islamaumaroc

القيسرية وأخواتها

  دعوة الحق

العددان 108 و109

في التخطيط الحضاري للمدن الإسلامية، التي أسسها العرب لأول مرة ...أو عملوا على تجديدها وتعميرها وازدهارها ....نجد عدة اسماء لأسواق تجارية وأماكن صناعية ..أخذت مكانتها في كتب المؤرخين والجغرافيين والرحالين ..كما اشتهرت على ألسنة الناطقين. وأقلام الموثقين..
وكان هذا التخطيط يجعل المنطقة المحيطة بالمساجد الكبرى في المدن الإسلامية بمثابة القلب  النابض بالحركة التجارية وما إليها..
فمسجد عقبة بن نافع في القيروان، ومسجد عمرو بن العاص في مدينة الفسفاط. والجامع الأموي بدمشق. والمسجد الأعظم بقرطبة. ومسجد المولى ادريس أولا، ثم مسجد القرويين تانيا في فاس ...كانت وما تزال هي المنطقة الحية في هذه المدن الإسلامية ..وبها توجد الأسواق الرئيسية التي تدور حولها الحياة الاقتصادية.
والمؤرخون والرحالون والجغرافيون المسلمون الذين كتبوا عن هذه المدن منذ الفرن الثالث الهجري. كانوا يركزون وصفهم الجغرافي للمدن الإسلامية حول هذه المنطقة الحساسة ...فابن عبد الحكم..وابن حوقل.. والبكري..وغيرهم ممن وصلتنا آثارهم نجدهم يلاحظون هذه الحقيقة الحضارية بدقة أثناء وصفهم ..
وعلى ضوء هذا سنلم هنا بالبحث عن بعض هذه الأسماء ...التي كانت معروفة لبعض الأسواق في المدن المغربية والأندلسية.
وبعض هذه الاسماء قد انقرض فعلا من الاستعمال. وبعضها في طريق الانقراض. وقسم منها ما يزال حيا في الاستعمال إلى الآن.. ودليل حيويته أنه مازال ينقل من اسم سوق قديمة. في مدينة قديمة ..إلى اسم سوق جديدة. في مدينة جديدة. كما هو الشأن في كلمة "القيسرية" فهذه الكلمة تطلق اسما على كل سوق اختيرت للتجارة في البز وما إليه ..في المدن الجديدة في المغرب ..كما كان الحال في المدن القديمة..
وللقيسرية أخوات كالتربيعة، والمنرجة، والجوطية، والقاعة، والرحبة ...وسنعطي هنا بعض المعلومات عن اسمائها ومسمياتها..

1) القيســـرية
ماذا تعني كلمة القيسرية؟ وهل هي عربية الأصل؟، وما شأن الناس الذين يكتبونها تارة بالسين، وتارة بالصاد؟، وما شأنهم ايضا حين يكتبونها بألف فاصلة بين السين والراء أو فاصلة بين الصاد والراء؟ فقد شاهدنا وسمعنا لهذه الكلمة أربع صيغ هكذا:
قيسارية –قيسرية- قيصارية- قيصرية. واسارع إلى القول : أن معاجمنا العربية بمختصراتها ومطولاتها أهملت –فيما أعلم- هذه الكلمة. وسكتت سكوتا غريبا عنها... وحتى الذين تناولوها لم يفيدونا شيئا في الإجابة عن هذه الأسئلة التي طرحناها ..
ولولا كتب التاريخ والرحلات والجغرافية لكنا نعدها كلمة (عامية) أو محرفة عن (اللاتينية) أو شيئا شبيها بذلك..
فياقوت الحموي صاحب معجم البلدان، يذكر المدينتين: قيسارية الشامية ...وقيسارية الرومية ...وكلتاهما عنده بالسين والألف الفاصلة بينهما وبين الراء ...والنسبة إليهما قيسراني على غير قياس ...
والمؤرخ ابن عبد الحكم وهو من رجال القرن الثالث الهجري والثالث عشر الميلادي ..في كتابه فتوح مصر والمغرب. لما ذكر الخطط التي كانت لمدينة الفسفاط ...ذكر في نصين فريدين : القيساريات –بالألف- جمع "القيسارية" بالألف(1) وفي النص الثاني نجد ابن عبد الحكم يقول: "وبني عبد العزيز بن مروان القيساريات: فيسارية العمل، وقيسارية الحبال، وقيسارية الكباش ..." ثم يقول:
"والقيسارية التي باع فيها البز ..وهي التي تعرف بقيسارية عبد العزيز" ثم يقول: "وبني هشام بن عبد الملك قيساريته التي تعرف بقيسارية هشام .. يباع فيها البز القسطاطي"
فمن هذين النصين وقد كتبا في القرن الثالث الهجري نجد مدلول الكلمة ..كما نجد رسمها بالسين والألف الفاصلة بينهما وبين الراء ..
والمؤرخ الكندي وهو من رجال القرن الرابع الهجري نجده في كتاب الولاة وكتاب القضاة يذكر قيسارية مصر المضافة إلى عبد العزيز(2) ...وفي الملحقات التي اضيفت إلى هذا الكتاب نجد قيساريات أخرى : قيسارية الأخشيد، وقيسارية البر، وقيسارية العسل، وقيسارية هشام(3).
فرسم الكلمة هو هو عند ياقوت. وعند ابن عبد الحكم. وعند الكندي.. وقد قيل عن المدينتين اللتين ذكرهما ياقوت أنهما منسوبتان إلى "قيصر" ملك الروم.. ومن المعلوم أن الإضافة والنسبة تقعان لأدنى ملابسة ..
وإذن فإن النسبة إلى كلمة "قيصر" التي أختار العرب كتابتها بالصاد منذ العصر الجاهلي تبعا لنطقهم ..تمت في هاتين المدينتين: الشامية والرومية على غير قيتس حيث أن الصاد قلبت سينا. وزيد بعدها ألف ..كما أنه حصل شذوذ آخر في النسبة إلى المدينتين، فقيل القيسراني بدل القيساري ..
فهل يكون ما حصل في المدينتين من النسبة إلى "قيصر" على غير قياس هو الذي حصل في السوق المعروفة بالقيسارية ...؟ فهي سوق منسوبة إلى "قيصر" لأدنى ملابسة ! وحصل فيها ما حصل في اسم المدينتين ..؟
أم هناك قصة أخرى لاسم هذه السوق ..؟
سوف لا نجيب عن هذا السؤال قبل أن نلتقي نظرة على الكلمة في أقلام الجغرافيين والمؤرخين المغاربة والأندلسيين، كما ألقيناها عليها في أقلام المشرقيين ...
فابن الابار الأندلسي في كتابه التكملة المطبوع بمدريد سنة 1886 م(4) يحكي قول بعض مترجميه: "وقد ناولني مصنف الترمذي بدكان فعوده بقيسارية قرطبة".
والجغرافي أحمد بن عمر العذري المعروف بابن الدلائي(5) وكذلك ابو عبيد البكري(6) وكلاهما من أهل القرن الخامس الهجري يكتبان الكلمة كما هو معهود "القيسارية" بالسين والألف. وقد ذكر الأول قيسارية الأندلس. كما ذكر الثاني قيسارية القيروان.
وصاحب القرطاس يذكر لنا قيسارية فاس: الأولى بعدوة القرويين. والثانية بعدوة الأندلس .. على وادي مصمودة(7).
أما صاحب "الاستبصار" الذي الف كتابه أواخر القرن السادس الهجري في ظلال دولة الموحدين ...فإننا نجده مرة واحدة في كتابه المذكور ...يرسم الكلمة هكذا: القيصاؤية بالصاد(8).
وابن القاضي في جذوة الاقتباس يكتب الكلمة كالمعهود عند الكؤرخين والجغرافيين(9) "القيسارية".
أما المحققون من رجال التوثيق والعدالة والفتوى والضبط فقد راينا خطوطهم في الوثائق والفتاوي والحوالات الحبسية يكتبون الكلمة هكذا ..."القيسرية" بالسين وبدون ألف ...ويظهر أنهم كانوا يهتبرون كتابتها بالصاد خطأ ..كما يعتبرون كتاباتها بالألف خطأ أيضا.
بعد هذا انتقل إلى الذين ينسبون القيسرية إلى "قيصر" ويكتبونها بالصاد ..فهؤلاء يقولون: أن نفس نظام السوق وهيأته ومتاجره المصطفة مأخوذة عن النظام البيزنطي ...وذاك أن الحكومة البيزانطية كانت تبنى سوقا مربعة الشكل يحيط بها سور .. وليس لها إلا بابق واحدة. وبها صفوف من الدكاكين ..يؤدي المعتمرون بها للدولة أجرا معينا كل شهر.. وهي تراقبهم وتمنع تسرب الغش إلى المصنوعات والمبيعات .. وهشام بن عبد الملك افتبس النظام البيزنطي واستعمله أولا في الشام ثم انتقل إلى الأقطار الغسلامية الأخرى .. ولا سيما في المغرب والأندلس(10) .
ونلاحظ أن ابن عبد الكريم وهو اقدم نص بين ايدينا يذكر كلمة "القيسارية" لا يشير ابدا إلى النظام البيزنطي ولا يشتم من كلامه أن نظام هذه السوق كان مقتبسا اسما أو مسمى من الدولة البيزنطية ..
كل هذا نحن في عرض مقتضب عن "الكلمة" في المصادر التاريخية والجغرافية. العامة والخاصة، وقد آن أن نداي برأي في الموضوع ليكون إلى جانب الآراء يأخذ حظه من الصواب أو الخطأ ..
يلفت مظر الباحث في مادة فسر من المعاجم هذه العبارات: "القيسري الكبير... القيسري العظيم من الابل .."
وإذا كانت عباراتهم تحاول أن تجعل الكلمة تدور حول الرجل الكبير المسن ..والجمل العظيم ..فهذا مجرد تمثيل ضيق مدلول الكلمة حتى لم يتلفت إليها إنسان وهو يحاول البحث عن اسم سوق يسمى القيسرية، بينما المعاجم تذكر الرجل الكبير ! والجمل العظيم .. !
فلماذا هذا التضييق في معنى القيسري ...؟ ولماذا لا يكون معنى القيسرية السوق الكبيرة العظيمة ...؟
فالكلمة في نظري عربية أصيلة ...ولا مجال فيها للصاد ... ولا لقيصر ..فهي "قيسرية" بدون ألف.
وإذا كانت المعاجم قد نسيتها أو تناستها ..فإن الاستعمال اليومي عند العوام وبعض الخواص قد زادها ألفا ..وهنا يجب أن نلاحظ أن بعض العلماء والموثقين ممن قد رأينا خطوطهم في المخطوطات والصكوك والوثائق يكتبونها على أصلها اللغوي "قيسرية" بدون ألف .. كما أشرنا إلى ذلك آنفا.
ولعل الأصل في هذا الاستعمال اللغوي الفصيح أنهم كانوا يقولون : السوق القيسرية أول الأمر ... قد حذفوا الموصوف واقتصروا على الصفة ..كما هو الشأن في كثير من الأعلام الاصطلاحية حيث تقوم الصفة مقام الموصوف ..
والرحالة المقدسي في كتابه (أحسن التقاسيم) بجمع القيسرية على قياسر .. !
ويظهر أن الجغرافيين والمؤرخين الذين كتبوها بالسين والألف إنما قلد بعضهم منذ القرن الثالث الهجري .. وأقدم نص عندنا في ذلك هو النص الذي نقلناه عن ابن عبد الحكم ..
وصاحب "الاستبصار" الذي رسمها بالصاد ص 140 علما على السوق المعروفة ... نجده أيضا يرسمها بالصاد علما على المدينة الشامية التي رسمها غيره بالسين(11)...
هذا عن كلمة "القيسرية". أما عن مكانتها الاقتصادية ودورها الحضاري. ونشاط رجالها في العمل والاكتساب والرحلات .. فتلك قصة أخرى.

2 الجوطيــة
لا تخلو مدينة مغربية من جوطية أو جوطيات .. فالمدلول الاصطلاحي معروف عندنا لهذه الكلمة ..فمن لوازم الجوطية ازدحام المشترين والمشتريات .. والبائعين والبائعات ..وارتفاع أصوات "الدلالين" بالمزايدة على البضائع .. كما أن من لوازمها أن تضم أنواعا من سقط المتاع .. ثياب وأدوات وغيرها .. وفي المدينة الواحدة نجد جوطية البالي ..وجوطية الملح .. وجوطية الحوت.
فمن أين جاءت هذه الكلمة؟ إن هذه المادة ليست قاموسية ولا لغوية بالمرة ..
غير أننا نجد مادة لغوية أخرى قريبة منها وتؤدي نفس المعنى وهي مادة "جوق" التي يقول أصحاب المعاجم عنها أنها "دخيلة" أو "معربة"(12). فالجوقة : الجماعة .. وجوق الناس بمعنى جمعهم. وتجوقوا بمعنى اجتمعوا ..
وإن فإن الاصطلاح المغربي انقلبت فيه القاف طاء فيما يرجع للجوطية .. فمن أجل أن هذه السوق يتجوق الناس فيها حول سقط المتاع بيعا وشراء ومزايدة .. أخذت هذه الاسم ..بعد تصحيف بعض حروفه ..
والغريب أن اللهجة المغربية الدارجة احتفظت بكلمة "جوقة" والأفعال المأخوذة منها في الاستعمال اليومي .. فيسمون الجماعة المحيطة بحادث سيارة ..أو مشعوذ أو عراك .. جوقة .. لأن الناس تجوقوا .. أي اجتمعوا .. أما فيما يرجع لاسم السوق فقد أخذت الطاء مع باء النسبة مكان القاف ..
وهناك في أولاد بالغرب على ضفة نهر سبو كانت تقع قرية "جوطة" التاريخية الشهيرة التي التجأ إليها الأدارسة ايام فتح مغراوة ... وما زال بعضهم ينسب إليها إلى الآن.
ويظهر أن اسم هذه القرية غير بعيد وقعت الإشارة إليه .. فمن الجائز أن تكون هذه القرية سميت بهذا الاسم "جوطة" لأنها كانت سوقا كبرى يجتمع فيها أهل تلك النواحي ... ويتجوقون فهي "جوقة" أولا ... ثك "جوطة" ثانيا ..
وهذا مجرد استنتاج لا أقل ولا أكثر .. إذ لا نعلم نصا في الموضوع.
وقبل أن نودع كلمة "الجوطية" نشير إلى أن الاصطلاح المغربي أضفى على مدلول كلمة "القيسرية" الجدة والطرافة. فهي سوق الجديد من الثياب والطريف من الألوان والأنواع ..بينما أضفى على كلمة "الجوطية" معنى البلى والقدم .. مع الجلبة والزحام ..

3 المنجــرة
المنجرة اسم مكان لحقته التاء كما لحقت بعض اسماء المكان الأخرى .. وهي تعني مكان أهل النجارة. ولا شك أن المنجرة كان لها شأن عظيم يوم كان للنجارين عمل هام في تشييد البغاء وما يلزمه من سقوف وأبواب وما إليها.
غير أنعه حدثت ملابسات في بعض المدن المغربية أعطت لكلمة "المنجرة" مدلولا آخر .. وذلك أن كثيرا من المنجرات كانت ضمن مشمولات الأحباس ..يكتريها النجارون للعمل بها.
وحدث في بعض الظروف أن ناظر الأحباس احتاج إلى محل ليتخذه مقرا لعمله في مراقبة الأحباس والنظر في مصالحها وتعهدها فلم يجد أنظف ولا أليق به من إحدى هذه "المنجرات" فاتخذها مقرا لعمله .. واعتاد الناس أن يذهبوا إلى "المنجرة" ليتصلوا بالناظر في كل شيء يهم الأحباس .. منذ ذلك الحين .
فإطلاق "المنجرة" على مقر نظارة الأحباس اصطلاح معروف بفاس ومكناس .. ولعله يوجد في بعض المدن المغربية الأخرى.
وقد كانت "المنجرة الصغرى" بنفس الحي مقرا للمحتسب.

4 التربيعــة
التربيعة : تعني قطعة مربعة مسورة معدة للصناع و المحترفين .. وهذه الكلمة معروفة قديما في الأندلس والمغرب .. وفي الكتب التاريخية والجغرافية الشيء الكثير عنها .. ولكل تربيعة اسم خاص. فهناك تربيعة مكة .. وتربيعة ابن عيسى .. وتربيعة الخياطة ..الخ..
وإذا كانت السوق غالبا للتجارة ...
فإن التربيعة غالبا للصناعة ...
وقد نسبت كلمة "التربيعة" ولم يبق لها وجود إلا في الكتب التاريخية والحوالات ورسوم الأملاك وعلى السنة بعض المهتمين بالأعراف والاصطلاحات المتعلقة بالخطط الحضارية المغربية ...
هذه جولة قصيرة في القيسرية وأخاوتها وهي لم تعد الأسماء وبعض ملامح وظلال المسميات.

- إبراهيم واسماعيل-
قال ثعلب في أماليه: الأسماء الأعجمية لا تعرف العرب لها تثنية، ولا جمعا.
فأما التثنية فتجيء على القياس، مثل ابراهيمان واسماعيلان، فإذا جمعوا حذفوها فردوها إلى أصل كلامهم. فقالوا اباره، واسامع، وصغروا الواحد على بريه وسميع.

(1) – انظر رقم 158، ورقم 185 من القسم التاريخي المطبوع بالقاهرة سنة 1961 م.
(2) – انظر ص 55 من طبيعة بيروت سنة 1908م.
(3) – انظر فهرس كتاب الكندي ص 663.
(4) – انظر ص 296 من الجزء الأول.
(5) – انظر كتابه المطبوع بمدريد بتحقيق الدكتور عبد العزيز الأهواني سنة 1965 ص 86.
(6) – انظر كتابه ص 22 المعروف بالمغرب في ذكر بلاد افريقية والمغرب.
(7) – انظر ص 65 من الجزء الأول ط الرباط.
(8) – انظر ص 140 من طبعة جامعة الاسكندرية.
(9) – تمظر ص 27
(10) – انظر "ورقات في الحضارة العربية بإفريقية" الجزء الثاني ص 72.
(11) –انظر ص 106.
(12) – انظر تاج العروس. في المادة

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here