islamaumaroc

حاجتنا إلى ثقافة أصيلة تستفيد من النصوص وإلى قدوة صالحة تستولي على النفوس

  دعوة الحق

113 العدد

حقا إن العلم ضياء العقول، ونور الصدور، وحياة القلوب، وإن حاجة الإنسان إلى مادة العلم، كحاجة العين إلى مادة النور، بيد أن المرور بفنون العلم لا يتدرج بحياة الإنسان إلى آفاق النور، ولا يترقى به إلى مدارج السمو والكمال، ما لم تصاحبها وسائل أخرى تغير من طبائع المتعلمين، وتهيئهم – إلى تطور الفكر بدراسة النصوص المتعمدة – وإلى دقة النظر بممارسة الأوضاع العلمية، حتى تتيح لهم أن يستفيدوا مما يتعلمون، وأن يجيلوا أنظارهم في الحياة بمقتضى ما يعلمون، فيبتدئون وضع البرامج، ويكتشفون سر المئاخذ، ويرشدون بأقوالهم الحكيمة ويوجهون بأعمالهم السليمة – والحديث الذي شرح طبائع الناس وأبان أنهم معادن كمعادن الأرض – واضح في أن العلم بمجرده لا يخلق جيلا متساويا في انصباء الخير، ولا في أسباب التقدم والرشد، كما أن الماء وحده لا يجعل من طبائع الأرض طبيعة واحدة – وهاك نص الحديث الذي أملاه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال – مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير – وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا – وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ – فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم – ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به. انتهى ولو أتيح لك أن تقوم بدراسة هذا الحديث الشريف ظاهرا وباطنا لكشفت عن شيء كثير من المعاني والحقائق – ولو قدر لك أن تجري إحصاء في قائمة المتخرجين من المعاهد العليا – أو المتخصصين في مدارس التخصص لوجدت أن لبعضهم أسواء ظاهرة – وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله إنما أنا قاسم والله المعطي – والذين يحملون رسالة العلم والثقافة في كل عصر من العصور ليسوا سواء في التربية والتعليم، ولا في القدرة على التصرف في وجوه التخطيط والتصميم ولا في استكمال عناصر الإنسانية، واستكناه الحقائق العلمية، فأهل المعرفة المتصوفة والثقافة المتصرفة قلة في كل زمان ومكان – والفرق عظيم بين من صاغته العناية وهيأته الفطرة، وبين من لم تسعده الطبيعة وأخطأه نور التوفيق.
وأولى الطوائف بالله، وألصقها بجانب الحق، وأجدرها بلسان الصدق، أولئك الذين جمعوا بين العلوم النظرية، والتجارب العلمية، وخدموا قضية التعليم بصدق وإخلاص – آمنت نفوسهم بالحق، وأخصبت بالخير المغروس فيها، واستنارت نفوسهم وأنارت بالمعرفة الصحيحة التي كسبوها وهؤلاء هم دعائم العز والرقي في كل أمة إذ يقومون بأمانة الرقابة في نفوسهم وفي غيرهم، وينهضون بإصلاح حالهم وحال مجتمعهم – وتتصل حياة هذا الدين بحياتهم، كما تتصل حياة الشجرة بما فيها من بذور الإنتاج والإنماء، فهي إن ولت أو تولت تركت وراءها ما ينبت مثلها أو أكثر إلى أن يأذن الله بانقراض هذا العالم وتزلزل قواعده.
وأولئك هم الذين جعلهم النبي صلى الله عليه وسلم بمثابة الأرض النقية التي تشرب الماء وتنتج الكثير من العشب والكلأ – وهم الذين ورد فيهم الحديث المشهور – العلماء ورثة الأنبياء، وظاهر أن الوارث في هذا المقام ما كان على قدم الموروث قولا وفعلا وحالا – وفي مقدمة هذه الطائفة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم، وكل من نهج نهجهم وسلك سبيلهم إلى يوم الدين.
ومن معالم الطريق أنه لا مقام للجهل في الإسلام – وإن أقل درجات المسلم أن يكون لديه معرفة بأركان الفضائل ليتحراها – وبأركان الرذائل ليتخطاها فإن لم يكن كذلك فهو من عصاة الله الذين أعرضوا عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم – طلب العلم فريضة على كل مسلم – ولا يكون أبدا من الدعاة إلى الله ولا من أهل العمل الصالح – فجهل المسلمين بحقائق دينهم، ومقاصد شريعتهم أولا – وعجز العلماء والمثقفين أن يمثلوا الإسلام على وجهه الصحيح في حياتهم، وأن يقرروا الأخلاق بأسلوب عملهم ثانيا – وتبرم القادة والزعماء عن سيرة القصد، وسياسة الرشد ثالثا – وطغيان الاستعمار وتصرفه المنكر رابعا كل ذلك سبب الوقوع في هاوية الفرقة والوحشة والنكسة، وخيب أمل الإسلام في أهله وذويه.
وهناك طائفة أخرى شرحها الحديث الشريف وهي التي لا تستفيد من نصوص العلم فائدة ولكنها تحتفظ بذلك ويظل باقيا ببقائها وقائما بقيامها حتى يهيئ الله له من يأخذه عنها فيستفيد ويفيد – وهذه الطائفة أقل درجة وأدنى مرتبة من الطائفة الأولى لأنها لم تخل من نفع الناس وإلا لم تنفع نفسها ولم تنقذ رأسها – وأمثال هؤلاء – هم الذين ندد بهم القرآن في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون" – وهم الذين أشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله رب حامل فقه ليس بفقيه – رب مبلغ أوعى من سامع – وهم الذين هاجمهم الإمام الغزالي رحمه الله في الإحياء بكلام غليظ وبقول شديد.
وهؤلاء هم الذين شبههم الحديث الشريف بالأرض الجذباء وهي التي تمسك الماء لينتفع به الناس في الشرب والسقي كالأراضي الصخرية وكمجاري الأنهار والعيون والآبار – وما أحوج المسلمين إلى الكثير من الفريق الأول – الذين قاموا بإرشادهم وتعليمهم – وكانوا قدوة لهم بعملهم وتخطيطهم – ولقد كان سلف الأمة الصالح يربون تلاميذهم بالقول والعمل فأثمرت جهودهم، وأخرجوا للناس أئمة يقتدى بفعالهم، وكان تأثيرهم بأعمالهم أبلغ من تأثيرهم بأقوالهم، وما كان الدين في وقت من الأوقات إلا إيمانا وعلما وعملا.
وما أضعف شأن المسلمين في العصور الأخيرة إلا قلة التربية الدينية، وانعدام الثقافة الناطقة والقدوة الصالحة، فأصبحت المدارس تلقن أقوالا مجردة، وألفاظا مرددة وتعبر عن حياة سطحية ظاهرية لا تنم عن تربية أخاذة تؤثر في النفوس ولا عن قدوة جذابة تبعث الروح وتهدي القلوب، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وهناك ضعفاء العقول والبصائر وهم الذين تتعهدهم بدروس الحكمة والأدب وتأخذهم بالوعد والوعيد وبالبشارة والنذارة ومع ذلك يستعصون على جهدك، ويطرحون اليأس في قلبك وهؤلاء هم الذين مثلهم النبي صلى الله عليه وسلم بالأرض السبخة التي لا تمسك الماء ولا تنبت كلأ – ومن شأن النفوس الملتوية الضعيفة أن تنقلب فيها مقدمات الحق إلى نتيجة باطلة، وأن ينعكس فيها مفهوم الخير إلى مفهوم الشر – وأكثر الناس من هذا الباب كما قال تعالى: "وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين" فهواهم هو الذي يوجههم ويتحكم في حياتهم، ويفسد أحكامهم على الأشخاص وعلى الأشياء.
هذه هي الطبائع التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم أرض – طيبة تمسك الماء وتنبت العشب والكلأ – وأرض سبخة لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ – وأرض جذباء تمسك الماء ولا تنبت الكلأ وهو شرح واضح وتمثيل رائع.
وبعد فمن صواب القول وسداد الرأي أن يبادر المسلمون إلى رفع مكانتهم بتصحيح حضارتهم، وتوسيع ثقافتهم، والتزام تربيتهم حسب المنهج الذي رسمه النبي صلى الله عليه وسلم لهم وهو منهج مؤثر ومفيد استفادت منه الإنسانية في ثلاث وعشرين سنة ما لم تستفده في جميع عصور التاريخ – إذ لا غنى لهم عن النهوض بالتربية السامية والثقافة المثمرة وذلك بإصلاح معاهد المعرفة وتكييف مناهج الدراسة حتى تتسع آفاق الأفكار، وتتفتق عبقرية الإنتاج والابتكار، وحتى تنتج علماء قادرين وقادة مفكرين ينتفع بهم في مقام التهذيب النفسي – والخلقي وفي ميدان الإصلاح الاجتماعي والمادي – وينتهي ذلك بعد حين إلى وضع الأمور في مناصبها، واكتشاف ما يخفى من عللها وأسرارها، ولا نريد ثقافة مزيفة تذهب بها الأهواء كل مذهب وتتعسف في الكلام وتتخبط في الطريق فتنكر ما يثبت وتثبت ما لا يثبت كما يقال إن خلق حواء من ضلع آدم عليه السلام من الإسرائيليات – وكما يقال إن الإسلام عقيدة وفلسفة وليس ثقافة وحضارة – وكما يقال إن المسلمين لا دستور لهم مع أنه محفوظ ومعروف وإن كان قد وضع على الرفوف فالمسلمون لا ينقصهم الدستور وإنما ينقصهم الإيمان بالدستور والإيمان بتنفيذه وهذه انجلترا تعرف دستورها من دون أن تكتبه، وتنفذه من دون أن تجهره ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا فهو ولي الهدى والتوفيق.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here