islamaumaroc

وثائق أندلسية حول: العلاقات السياسية بين مملكتي غرناطة والمغرب في منتصف القرن الثامن الهجري -5-

  دعوة الحق

110 العدد

تقديم:
نبدأ في هذا العدد من المجلة بنشر القسم الثالث من وثائق مخطوطة" كناسة الدكان، بعد انتقال السكان" لمؤلفه المؤرخ ابن الخطيب، وهذا القسم يشكل رسائل سياسية ذات طابع تغلب عليه الأحداث الأندلسية، وما كانت تتمخض عنه بهذا القطر، وطبقا للصلات الأندلسية المغربية منذ الفتح العربي لاسبانيا، نرى ملوك الأندلس ينسقون سياسة دولتهم الخارجية تجاه النصارى مع إخوانهم سلاطين المغرب، وظل الحال كذلك حتى انحصرت دولة المسلمين في رقعة ضيقة صغيرة، وقد أحاطتها القوات الاسبانية، وخاصة في زمن ملوك بني الأحمر أصحاب غرناطة، حيث عبر المزيد من الكتائب المغربية، وتدفقت المعونات الحربية، مما كان له أكبر الفضل في صمود دولة بني نصر- رغم ظروفها- من أن تعيش قرابة قرنين ونصف، تصابر الأحداث العظام، وتجالد المحن بأرض الجهاد. وهاهو سابع ملوك بني الأحمر يوسف بن إسماعيل بن نصر في تلك المملكة يجدد العلاقات بينه وبين معاصره السلطان ابن عنان فارس  المريني ملك المغرب، جريا على سنة الأسلاف، وتوطيدا للدعائم الإسلامية التي لا تفصلها حدود، ولا تحول بينها الحواجز مهما كانت.
وفيما يلي نقدم وثائق ثلاث من إنشاء وزير غرناطة ابن الخطيب، بعث بها سلطانه يوسف الأول إلى أبي عنان فارس.
فأما الوثيقة الأولى فقد تضمنت- على الأخص- أعلام ملك المغرب بما وقع مؤخرا  من حوادث قشتالية داخلية، أهمها نشوب الحرب الأهلية بين أنصار"بيدور الثاني" الجالس على العرش من جهة، وبين طبقة الأشراف بزعامة"هنري تراستمارا" الأخ غير الشرعي لهذا الملك من جهة أخرى، الذي كان يطمع في اعتلاء عرش المملكة وكان لهذا الصدام القشتالي صداه في دوائر مملكة غرناطة، حيث استنجد" بيدرو" بالسلطان يوسف الأول ليمده بفرقة من جند المسلمين تكون عونا له في محنته، فأجابه ابن الأحمر إلى ما طلب، وتمكن الملك القشتالي بنفوذه وتأييد غرناطة له من القضاء على تلك الثورة، على نحو ما سيرى القارئ للوثيقة من تتابع الأحداث في دولة قشتالة.
وإذا كان ملك قشتالة هذا قد استنجد بغرناطة، فقد استنجد أسلافه من قبل بملوك المغرب أيضا. وكان لاستجابة صريخهم فضل سحقهم للثورات وتمكينهم من عروشهم، فها هو" الفونسو العاشر" المعروف بلقب" الحكيم" يطلب إلى ملك المغرب يومئذ السلطان يعقوب المنصور المريني(ت685هـ) أن يعنيه حربيا في القضاء على ابنه الثائر ضده "شانجه"، فحقق له ملك المغرب أمنيته. ثم يطلب إليه بعدئذ أن يعنيه ماديا لإصلاح أحوال دولته. فيبعث له المنصور بحوالي مائة ألف دينار، وكان "الفونسو" قد بعث إلى ملك المغرب بتاجه الذهبي ضمانا.
وأما الوثيقة الثانية فهي صادرة أيضا من السلطان يوسف الأول إلى معاصره بالمغرب السلطان أبو عنان فارس، وهي تشير إلى استعدادات مملكة غرناطة الحربية بالتعاون مع المغرب، ولاسيما فيما يتصل بتحصين الشواطئ الأندلسية، التي كانت همزة الوصل بين المملكتين، وطالما بذلت دول النصارى في الشمال جهودا بحرية ضخمة للاستيلاء عليها، فتنقطع صلة الأندلسيين بإخوانهم في عدوة المغرب.
وقد وردت هاتان الرسالتان غير مؤرختين، ولكن مجرى الحوادث يجعلنا نميل إلى أنهما قد أرخا في عام 1351م- أوائل عام 1352م.
وأما الوثيقة الثالثة فهي عبارة عن رسالة صادرة أيضا من أبي الحجاج إلى أبي عنان، بغرض إعلام هذا الأخير بالعلاقات الغرناطية القشتالية، في ضوء العلاقات التي أبرمت بين هاتين المملكتين ، مما استلزم إحاطة أبي عنان بمجريات الحوادث الراهنة، وذلك إثر شكايات كانت قد تبودلت حينئذ بين غرناطة وقشتالة.
وقد وردت هذه الرسالة غير مؤرخة، ولكن تاريخها-لمضمونها- يحتمل أن يكون خلال عام 1344م.

وها هي الوثائق الثلاث:
الوثيقة الأولى

ومنها: مراجعة كتاب فارسي(1)، يعرف بما كان من استقامة أحوال البلاد الشرقية على طاعته، بما نصه:
" المقام الذي جياد سعوده إلى الغاية القصوى ذات استباق، وأكواس  فتوحة المؤيدة بملائكة الله (28:أ) وروحه تحثها أيدي اصطباح واغتباق، وعقود حمده ذات انتظام في لباب الليالي واتساق، وآثار مجده كواكب آفاق، وأحكام وده مذاهب إجماع وأصفاق، فله-من عناية الله- واق، ومن عصمته أي رواق، والقلوب- على طاعته- ذات اتفاق، وجداول سيوفه قد آلت أن لا تبقى على الأرض شعلة نفاق. مقام محل أخينا الذي قضايا سعده وجودية منتشرة، ورياح نصره مبشرة، ووجوه الدين- بما يتيحه الله لملكه المكين من النصر والعز والفتح المبين- مستبشرة، وقدرة عزمه وصفات كماله على توحد جماله متكثرة، ونهار نصره آية مبصرة، وأقلام اللوح المحفوظ عند قسم الحدود والحظوظ مطلية لا مختصرة، وموارد العيش الهني لملكة السني باردة خضرة، السلطان الكذا (أبو عنان فارس)، ابن السلطان الكذا (أبي الحسن علي)، ابن السلطان كذا (أبي سعيد(2) أبقاه الله ناصر الكلمة العليا بمهد منها الايالة، ويؤسس لها الجلالة، ويستدر من صنع الله الزيادة والانالة. معظم مقامه التعظيم الذي لا يبرح، وناشر كماله الذي طيور حمده في روضات مجد، الدهر تسرح، وجياد ثنائه في ميدان علائه تمرح، وأقلام اطابة ذكره في صحف فخره تسهب وتشرح.
سلام- كما تأرج غب السماء زهر، وفاض للصبح على دوحة الليل نهر، يخص مقامكم الأعلى، ومثابتكم الفضلى، ورحمه الله بركاته.
(28:ب) أما بعد حمد الله الذي جعل الفتوح لملككم السعيد ديما تطوف وتنثال. والصنائع عجائب تضرب بها الأمثال. وروى نصلكم في ولائه النصر العزيز، والصنع الوحي الوجيز. حديث أطعمني وسقاني. بعد أن عظم الاحتفاء والاحتفال. وسماكم فارس هذا الملك لما أدخركم لنظم منتثر السلك. فصدقت السمة ونجح المنال. فمهما رميتم غرضا أصابت شاكلته النبال، ومهما أثرتم عزما وجفت الجبال. ومهما أدرتم رأيا نجحت بعده الأعمال، ومهما خطبتم عناية من الله تسنت منها الآمال. ومهما رميتم وجهة صحب ركابكم اليمن والإقبال. والصلاة على سيدنا ومولانا محمد رسوله ونبيه الذي ختم به النبيون والإرسال. الملجأ الذي له الأفياء الوارفة الظلال، والمورد الذي هو العذب هو العذب الزلال، نور الله الذي لا يفارقه التمام- حسب وعده- والكمال، ورأيته التي لا يلحقها الدثور ولا الاضمحلال، الهادي إلى الحق وقد ارتبك الظلام واشتبك الضلال، صاحب المقام المحمود إذا اشتد الظمأ وعظمت الأهوال، والشفاعة المدخورة إذا شهدت الجوارح وحقق الحساب ودقق السؤال. والرضا عن آله وصحبه وأنصاره وأشياعه وأتباعه، فنعم الأشياع والإتباع
والأنصار والصحابة والآل، سيوف جلاده إذا اشتد النزال، وألسنة جداله إذا أعمل في الدين الحجاج وتعوطي(29:أ) الجدال، والنجوم الزاهرة من بعده في سماء دينه التي سمت منها الخلال، فبهم عرف الحرام والحلال، ووضحت المقاصد وزال الإشكال. والدعاء لمقامكم الأعلى بالصنع الذي رحب منه المجال والنصر الذي راق منه الجمال، والعز الذي لا يرومه المقال، والسعد الذي تساعده المطالع والمواضع والاجتماع والاستقبال، ولازال ملككم تضيء منه في أعداء دين الله النصال، وتخدمه البكر والآصال، ويتجدد- بينه وبين عناية الله- الاتصال. فأنا كتبناه إليكم- كتب الله لكم  فتوحا منظومة، ومنوحا بالمزيد موسومة، وصنائع في صحف الأيام مرسومة، وعناية إلاهية منطوقة ودلالتها مفهومة- من حمراء غرناطة- حرسها الله- ونعم الله واكفة، ومواهبه مترادفة، ومذاهب التشيع- على رسوم الاعتقاد بها- عاكفة، وركائب الاستعداد- بركن مقامكم الرفيع العماد- طائفة.
وإلى هذا، أيد الله أمركم، وأعز نصركم، كما شرح لشكر أنعمه صدركم، وأعلى بإضمار ما يرضيه أمركم- فإننا ورد علينا كتابكم الكريم الوفادة، العميم الإفادة، الذي رقمته أطراف اليراع، وأنهاء أصناع، وجادته سحائب الإبداع، فجاء روضة ذات ايناع، وما على الصبح غطاء ولا على الشمس قناع. تعرفون اتساق الطاعة وخطبة البلاد الإفريقية لامرتكم المطاعة، (29:ب) وما كان من دخول أشياخ  القبائل الذي سميتم في دينها أفواجا، وأن دواء السياسة الفارسية أوسع أدواءها علاجا، وملأ القلوب بها بعد الهم ابتهاجا. وأنكم أعدتم حاجبكم إلى سد مدينة بجاية، بعد القدوم عليكم بمن خلصت نيته من أعيانها، وما اعتمدتم به تلك المثابة من إحسانها، وما ضمن وليكم الشيخ أبو يعقوب بن مزنى من إصلاح شأنها ( وتمهيد أوطانها(3) وإطفاء نار عدوانها، وصرف العزائم.." ومنه: وأن تشوقتم إلى ما تزيد في هذه البلاد من الأخبار- بما يقتضيه فضلكم الباهر الأنوار- فاعلموا أن صاحب قشتالة(4) توجه في هذه الأيام إلى بلاد "جوان منويل" التي هلك صاحبها، والتبست مذاهبها، لينظر في مصرف أمرها، الذي رجعت إليه، وأحكامها التي توفقت عليه، بعد أن صالح( القند(5)) أخاه الذي كان حربا، وعليه البا، ووجه إلينا رسوله يعرفنا بعزمه على الخروج إلى منازلة حصن "دلى" المخالف لطاعته، الخارج عن حكم جماعته، ويطلب منا مددا كبيرا من الرماة والرجال، وإعانة على القتال. فراجعناه بأننا إنما نقف في المدد عندما وقع به الشرط ، وتضمنه العقد والربط، من تعيين ثلاثمائة من الفرسان يكونون في جملة أتباعه، يستظهر بهم على من يخالف من أشياعه بطول ثلاثة أشهر من العام الذي يتوجه فيه إليهم احتياجه، ويصح في تعيينه بسبب الصلح احتجاجه(30:أ) ويوم كتبنا هذا كان رسولنا إليه متوجها في هذه الأمور، والله يطلع على ما يكون فيه للإسلام سبب الظهور. عرفناكم بذلك عملا على بركم المأثور. وما يتزيد فمقامكم يطالع به صلة لسبب البر بسببه. والسلام"( الكريم يخصكم ورحمة الله وبركاته(6).

الوثيقة الثانية
ومما خوطب به (7)- قدس الله روحه- فيما يظهر من أغراض المخاطبة: 
"المقام الذي يجب إلى مرضاته التسرع، ويحق البدار إلى وصل اليد به والتبرع، ويدعو إلى الاستمساك بوده التدين والتشرع، ويخلص إلى الله في حمله ما فيه (من) (8) رضاه التضرع. مقام محل أخينا الذي نعطي أخوته حقها، ونسلك من مودته طرقها، ونشيم من عزائمه في الجهاد برقها، ونشكر غيثها وودقها. السلطان الكذا ( أبي عنان فارس المريني) أبقاه الله موفق المقاصد، منها الموارد، معمور النوادي بالصالحات والمعاهد، قائما من حقوق نعم الله عليه مقام الشاكر الحامد، ولا زالت عزائمه قاطعة بالمعاند، متلفة منه للطارف والتالد، ومكارمه شاملة للأقارب والأباعد، وأقواله وأعماله خالصة في طاعة الله الملك الواحد. معظم مقداره، وملتزم إجلاله وإكباره، ومؤاخيه في الله على إعلاء دينه الحق وإظهاره، العارف بكرم نجاره وفضل آثاره، فلان (السلطان أبو الحجاج يوسف الأول ابن الأحمر).
    
سلام كريم، طيب عميم، يخص مقامكم الأسمى، وأخواتكم العظمى، ورحمة الله وبركاته.
أما بعد حمد الله (30:ب) الذي تجبى من أفنان التوكل عليه ثمار الأعمال، وتقتنص من مطالب اللجاء إليه نجاح الأعمال، جاعل المودة في ذاته وسيلة نافعة يوم العرض والسؤال، وظلا على عباده يتكفل بصلاح الأحوال، مجازي من أخلص في وسيلة قصده بالصنع الباهر الجمال، والمنح الوافرة التي فوق الكمال. أقامتا بهذا الصقع الأقصى ندافع عداه بالبيض القصار والسمر الطوال، وندعو إلى ما فيه رضاه أهل الائتمار لطاعته والامتثال، ليصبح الأمن مديد الظلال. والصلاة على سيدنا ومولانا محمد رسوله الشفيع عند تعاظم الأهوال، والملجأ المنيع عند إعواز الاحتيال، ذي المعجزات التي استقلت عقودها كل الاستقلال، خاتم الأنبياء وسيد الإرسال، الذي نلتمس ببركته في الدنيا والآخرة من الله مؤمل الأفضال، ونحارب ونسالم عملا بمقتضى سننه في الحال والمآل، ونتمسك بأخوة من نرجو دفاعه عن دينه حتى نبلغ قصيات الآمال. والرضا عن آله وأصحابه أكرم الصحابة  وأسنى الآل، الذين كانوا في قلادة ملته مثل اللآل، وفي الاهتداء لأمته بمنزلة النجوم في الليال.
والدعاء لمقام إخواتكم الفارسية بتوالي اليمن والاقبال، ولا زالت مقاصدها خالصة في رضا الله ذي الجلال، وعزائمها يحفها التوفيق عن اليمين والشمال. فأنا كتبناه إليكم- كتب الله لكم من السعادة أوفرها نصيبا، وسلك بكم السداد(31:أ) والاسعاد مأخذا فريبا، وجلالكم من وجه العناية وجها عجيبا، وبوأكم من منازل القبول جنابا رحيبا- من حمراء غرناطة، حرسها الله، ونحن نمحض لكم الود في شاهد الأمر وغائبه، ونثني عليكم ثناء يبين قصد مذاهبه.
وإلى هذا- وصل الله سعدكم، وحرس مجدكم، ووالى النعم عندكم- فإننا تعرفنا في هذه الأيام من خدامكم الوافدين علينا  بهديتكم، ما عندكم من استدعاء الأساطيل المنصورة من محل إنشائها، والاستكثار من عدد حركاتها واقتنائها، وأن فروض العزائم شرع في أدائها، وأولياء الملة قد تذامرت على أعدائها، وحكماؤها(قد) (9) شمرت لإزالة دائها، فسألنا الله أتاحه الخيرة، وتكييف الصنائع المسرة، وبادرنا لسبر ماعندكم من التشوف إلى مالنا من الأساطيل الجهادية، والمقاصد الودادية. فإن توفر لكم في الاستعانة بها أرب، أو بان في الاحتياج إليها مذهب، نشرع في إصلاحها وتيسيرها، وننظر في إبرام أمورها، لتكون مرهفة الحد، آخذة أهبتها قبل القصد، ونعلمكم- مع ذلك- أن رسولنا إليكم في الأيام الماضية والأشهر المتقاضية فلانا، لما وصل من لدنكم أوصل في الطعام المعتاد من سلفكم- قدسهم الله- إلى هذه الجزيرة وعدا، وأنهى إليها اجتهادا في أمره وجدا، وأنكم جددتم من حسنات بيتكم عهدا، فأورينا في الشكر زندا، وأوضحنا في الثناء قصدا.
(31:ب) وقد كانت عادة والدكم- أزلفه الله إليه، وجدد ملابس الرحمة والرضوان عليه- أن يصدر عنه مكتوب بمقدار ذلك الأمداد، وتعيين موضعه من سواحل البلاد. ونحن نأمل أن تسلكوا ذلك العمل في سبيل الجهاد، وتخلدوا من الأعمال الصالحة ما يجده من يؤمل حسن المعاد. أذكرناكم بذلك على سبيل الوداد وكرم الاعتقاد. ووجهنا من يقرر لديكم ما عندنا من جميل (10) الولاء في أخوتكم الرفيعة العلاء، ويتكلم بين يديكم في هذه الأشياء، ويجري من تبيين الخلوص على سبيل السواء، وهو القائد الكذا أبو فلان، وصل الله عزته، ووالى الله رفعته. ومقامكم يتفضل بالإصغاء إليه، والقبول من ذلك على ما لديه، والسلام".

الوثيقة الثالثة
" ومن المكاتبات في الأغراض التي تخص العدو، ومحاولة أمره ما نصه:
المقام(11) لكل بصلاح الأمور نظره الجميل، ويعدلها كلما همت بأن تميل، ويبلغ هذه المستمسكة بأسبابه القصد والتأميل، ويلاحظ من مصالحها الكثير والقليل، وبذهب عن مذهب أمانها التأويل والتعليل، ويؤويها من جناب رعيه الظل الظليل.
مقام محل أخينا الذي على وداده الاعتماد، وإلى جميل نظره الاستناد، وبه الانتصار إذا وقع العناد، ومن جهته التمهيد إذا قلق المهاد، ومن تلقاء تدبيره العلاج إذا تطرق إلى كون (32:أ) الهدنة الفساد، فمكارمه قد وضحت منها الإشهاد، ومفاخره يعرفها الحسام الغضب والقنا المياد، وعزماته يدخرها الجهاد، وفضائله يعرفها العناد والبلاد. السلطان الكذا(أبو عنان)، ابن السلطان الكذا(أبي الحسن علي )، ابن السلطان الكذا (أبي سعيد المريني). أبقاه الله مؤمل النظر، كريم المخبر والخبر، كفيلا عدله يرعى المصلحة ودرء الضرر، ولازالت سعوده متألقة الغرر، ومكارمه هامية الدرر، مرجوا للنصر المنتظر، حميد المساعي مرضى السير، محروسا مقامه من الحوادث والغير. معظم قدره وملتزم بره، المطنب بملي اللسان في حمده وشكره، العارف بكبير محتده وأصيل نجده، فلان ( أبو الحجاج يوسف الأول ابن الأحمر).
أما بعد- حمد الله الواجب حمده، المتوالي أنعامه ورفده، الذي جعل التواصل في ذاته سببا لا يفصم عقده. والصلاة على سيدنا ومولانا محمد رسوله الرفيع قدره، الكريم مجده، رسول الرحمة، الذي أشرق بدعوته غور المعمور ونجده، الداعي إلى الدين القويم والصراط المستقيم الذي لا يضل قصده.
والرضا عن آله وأصحابه الذين أنجز بنصرهم وعده، ورفعت بهم أركان ملته بعد ما ضم عليه ضريحه الطاهر ولحده. والدعاء لمقام إخوتكم العالية بالسعد الذي لا يبلغ حده، والتأييد الإلهي (32: ب) الذي لا يتقلص ممتده. فأنا كتبناه إليكم- كتب الله لكم سعدا باهر الأنوار، ومجدا عالي المقدار، وصنعا تجري بمساعدته أحكام الأقدار، ويتصرف وفق إرادته حركات الفلك الدوار، وأجرى أمور هذه البلاد الغربية والأقطار من تدبيركم الحميد الآثار، ونظركم الجميل الأعمار والأخبار، على ما يقع من الإسلام  موقع الاختيار، ويتكفل بتأمين الخلال والديار- من حمراء غرناطة، والاعتماد عليكم-بعد الله- وثيق السبب واضح المذهب، والتشيع لكل كفيل للدين بنيل الارب.
وإلى هذا- وصل الله سعدكم، وحرس مجدكم- فإننا إن عقدنا سلما عقدناه بريحكم التي يحذر العدو هبوبها، وأن شئنا(12) حربا استعنا بعزماتكم التي تنال بها الملة مطلوبها، وأن ضمنا عنكم أمرا صدق الضمان، وأن وثقنا بكم إنقاد الزمان، ورأى سره الأمان. فأحوال المسلمين في هذا القطر على جميل نظركم معتمدة، وعنايتكم بها في كل يوم متجددة، فكلما توقع في أسباب هدنتها مرض عرض منكم على الأسى الطبيب، أو حذر من عدوها مكروه صرفت الوجوه منكم إلى الولي الحبيب، فوجوه لحظكم سافرة على حال المغيب، وهي وإن كانت بعيدة منكم توجبون لها بدينكم حق القريب. وأن هذا الصلح- الذي تسنى في أيامكم، وإنقاد إليه العدو بسبب(33:أ) اعتزامكم، واتصل إليه بمقامكم- تكاثرت فيه بين الفريقين شكايات، وهي إذا تكاثرت في النفوس نكايات. وأن تغوفل في حسم عللها، وإصلاح خللها، والتنزل فيها لإنصاف، ورفع النزاع في سببها والاختلاف أدت لانطلاق الأيدي، ومجازاة التعدي بالتعدي، حتى يتقلص ظلال الهدنة والمسالمة، وينتقل الحكم من الكلام إلى المكالمة، والحاجة إلى الهدنة لإخفاء (ما) (13) بها مقامكم الرفيع العماد، إذ في اقتضاء ما عين لها الآن من الآماد جبر الأعداء، وإمكان الاستعداد، بخلاف ما يستوفي- إن شاء الله- على المهل أغراض الجهاد.           
وأن سلطان قشتالة(14) ردد إلينا الرسل يطلب خلاص ناسه مما به إليه استظهروا، وقد حشدوا كثيرا من الشكايات واستكثروا، وحضروا بين يدينا، فألقوا ما يختص بايالتنا، منسوبا إلى مواضع البلاد، وما يختص بما يرجع لإيالتكم الرفيعة العماد، وطلبوا بالإنصاف مما تثبث دعواه، وخلاص كل شاك من شكواه، فبلغنا الجهد فيما يرجع إلينا من دفع الحجة التي فيها مدفع، والإتيان بما فيه مقنع، وغرم ما لزمنا غرمه، واتجه علينا حكمه، عملا بحسب التسديد الذي تتمشى به الأحوال، ويحمد فيه بفضل الله المآل، وقيدوا بتلك الجهة التي لجميل نطركم قضايا مقررة، ودعاوي مفسرة، وذكرنا لكم منها (33:ب) في مدرج كتابنا أشهرها عند الاعتبار، وأولاها بالإيثار، وسايرها كثير يقع الكلام فيه بين منتحلي الجوار، من المسلمين والكفار، وتبنى الأحكام فيها على ثبوت الآثار، ولم نجد فيها حيلة إلا مخاطبة مقامكم الرفيع المقدار، إذ وجوه خدامكم بهذه البلاد- أعزهم الله- قد تنزلوا من هذه الدعاوي منزلة الخصوم، وطال الكلام في المنطوق والمفهوم.
فنحن الآن نرغب في مقامكم الأعلى ومثابتكم الفضلى، أن يعين من بابكم من يصل الخلاص ممن يجب خلاصه، واستخلاص ما يحق استخلاصه، ممن يمضي بأمركم العلي الحق حيث تعين، ويفضل بالواجب فيما ظهر وتبين. ونعين نحن من يقوم فيما يختص بجهتنا هذا المقام، ويعين سلطان قشتالة من جهته من يروم هذا المرام، حتى يرتفع النزاع ، ويظهر للحق الشعاع، وتستأنف الهدنة والأمان الأصقاع، فما زال مقامكم يلتمس لها أسباب الرفق، ويدر لها سحائب الرزق، ويلتمس من التماس صلاحها أوضح الطرق. وبهذا النظر الذي سألناه من علاكم تتمشى الأمور: وتشرح بالحق الصدور، ويطلب بجميع المسلمين من الشكايات على ما تضمنه العهد المأثور والعقد المسطور. وملك الروم في الوقت قريب الدار، داني الجوار، يغتنم دنوه لخلاص هذه الأمور، التي يعوق عنها المطال إذا بعد مكانه، (34:أ) وشطت داره، ونزحت أوطانه.
عرضنا عليكم هذا الأمر المهم قبل أن يخيل ما عقد، وينهي ما سدد، وأنتم أكفى وأكفل، وجميل نظركم المؤمل، وعلى مقاصدكم الكريمة المعول، وقد وجهنا إلى بابكم في هذا الغرض من يشرح  الامور فيها، ويقرر المقاصد ويستوفيها، وله بها دربة وخبرة، ومعرفة مستقرة، ذلك القائد الكذا، ومقامكم يتفضل بالإصغاء لما يلقيه، والقبول على ما يؤديه، والله تعالى يبقي مقامكم سامية معالية، عائذا جميل نظره بالخير على من يواليه، والسلام( الكريم يخصكم ورحمة الله وبركاته(15)).

 

1) نسبة إلى لقب أبي عنان (فارس). وقد وردت الرسالة في نسخ الريحانة، وأن لم ينص الناسخ للكناسة على هذا.
2) راجع الوثيقة السابقة، حيث أفصح ابن الخطيب عن ملوك بني مرين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here