضوعات التي تتفق وأهداف هذه المجلة الزاهرة وما يرجوه قراؤها من فائدة علمية وأخلاقية.
تختلف النظم الاقتصادية التي تسير عليها المجتمعات في الوقت الحاضر، والتي سارت عليها من قبل، تبعا لاختلاف موقفها حيال الملكية وأنواعها
وحقوقها وواجباتها.. فالملكية تنقسم إلى قسمين: ملكية فردية وهي التي يكون المالك فيها فردا معينا بذاته أو أفراد معنيين بذواتهم، وملكية جماعية وهي التي لا يكون المالك فيها فردا معينا بالذات ولا أفرادا معينين بذواتهم، وإنما يكون شخصا معنويا كالأسرة أو العشيرة أو القبيلة أو النقابة أو الجمعية أو الأمة أو الدولة أو الحكومة أو هيأة من الهيآت.
ويقول المؤلف "إن نظام الملكية الجماعية معترف به في جميع النظم والشرائع فليس ثمة شريعة إنسانية لا تقر الملكية الجماعية في صورة ما وليس ثمة أمة قديمة ولا حديثة لا يوجد فيها مظهر ما من مظاهر هذه الملكية.. وإنما الخلاف بين الأمم والشرائع في هذه الناحية ينحصر في موقفها حيال الصورة الثانية من الملكية، وهي الملكية الفردية(17)" .
وإذا كانت الملكية الفردية تمنح صاحبها حقوقا كثيرة كحق الدوام Perpétuité وحق حرية التصرف Libre disposition أما حق الدوام فمعناه بقاء الملكية ما بقيت العين مملوكا. أما حق التصرف فمعناه أن يكون للمالك الحق في أن يفعل في ملكه ما يشاء بالبيع أو الاستغلال أو الهبة..
غير أن حق الملكية الفردية مقيد في بعض الشرائع ومطلق في البعض الآخر فشرائع توسع من نطاقه وشرائع تضيقه.. وهكذا حصر المؤلف أصحاب النظم الاقتصادية التي تهتم بنظام الملكية في خمسة أنواع حسب المذاهب الاقتصادية الحديثة وهي(18) :
1 – نظام يلغي رأس المال الفردي والملكية الفردية وهو (النظام الشيوعي).
2 – نظام يطلق العنان لرأس المال الفردي(وهو النظام الرأسمالي).
3 – نظام متطرف إلى اليسار ولكن مع ذلك يقر رأس المال الفردي ولكن يمعن في إضعافه (الاشتراكية المتطرفة).
4 – ونظام متطرف إلى اليمين وقريب من النظام الذي يقر الملكية الفردية غير أنه يجنح إلى تخفيف رقابته على رأس المال الفردي (الاشتراكية المعتدلة).
5 – نظام وسط بين النظامين الأخيرين(19)  (وهو النظام الاشتراكي الوسط).
                                                   - 7 -
ما المقصود بالمساواة في الاقتصاد؟
ليس المقصود هنا أن يكون الناس سواسية في الحياة يعيشون بشكل متشابه، لأن هذا لا يمكن تحقيقه في ظل أي نظام اقتصادي ولا في أي مجتمع أو عصر، إذ يستحيل أن توجد أمة أفراد شعبها يأكلون طعاما واحدا ويلبسون ثيابا واحدة ويمتلكون أملاكا بأقساط واحدة، فما دام الناس لم يخلقوا على غرار واحد بل هم مختلفون في مواهبهم وكفاءاتهم وقدراتهم الجسمية والعقلية وفيما يستطيع أن يحققه كل واحد منهم لنفسه ولغيره من منفعة، فإنه لا يتصور أن تتحقق بينهم المساواة الاقتصادية، فحتى الأنظمة التي تمحي الملكية من الوجود تقرر بأنه يعطي كل فرد بحسب حاجاته أو بحسب كفاياته وما يقدمه من عمل وخدمات، فالمقصود بالمساواة في الاقتصاد تحقيق تكافؤ الفرص بين الناس فينال المجتهد جزاء اجتهاده وثمرات أعماله وبذلك يتحقق التوازن الاقتصادي وتنمحي الفروق الطبقية ويحصل التقارب بين مختلف الطبقات حتى لا تتضخم الثروات وتتجمع في أيد قليلة، ولعل هذه المساواة هي التي ينشدها الاقتصاد الاشتراكي.
فهل الاقتصاد الإسلامي يهدف إلى ما تهدف إليه النظم الاقتصادية الاشتراكية أم يمتاز عليها بأشياء كثيرة؟..
إن النظام الاقتصادي في الإسلام يأخذ بمميزات مختلف الأنظمة الحديثة فهو ليس إذن نظاما شيوعيا لأنه يقرر الملكية الفردية ويحميها، وليس  نظاما رأسماليا، لأنه لا يطلق العنان لرأس المال، بل يحرص على تجريده من وسائل السيطرة والنفوذ، وليس من النظم الاقتصادية المتطرفة إلى اليسار، لأنه لا يمعن في إضعاف رأس المال الفردي فهو يفسح له المجال للقيام بوظيفته في حدود الصالح العام بوصفه عاملا هاما من عوامل الإنتاج وليس من النظم الاشتراكية المتطرفة إلى اليمين لأنه لا يجنح مثلها إلى تخفيف رقابته على الملكية الفردية ورأس المال الفردي(20) .
فالاقتصاد الإسلامي منفرد بصفاته وخصائصه عن النظم الاقتصادية السائدة في الوقت الحاضر لا يوازيه نظام منها في سموه ودقته ومبلغ تحقيقه لخير الأفراد، فالإسلام أقام بنيان اقتصاده على دعائم ستة تعمل متضافرة لتحقيق المساواة بين الأفراد والجماعات وأهم هذه الدعائم هي: تضييق نطاق الملكية الفردية لخير الجماعة وفي سبيل الصالح العام وهكذا يحرم الإسلام الملكية الفردية للأشياء الضرورية لجميع الأفراد وإدخالها في نطاق الملكية الجماعية أو إذا كانت الكسب بطرق غير مشروعة فإنه يجعل الربا والفائدة من وجعلها ملكية جماعية وإذا قلنا بأن الإسلام يحرم الكسب بطرق مشروعة فإنه يجعل الربا والفائدة من بين الأموال المحرمة وتشارك الإسلام في هذا التحريم جميع الشرائع والمذاهب والكنائس من يهودية ونصرانية(21) .
فالإسلام يحرم في باب الاقتصاد استغلال النفوذ والسلطان للحصول على المال ويحرم كذلك جميع المعاملات التي تنطوي على الغش أو الرشوة أو أكل أموال الناس بالباطل وفي هذا يقول الخالق تعالى: "ولا تأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون" (من سورة البقرة). وفي مجال نزع الملكية أجاز الإسلام للمسئولين نزع الملكية الفردية وتعميم الانتفاع بها لجميع الناس أو لبعض الطبقات منهم إذا كانت الحاجة العامة تدعو إلى ذلك وبشكل لا محيد عنه.
وإلى جانب الأمور التي ذكرناها بشأن جعل الملكية الفردية في نظام متزن حتى لا تطغى وتصبح في ثروة مكدسة أوجد الإسلام نظم الميراث والوصية يتكفل النظام الأول بتوزيع الثروات بين الناس توزيعا عادلا يحول دون تضخم الأموال وتجميعها في أيد قليلة ويعمل على تذويب الفوارق بين الطبقات حيث تقسم التركة بين أقرباء الهالك، فتوسع بذلك دائرة الانتفاع من الملك الذي كان فرديا فأصبح جماعيا وكل هذا طبقا لنظام محكم. وكذلك الشأن بالنسبة للوصية حيث يمكن لصاحب المال أن يوصي بجزء من ماله لحد ولكن للوصية شروط خاصة، وأمر الإسلام أيضا بالزكاة والصدقة حتى يأخذ الفقير نصيبه في مال الغني وفي هذا حد لتصاعد الملكية، وفي القرآن الكريم آيات كثيرة توضح بأن الإسلام ينظر إلى التملك على أنه مجرد وظيفة يقوم صاحبها بإنفاق المال على مستحقيه وفي هذا يقول الله تعالى: "آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه، فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير(22)".
وفي الأخير اختتم هذا العرض بفقرات من خلاصة هذا الكتاب المفيد التي يقول فيها المؤلف: "مما تقدم يتبين لنا أن شريعة الإسلام قد وصلت في مبلغ حرصها على تقرير المساواة بين الناس في شؤون الاقتصاد إلى شأو رفيع لم تصل إلى مثله ولا إلى ما يقرب منه أية شريعة أخرى من شرائع العالم قديمه وحديثه. وأن النظم التي وضعها الإسلام في شؤون الاقتصاد نظم مثالية حكيمة فهي تقرر الملكية الفردية وتحيطها بسياج مكن الحماية وتذلل أمام الفرد سبل التملك والحصول على المال، وتشجع على العمل وتعطي لكل مجتهد جزاء اجتهاده من ثمرات الحياة الدنيا، وتفسح المجال أمام المنافسة والرغبة في التفوق والطموح، فتحقق بذلك تكافؤ الفرص بين الناس في هذه الميادين. ولكنها من جهة أخرى تقلم أظفار رأس المال وتجرده من وسائل السيطرة والنفوذ، بدون أن تشل حركته وتعوقه عن القيام بوظيفته بوصفه عاملا هاما من عوامل الإنتاج وتعمل على استقرار التوازن الاقتصادي وتقليل الفروق بين الطبقات وتقريبها بعضها من بعض. وتحول دون تضخم الثروات ودون تجمعها في أيد قليلة(23) ..
ومما تقدم يظهر لنا أن الإسلام قد قرر مبدأ المساواة بين الناس في أكمل صورة وأمثل أوضاعه واتخذه دعامة لجميع ما سنه من نظم لعلاقات الأفراد بعضهم مع بعض وطبقة في جميع النواحي التي تقتضي العدالة الاجتماعية وتقتضي كرامة الإنسان.
تلك هي موضوعات كتاب "المساواة في الإسلام" لمؤلفه الدكتور علي عبد الواحد وافي، فيجدر بك أيها القارئ الكريم أن تضيع فرصة مطالعته والاستفادة من غزارة معلوماته.


(1)راجع الصفحتين 11و 12 كم كتاب "المساواة في الإسلام" الطبعة الثانية لدار(1) المعارف العربية أبريل سنة 1965.
(2) انظر نفس المرجع ص 13.
(3) أسفار الفيدا هي الأسفار المقدسة للبراهميين.
(4) انظر مواد 31، 87- 119 من الكتاب الأول من قوانين مانو ومواد الكتاب الرابع.
(5)سفر التكوين، الإصحاح التاسع، فقرات 20- 29.
(6)كان العرب يطلقون على غيرهم اسم الإعجام تمييزا لهم عن غيرهم من الأجناس.
(7)راجع ص 16 من الكتاب الذي نتولى عرضه الطبعة الثانية 1965.
(8)آية 135 من سورة النساء.
(9)هناك من الكتاب من يزيد في شرح هذه الرواية ويجعلها في صبغة مخالفة للواقع والمتفق عليه في معظم أمهات الكتب.
(10)راجع تعليقنا على كتاب الربا والفائدة للدكتور علاء الدين خروفة (دعوة الحق عدد(6 + 7) المشترك – السنة العاشرة 1967).
(11)انظر الصفحة 36 من الكتاب الذي نتولى تقديمه الطبعة الثانية 1965 دار المعارف التي تضمنت تفصيلات أكثر عن هذه الفتاة.
(12)الآية 97 من سورة النحل.
(13) الآية 2 من سورة النور.
(14)الآية 38 من سورة المائدة.
(15)الفقرات 7 – 12 من الإصحاح الحادي والعشرين من سفر الخروج.
(16)لقد جاء في كتاب "السياسة" لأرسطو قوله: "إن الطبيعة لم تزود النساء بأي استعداد عقلي يعتد به ولذلك يجب أن تقتصر تربيتهن على شؤون تدبير المنزل والحضانة والأمومة..
(17)انظر ص 60 من نفس المرجع الذي نتولى تقديمه.
 
(18)راجع الصفحة 64 من نفس المرجع.
 (19)يذكر المؤلف بأن ما ذكر يعتبر مجرد تعارف أوردها لتعريف الحقائق إلى الأذهان لا أقل ولا أكثر.
(20)راجع ص 68 من كتاب المساواة في الإسلام، كما يمكن الرجوع إلى تعليقنا عن كتاب "الوعي الإسلامي" الذي نشرناه بمجلة الإيمان في شهر مارس 1968.
(21)راجع تعليقنا على كتاب "الربا والفائدة" للدكتور علاء الدين خروفه (دعوة الحق عدد 6 + 7) المشترك من السنة 10 ديسمبر 1967).
(22)الآية 7 من سورة الحديد.
(23)راجع الفصل 18 من الكتاب الذي نتولى عرضه ص 121.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here