islamaumaroc

.. في افتتاح عملية الكتاتيب القرآنية..

  دعوة الحق

113 العدد

تفضل صاحب الجلالة الملك المعظم مولانا الحسن الثاني نصره الله وأيده فترأس عشية يوم الأربعاء 16 رجب 1388 – 10 – 10 – 1968 ببناية عمالة إقليم الرباط السابقة احتفالا رسميا بمناسبة افتتاح عملية الكتاتيب القرآنية.
وحضر هذا الاحتفال الهام معالي الأستاذ السيد إدريس المحمدي الوزير المدير العام للديوان الملكي والسادة الوزراء ومديرو وأعضاء الدواوين الملكية وعمال المملكة ومندوبو وزارة التعليم الابتدائي ونظار الأحباس وشخصيات سامية.
وفي هذا الاجتماع الهام تفضل مولانا صاحب الجلالة الملك المعظم أعزه الله فارتجل الخطاب السامي الآتي:

الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه
حضرات السادة
إن القضايا التي اجتمعنا بكم من أجلها اليوم لتمت بصلة تربوية إلى مستقبل أبنائنا ومستقبل الأجيال التي ستقطن هذا البلد الأمين، حيث إنها تتعلق بتكوينهم وتربيتهم، وتتعلق كذلك بأن يكونوا مواطنين صالحين مسلمين تحدوهم عن سيرتهم اليومية عواطف التضامن وعواطف الأخلاق الإسلامية والتربية الحنيفة تربية الإسلام وتربية أجدادنا، تلك التربية وتلك الأخلاق التي جعلت من المملكة المغربية الشريفة تلك المملكة التي قيل فيها ما قيل، وتحدث المؤرخون وسارت بذكرها الركبان وكتب في تاريخها صفحات وصفحات من المجد الأثيل.
الإسلام دين يطابق القرن العشرين
إن الديانة الإسلامية ديانة متوازية مطابقة كل المطابقة لقضايا ومشاكل القرن العشرين فهي من جهة تريد أن تكرم ابن آدم، وتريد أن تكرمه من الناحية المادية حتى لا يكون عبئا على المجتمع الذي يعيش فيه، وتريد أن تكرمه من ناحية القوة، حيث إن المؤمن القوي خير وأفضل عند الله من المؤمن الضعيف.
ومن جهة أخرى تريد أن تكرمه من الناحية البشرية وتجعل منه إماما يهدي وأستاذا يلقن ومثالا يحتذى.
تلك هي تعاليمنا وتلك هي سيرة آبائنا وأجدادنا.. فهل يا ترى فيما نراه اليوم ونلمسه ونشاهده، فهل يا ترى ما يلائم ويطابق هذه التعاليم؟ أم نشاهد بكامل الأسف ما ينافيها ويتنافى مع مبادئنا وأخلاقنا وما من شأنه أن يشين ويعوق سيرنا إلى الوصول إلى هذه المبادئ وبلوغ هذه الغاية السامية؟
فبكل أسف نرى ظاهرة عامة في القرن العشرين وهو التفاوت الموجود بين الثقافة والتربية، بل يمكننا القول التضارب والتناقض الذي يلمسه الآباء والأمهات والمجتمعات بين ما نسميه التثقيف والتعليم وبين ما نسميه التربية.
وعلى كل واحد أن يتساءل ومن حقه أن يتساءل ما هي الأسباب التي جعلت البشرية تبتعد بدون شعور عن التربية لكي تدرك التثقيف؟ ولماذا أهملت التربية في سبيل التثقيف؟ وهل سلكت هذا الطريق عن وعي أم عن غير وعي؟
نعم، هناك علماء وأخصائيون في العلم الاجتماعي يمكنهم في الحقيقة تحليل الأسباب والمسببات أحسن مما يمكن أن أعمله أنا شخصيا، ولكن أول شيء يمكن أن يتبادر إلى الذهن وهو:
السبب الأول: التشغيل أو فتح آفاق التوظيف والأشغال في المرافق العمومية أو الخاصة للأمهات فبمجرد ما طبقنا حرفيا لا روحيا التعاليم الإسلامية من ناحية التساوي في الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة إلا وفتحنا لهذه الأخيرة أبواب كسب العيش وكسب القوت فلقد فتحنا لها أبواب المدرسة وأبواب التثقيف وجعلنا منها امرأة دون أن نجعل منها زوجة وبالتالي أما.
وحينما شعرت هذه المرأة بأنها متساوية مع الرجل في الحقوق والواجبات إلا ودفعتها قريحتها وطموحها إلى أن تكتسح مع الرجل جميع ميادين الحرب الاجتماعية الخاصة بكسب العيش والقوت حتى تتمكن بدورها من الترفيه على بيتها وتقاسم زوجها متاعب الحياة، وقد أدى بها هذا إلى أن تغادر منزلها وتشتغل بمهامها.
ونظرا لرفع مستوى المعيشة وضرورة الترفيه على الجميع فقد بدا من الصعب عليها أن تترك من يخلفها في البيت ومن يربي أبناءها عوضا عنها.
هذا هو السبب الأول.
المعركة أصبحت حامية الوطيس
-السبب الثاني إذا كانت حقيقة الحياة في الماضي معركة يومية بين فرد وبين جماعة. وبين الجوع والتخلف، فهذه المعركة أصبحت اليوم معركة حامية الوطيس أكثر من ذي قبل، وقد أصبحنا نرى على أنه لا يمكن الدخول في السلم الإداري أو يتقاضى في القطاع الخاص أجورا مواتية ومن شأنها أن تضمن له قوته إلا لأولئك الذين يتوفرون على شهادات ولهم ثقافة.
وبذلك أصبحنا نرسل أبناءنا إلى المدرسة ونسهر على تثقيفهم ونحاول أن يحصلوا قبل كل شيء على شهادات يمكنهم الإدلاء بها عند الحاجة حتى يمكنهم الحصول على مناصب من شأنها أن تدر عليهم الخير والرزق.

التربية والثقافة لا يتنافيان
وبنوع من الدور والتسلسل في التفكير وفي التفكير الخاطئ تفكير جماعي وفردي خاطئ صرنا نعتقد أن الثقافة والتربية شيئان متنافيان والحالة هذه أنها أشياء غير متنافية، بل إن التثقيف لا يمكن أن يكون تثقيفا حقيقيا ذا فعالية إلا إذا كان مبنيا على قاعدة من الأخلاق ومن المبادئ مثلما بني الإسلام على خمس وتفرعت عن تلك القواعد الخمس قواعد أخرى للمعاملات والعبادات، كذلك يجب علينا أن نعرف على أن التثقيف لابد له من أعمدة ولابد له من قواعد وإن قل عددها، والمهم أن يكون هيكلها قويا ومن شأنه أن يحمل ثقل الهيكل كله لحياة فرد وأسرة وأمة.
ويظهر أن المشكل الذي وقعنا فيه مشكل آخر، وهو أننا مزجنا التثقيف في التربية بينما المغربي هو مغربي صرف ويجب أن يبقى مغربنا صرفا مدى القرون والأجيال، فإذا كانت الثقافة والتثقيف والتعليم ومن الضروري أن يكون مزدوجا، فالتربية واجبة ومن الضروري أن تكون تربية واحدة منفردة، تربية وطنية فردية متصلة كل الصلة بالواقع الوطني وبالواقع الاجتماعي، بذلك الواقع الذي جعل من بلد ما ما جعل منها التاريخ ويضمن لها ما يجعل لها أبناؤها من مستقبل زاخر بالكرامة وبالفخر.
ولقد صرنا نعتقد أن الوصول إلى الشهادة، الوصول إلى الباكالوريا الوصول إلى الطب وإلى الهندسة لا يمكن ضمانه إلا إذا كان الازدواج وهذا ضروري، ولكن لم تجعل في حياة الطفل وفي حياة الابن مراحل.
فالطفل لابد له من تكوين منفرد وتربية منفردة ولابد له بعد ذلك من تلقين العلوم بطريقة مزدوجة حتى يمكن للعبقرية الإسلامية والعربية أن لا تبقى منحصرة إلا في مائة مليون من العرب فقط، بل تتعدى هذه الحدود وهذه الآفاق، وتصل إلى غزو سلمي فتصل إلى جميع أنحاء العالم.

يجب أن لا نخالف التيار الإسلامي
فإذا نحن اعتبرنا مثلا على أن التثقيف لا يمكن له أن يكون مزدوجا، فإننا سنسير في تيار مخالف للتيار الإسلامي فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: لا فضل لأسود على أبيض أو كما قال ولا لعربي على عجمي والأعجمي في تعريف اللغة هو غير العربي الذي يتكلم العربية وكان في ذلك العهد يتكلم إما باللاتينية وإما باللغة الفارسية وإما بتلك اللغات المخضرمة التي ليست بالفارسية ولا باللاتينية وكيفما كان الحال، لم يكن يتكلم إذ ذاك باللغة العربية، فإذا نحن ركبنا ذلك الطريق نجد أن التعليم يجب أن لا يكون مزدوجا ضيقا بكيفية محرمة، آفاق النفوذ وآفاق الإشعاع التي فتحها بل شرعها الإسلام وشرعها المشرع الأعظم بعد الله سبحانه وتعالى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
نعم، هذا هو التثقيف، ولكن التربية كما قلت هي أساس كل تثقيف، فكما قال حكيم من الحكماء: "علم بدون ضمير هو انهيار الشخصية" والضمير في هذا التعريف وفي هذه الترجمة المستعجلة والمرتجلة هو عدم التربية وانعدامها.
لذا بعد التفكير، اقتضى نظرنا استجابة إلى داعي الضمير ونزولا عند مقتضيات الدستور وبرا وتطبيقا لواجبنا الذي هو قبل كل شيء يفرض علينا أن نكون حامي الملة والدين قررنا أن نفتح هذه السنة جملة الكتاتيب القرآنية.
ولو لم تكن هذه الأيام راجت مقالات مكتوبة ومقروءة حول النظام الديمقراطي البرلماني وغير البرلماني لدخلنا في هذا التفصيل ولقلنا إن مشروعنا هذا قد كنا وضعناه منذ سنين أي منذ ثلاث أو أربع سنوات وشعرنا إذ ذاك أنه لن تكون له جدوى، بل ربما يقيم ضجة مختلقة سطحية لا صلة بينها وبين المشكل الحقيقي.
فكيفما كان الحال فلسنا بصدد ذكر الماضي إلا إذا كان سنأخذ منه دروسا، فمنذ سنوات وهذه الفكرة تخالج ذهني، بل كأب أسرة وكأب أبناء كنت أقول: إذا كان أبنائي سينشئون على شكل، ومواطني على شكل آخر، فهل من المعقول أن يعيشوا في هذه البلاد وإلا فسيعيشون غرباء أجانب بالنسبة لمجموع مواطنيهم الذين سينشئون وينمون في المستقبل؟ أو هل سنجعل من الأجيال الصاعدة أجيالا تأخذ نفس التربية التي تربينا عليها؟
من من الأجيال جاء بالاستقلال؟ الأجيال التي تربت في الكتاتيب.
من من الأجيال التي بنت الاستقلال؟ الأجيال التي ثنت أرجلها أمام الفقيه.
من من الأجيال تنهك الآن قوتها؟ الأجيال التي ما تزال تعرف الفاعل والمفعول وما هي الصلوات الخمس وما هو الصيام وما هي قواعد الحج.
وهل الأجيال المتشككة الشاكة الضالة المحتارة بين التجاذب الشرقي والغربي الشمالي والجنوبي هي التي أتت بشيء ما؟ وهل هي التي من شأنها أن تأتي بشيء ما؟
لا أعتقد ذلك، لأنها لا تتوفر على الأساس، بل ليس لها المحور الذي ستدور حوله بل ستبقى كريشة في مهب الريح طائشة، لا تستقر على حال من القلق والقلق من الناحية النفسية هو الحيرة هو البحث عن ضالة وعدم وجودها.
أما الإنسان الذي كان مثل تلك المروحة مشدودا بحائط أو بسقف فحتى وإن دار مع الريح لا يكون قلقا بل يبقى ثابت الأركان. يدور كما تدور الريح ولكن يبقى عموده الفقري مستقرا دائما ثابتا مرتبطا بالبيت وبالبنيان الذي يرتكز عليه.
فكيف سننجز عملية الكتاتيب هذه؟
عملية الكتاتيب ترمي إلى أهداف متعددة. ترمي أولا إلى التخفيف عن الأسرة من مشاكل الطفل مدة سنتين.
وترمي ثانيا إلى ربح سنتين بالنسبة للتعليم الابتدائي أي ربح القراءة والكتابة ومن شأنها كذلك أن توفر على خزانة الدولة سنتين من التعليم الابتدائي لتعليم الحروف الهجائية. وأخيرا ستخفف على الشرطة أعباء محاربة تكوين أطر اللصوص وأسافل الناس الذين لا أصل لهم ويرتكبون أعمالا دنيئة وعمرهم لا يتجاوز خمس أو ست سنوات.
والآن سأدخل في التفاصيل، المدارس الابتدائية عندنا في المغرب لا تقبل الأطفال إلا عندما يبلغون سبع سنوات وقد قلت لكم أن الأسر عندنا في المغرب مع كل أسف تنظم حياتها على الشكل الأوربي، فالرجل في العمل والمرأة في العمل يتصلون في الزوال ثم في الثامنة ليلا ليتناولوا أبناءهم عشاءهم ويهيئونهم للنوم فلا يجدون الوقت لا للاعتناء بهم ولا لتتبع دراستهم ولا لتفهيمهم واجباتهم المدرسية ولا حتى لمعرفة المفردات التي تعلمها أبناؤهم، وعما إذا كانت ناتجة عن مخالطة حسنة أو سيئة ثم يصبحون يوما أمام هوة لا تقدير لعمقها، وأمام معضلة لا دواء لها حيث إن أطفالهم يصلون كما يقال إلى مرحلة الطائرين، إلى حد لا رجوع فيه كالطائرة لما تكون قد وصلت إلى آخر طريقها للطيران لا تتمكن من الإقلاع ولا تتمكن من التوقف عند ذاك تكون الكارثة والعياذ بالله. إذن فالآباء يكونون أمام الأمر الواقع، وبذلك يجد الوطن نفسه أمام مواطن غير صالح وفي الوقت نفسه يستحيل عليه أن يرفضه فواجب برور الوطن أن لا يرفض المواطن كيفما كان. ولكن من باب التبعية يجب على الوطن أن يخلق المواطن كما يجب أن يكون المواطن.
الواقع أنه حينما يتوجه الآباء إلى شغلهم أو حتى إذا كانت المرأة لا تشتغل، فإن طفلها المتراوح عمره ما بين خمس وسبع سنوات يبقى أمامها في المنزل يعوقها عن القيام بشؤون البيت فتضطر إلى إخراجه من الدار ليلعب مع أقرانه؟ فمن هم أقرانه؟ هم أفراد الشارع أو الدوار يصرفون كل أوقاتهم إما في تكسير زجاج النوافذ أو سرقة عجلات السيارات أو غير ذلك وبما أن الأمور تسير في التسلسل فإنها تخلق في الطفل غريزة الإساءة للغير. غريزة عمل الشر عن غير وعي في الأول وأخيرا تصبح تلك الغريزة عادة والعادة تكون إذ ذاك منطقها ويصبح المنطق هو الدافع إلى العادة.
ثانيا: يخلق اللعب غريزة بدون تطبع ولما تتمكن الغريزة يأتي التطبع ويسترسل في تلك الغريزة حتى تصبح خلقا ثانيا.
فنحن نريد أن نحد من دابر هذا المشكل الذي يواجهه الآباء والأمهات حتى يطمئنوا على أبنائهم.
وبالإضافة إلى ذلك لما يصل أبناؤنا إلى سن الخمس سنوات ندخلهم المدارس الأجنبية إذن يقع تسابق وتزاحم على أبواب تلك المدارس الأجنبية ونتيجة لدخول الأبناء إلى هذه المدارس تصبح اللغة الفرنسية لغة حديثهم في المنزل مع آبائهم، بل عوضا عن أن يبتغوا بأغانيهم العربية والشعبية يتغنوا بأغاني أجنبية وهذا شيء مزري لا أقبله أن بصفتي وطنيا، بالرغم من أنني تعلمت لغة أجنبية واستعملتها أولا كسلاح لتحرير بلادي وثانيا كسلاح لترقية بلادي وثالثا كسلاح لأكون عضوا لتصدير العبقرية المغربية إلى الخارج على قدر جهدي وإمكانياتي المتواضعة، ولكن لم أجعل من تلك اللغة الكل وروح حياتي.
فالأطفال يدخلون إذن للمدارس الأجنبية فيصبح الآباء أجانب عن أبنائهم، بل قد تقع كارثة أخرى، فبعد سنوات وإذا كان الآباء ما يزالون في مقتبل العمر فإنهم يضطرون حتى لا يظهروا بأنهم متأخرون بالنسبة لأبنائهم إلى التسابق إلى ارتكاب المصائب التي تعلمها أبناؤهم.
وعند ذاك نصبح أمام المثل الذي يقول:
 إذا كان رب الدار بالطبل ضاربا فلا تلم الصبيان في حالة الرقص.
هذه ناحية أخرى من المشكل، فهؤلاء الأطفال إما سيبقون في تسكع إلى أن تتكون لديهم غريزة، والغريزة تكون لديهم شخصية، وإما أن البعض الآخر من الأطفال سيرتادون المدارس الأجنبية.
فنحن إذن سنعلمهم بدون مقابل سنزودهم بالفقهاء الذين سيعلمون لمدة ست ساعات في اليوم.
ثلاثة في الصباح وثلاثة في العشي.
يعلمونهم الحروف ويلقنونهم القرآن الكريم، وسأتحدث عن قضية حفظ القرآن. وسنخصص لهم وقتا للرياضة والتكوين البدني، وفي اليوم الذي يدخلون المدرسة في السنة السابعة من عمرهم، عوضا عن أن يصرف معهم مدرس الدولة سنة لتعليمهم الحروف الهجائية سيكونون قد تعلموا القراءة والكتابة وشيئا من الحساب، وشيئا ما من الدين وبذلك سيوفرون علينا سنة أو سنتين كما سيكونون قد حفظوا شيئا من القرآن الكريم.
إن بالإمكان أن يتبادر على الذهن، كيف يمكن للإنسان حفظ شيء لا يفهمه؟ ولكن يمكنني أن أقول لكم أن عبقرية شعب تتكون من عناصر شتى وعبقرية الشعب المغربي لا يمكنني تحليلها هنا ولكن يمكنني أن أقول بالإجماع أنها تتكون أولا من قدرة ومن طاقة هائلة على الاستيعاب نحمد الله عليها، على استيعاب كل شيء، كل لغة، وكل تثقيف وكل تكوين.
والظاهرة الثانية للعبقرية المغربية أنها لا تنطبع بانطباعات خارجية، بل لما تنطبع وتهضمها تسبكها في قالب جديد وتخرجها في حلة جديدة وتقدمها للعالم كما أعطتها بواسطة الأندلس وبواسطة كتبها وبواسطة علمائها وأطبائها في ثوب جديد، فهي شخصية قوية الهضم والاستيعاب قادرة على التحويل وعلى الابتكار.
وأخيرا فإن عبقرية المغاربة تتسم بقوة الحفظ، والحفظ شيء مهم بالنسبة للتكوين البشري، لقد قبل بأن شاعرا أتى أبا نواس وقال له: إنني أرغب في أن أكون شاعرا، فأجابه طيب ها هي ذي عشرة آلاف بيت من الشعر فإذا حفظتها، عد إلى فغاب الرجل مدة من الزمن وعاد إليه قائلا:
لقد حفظت ما أعطيتني فقال له:
اتل علي ما حفظت، فتلا عليه العشرة آلاف بيت. فقال له أهملها، فمعنى هذا أنه أعطاه السماد، سمادا كالأرض حينما تعطيها الأسمدة، سماد تكوين عبقريته.
هذا أبو نواس العربي الذي عاش منذ 800 أو 900 سنة ولا أقول ايريو الفرنسي الذي عاش في هذا القرن، فايريو يقول أن التكوين العام هو ما يبقى في ذهن البشر عندما ينسى كل شيء.
فالمغاربة كانوا دائما مشهورين بذاكرتهم، فأساس ذاكرتهم أنهم يحفظون القرآن دون فهمه.
لقد دخلنا نحن إلى الكتاب وحفظنا من الحمد لله حتى، سبح، حتى، عم، لا نفهم شيئا مما نقرأ ولكن تكونت فينا رياضة فكرية جعلتنا دائما في الصف الأول في المدارس الأجنبية وفي الكليات سواء كلية الحقوق أو كلية العلوم.
كانت نقطنا دائما متفوقة بالنسبة للأجانب الذين نقرأ لغتهم، لأننا نحفظ بسرعة وندخر ما نحفظه ونهضمه في فكرنا المغربي ونضيف إليه أفكارنا المنبثقة من واقعنا وبذلك كنا ننتصر على جميع رفقائنا.
فحفظ القرآن هو طريقة في التعليم وطريقة لكسب الوقت لم نعد مع الأسف نراها لدى عدد من الشبان وعدد من التقنيين فحينما أطلب من أحدهم تقديم أرقامه لا يستطيع إلا بعد أن يخرج ملفه، لقد كان من العار أن يفعل المرء ذلك في وقت مضى يوم كان عدد من العلماء يتلون بالسند الصحيح ما يزيد على عشرة آلاف أو خمسة عشر ألف حديث دون تلعثم، وأنا أتحدى هؤلاء الذين تكونوا اليوم أن يتلوا أمامي فقط مائة حديث بسندها وبمراجعها.
والنتيجة أن المرء يصبح أسير أوراق ولا يكون علمه فيه وإنما يكون علمه معه، وقديما قال العلماء اللاتينيون: عالم مع كتابه ليس عالما وأنا أعتقد أنهم كانوا على صواب.

عبقرية الشعب المغربي
فتكوين الكتاب سينمي في الجيل المقبل القدرة على الحفظ والقدرة على الإلمام بالمشاكل وبالقضايا حيث يستطيع فورا أن يربط بين الأسباب والمسببات.
وأخيرا ومن مزايا هذه الكتاتيب أننا سنكون على الأقل قمنا بواجب ملقى على عاتقنا فنحن مسئولون كل واحد منا مسئول في بيته عن أبنائه. ولكل واحد قسط من المسؤولية الجماعية في المجتمع الذي نعيش فيه. فمن واجبنا أن لا نترك بل ولا نخلق تضاربا وتناقضا ومشاكل في ذهن أبنائنا، فما معنى بناء الكتاتيب وبناء المساجد وطبع القرآن دون أن نربي أبناءنا في ظلها وإلا فإنهم سيتساءلون بعدما يكبرون عن الصلة التي بينهم وبين ما قام به آباؤنا فإما نحن لسنا بحاجة إلى المساجد وغما أن المساجد ليست بحاجة إلينا، وسنكون قد جعلناهم في حيرة إذ سيقولون أن آباءنا لم يقوموا بتربيتنا أو أن آباءنا صرفوا الأموال في غير محلها.

سنهتم بالتلقين والتثقيف
وأيضا فإن واجبنا أن نعرف شيئا آخر هو أنه ليست هناك أية دولة لا معتقدات لها فحتى المعسكر الشيوعي له معتقداته، وأخيرا لما شعر بأن معتقداته كادت تمس وقف على أبواب حرب عالمية ثالثة حتى يمكنه الحفاظ على عقيدته التي لم تمس وإنما فقط كادت تمس، فلم يتريث ذلك المعسكر.
أما نحن، نحن الاشتراكيين لأننا مسلمون ونحن حملة التثقيف إذ الحديث النبوي الشريف يقول "اطلبوا العلم ولو في الصين" ونحن الذين أوجب علينا الإسلام التعليم وتعلم الرجل والمرأة. أما نحن فلا نتعلم ونكتفي بالتلقين فقط. وهناك فرق بين التعليم والتلقين، فالتلقين هو السماع والإدراك أما التعليم فهو ما يدخل إلى الذات ويصير روحا ثانية بمثابة الروح الأولى فهل ستنكر مبادئنا ولا نحارب أبدا من أجلها ونترك أفكارا أخرى تتسرب إلينا هذا مستحيل.
وهذا ليس رجوعا إلى الوراء لأن التثقيف الإسلامي والتربية الإسلامية ليست متنافية أبدا مع مسايرة العصر ولو كنت شاعرا شخصيا وهذه أقولها أمام الملأ بأن في تربيتي أو في تكويني شيئا مخالفا فلن أربي عليها أبنائي أو أنادي بها لتربية الغير، وأنا لست المثال أو المثل المطلق ولا جبلي  ولكني سعيد بالتربية التي تلقيت فقد خرجنا إلى الخارج ولم نكن مدعاة خجل وارتدينا لباس الخارج ولم نكن مدعاة خجل وتكلمنا لغتهم فكنا أحسن منهم وقمنا بما قاموا به فكنا في مرتبتهم أو أكثر في جميع الميادين ومع ذلك كنا نتجاوزهم بأننا نحن ما نحن بالإضافة إلى ما كسبناه منهم.

تكوين يكون أداة وصل
فلماذا إذن سننكر فضل تكوين ضمائرنا وهو تكوين لا يتنافى تماما بل يطابق سير المغرب كي يكون أداة وصل بين الغرب والشرق، فعندما يفقد المغرب عبقريته الخاصة سيصبح جسرا فقط تمر عليه الحضارات والعلوم والفنون وسيكون جسرا من مادة "البولييستر" لا تمتص شيئا، فحتى لو كان من الحجر فإن بإمكانه امتصاص الماء أو الزيت ولكن البلاستيك لا تمتص شيئا فهي مادة بدون شخصية ولا روح. فإذا ما بقينا على ما نحن عليه فسنصبح جسرا من البلاستيك لا نستفيد كل ما يمر علينا ولا نفيد.
 لذا قررنا أن نبدأ حملة الكتاتيب في الأسبوع المقبل وقررنا أن التلاميذ سيدخلون الكتاب من سن الخامسة إلى السابعة، وقررنا على أن كل تلميذ قضى سنتين في الكتاب إلا ويحظى بالأسبقية في الدخول إلى المدرسة، فعندما تكون أبواب المدارس غاصة بالطلبات في أكتوبر فإن التلميذ الذي قضى سنتين بالكتاب ستكون له الأسبقية المطلقة على غيره.

منهاج التدريس بالكتاتيب
قد يتساءل الآباء ولهم الحق في ذلك عن برامج وكيفية تسيير الكتاتيب.
أما البرامج فيمكنني أن أقول لكم أنها سهلة.
 يتعلم فيها الطفل في السنة الأولى القرآن إلى حزب سبح ويتعلم الكتابة والقراءة وقواعد الإسلام الخمس وكيفية الوضوء وقواعد الصيام والآداب مع الكبار والتواضع مع الصغار والتكوين المدني للمواطنة الحقة والتكوين الوطني وسيتلقى فيه كذلك الرياضة والأناشيد وتاريخ بلاده والبلاد الإسلامية وزيادة على ذلك سيتلقى الرياضة أسبوعيا حسب حصة معينة.
بالإضافة إلى ذلك على الفقيه إلزاميا أن يأخذ أطفال جامعه إلى المسجد لصلاة الجمعة ولم يكن البرنامج يحتوي على هذا الأمر ولكنني أضفتها إليه فليس هناك ما يبهر الطفل أكثر من أن يقول له الفقيه توجه إلى منزلك والبس طربوشا وجلابة بيضاء كي تذهب للصلاة بالمسجد، فحتى لو لم يفهم الطفل ما يقوله الخطيب وحتى ما إذا نام والفقيه يخطب فلا بأس في ذلك لأنه غير مكلف، وحتى لو كان الناس يسبحون وهو يتمعن في زخارف المسجد، كل ذلك لا يهم والمهم أنه يرى عظمة المسلمين وجماعتهم ويتطبع بذلك الانطباع ويبقى راسخا في ذهنه لا ينساه أبدا.
فحتى ولو كان يوم الجمعة يوم رخصة يجب أن يجتمع الأطفال بالكتاتيب ليتوجهوا إلى صلاة الجمعة وكل فقيه سيكون مسئولا عن مرافقة طبقته لتذهب إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة.

الاهتمام باختيار المعلمين
أما اختيار الفقهاء فسيكون على أساس أن يكونوا متوفرين على طريقة التعليم أولا والكفاءة ثانيا حتى يتمكنوا من أن يتعلموا ويعلموا لن يكونوا على الشكل الذي كنا نعرفه نحن حيث كانوا يطبقون أساليب عتيقة وغير لائقة في تعليم الأطفال، فنحن الآن قد تجاوزنا هذا الحد سيكون لكل فقيه برنامج وكتاب مطبوع من وزارة التعليم الابتدائي حسب الأيام والأسابيع والسنوات وطريقة التلقين والتثقيف، وسيقع اختيار الأساتذة من أحسن الناس، وهنا ستدخل مساهمة الجماعات البلدية والقروية والعمال ورجال السلطة ووزارة الأحباس.
فكل قرية وكل مقاطعة في المدن الكبرى سنجتمع لاختيار أحسن وأنزه وأتقى شخص وأقدرهم على التلقين بعد النظر في سلوكه الذي يجب أن يكون حسنا، وقد فسرت ذلك منذ سنتين لما قلت من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه.
وأعطيت تفسير بقلبه أي باستقامته وسيرته.
فيجب على الفقيه أن يكون قدوة يقتدى به ومثالا حيا للفضيلة الإسلامية التي سيربي عليها التلاميذ.

في التضامن كل خير
فكيف سيتلقى هؤلاء الناس أجورهم؟ سنقتسم نحن الآباء ذلك وأنا أعرف أن الآباء لا يدخرون اليوم أي شيء في سبيل أولادهم، فكل ما اكتسبوه ينفقونه على أبنائهم إما لغذائهم أو لباسهم أو لتعليمهم، فإذا ما أدى كل أب 500 أو 250 فرنك في الشهر فسيمكن حسب عدد السكان أداء الأجر للفقيه والمدرسة التابعة للشبيبة والرياضة التي ستلقنهم الرياضة وبذلك سنرفه على أولئك الناس وسنجعل لهم مكانة بيننا.
إننا نواجه مشاكل في التعليم فلماذا؟
 الحقيقة أننا نحن الذين أبعدنا عنا المدرسين والمعلمين ومجتمعنا وطريقة معيشتنا هي التي جعلتنا ننبذهم وكأنهم عضو أشل في مجتمعنا أو عضو غير نافع فقبل اليوم كان الفقيه أو القاضي أو الإمام في الحي له دور كبير لا يجد فراغا في وقته كان يؤم بالناس ويعلم ويسدد بين الناس، فكلما حدث مشكل إلا والتجأ إليه الناس وكان يصالح بين الزوجين، واليوم أصبح مدرس السنوات الابتدائية المقيم في قرية بعيدة، بالإضافة إلى أنه محروم من جميع مرافق الحياة في المدينة منبوذ لا يعرف حتى آباء التلاميذ، فلما نقول بأن الأساتذة يجهلون واجباتهم، فالحقيقة أنهم لم يجهلوا واجبهم، وإنما نحن الذين جعلناهم يشعرون أنهم أجانب عن المجتمع وعلى أنهم آلة للطباعة فقط وأنهم ليسوا آلة للتكوين والتربية.

أولادنا وديعة بين أيديكم
وأنا أقول بهذه المناسبة لأولئك الأساتذة كيفما كان مستواهم: عفا الله عما سلف من الجهتين، فنحن أي المجتمع المغربي لا الدولة ولا الحكومة سنأتي عندكم وانتم ارجعوا إلى مجتمعكم واطمئنوا حتى تملئوا داخل هذا المجتمع المكان الذي كان من الواجب أن يكون لكم والذي لم يكن من الواجب أن يفرغ منكم، فلما سيتحقق هذا التداخل وهذا التعايش وهذه المشاركة وهذا الاشتراك الذي كان يتمثل في الماضي فيما كنا نسمعه عندما يأتي الرجل بولده إلى الجامع ويقول للفقيه "اقتل وأنا أدفن" ومعنى ذلك أننا مشتركون في هذا الطفل نصفه للفقيه ونصفه لي، فهذه العطية وهذه الهبة التي أعطاها آباؤنا وأجدادنا للأساتذة هي ما نريد تطبيقه.

على المرء أن يبدأ بنفسه
فنحن جميع آباء المغرب هذا المجتمع الذي يضم 14 مليون نسمة يقول لعشرات الآلاف من الأساتذة  كيف ما كان مستواهم سواء أساتذة الابتدائي أو الثانوي أو العالي ها هم أبناؤنا وديعة بين أيديهم وأنتم مسئولون عنهم أمام الله فنحن من جهتنا نربي وأنتم من جهتكم تثقفون وتعلمون، فنحن مشتركون في الأمانة فأبناؤنا ولدناهم ونسهر على مأكلهم ومشربهم ولكن الشيء الذي سيملأ دماغهم بين أيديكم.
فهي وديعة مقدسة وأقدس وديعة ممكنة هو أن الإنسان يقدم جزءا من لحمه إلى إنسان آخر ويعطيه حرية التصرف فيه، فعسى أن يفهم الأساتذة كيفما كان مستواهم هذه الهدية وهذه الثقة المسبقة من الآباء إلى الأساتذة.
وإني أؤكد هنا لوزيرنا في التعليم الابتدائي تعليماتنا الصارمة بأن لا يقبل من باب الأسبقية من يومنا هذا أي تلميذ مهما كان أبوه إذا لم يكن قد قضى سنة أو سنتين في الكتاب، وأنا أعرف عددا من الناس من طبقة عالية من الناحية الاجتماعية والسياسية أبناؤهم في مدارس البعثة، فعلينا أن نقدم نحن المثال وأنا أبنائي لن يذهبوا إلى مدارس البعثة وسوف يدخلون بعد عشرة أيام إن شاء الله إلى الكتاب مع جميع المغاربة.
فعفا الله عن أولئك الذين أفلتوا من أيدينا إذ لا نستطيع أن نفعل في شانهم أي شيء، وعلى كل حال فعسى أن يعطيهم آباؤهم دروسا ليلية وإلا فسيحدث مشكل في نفس المنزل، إنني أطلب من الذين يتوفرون على أبناء بتفاوت أعمارهم أن يتحروا في هذا الأمر، وأنا مستعد للنظر في هذا المشكل بتنظيم دروس تكميلية في الليل، ولكن هذه عملية أخرى تتطلب تفسيرا آخر حتى لا يخلق في عائلة واحدة تضارب ومشاكل، فطفل الخمس سنوات اليوم سيقع في تناقض مع أخيه البالغ الرابعة عشرة والذي سيكون قد فاتته فرصة هذا التثقيف وهذه التربية وسيصبح الوالد والأم في حيرة وشبه حكم مستمر بين تضارب وتطاحن مستمر في أسرة واحدة وبين الإخوة.
وإنني أطلب من الوزراء الذين يهمهم الأمر، و إنني أطلب من الوزراء الذين يهمهم الأمر، وهو أمر يهم جميع الوزراء، لأن الوزير مساعد في الحقيقة، التفكير وكيف يمكن لنا تدارك أولئك الذين لم يبقوا في سن الخامسة والذين فاتهم هذا الطور طور السنتين.

أمانة مشتركة
والمهم أن يبدأ المرء بنفسه وأن لا يأمر الآخرين إلا بما يفعله، والشيء الذي أقوله لكم أنني مشارك شخصيا فأنا ليست في ملكي وسكناي توجد في الحي السويسي ومتشارك حقي وما علي إلا أن أبعث له بابني يوم يكونان في سن الكتاب، وأقصى ما يمكن أن أقوله لكم هو أنني لا أريد لأبنائي إلا ما أريده لأولادكم، ولي اليقين أن الله سبحانه وتعالى قد علم وسبق علمه في الأزل بأن في قلبنا خيرا وسيجعل من خطواتنا هذه خطوات خير وخطوات عهد جديد، بل وتثقيف جديد بل بعث جديد للروح الإسلامية وللثقافة الإسلامية وحينما أقول الثقافة والروح لا أعني بهذا الجمود ولا الوقوف عند الحدود التي وقفنا عندها بل أعني بهذا مسايرة الركب وأعني بهذا كتاب الأمير شكيب أرسلان الذي سماه "لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم" ذلك أننا لم نكن ولم يكن يمكن أن تكون في الطليعة من ناحية الثقافة ومن ناحية البحث ومن ناحية العلم ومن الناحية التقنية فهل انشتاين كان لا دينيا وهل اوبنيهمر لا ديني وهل علماء الفضاء لا يذهبون إما للكنيسة وإما للبيعة، لي اليقين أنهم كلهم يذهبون إما يوم السبت أو الأحد لأداء فريضتهم، فهل أداء الصلاة وصيام رمضان وتطبيق المبادئ الحقيقية للدين يتنافى مع فحص طبي أو تحليل كيماوي؟ كلا بل الإيمان بالمعتقدات هو الذي يعطي الإيمان بالعلم لأن العلم أساسه الشك والتشكك.

نتيجة العلم
فالإنسان عندما يبدأ في العلم يبدأ بفكرة ثم يختبرها ثم يكرر اختباراته فإذا أعطت الاختبارات نتائج متشابهة في جميع الظروف أصبحت نتيجة علمية، فأساس العلم هو الشك فإذا كنا متشككين في أنفسنا وزدنا على التشكك تشكك العلم يمكنني أن أقول بأن لا علم لنا ولا يمكن أن يكون لنا أي علم.
أما إذا نحن تسلحنا بيقين داخلي نعلم أننا موجودون ونعلم أننا نعلم شيئا هو فوق العلم فالاستمرار فوق العلم والعبقرية فوق العلم إذ ذاك نتمكن من مواجهة العلم مع تشككاته بكل ارتياح وكل طمأنينة، وعسى الله أن يجعل من يومنا هذا يوما مباركا، وإننا لنرجوه سبحانه وتعالى أن يبعثنا على هذه الحملة وأن يلهم مواطنينا ورعايانا عباده المسلمين أن يلهمهم الثقة والمشاركة في هذا المشروع الذي نرتجي من ورائه كل خير ونؤمل من ورائه كل فتح للأذهان للعبقرية وللروح الإسلامية وللشخصية المغربية لحسن المواطنة ولحسن التربية.
إننا لنرجو الله سبحانه وتعالى كذلك أن يجعل من شعبه المغربي هذا شعبا يحفظ كلامه ويفهمه، لأن كلام الله ليس كلام عبادة فقط، بل هو كلام تعامل ومعاملات ويلهمه حسن التطبيق وحسن التسيير حتى يمكن لهذا الشعب المغربي المسلم أن يعطي تفسيرا جديدا لكتاب الله العزيز ويدلو بنصيب جديد في الحضارة الإسلامية، تلك الحضارة التي تبحث اليوم أكثر من أي وقت مضى عن رائد وعن دافع وملجأ تلتجئ إليه، وتعلم حق العلم أنه هو ذلك المجتمع وارث السر حافظ الأمانة، جعل الله هذا الشعب ذلك الشعب الذي يرث السر والذي يحفظ الأمانة، ولله سبحانه وتعالى أسأل أن يلهمنا التوفيق والسداد ويعيننا على ما نحن بصدده والسلام عليكم ورحمة الله.

جلالة الملك يدشن بدار الشرفاء بالقصر الملكي العامرعملية الكتاتيب القرآنية
ترأس صاحب الجلالة الملك المعظم مولانا الحسن الثاني عشية يوم الاثنين 28 رجب 1388 بدار الشرفاء بالقصر الملكي العامر حفلا دينيا كبيرا بمناسبة إلحاق صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير سيدي محمد وصاحبة السمو الملكي الأميرة للامريم وصاحب السمو الأمير مولاي هشام ابن صاحب السمو الملكي الأمير مولاي عبد الله إلى الكتاب القرآني وذلك انطلاقا لعملية الكتاتيب القرآنية التي افتتحها صاحب الجلالة أيده الله يوم تاسع أكتوبر الماضي.
وقد وصل جلالة العاهل في الساعة السادسة عشية إلى دار الشرفاء مصحوبا بصاحب السمو الملكي ولي العهد وشقيقته صاحبة السمو الملكي الأميرة للامريم وصاحب السمو الملكي الأمير مولاي عبد الله وابنه سمو الأمير مولاي هشام.
وحضر هذا الاحتفال الشيق إلى جانب صاحب الجلالة والأمراء الكرام، سمو الأمير مولاي الحسن بن يوسف عم صاحب الجلالة والسيد إدريس المحمدي الوزير المدير العام للديوان الملكي والسيد أحمد بلافريج الوزير الممثل الشخصي لجلالة الملك والفقيه السيد محمد المعمري وزير القصور الملكية وأعضاء الحكومة يتقدمهم الدكتور محمد بنهيمة الوزير الأول وأصحاب السمو الأمراء أصهار جلالة الملك والجنرالات وأعضاء الديوان الملكي وعاهل الرباط وسلا، كما حضر هذا الاحتفال رؤساء المجالس العلمية بالمملكة وكبار علماء الرباط وسلا وعدد كبير من حفظة القرآن الكريم الذين ختموا طيلة هذا اليوم صحيح الإمام البخاري وصحيح الإمام مسلم والشفا للقاضي عياض وعدة سلك من القرآن.
وبعد أن أفتتح هذا الحفل الديني بأي من الذكر الحكيم تناول الكلمة الفقيه السيد الرحالي الفاروقي رئيس المجلس العلمي بمراكش وعميد كلية اللغة العربية بعاصمة الجنوب فقال متحدثا عن هذه الخطوة المباركة التي اتخذها صاحب الجلالة الملك المعظم بافتتاح عملية الكتاتيب القرآنية.
باسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين
وصلوات الله وسلامه على الأنبياء والمرسلين،
قال الشيخ الإمام الحافظ الحجة الهمام أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن المغيرة ابن بردزبه الجعفي البخاري رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه ونفعنا وإياكم ببركته وبعلومه وبرجاله وبذكره آمين، قال: "باب قول الله تعالى: ونضع الموازين القسط ليوم القيامة، وأن أعمال بني آدم وقولهم يوزن، قال مجاهد القسطاس العدل بالرومية، ويقال القسط مصدر المقسط وهو العادل، وأما القاسط فهو الجائر، و به إليه قال: حدثني أحمد بن اشكاب قال حدثنا محمد بن فضيل عن عمر ابن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلمتان حبيبتان إلى الرحمن: خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان العظيم.
مولاي، إننا نبارك هذه الخطوة المباركة التي كانت بردا وسلاما على ذوي النيات المعقودة ونتيجة الرياضة المحمودة وهذه المبادرة الطيبة التي تدخل في نطاق أعمالكم الصالحة الخالدة وهي مبادرة أمركم الشريف بإدخال الأطفال إلى الكتاتيب القرآنية قبل الدخول إلى المدارس الابتدائية ليسبق نور الإيمان إلى قلوبهم وليصطبغوا بصبغته في حياتهم وتلك صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة، ونحن له عابدون وإننا لا نعجب يا مولانا من مسارعتكم إلى الخيرات والمبرات فإن نبعتكم هاشمية وغيرتكم إسلامية، وأن التاريخ قد خبركم بالمحض الحق والإيمان وخبر آباؤكم الأولين وما كانوا عليه من شدة المحافظة على أصول الديانة وجدور الأمانة ولذلك ضربتم المثل بقرة العين وفلذة الكبد، ولي العهد الأمير الجليل سيدي محمد وبأخته الأميرة الجليلة للامريم، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن ينصركم ويوفقكم ويصحبكم في خدمة المبادئ العليا وان يحفظكم ويرعاكم لرفع راية الإسلام وأن يمد في عمركم ويأخذ بيدكم لتبعثوا نور الإسلام، كما نسأله سبحانه وتعالى أن يصلح سائر الأسرة الشريفة الكريمة، وأن ينبت ولي العهد الأمير الجليل وسائر الأميرات الجليلات نباتا حسنا، وأن يجعل الجميع قرة عين والدهم وشعبهم وأن يجعل ولي العهد جاريا على سنن أسلافه الكرام، وأن يفتح بصيرتهم وينور سريرتهم بنور الكتاب العزيز وأن يجعلهم قدوة الطفولة في هذا البلد العزيز".
وأثر ذلك تقدم للسلام على صاحب الجلالة بحضور السيد محمد عواد الوزير المشرف على تربية سمو ولي العهد الفقيه السيد عبد السلام السميج القاضي بالاستيناف الشرعي الذي كلفه جلالة العاهل بالسهر على تكوين صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير سيدي محمد وشقيقته صاحبة السمو الملكي الأميرة للامريم وابن عمهما سمو الأمير مولاي هشام في الكتاب القرآني.
وقد زود مولانا الإمام الفقيه السيد عبد السلام السميج بتوجيهاته السديدة وإرشاداته الغالية، وحثه على أن لا يراعي في الأمراء إلا الجانب التربوي حتى يتلقوا تكوينا دينيا وخلقيا متينا، مثلما يتلقاه أبناء الشعب قاطبة.
وهكذا ووفقنا للرغبة الملكية السامية انطلقت الانطلاقة المباركة السامية لعملية الكتاتيب القرآنية التي دشنت رسميا بالتحاق رمز الطفولة المغربية صاحب السمو الملكي ولي العهد بالكتاب القرآني.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here