islamaumaroc

من مصادر العصر الموحدي

  دعوة الحق

113 العدد

على كثرة ما كتب عن العصر الموحدي، فلا تزال هناك فجوات بعيدة الغور يحتاج في سدها إلى تضافر الجهود ووفرة المصادر.. وثمة مصادر لم تأت في قائمة المراجع التاريخية، بل جاءت ضمن مصادر الفقه والحديث وما إلى ذلك.
وقد يمر بها القارئ دون أن يعيرها أي اهتمام.
وأريد هنا أن ألفت نظر الباحث إلى مصدر هام، سجل حقائق تاريخية جديرة بالاعتبار، ذلك هو كتاب الدعاء والذكر لمؤلف جاء اسمه على الصفحة الأولى هكذا: قال الشيخ الفقيه المحدث أبو الحسن بن علي الأموي القرطبي.." ألفه للسلطان أبي يعقوب يوسف ابن عبد المؤمن بن علي الموحدي، وكان مؤدبا لأولاده – كما يقول في فاتحة الكتاب: "وأوالي الدعاء لسيدنا ومولانا أمير المؤمنين أبي يعقوب بن أمير المؤمنين.. فإنه عرفني الله بكم، ووصل سببي بسببكم، واصطفيتموني لبنيكم الأبرار معلما، واخترتموني لهم مفهما، وجعلتم الطلب لهم إلى ذروة المجد سلما، وأكرمتم مثواي بمكانكم، وأوليتموني جزيلا من إحسانكم.. رأيت أن أجمع لكم في الدعاء والذكر تأليفا، وأصنف لكم فيه تصنيفا..".
وهو من نوادر مخطوطات الخزانة العامة بتطوان (رقم 457 – 4)، يقع في 85 صفحة من القطع المتوسط، مسطرة 27، كتب بتاريخ(1209)، والنسخة كثيرة التصحيف والتحريف، وربما نال اسم المؤلف حظ من ذلك. وقد رجعت إلى أكثر من مصدر للتعرف على شخصية المؤلف فلم أوفق، ويوجد بالخزانة العامة بالرباط رقم 5980 -: كتاب زهر الروض، في تقدير الفرض – لأبي الحسن بن محمد بن علي الأموي. وهو مبتور الأخير، يقول في مقدمته: ".. ولما أسند إلى النظر في تقدير الفرض بمدينة المرية.." وجاء في كتاب الدعاء والذكر الذي نحن بصدد الكلام عليه: "خرجت ذات يوم من المرية في البحر قاصدا قرطبة.." وهذا قد يدلنا على أن مؤلف الكتابين واحد، وأن الاسم الكامل للمؤلف هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي الأموي القرطبي.. وتحريف النساخين يلعب دورا كبيرا في هذا الباب.
وحسب المعلومات التي استقيناها من الكتاب، فالمؤلف ولد بقرطبة أوائل القرن السادس الهجري، وبها نشأ وتعلم، ينتمي إلى الأسرة الأموية، ويعثر بها كأسرة عريقة في المجد والملك ".. والحمد لله. والنفس العلية، والأرومة الأموية، تمنعني من ذلك.." وكان والده من حفاظ القرآن الكريم، وربما على جانب من العلم والثقافة، فهو يروي عنه – في هذا الكتاب – بعض الآيات التي يحترس بها من اللصوص، حسب تعبيره.
وممن أخذ عنهم بقرطبة أبو مروان عبد الملك بن مسرة اليحصبي، وهو من رجال الحديث، ومن أقطاب الأندلس ومفاخرها (ت 552 هـ).
ونجده في سنة (544) – وقد شب عن الطوق واكتملت رجولته، وبرزت شخصيته العلمية، - يتوسط لبعض رجالات الفكر الذين غربهم تاشفين بن علي إلى قرطبة، ويعمل على إنقاذهم بواسطة بعض الشخصيات الذين كانوا على الحكم المرابطي، كابن حمدين، وأبي حسون، وسواهما.
ولعل من هذا التاريخ بدأت اتصالات أبي الحسن بالموحدين، فقربوه إليهم، وجعلوه مؤدبا لأولادهم، ورغم أنه متشبع بروحهم ومبادئهم، فهو لا يتملقهم، ولا يحترف التأليف للدعاية لهم، طلبا لإحسانهم. وجلبا لرفدهم "وإياكم أن يهجس في خاطركم، إن فعلت هذا أبغي منكم مالا، أو أرجو عليه نوالا، حاش لله أن نمتد يدي إلى طمع، أو أبيع هذا الدر النفيس بالودع..".
وهي روح قلما نجدها في مؤلفي هذا العصر، ولا سيما الذين ساروا في ركاب الأمراء والملوك.
والمؤلف إذ يقدم هذا الكتاب لأبي يعقوب – وهو أدعية وأذكار، إنما ليكون أنيسه في الخلوة، ورفيقه في الجلوة "فبسبيلكم في وحدتكم، ويؤنسكم في خلوتكم، وتتملقوا بما أودعت فيه من الدعاء لخالقكم.. وتجعلوه هجيركم في ليلكم ونهاركم، وتتخذوه عدة لأسفاركم وإقامتكم..".
والمؤلف تجول في بلاد الأندلس، فنزل المرية، وربما أسند إليه بعض المهام فيها، ويذكر أنه خرج منها (548) ونترك المؤلف يحدثنا عن هذه الرحلة التي لقي فيها أهو إلا مريعة فيقول: خرجت ذات يوم من المرية في البحر إلى قرطاجة، فلما قربنا قرطاجنة، عصفت بنا الريح، وهاج البحر، ودخل علينا الماء، وذلك ليلة جمعة في السحر وأشرفنا على الهلاك؟ فقلت لهم معشر المسلمين – هذا سحر ليلة الجمعة، وهي ساعة مباركة، وأنتم من الله بمرأى ومسمع، فأخلصوا لله النية، وجددوا التوبة، واذكروا قول الله عز وجل "وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه" فاشتغلوا بالدعاء، واستسلموا إلى الله، فإن الله تعالى يقول: "فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا" واجعلوا قراءتكم في استفتاح الدعاء: "ومن يتق الله يجعل له مخرجا" فضج الناس بالقراءة والدعاء، فما انفجر الصبح، حتى سكن الريح، وهدأ البحر، وأمننا الله من الغرق، ودخلنا قرطاجة.. وعصمنا الله تعالى في الأنفس والأموال..".
وزار في نفس السنة مرسية، وبها أخذ عن أبي محمد عبد الغفور بن عبد الله النفزي المرسي صاحب كتاب التبتل. وربما انتهى به المطاف إلى اشبيلية، وهناك اتصل بأبي يعقوب، فقربه إليه وجعله معلم أولاده – كما أشرنا إلى ذلك سابقا، فأبو يعقوب قضى شطرا كبيرا من حياته باشبيلية، قبل الخلافة وبعدها. وهذه النقطة – أعني اتصاله بأبي يعقوب: متى؟ وأين؟ وكيف؟ - لم يشر إليها المؤلف، لا من قريب ولا من بعيد، وكل ما هناك يذكر اتصاله بأبي زيد بن عبدون أيام تغريبه بقرطبة (544)، وأنه ساعده على الفرار بنفسه إلى مالقة ومنها إلى مراكش، حيث اتصل بالموحدين. ويقول أن أبي عبدون كان خطيب أبي يعقوب باشبيلية. وهذه العبارة – وحدها – هي التي جاء فيها ذكر "اشبيلية" في كلام المؤلف، وهي في الحقيقة لا تفيدنا في شيء، ويبقى اتصال صاحبنا بأبي يعقوب، يحيط به كثير من الغموض، حتى نقف على نص صريح يوضح ذلك.
ويبدو أن كتابة المؤلف لهذا الكتاب كانت فيما بين سنة (558 - 573) إذ هو يذكر أبا موسى بن عمران قاضي مراكش، ويدعو له بالتوفيق، وهي كلمة إنما تقال للأحياء، وابن عمران توفي سنة 573، وأبو يعقوب الذي ألف الكتاب باسمه كانت توليته سنة (558)، فتأليف الكتاب لابد أن يكون بين هذين التاريخين.
والكتاب جعله المؤلف قسمين، القسم الأول في الدعاء، وضمنه أكثر من مائة باب، وقد استغرق نحو ثلثي الكتاب. والقسم الثاني في الذكر، ويتضمن أحد عشر بابا، ختمها بجامع في أدعية منتخبة، وحكايات طريفة، وفيها عبرة وذكرى، ولم يغفل المؤلف المصادر التي اعتمدها في كتابه فهو يقول في المقدمة: "اقتنصت جمعه من الموطأ، والبخاري، ومسلم، والترمذي، ومصنف أبي داود، والنسائي، ومسند ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، والرقائق المشهورة.." وقد حاول أن يذكر من الأحاديث إلا ما كان على شرط الصحيحين، وما أخاله وفي بذلك.
والمؤلف متأثر بالغزالي إلى حد كبير، وقد رجع كثيرا إلى كتاب الأذكار والدعوات – من الأحياء، (1/301- 338)، كما اعتمد ابن حبيب في كثير من الأبواب.
 والذي يعنينا، ونريد أن نسجله هنا – أن الكتاب إلى كونه يصور جانبا من الحياة الفكرية والدينية في هذا العصر بعرض لحقائق تاريخية على جانب من الأهمية، وأغلبها مما شاهده، أو أخذ عمن أدرك ذلك، ويمكن أن نجملها فيما يلي:
1 – حياة الفوضى والاضطراب التي عاشتها قرطبة والأندلس عموما – أيام تاشفين بن علي.
2 – اضطهادات يتعرض لها علماء الأندلس، بتهمة موالاتهم للموحدين.
3 – سجون قرطبة تتمرد على السلطة المرابطية، وتشهر السلاح في وجهها.
4 – بعض رجالات الفكر يغادرون الأندلس تحت جنح الظلام، ويلتحقون بالبلاط الموحدي فرارا بأنفسهم من تعسفات المرابطين.
5 – بعض عادات أهل الأندلس في المواسم والأعياد..
6 -  معلومات قيمة عن حياة بعض الشخصيات العلمية، كأبي محمد عبد الغفور بن عبد الله النفزي المرسي صاحب كتاب التبتل، وأبي زيد بن عبدون، خطيب عبد المؤمن وابنه أبي يعقوب، وهذا الأخير، ذكره – عرضا – صاحب كتاب "المن بالإمامة" (ص 511) – لكن المعلومات التي أوردها عنه. لا تكاد تتجاوز سطرا واحدا. ولذا أنصح الأستاذ التازي الذي عانى ما عانى في تحقيق كتاب المن بالإمامة – أن يرجع إلى هذا الكتاب، فإنه سيجد فيه كتابة ترجمته. وهي معلومات قلما وضعها عن شخصية ابن عبدون، وهو يحاول كتابة ترجمته، وهي معلومات قلما تظفر بها في كتاب سواه.
وبعد فهذه نظرات سريعة سجلتها وأنا أتصفح هذا الكتاب، ضمن ما قدر لي أن أتصفحه من مصادر في هذا الكتاب، لم أقصد بها إلى دراسة الكتاب، أو التعرف بمؤلفه، بقدر ما قصدت إلى تسجيله في قائمة المصادر التي نحن في حاجة إليها لتاريخ هذا العصر. وحاجة الباحث، ومقدار فائدته، هي التي تعطينا قيمة الكتاب، وتبرز شخصية صاحبه، وإذا اخترت له هذا العنوان: "من مصادر العصر الموحدي".
         

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here