islamaumaroc

التنويم المغناطيسي بين العلم والشعوذة

  دعوة الحق

110 العدد

يرتبط تاريخ التنويم المغناطيسي بتاريخ علم الاضطرابات النفسية على يد«مسمر» عام ثمانين وسبعمائة بعد الألف، وان كان لا يختلف في كنهه وحالته عما هو عليه في الوقت لحاضر.
كان التنويم المغناطيسي منذ ذلك التاريخ مورد رزق ككل شيء جديد ناشئ، إلا أن الدجل كان يحوطه، مما حدا بالدوائر العلمية أن ترفض استعماله، أو الاشتغال به في محيط العلم، أو دنيا التجارب الطبية.
والواقع أن التنويم ، نشأ نتيجة الوهم الذي يسيطر على كثير من الناس، ولا يمكن التغلب عليه الا بهذا الإيحاء. إذ كثيرا ما يشكو البعض مما يقاسونه من آلام وأمراض، فإذا ما نبهوا وتبين لهم، أن هذا مجرد وهم، ثم شجعناهم على السمو على هذه الآلام، وقهر هذا الذي يشكون منه، بأن نجعلهم يعتقدون في أعماق نفوسهم، أنهم أصحاء، وأن ليس عندهم ما يسبب وجود هذه الأمراض فيهم، فإنهم لا يلبثون أن يشفوا مما يشكون منه...
وهكذا كانت تعالج هذه الحالات بهذه الطرق الإيحائية. فالتأثير في المريض واستهواؤه بخلوه من الأمراض، وبفساد اعتقاده مما يشكو منه، كانت الطرق المثلى التي يعمد إليها بعض الأطباء الأخصائيين في العلاج النفسي مع مرضاهم الذي ليس لمرضهم سبب عضوي أو غير عضوي، مما يكون ظاهر الملمس أو يحتاج إلى علاج بالعقار أو المبضع…
وتحت هذا العلاج الإيحائي، يدخل التنويم المغناطيسي، كحالة متطرفة من حالات الاستهواء، وإن كان يكثر استعماله مع المرضى الذين يصعب التأثير فيهم، وهو في حالة اليقظة، أو لا يرتضون أن يكونوا كذلك على أي فرض من الفروض...
وقد اشترط المنومون المغناطسيون لكي يتم هذا التنويم، ويأتي بنتائج طيبة ثلاث شروط أو هي ثلاث حالات:
أولا- أن يقتنع الشخص أنه سينام، لان مقاومة المريض للمنوم، تؤدي عادة إلى نتائج سيئة، أو هي وخيمة العواقب، ونجاحه إذا كان المنوم قوي العزيمة مصمما على النجاح في تنويم مريضه.
ثانيا- أن يوضع الشخص النائم في غرفة هادئة قليلة الأثاث، ويستحسن ألا يكون هناك أشخاص آخرون مع الطبيب.
ثالثا- يطلب من المريض أن يستريح على كرسي، أو يستلقي على ظهره في استرخاء تام، ثم يأخذ المنوم في عمله، حتى يتم نوم المريض.
وليس عجبا أن يستمر هذا الحال إلى وقت الناس هذا ، وان كانت قد تكونت بعد نحو قرن على ممارسته على هذه الصورة، مدرستان في فرنسا، إحداهما في «باريس» والأخرى في «نانسي» تنافستا تنافسا شديدا في استخدام التنويم، واختلف وجهتا نظريهما اختلافا كبيرا، مما كاد يؤدي إلى الفشل، أو إلى إغلاق لمدرستين بغية الرياسة، أو السبق في الاكتشافات!!
كان العالم: «شاركوه» على رأس مدرسة باريس، وهو أخصائي الاضطرابات العصبية، ينادي بأن«كل شخص يمكن تنويمه مغناطيسيا يكون مصابا بنوع من«الهستريا».
أما مدرسة«نانسي» فكان رأيها أنه يمكن أن تجري عملية التنويم المغناطيسي، على كل فرد عادي بدرجة معتدلة.. إذ أنهم كانوا في هذه المدرسة، يعتبرون أن التنويم المغناطيسي، مجرد حالة استسلام وقبول للأفكار الموحى بها، حتى أنهم قد استعملوا هذا الرأي في علاج الحالات العصبية، وان كان «تشاركوه»عميد مدرسة باريس، قد استعمل كذلك حقيقته، أو ما اهتدى اليه في فهم أصل «الهستريا» وعلاجها، والبحث عن طبيعة التنويم وماهيته.
ولقد ساعد«شاركوه» على انتشار رأيه، وذيوع تعاليمه، قدرته الفذة، وتفوقه العجيب في أبحاثه، فضلا عن اشتهار تلاميذه بالأبحاث والتجارب، وحملهم رسالة أستاذهم، والسير بها قدما في سبيل إنجاحها وريادتها وسيادتها.
والواقع، أنه برز من بين هؤلاء التلاميذ:« بيير جانيه» وتفوق على أقرانه بدراسة الاضطرابات العصبية، كما فعل أستاذه، وأضاف إليها عام تسعين وثمانمائة بعد الألف، أنه يمكن تحت تأثير المغناطيس، أن يتذكر المريض حوادث لم يكن بمقدرته أن يتذكرها في أثناء اليقظة.
واستمر«بيير جانيه» يدرس أنواعا متعددة غير «الهستريا» من الأمراض العصبية كأنواع الخوف من الأماكن المغلقة، أو الأماكن الخالية، وحالات الخجل الشديد، أو قصور النفس، حتى اكتشف أن هذه الاضطرابات تزول باكتشاف سببها الأصلي وملابساتها التي أحاطت بها، أو كانت سببا في حدوثها.
وقد ظهر بعد«جانيه» علامة آخر، هو«فرويد» الذي عاش ودرس في «فيينا» وذاع صيته من هذه العاصمة، التي أصبحت تعرف به، أو احتضنت هي علمه وتبنت نظرياته التي ضرب بها المثل، وهي عنوان الأصالة ، ومرتقب الأنظار.
كان«فرويد» يشتغل بالطب، ويهتم بالجزء العلمي منه، فلما سمع بمدرسة باريس، سافر إليها،وأعجب أيما إعجاب بأبحاثها في التنويم المغناطيسي كعلاج للهستريا.
وفي أثناء استماعه دروس«شاركوه» وإنصاته لنظراته، علقت بذهنه كلمة قالها هذا العالم، أو هي نظرية من النظريات الكثيرة التي تناولها «شاركوه» في بحوثه واستنباطاته وتعريفاته: «إن أساس الاضطرابات العصبية«الهستيريا» إضراب في حياة الشخص الجنسية في الماضي».
وما من شك، في أن هذه الفكرة، أو هذه النظرية، كانت موضع أبحاث«فرويد» المستقبلة التي قلبت علم النفس رأسا على عقب، فحين عاد«فرويد »الى «فيينا»بعد سنة قضاها في باريس، وبدأ علاج الحالات العصبية، وبخاصة الهستيريا، مستعملا التنويم المغناطيسي كطريقة أساسية، وجد بعض الصعوبات في تنويم بعض الأشخاص، ثم وجد كذلك: أنه إذا نجح في تنويم بعضهم، فان البعض الآخر، لم يشف في كثير من الحالات، فدفعه هذا إلى أن يذهب إلى«نانسي»، ويتحمل المشاق في سبيل انتظامه في مدرستها، وتلقى كثيرا من دروسها..
وجد«فرويد» مذهب هذه المدرسة: أنه لا يمكن تنويم أي شخص عادي، تنويما مغناطيسيا، وأنه يمكن أن تزول الأمراض العصبية إلى درجة كبيرة بالإيحاء، تحت تأثير التنويم المغناطيسي.
ولكن«فرويد» علم سر نجاح هذه المدرسة في نظرياتها من الأطباء أنفسهم الذين يقومون بهذه العلاجات- علم: أن هذا النجاح يرجع الى معالجة الطبقات الفقيرة غير المتعلمة، وهي القابلة دائما للإيحاء بسرعة كبيرة، على حين كانت عيادة «فرويد» في «فيينا» لا يؤمها غير جماعة الأغنياء من المتعلمين، ذوي الدرجات العالية من الكفاية العلمية، والذكاء النادر، وهم بالضرورة، غير قابلين لهذا الإيحاء النفسي بنفس درجة التي عليها أهل الطبقة الأولى...
وعندما عاد«فرويد» الى «فيينا»، كان عليه أن يمضي في أحد طريقين: إما أن يأخذ بتعاليم مدرسة«باريس» وإما أن يسلك نفسه في تعاليم مدرسة «نانسي»، حتى ينجح أو تكتب لنظرياته البقاء، غير أنه أخد يتأرجح بين النجاح والفشل، أو الوصول إلى القمة، أو الهبوط الى القاع، حتى تعاون معه صديقه الطبيب «روبر» وبعد جهد في دراسة كثير من هذه النظريات، توصلا إلى طريقة أوحت بها إليهما إحدى السيدات المعالجات هي :أنه عندما يتركونها لتتكلم تحت تأثير التنويم المغناطيسي عن اضطراباتها النفسية بكلام مطلق صريح، فإنها تشعر بهدوء، وتحسن في حالتها الطبيعية بع التنويم، ويمكنها كذلك ، أن تتذكر أشياء كانت منسية عن الاضطرابات النفسية، فإذا تكلمت عنها مع الطبيب، شعرت بالارتياح، وعادت إلى حالتها العادية.
وقد أجرى هذان العالمان بضع جلسات على هذه المرأة، حتى شفيت تماما من مرضها الذي لازمها زمنا طويلا، مما كادت معه أن تفقد الأمل في الشفاء...
على أن«بروبر» و «فرويد»، قد شجعهما هذا النجاح على السير في علاجاتهما للمرضى، فاتبعا التنويم المغناطيسي أولا، ثم الكلام المطلق، وهوا لمسمى«بالنفيس العقلي»- ويظهر أن الحوادث التي تسبب الاضطرابات ويخزنها صاحبها لا شعوريا في داخل عقله، تنبعث من رقادها مرة ثانية تحت تأثير التنويم المغناطيسي.
لكن لم يلبث «فرويد» و «بروبر»، أن أوقفا استعمال هذه التجربة الناجحة وعدلا عنها، الى طريقة أخرى ، أجريا تجاربها وثبت جدواها، وهي طريقة التنويم دون الكلام المطلق الذي كان يأتي عقب استسلام المريض، وإفضائه بما ينطوي عليه صدره أو يختلج داخل نفسه.
ولعل سائلا يسأل عن سر عدول هذين العالمين عن نظريتهما الناجحة، أهو التحول من نظرية الى أخرى، أو إثبات علمهما بأكثر من نظرية، أو عدم التقيد بنظرية سابقة، ليس لهما فضل ابتداعها أو استنباطها..؟؟
يجيب«بروبر» عن سبب هذا العدول عن هذه النظرية، بأن السيدة المريضة بعد أن شفيت، أخبرته بأنها لا يمكنها أن تفارقه، ولا يمكنها كذلك أن تبتعد عنه، لحبها له وتعلقها به!!
ومن العجيب أن هذه الحادثة عاشها«فرويد» أيضا مع إحدى السيدات المريضات، وشعر بحبها له، وسيطرتها عليه، وإن كان«فرويد» لم يمكنها من أن تشغله عن ما هو بسبيله من البحث والدرس والاجتهاد والاستنباط...
وليس يخفى، أن التنويم المغناطيسي، قد لعب دورا هاما في تاريخ البشرية على يد علماء متخصصين، وإن كان قد دخله كثير من الدجل، أخل به، وأخرجه عن رسالته، وباعد بينه وبين نفعه كعلم، خطا خطوات واسعة ناجحة في علاج كثير من الأمراض النفسية المستعصية التي حار فيها الطب، وتعثر فيها كثير من الأطباء!!
على أنه أتى بعد«فرويد» علماء وأطباء، حملوا الرسالة، وساروا بها واستحدثوا كثيرا من النظريات، إلا أنه أخرجها عن وضعها الذي استحدثت من أجله، الجهلة المشعوذون الذين يمشون في الأسواق، ويأتون«بالبهلوانية» أمام السذج من الناس!!

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here