islamaumaroc

حول زيارة الوفد المغربي للاتحاد السوفياتي والجمهوريات الإسلامية

  دعوة الحق

110 العدد

كانت المهرجانات الدينية الكبرى التي احتفل بها المسلمون في هذه السنة بمناسبة مرور أربعة عشر قرنا على نزول القرءان الكريم منطلقا لبعث جديد، ووعي رشيد، وإيقاظ همم المسلمين، وشد عزائمهم، وتحريك سواكنهم للنظر في أحوالهم، والعمل على ترقية شؤونهم للسير قدما في مواكب الحياة الراكضة التي يتطلبها الكون، وتقتضيها مستلزمات التطور والانعتاق، ولا سيما في هذه الظروف الحاضرة التي انفجرت فيها المخاطر من حول العالم الإسلامي، وتواثبت الخطوب على جوانبه، وتفاقمت النوازل في أطرافه...

وقد اتخذت حكومة صاحب الجلالة نصره الله وأيده مستنيرة بهديه وإرشاده من هذه السنة، سنة القرءان، احتفاء بذكراه، وتخليدا لأمجاد الإسلام، وإعظاما لما قام به رجاله الأفذاذ، وقادته الأماثل، الذين أعطوا المثل الأعلى في صلابة العقيدة، وصدق لنية، وقوة الإيمان، من فتوحات ظافرة، التفت لها الدهر، ومواقف حاسمة، دوخت العالم، فكانت شجى في حلق الحاسد، وقذى في عين من أضله الله على علم، وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة.

وهكذا احتفل المغرب المسلم بهذه المناسبة المجيدة الدينية احتفالا يليق مع جلال الذكرى، وقدسية المناسبة، وروعة المقام، حيث مرت في جو تغمره العظمة والعبرة، ويحفه الطهر والصفاء، فاستدعى رجالات الإسلام من جميع جهات الدنيا، وأصقاع المعمور ليجددوا ما اندرس من عهد، ويؤكدوا مواثيق يتعزز بها الدين، ويسود المجد، ويتم النور، ويتحول المسلمون جميعهم إلى منزلتهم الأولى من صدر الحياة.

ومن أحق في البلاد الإسلامية من المغرب وملكه بالاحتفال بهذه الذكرى التي جمعت القلوب المخلصة على حماية الدين، وقيادة النفوس المومنة إلى نصرة الحق، ومحاربة الأعداء الكائدين الذين لا بد من أن يدركوا وبالأمرهم، وداء بغيهم وعتوهم وعنادهم، فيخروا للأذقان ضارعين، صرعى لليدين وللفم.

وقد حضرت وفود إسلامية تمثل مختلف الأقطار من جميع جهات العالم لتشارك المغرب احتفاله بهذه الذكرى، ولتقيم وحدة متماسكة الوشائج، وثيقة العرى، تستمد أسسها من كتاب الله الذي جعل  من المسلمين خير أمة أخرجت للناس، كما حضر فيمن حضر من رجالات الإسلام وفد يمثل مسلمي آسيا الوسطى والاتحاد السوفياتي برئاسة سماحة الشيخ السيد ضياء الدين ابن المفتي ايشان ابابا خان مفتي مسلمي آسيا الوسطى وقازاخستان.
وعقب هذه الاحتفالات الدينية الكبرى وجهت حكومة الاتحاد السوفياتي دعوة إلى وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية للقيام برحلة إلى الاتحاد السوفياتي والجمهوريات الإسلامية بها.
وتلبية لما توجبه الروابط الدينية والتاريخية من التواصل والتعاطف والمجاملة، فقد قام وفد مهم يضم خيرة رجال الفكر والثقافة، وحماة الدين والفضيلة لزيارة الاتحاد السوفياتي والجمهوريات الإسلامية لقي فيها من الحفاوة البالغة، والإكرام الجميل ما يحفى القلم دون توفيته بعض حقه.
وترأس الوفد الذي عينه صاحب الجلالة والمهابة نصره الله وأيده معالي وزير عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية الأستاذ الحاج أحمد بركاش، وعضوية الأساتذة السادة:
عبد الرحمان الدكالي
عبد الله كنون
عبد الكبير الفاسي
محمد بنعبد الله.

كما انضم الى الوفد سعادة سفيرنا بموسكو الأستاذ عبد الهادي الصبيحي.
                                                  ***    
ويعتبر موقع الجمهوريات الإسلامية في أسيا الوسطى من أعظم المواقع، ومسقطها من أكرم المساقط، وعدتها الممكنة من خير العدد، فقد كانت هذه البلاد الشاسعة الأطراف في آسيا الوسطى والتي كانت تعرف فيما قبل بالتركستان، مهدا لرجال الدين الصحيح، والعلم الناضج، والفن الأصيل، ومنبت العزة والاستقلال الصريح، وموطن الحرية والكرامة والسيادة الكاملة، كما كانت أيضا مركزا للدول المستقلة الحرة، والإمبراطوريات التي سارت بذكرها الركبان طوال العصور المتعاقبة قبل ظهور فجر الإسلام وبعده.

هذه الأمة التركستانية ظل مسلموها- في مختلف العهود- يكافحون ويناضلون، ويشرحون صدور الناس للإسلام، ويخوضون الصعاب والأهوال، لتثبيت دعائمه، وتركيز أسسه وقوائمه، فكانوا منبت الأنفة والاباء، ونقطة التحول، ونواة الإصلاح، ومصدر الخلاص.

وكيف لا يتم لهم ما أرادوا وأجدادهم الفاتحون، الغر الميامين، لم يقف أمام تحقيق غايتهم رعن الجبال، وشم الوهاد، ومناعة الأرض، وبعد الشقة، وقسوة المناخ، لقد طلبوا الموت وفتحوا له صدورهم، فوهبت لهم الحياة، وسادوا الدنيا عندما طلبوا النصر المؤزر من السماء.

وكفى هذه البلاد العظيمة فخرا ومجدا أنها اجتمعت فيها من المؤسسات العليا للعلم والعرفان في مختلف العصور ما عز نظيره في غيرها من الأقطار، فقد كان تيار العلم متدفقا من بخارى، وسمرقند، وفرغانة، ونسف، وترمذ، وخوارزم، وطشقند، وبلخ التي أصبحت مراكز علمية مشهورة يشع منها نور العلم والحضارة في العالم اجمع، ويتدفق منها ينبوع الفكر الإسلامي إلى الشرق والغرب أجيالا وأجيالا.

وهل لنا أن نعدد طبقات العلماء والفقهاء الذين كانوا هداة مرشدين جادت بهم هذه الأرض المعطاء، وقمما عليا تهدي الإنسانية الحائرة في بيدائها، ومنائر شامخة يهتدى بها في دنيا الفكر والدين والثقافة.

وحسب هذه الأقطار الإسلامية فخرا أولئك الأعلام الذين رفعوا للإسلام لواء، وللعروبة مجدا، وللإنسانية مشعلا، كقثم بن العباس عم رسول الله (ص)، والإمام الحافظ الحجة أمير المومنين في الحديث، أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري. والترمذي. والإمام الكبير محمد بن إسماعيل القفال صاحب محاسن الشريعة. وولده أبي القاسم الشاسي صاحب التهذيب، ونظام الدين الشاسي، وابن الهيثم بن سعيد الشاسي صاحب المسند في مجلدين والمشهور بمحدث ما وراء النهر، وجار الله الزمخشري، ويوسف السكاكي، وعبد القاهر الجرجاني، وسعد الدين التفتازني، والعلامة السيد الشريف الجرجاني، وشمس الدين السرخسي صاحب المبسوط، وعلي بن أبي بكر المرغيناني صاحب الهداية، وعبد الله بن احمد النسفي صاحب التفسير، وأبي منصور الماتريدي إمام أهل السنة، وأبي بكر الخوارزمي الكاتب الأديب، والشطرنجي الصولي الأديب المعروف وأبي النصر الفارابي المعلم الثاني، والشيخ الرئيس علي ابن سينا، وأبي زيد البلخي، وبني موسى بن شاكر، وأبي الريحان البيروني الذي علم المسلمين فلسفة الهند وعلومها، والجوهري الذي أهدى إلى الأمة العربية معجمه اللغوي.
اولئك آبائي فجئني بمثلهم        اذا جمعتنا يا جرير المجامع

                                           * **   
ولما اضطرب المسير، وأبطأ التقدم، وتعثرث الخطى جادت هذه البلاد المباركة، كدأبها، بأبطال كماة، أرادوا وصل ما أمر الله به أن يوصل، فتنفس بهم العمر في ميادين الجهاد والجلاد، ومحاربة الظلم والطغيان والفساد، كالإمام المجاهد الكبير الشيخ عبد القادر شامل القوقازي وغيره ممن جاهدوا في الله حق جهاده، فاشفت بهم التضحية والإقدام على شفا الموت والهلاك، فخلدوا وقائعهم الناصعة بالتضحية والإيثار على صفحات الخلود، فكانوا- بحق- رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه، بعد ما ابلوا بلاء حسنا في الذياذ عن كرامة الأوطان وحرمة الكيان، وعزة الماضي المجيد، والدفاع عن الحاضر الملح.
                                  
ومما شرف الوفد المغربي أنه حمل معه في هذه الزيارة المفيدة هدايا تتضمن مجموعة من الكتب الإسلامية التي أنجزتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وفي مقدمتها المصحف الكريم الذي أمر مولانا صاحب الجلالة نصره الله وأيده وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بانجازه وطبعه، كهدية منه حفظه الله إلى مسلمي تلك الأقطار النائية الذين تقبلوه بصدر رحب، وحفاوة بالغة، ودموع حرى تشي بما يجول في قلوبهم من صدق النية وبرد اليقين، وحرارة الإيمان.

ومما يدعو إلى الاعتزاز والفخر-أيضا- أن المشرفين على الإدارة الدينية لجمهورية عزبكستان هم من الطلبة المتخرجين من جامعة القرويين العامرة الذين ربطوا حسن العلاقات الطيبة بيننا وبين المسلمين هناك.

والحقيقة أننا لم نكن نتصور المسلمين الذين تشرفنا بزيارتهم وسعدنا بلقياهم يمارسون شؤونهم الدينية بالصورة التي رأيناهم عليها في مختلف المساجد التي قمنا بزيارتها مما أثلج صدورنا، وأفعم قلوبنا أملا ورجاء، ولكن ذلك غير كاف... فللإدارة الدينية مجال رحب الحدود للقيام بتوسيع الدروس الدينية على أوسع نطاق حتى يعم نفعها بين المسلمين، ولا سيما بين الأحداث.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here