islamaumaroc

البطل حمو

  دعوة الحق

113 العدد

الشباط الفرنسيون يتقدمون، ومن ورائهم ومن حولهم ألاف الجنود، يذرعون الارض المغربية بقصد تكميل عملية الاحتلال، وهي عملية ليست سهلة، فالحروب عملية بمعاركها الطاحنة، وجثتها أو اشرئها، وزعقات قتلاها وآلام جرحاها، لم يقل قائل يوما انها سهلة ويسيرة، إنما الذي يعطيها فرص الفوز والظفر أن يكون القادة محنكين، والجنود بسلاء، والزاد والعتاد في وفرة كافية.
لقد تمت عملية احتلال السهول والوهاد بمقاومة، أو بشيء من لمقاومة، أو بدون مقاومة تذكر، وبقيت منعرجات الاطلس وقممه مغالبة، تحمى المقاومين الاطلسيين، وتغريهم بالصمود، خصوصا منهم الذين يوجدون تحت زعامة قوية جبارة من نوع زعامة البطل (حمو الزياني).
ان منطقة (زيان) بقبائلها العديدة بلغتها كلها دعوة سيدي (حمو) لنقاوم خصوم الاسلام واعجاء الوطن، فاستجاب منهم من استجاب، وانخدع من خدع واستسلم من غلب، وبقي البطل الشيخ نفسه ثابتا ثبوت الصخور التي درج عليها، وابى الاستسلام مطلقا.
واستعدت فرنسا للامر- وهي لم تجئ المغرب على غير ا ستعداد- فتهيأت لملاقاته بكولونيل محنك على درجة كبيرة من الحزم والدهاء. وهذا الكونونيل بدأ استعدادته من زمن بعيد اللهجة البربرية وحذقها جيدا، وعرف عن الاسر البربية ما يجب ان يعرف عنها بوسع، وحفظ الاغاني والازجال، ومارس الرقص الاطلسي، ثم انكب بجد على ملف البطل (حمو الزياني) فدرسه بصبر ودقة، وبذلك فهم خصمه كما يجب أن يفهمه، شخصيا وقبليا وعائليا وماليا وعقاريا...كما تفهم الخصومات العائلية، والنزاعات الشخصية لهذا الرجل العظيم القيمة، ولم يفته قبل الحلول بأرض المعركة أن يدرس مع المسؤوليين الكبار حدود التنازلات التي يمكن أ ن تمنح لهذا المقاوم لإغرائه بالاستسلام، وأفساح المجال للجنود الفرنسيين ومن والاهم باجتياز الاطلس إلى ما وراءه، وفعلا حصل الكولونيل على وعود ولم تقدم لأي زعيم أو متظعم آخر!.
وهكذا جاء الكولونيل عارفا بمواقع اقدامه، ومدركا كل الادراك المهمة التي هو مقبل عليها، وخبيرا بقيمة الرجال الذين جاء لمحاربتهم، إنما هو من جهة أخرى وائق من نفسه وخبرته وشجاعته، وطبيعي أن يتق بنفسه ما دام فرنسيا قحا، منحدرا من سلالة أبطال خدموا الامة الفرنسية باخلاص وشجاعة وثبات....وما دام قد درس الفن العسكري دراسة متقنة، وترقى في المناصب العسكرية درجة درحة، وخاض معارك عدة، وهاهي النياشين على صدره ترمز إلى عدد من الارواح التي ازهقها بمهارة وشجاعة!
إن تحت امره الكولونيل اليوم ثمانية آلاف رجل، ضباطهم فرنسيون، وباقي الجنود من اللفيف الاجنبي الشرس، ومن أبناء افريقيا السوداء، ومن
أبناء تونس والجزائر، بل ومن أبناء المغرب أيضا!..كلهم جاءوا طامعين في كسب العيش وفي الاسلاب، وفي اللواتي يوقعن الاسر تحت ايديهم، ان الطعام في الحقيقة وافر، والسكر والشاي لمن يريدونه وافر أيضا، وبراميل الخمرة يفوح منها ما يهيج النفوس ويحلب الاشداق، وتحت الخيام الوبرية السوداء حسنوات بارعات الحسن مكتملات الانوثة....ثم ان تحت يد الكولونيل صندوق النباشين الانيقة هو على استعداد لمنحها مقابل أي مجهود يبذل لكسر شوكة (حمو الزياني)، فكيف لا يتفانى القوم ويتسابقون لاطاعة أوامره الصائبة.
بأتي عليهم الليل، وقلما تستعر معركة بليل، فيقبلون على المتع والملاذ: أكباش تشوى على اللهيب فتفوح رائحة شحمها إلى أبعد الانحناء، و(غلايات) تغلى ويتعالى بخارها إلى الفضاء المظلم، في انتظار أن تشحن (البراريد) سكرا وشابا ونعناعا فينصب ماؤها الحار ليخرج بعد ذلك شرابا لذيذا منعشا، يجدد النشاط، ويسكن النفوس، ويولد الرغبات، ثم تكتمل السهرات بعزف على الناي، أو نقرات على (الكنبيري) أو ضربات على (البندير|)...قد يشارك الجنود الاروبيون في ذلك الحفل فيتناولون بمجامع اكفهم قطعا ناضجة من لحوم الاكباش المشوية، ويقبلون على اكلها واقفين، إذ هم يفضلون الجلوس على المقاعد- لاعلى الارض-حول موائد مربعة أو مستديرة، من حيث توضع قنينات الخمرة، ويمضي العشاء بطيئا، بطيئا جدا، فالواحد منهم يستطيب كل لقمة على حدة، وكذلك كل جرعة، لكان الواحدة منها لاتشابه الاخرى! ويقوم أحدهم بعزف مقطوعات على القيتار أو ( الاكورديون) الشجي....ويطسب النوم بعد ذلك ولا يذهب إلا بزعيق النفير المنذر بحلول وقت الاستيقاظ لنهار جديد، قد يكون آخر نهار على وجه الارض.
والشيء الذي يبعث على مثل هذا التشاؤم هو أن ارض خنيفرة-حيث تنتظر المعركة- تربتها حمراء قانية، يكاد الناظر يحسبها مرتوبة بالدماء، أو لكأنها ارض مجزرة ما تزال تزخر بالذبائح، وكما تطلى حيطان المجازر بالصبغة الحمراء فكذلك ترى بيوت خنيفرة وهي مطلبة بالاحمر، لكم تنفر نفوس المحاربين الغازين من هذا الفال السيء، وبودهم لو يكون لقاء المعركة على غير هذا الصعيد!....لكن البطل (حمو) لا يريد اللقاء مع الاعداء إلا في هذا الصعيد بالذات، فعليه طالما تحققت الانتصارات، وعلى ذلك لن تخلف الارض وعدها....انه هناك خلف التل يواصل استعدادته أيضا، لقد توفر له ما يكفي، ويزيد على الكفاية، من الاسلحة النارية الفتاكة لا تقل جودة عما في يد الخصم، وتمكن من الحصول على بعض المدافع أيضا، ووقف مع الخبراء المغاربة على وضعها بكيفية تضمن تدخلها ومغالبتها عند التحام المعركة، وقام بنفسه فاحصا كل حصان وفرس، مداعبا اعرافها ورقابها وجباهها، ومرتبا بحنان على اردافها، وتأكد أن هناك ما يكفي من العلف تبنا وشعيرا لشهور عدة، والذين أعربوا له عن رغبتهم في استعمال السلاح الابيض بارك أذرعهم واكفهم التي تشد على الخناجر والمدى والسيوف!
ولتموين اجناده كما يجب اطلق ايدي رؤساء هؤلاء الاجناد في سخاء لذبح ما يكفي من الشياه والاكباش والابقار والثيران، فقطعان البطل (حمو) لايحدها حصر، والبانها تتدفق انهارا، وان كان ذلك لا يغني عن شرب الشاي الساخن الذي تهيم به قبائل زيان مثل القبائل المغربية الاخرى، فلو قطع عنها لكان ذلك بمثابة قطع مياه الشرب الخالصة...وفرنسا نفسها ادركت ذلك فأخذته في حسبانها جيدا فجاءت ببواخر معبأة بالسكر والشاي فور استسلامها، كما حجزت اكياس السكر وصناديق الشاي عن القبائل المقاومة أمعانا في نفتيت معنويتها، وكل هذا جعل المقاوم (حمو الزياني) يأخذ للامر عدته فاذخر ءالاف القوالب من السكر ومئات من صناديق الشاي الممتاز، وعقد الصفقات بسخاء لمدة بالمزيد. تجنبا لوضعه ووضع المجاهدين معه من ناحية شراب الشاي في مآزق لا مخرج منها !! وتردد الرسول في أرض المعركة بين البطل حمو والكولونيل، وكلهم رسل من ذوي الدهاء والمكر الكبير، عيونه تسحر قبل السنتهم، والسنتهم احلى على السمع من رنين الذهب.....جاءوا يعرضون على الزياني الابي عدة ءالاف من الفرنكات يقضي بها كل اغراضه في الحياة، فأبي، وعرضوا عليه أوسمة رفيعة ومقاما عسكريا ساميا، فأبى، ووعدوه بأن يبقى مطلق اليد في (أرض زيان) كلها مقابل ترك الجنود الفاتحة تمر، فأبى، وقالوا له بأن قصرا جميلا سيكون تحت تصرفه وفي ملكه فرنسا، فأبى، وضمنوا له رفاهيته واملاكه الواسعة مع امكانية الزيادة فيها حيث يشاء، فأبى...ومع ذلك لم ييأس الكولونيل الواسع الخبرة بالنفوس من رصوخه يوما بوسيلة أو بأخرى!
والواقع ان الكولونيل لم ينس خيرته بالنفوس في أي موطن من المواطن وفي أي لحظة من اللحظات فهو لم يتسامح مع المقربين إليه في أي نقطة من نظام السلوك وآداب المعاملة اللائقة بالمقام، ويتعمد مرارا أن يسير بين مختلف طبقات الجنود واجناسهم مسيرة الواثق من نفسه وسلطته وشجاعته ويمضي وهو يتلقى التحيات بضربات من كعوب الاحذية، وبوضع الاكف عند الاصداع....بما في ذلك من نثوة‍! إنما هو يتوقع أن يرى الاطلسيون ذلك فيقع منه شيء في نفوسهم، وقد يدفع بهم الاعجاب والتعجب إلى التحدث به فيها بينهم، أو تبليغه إلى أسماع الشيخ المقاوم الذي يقر له قرار، متجولا في تواضع بين الخيام والحظائر، وبين كبار الجنود وصغارهم، بطل الحزم والعزم من بين عينيه، ولا يفارق الاستبشار محياه الوسيم.
لم يدر أحد على وجه التحقيق كيف جاءت الاخبار إلى البطل (حمو) عن تهييئ الكولونيل للمعركة؟ أرتاه جنديا مسلما من السينغال؟ أم واحدا من فصيلة (السايس) الجزائرية؟ أم هو مشارك مغربي اراد بتبليغه خبر الاستعداد أن يغسل عار المشاركة في جيش الاعداء ضد بلاده وبني قومه؟ مهما يكن فلقد تأكد البطل المقاوم من الخير بوسائله، وفي سرية تامة، وبذلك قضى الشطر الاول من الليل مع الجنود، ثم نام إلى ما قبيل الفجر....وبمجرد ما استيقظ ارسل في طلب فرقة (الراية) وهم ذوو علامة خاصة، ومهمتهم الاندفاع قبل بدء المعركة، ومواجهة النيران أو السيوف والانغمار في القتال بدون تراجع، بقصد ايقاظ همة الجنود واشعال قوة حماسهم بحيث ريترددون في الاندفاع من ورائهم، وتلك مباغتهة للاعداء لها قيمة كبرى!
وما كاد الفجر بنوره المتصاعد من وراء النجود والوهاد حتى كان كعادتهم مقبلين على الصلاة واستمعوا بعد ذلك إلى ترتيل سور من القرآن، وفي آخر فاتحة نادى المنادي فيهم ان استعدوا، وهزهم للفور هتاف (اسحاب الراية) وصلاتهم على النبي، ثم اندفاعهم إلى ارض المعركة فيما وراء التل، وعندئذ تقوت معنوية الجميع، وتسامت هممهم، وتبعوا في اندفاع قائدهم البطل الشهم (حمو ) واخذت جموعهم تطرق جنود الحملة، وتمعن فيها قتلا وتمزيقا، دون ترك منفذ للهاربين.
لم يعرف العدو من أين جاء هذا الهجوم الصاعق، فخطته المحضرة باحكام كانت تقضي ببدء المناوشة عند الضحى، واحماء المعركة عند الزوال، وانهائها عند المساء، بتدخل قوي من عناصر الحملة كلها، خصوصا المدفعية الثقيلة الفتاكة ولكن....! بوغتوا حقا وهم يرون شحنات المدافع تفرغ بين جموعهم فتمزقها، وفوجئوا بالبنادق تفرغ افراغا وراء الظهور وفي صميم الصدور فتبعثر الاشلاء هنا وهناك، وارعبهم ان السلاح الابيض صار اسرع من الطلقات النارية في محق الافراد. ووقع القوم في حيرة، ويادهم الهرج والمرج، بحيث بادر الفرسان إلى تصويب المدافع وحاول الرماة ركوب الخيل، وتمتطق المدفعيون بالسيوف....!
وما ان حل وقت الضحى، وهو الوقت الذي حدد الكولونيل المحنك للهجوم حتى كان جميع جنوده مجندلين، فالين، ممزقين شر ممزق، وامعشت شمس الصحى الساطعة في تنوير الميدان الرهيب. العامر بالاشلاء والدماء والحرائق والدمار، كل جثة شربت كاس الموت على هيئة من الهيئات، هذه ممدة تمددا كاملا، والاخرى متكفلة على الوجه، والاخرى تلقته وهي متكلة كأنها تبغي استراحة  إلى حين، وشرب الكولونيل بدوره جرعة الموت المرة عند عجلات مدفع، وكانت جرعة حامية فتت جدة تفتينا...
بلغ الجنرال قائد الحملة ما وقع بالكولونيل المحنك المقدام، فاسناء، واهتاج، وعبر عن غضبه وسخطه من عجز الكلونيل الذي أنزل به المقاوم الاطلسي الشيخ هزيمة منكرة، لم تر اية بقعة من الارض المغربية مثيلة لها، ولذلك قرر حجب كل تنويه عن الكولونيل، واحتفظ له بلوم في ملفه الخاص، وبادر إلى عقد اجتماع خارق للعادة مع الضباط المحنكين.
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here