islamaumaroc

أين نضع الشعر؟

  دعوة الحق

110 العدد

هناك أشياء كثيرة نعرف بدقة أين نضعها من حياتنا، بل نعرف أحيانا أين نضعها من الزمان والمكان. فأنا اعرف مثلا- وكذلك الآخرون- أن مكان الساعة اليدوية، هو معصم يدي اليسرى، كما أعرف أن موضع الكتاب بعد الفراغ منه، هو أحد رفوف المكتبة، وكما تعرف أنت أن وقت ذهابك صباحا الى مركز العمل، هو الثامنة، بنفس الدقة التي نعرف بها جميعا المكان المناسب لباقة اشتريناها من الورد، أو تحفة فنية اقتنيناها من متجر، أو حصلنا عليها بالمزاد العلني. والأمر كذلك بالنسبة لكثير من الأمور المعنوية فقد نعرف المناسبات التي علينا فيها أن نظهر مغتبطين مسرورين، والمناسبات التي علينا فيها أن نظهر متألمين بادي الكآبة والانقباض. فنحن إذ نجد أنفسنا  في حفل زفاف- مثلا- نشعر أن علينا أن نضع ابتسامة على وجوهنا، كما أننا إذا احتوانا مأتم، نشعر بأن لا موضع للابتسامة فيه، ولا بد من تقطيبة أو تكشيرة إذا لزم الأمر..!ويلاحظ ذلك أيضا في بعض مواقفنا الأخرى. فالقصص العائلي أنسب وقت له الليل لا النهار، ومعلم الفصل يدرك جيدا أن أليق عقاب بدني للتلميذ، هو عرك الأذنين، أو الانهيال على اليدين الصغيرتين بالمسطرة... ولو أبي ذلك القانون المدرسي...
نعم كثيرة هي الأشياء التي لا نجد أدنى صعوبة في وضعها من حياتنا موضعها الملائم، ولكن قد نصادف أشياء أخرى تجعلنا في حيرة شديدة، إذا نحن حاولنا أن نفعل معها نفس الشيء. فنحن نحار – مثلا- إزاء بعض من نعرفهم من الناس، هل نضعهم في صف أصدقائنا المخلصين، أو نضعهم في صف أعدائنا الألداء. ونفس الحيرة نقع فيها عندما يعرض علينا أحدهم صداقته، ونحن شاعرون بعدم الرغبة فيها، هل نضع حدا لذلك، أو نجاريه ولو بكثير من التكلف والنفاق. وقد يقع لك مرة أو مرات، أن تتعرض لأزمة ضمير، فتعاف القيم المادية، وتود أن لو كانت الحياة كلها شرفا وفضيلة ونفحات روحية، إذا بفرصة مادية تسنح لك ، على حين غفلة، فتحار أين تضع نفسك بين الاتجاهين المتعارضين.
وهذا ما يحدث لنا بالنسبة للشعر بالضبط. والحق أن الناس في مواقفهم من الشعر ينقسمون الى ثلاثة أقسام: هناك قوم لا مشكلة عندهم بالنسبة الى هذه القضية. فالشعر عندهم هو الحياة وهو العيش، وهو الهدف الأول والأخير، وهناك قوم آخرون عادوه على طول الخط، ونفضوا أيديهم منه، وهؤلاء أيضا لا مشكلة عندهم. ولكن هناك طائفة ثالثة، ولعلها هي التي تكون الأغلبية من المثقفين، تحار أين تضع الشعر من حياتها، هل تعده ترفا زائدا، تشعر بالحاجة إليه وقت فراغها وأنسها واستغراقها لذاتها، أو تعده جدا كل الجد، وشيئا يرتفع الى مقام الضرورات؟ وسواء اتخذت الموقف الأول أو الثاني، فهي دائما تجد من الحجج ما تبرر به موقفها. فإذا هي اعتبرته ترفا زائدا ، فذلك لأنها تعطي الأسبقية للطعام واللباس والدواء والسكن، وإذا هي اعتبرته شيئا ضروريا، عادت به الى متطلبات الفطرة، وأصل التكوين الإنساني، الذي يحتوي على جانب روحي، يحتاج الى نوع خاص من الغذاء المتمثل في الفن والشعر.
وأنا لا أريد من وراء هذا الحديث، أن أتعرض لاختلاف الناس في الزوايا التي ينظرون منها الى الشعر، بقدر ما أريد البحث في المكان الذي يضع فيه الشعر نفسه من حياة الإنسان عامة. فأنا أعرف أن هناك من يضع القصيدة الشعرية موضوع العطور الغالية، والتحف النادرة، والزهريات الجميلة، والمناديل الحريرية المطرزة، ومن يضعها موضع الهواء للرئتين ، والنور للعينين، ومن يضعها موضع أدب اللياقة، وفن المحادثة، وقواعد السلوك الرفيعة، فلا بد من حفظ أبيات لابن زيدون، وأخرى لأبي نواس مثلا، كما لابد من معرفة شيء عن السياسة، وشيء عن التعيينات الوزارية الأخيرة، ولابد من حفظ عبارات منسقة بارعة، لتلقى في آذان السيدات في محفل عام، ومن الإلمام بأحدث الأزياء، وأطرف أخبار نجوم السينما... وهناك من يرى في الشعر رأيا آخر، وينظر إليه نظرة تختلف عن كل ما تقدم، ولكن هذا لا يهمني أساسا في هذا الحديث، لأنه ليس من شأنه أن يقدم في حقيقة الشعر ومكانه الطبيعي من الحياة ولا أن يؤخر. ومن المعلوم أن الشعر لا يتقدم من حيث يقدمه بعض الناس، ولا يتأخر من حيث يؤخره آخرون، وإنما طبيعته هي التي تحدد له موضعه الطبيعي من حياة الإنسان، فإذا زحزحه إنسان بعد ذلك عن موضعه الطبيعي، لم يكن معنى ذلك أنه تخلى عن موضعه الذي وضعته فيه طبيعته، وإنما معناه أن الإنسان هو الذي غير موضعه منه، أما الشعر فلا زال في موضعه. ولو كان الأمر بالعكس، لكان ذلك مخالفا لطبائع الأشياء، فنحن نخالف قوانين الحياة، حين نزعم- مثلا- أن العقيدة الدينية لا تهمنا في شيء معتقدين أننا بذلك قد غيرنا موضع الدين من حياة الإنسان. فللعقيدة الدينية موضعها الذي لا يمكن ان يتغير أبدا، بدليل أن الناس يكفرون بالدين أو يومنون به، والدين هو هو في موضعه المناسب، آمن به من آمن، وكفر به من كفر، فلا إيمان المؤمنين يزيد الدين شيئا على حقيقته في ذاته، والكفر ينقص منه شيئا كان فيه،  بل الدين هو الدين، في جوهره، وفي موضعه، ونفس الشيء يمكن أن نقوله بالنسبة الى الشعر، مع وجود الفارق بينهما، إذ الدين من صنع الله، أما الشعر فمن صنع البشر.

فأين نضع الشعر من حياة الإنسان؟.
قد أكون في نظر القارئ منهما، وقد يكون من حقه أن يسألني هكذا:
أما قلت أن طبيعة الشعر هي التي تحدد له مكانه من حياة الإنسان؟ فكيف تخالف ما قررته لتفرض له موضعا خاصا؟ وهل من المفروض أن تكون وجهة نظرك نفس ما تقضي به الطبيعة؟ لو بدا للقارئ أن يعترض على هذا الشكل، لكان جوابي أني أدعوه الى أن يشاركني التفكير في هذه القضية، فأنا لم أكون فيها رأيا بعد، تاركا البحث يسير سيره الطبيعي،دون تعسف مني، أو بعبارة أشد وضوحا، أترك طبيعة الشعر نفسها تحدثنا عما قررته للشعر من مكانة في حياة الناس. وعلينا حينئذ أن نلاحظ ونراقب، ونتتبع خطواتها من غير تسرع لإعطاء فكرة ما، إلا بعد ما يكون البحث قد وصل الى نتائجه الطبيعية.
والآن لنعد الى طبيعة الشعر، وليكن الشعر نفسه دليلنا الى طبيعته حتى نكون واضحين قدر الإمكان. خذ هذا المثال كنموذج صالح:
يا خليلي تيمتني وحيد                
غادة زانها من الغصن قد
وزهاها من فرعها ومن الخد         فهي برد بخدها وسلام 
ففؤادي بها معنى عميد               
ومن الضبى مقلتان وجيد
ين ذاك السواد والتوريد              وهي للعاشقين جهد جهي

فهذا الشيء الذي ندعوه شعرا ليس شيئا مجسما قابلا للرؤية أو اللمس، أنه ليس كتلك الزهرية أو كتلك الباقة من الورد التي نعرف أين نضعها دون ان نحتاج الى تفكير، لان العادة أغنتنا عن ذلك، وإنما هو شيء معنوي، وأظنك توافقني على أن ( الشعر) في تلك الأبيات ليس هو المسافة التي تشغله في صحيفة من الورق، ولا في الحجم الذي تأخذه بوصفها مجموعة من الخطوط المتجاورة، وهذا ما نريده بقولنا عن الشعر أنه شيء معنوي. ثم هو ليس من قبيل الأمور المعنوية المجردة عن أية صفة حسية، إذا صح أن في حياتنا معنويات لا علاقة لها بالحس. وحسيته ومعنويته لا سبيل الى فصل أحدهما عن الأخرى ، إذ هما يكونان جوهرا واحدا لا يفهم إلا بمجموعه.
                                      
فإذا عرفنا هذا بقى علينا أن نعرف أنه ليس من قبيل جميع الشؤون المعنوية والحسية، فهو مقيد بقيود فردية، على حين أن منها ما تغلب عليه صفة العموم، من الأفكار والمسافات والأرقام والاحجام ومقاييس الزمان والمكان، والألوان والروائح والقامات والقوانين، كلها تغلب عليها صفة العموم، على حين أن الشعر مقيد بالقيود الفردية، وهذا لا يسلبه طابعه الإنساني العام، فكل عمل شعري أصيل، لا يخلو من العناصر الانسانية العامة، التي  تضمن له الرواج بين الناس وتجاوبهم معه. فالشعر إذن معنوي، حسي، خاص، عام. وهو أيضا خلق وابتكار، بمعنى أن ما يتكون منه من كلمات قد رتب على نحو روعيت فيه الجدة والطرافة. ولعل أن يعيننا على معرفة الموضع الملائم للشعر في حياة الناس.
فإذا كان الشعر أمرا معنويا وحسيا، اتصل بوجهي حياة الإنسان، الروحي والمادي، بحيث يرضي مطالب كل منهما . فنحن إذا كنا شعراء، نلتمس في الشعر تنفيسا عن شؤوننا التي امتلانا بها، وأخذنا بروعتها وغرقنا في جنتها أو نارها، كما أننا نركب كثيرا من الصور الحسية كما نودها أن تكون، أو نعمد الى الصور الواقعية فنخلع عليها من أنفسنا ما يسمو بها الى مستوى الأشياء الخالدة في هذا العالم.
وإذا كان الشعر خاصا وعاما، فهو بخصوصيته يكون هو الذات نفسها مشعة في صور فنية، وهو بعموميته يجعل تلك الذات الموضوعة في قالب الفن، شيئا مشاعا بين جميع الناس، من حقهم النظر الى محتوياتها دون أن يتهمهم أحد بالفضول، وذلك على حسب الجانب الذي كشفه الشاعر من ذاته.
ونخلص الى أمر لعله أن يكون نتيجة منطقية سبق، وهو أن موضع الشعر من حياة الإنسان، هو موضع الإنسان نفسه من الكون الذي يعيش فيه.
فإذا نحن عرفنا موضع الإنسان من الكون، عرفنا موضع الشعر من حياة الإنسان. وسوف لا نتعب في معرفة القضية الأولى. فالكون هو مجال نشاط الإنسان، لم يترك منه زاوية ولا شبرا واحدا إلا وكان له فيه موضع لقدم، أو مكان لآلة، طافه جوا وبحرا وبرا، وهو الآن بسبيل استكشاف الحياة في الكواكب الأخرى، وكذلك الشعر، لم يترك عاطفة الانسانية إلا وعبر عنها، فجميع هموم الإنسان وقضاياه وغرائزه وخواطره ووساوسه، قد صاغها أناشيد عذبة، ترتل وترتل الى آخر الدهر. والإنسان يأخذ مواد هذا الكون الطبيعية، فيحولها بأنواع من المهارات الخاصة الى أدوات وآلات ومخترعات، ثم يردها على الحياة والكون، لتكون ناطحات سحاب، وبواخر تمخر عباب البحار، وطائرات تجوب الفضاء، وصواريخ تعبر القارات، وكذلك الشعر بالنسبة لحياة الإنسان، يأخذ مادته الخام من عواطف الناس وخواطرهم وأفكارهم، فلا يلبث أن يحولها بمهارة من نوع خاص، الى ملاحم تحكي الحروب، وقصائد تصور صبوات النفوس، وأناشيد تشف عن صفحات القلوب، ثم يردها على الحياة لتكون ثقافة للشعوب، وعنصرا من كيان الحضارة، وقوة دافعة للحياة الانسانية.
والإنسان يطور الكون، أو يطور هذا الكوكب الذي يسكنه على الأصح، فطرق تفتح، وقناطر تمد، وسدود ترفع، وموانئ تشاد، ومدن تعج بالعمران، والشعر أيضا يطور حياة الإنسان، أو على الأقل هذه الناحية التي يملك عليها حق السيطرة، وهي صلة  الشخصية الانسانية بالعالم المحيط بها، حيث يهبها مجموعة من القيم، ويركز فيها عددا من المبادئ، آخذا بيدها في معارج الرقي الروحي. وقد تدين حياة الإنسان المادية نفسها في تطورها لعامل الشعر، فكثيرا ما كان الشعر خلف الحركات التاريخية الهامة، التي غيرت من مصائر الناس، وبدلت وجهة حياتهم.
والإنسان كثيرا ما يتعرض لغضبة الكون، فتغرقه الأمطار الطوفانية، وتهز الأرض تحت أقدامه الزلازل العاتية، وتهلك حرثه وماشيته الفيضانات الطاغية، ولكنه لا يستسلم، وإنما يقاوم، الى أن يخرج من الكارثة أوفر ما يكون ثقة بالنفس، وأملا في المستقبل. والشعر هو الآخر كثيرا ما يتعرض لهزات عنيفة، تكاد تطوح به بعيدا، لولا أن ذلك مخالف لطبيعة وجوده، وصلته بحياة الإنسان، فهو قد يعرف ألوانا من الكيد، وفنونا من الحرب، باسم العلم تارة، وباسم الفلسفة حينا، وباسم الأخلاق طورا، وباسم الإصلاح الاجتماعي طورا آخر، ولكن الشعر يخرج من هذه الأزمة أخيرا وكله حياة وتوثب واستعداد للنضال.
وكل ما في الكون من عناصر الطبيعة ومظاهرها، إنما هو تعبير عن ارداة عليا، هي المهيمنة عليه، والباسطة ظلها فوقه، لهذا أمرت الأديان السماوية بإجالة النظر في ملكوت السماوات والأرض، قصد الاهتداء الى حقيقة الحقائق وجوهر الأشياء، وقد جاء التعبير متنوعا ما بين أجرام سماوية تبهر بجلالها وعظمتها، وبحار عظيمة تطوق العالم، وجبال رأسية تهزأ بمرور الزمان وتعاقب الأحداث، وأصناف من الحيوان، وألوان من النبات، هناك التعبير الذي يروعك ويخيفك، ويملأ نفسك  من فزع واضطراب، والتعبير الذي يأخذك بجلاله، ويحيطك بعظمته، في غير ما تخويف ولا ترويع، والتعبير الذي يهمس لك ويناجيك ويملا عليك دنياك بجميل الأطياف وروائع الخواطر ومونقات الأماني. وكذلك الأمر بالنسبة الى الشعر في علاقته بحياة الإنسان، تعبير قوي بليغ عن الشخصية الانسانية في حياتها المضطربة المتقلبة، في بأسها وأملها، في ضلالها واهتدائها، في شكلها ويقينها، وفي ارتفاعها الى الآفاق المشرقة، وفي انحطاطها الى المهاوي السحيقة، وهو تعبير متنوع أيضا، منه ما يروع، وما يعجب، وما يدغدغ ويداعب، لان طبائع النفس الانسانية أكبر وأوسع من أن تخضع للون أو ألوان محدودة من فنون التعبير.
ثم أن الإنسان يشعر بنوع من التحدي لهذا الكون، يغالبه ويصاوله ، ويعرب من جراء ذلك عددا من الانتصارات وعددا من الهزائم، وأثناء ذلك يزداد معرفة بنفسه، وبإمكانياته ، وطاقاته، وما فيها من عناصر القوة ونقط الضعف، لان الصراع يكشف عن معدنه، ويظهر ما فيه من عنصر أصيل وعنصر زائف، وكلما ازداد صراعه كلما ازداد قربا من هذا العالم في أسراره وغوامضه، وينتج عن هذا ازدياد محبته له وتفانيه فيه، لان الإنسان صديق ما يعرف، عدوما يجهل. ونفس الشيء يصدق على الشعر في علاقته بحياة الإنسان. فهي تتحداه وهو يبادلها نفس التحدي، تتحداه بأسرارها ومخبآتها، ومجالاتها الواسعة، وآفاقها الشاسعة، ومعانيها اللانهائية، وقضاياها اللامحدودة، ويتحداها بفنه وبراعته وذكائه وبيانه.  فهو صراع يزيد الشعر إدراكا لإمكانياته وطاقاته، وطبيعة الدور الذي خلق ليلعبه في هذه الحياة. وكلما تقدم الزمن على هذا الصراع، كان ذلك فرصة للشعر، ليغوص في أعماق الحياة الانسانية، ويبلور خيرها وشرها، حلوها ومرها، فيزداد كلفا بها وإقبالا عليها، يصطفي منها الجواب التي تشوقه وتأخذ بإعجابه، دون أن يغفل النواحي الأخرى،لان الحياة كلها هي مجاله الواسع، ومسرحه الرحيب.
وهكذا نجد بين أيدينا أمثلة عديدة لم نشأ الاسترسال معها، وكلها صادقة الدلالة على أن موضع الشعر من حياة الإنسان، هو نفس موضع الإنسان من هذا الكون.
ولا يمكن أن نجد أي شكل فني آخر يشارك الشعر هذه المكانة، بهذه القوة فجميع الفنون الجميلة الأخرى مقصرة عن الشعر في هذا المضمار، لأنها لا تواجه الحياة الانسانية ولا تمتصها بنفس فعالية الشعر وتمثيله لشتى الملكات العقلية، ووضوحه النسبي، وتمثله لحقائق الأفكار، ودقائق الفلسفات، وتأثيره في الأحداث، وتصوره لأنماط الحياة في المستقبل، وسرعة استجابته للوقائع، وقابليته للتعبير ، عن أمور معينة محددة، قصد نقلها الى الآخرين، لتؤدي غرضها المقصود.
ولا يمكن للعلم أن يحتل نفس المكانة التي يحتلها الشعر، لسبب واضح، وهو أن العلم شيء موضوعي، لا تربطه بالذات هذه الرابطة التي بين العمل الشعري، والذات  الصادر عنها. فالإنسان لا يندمج في العلم بمجموع كيانه، بنفس القوة التي يندمج بها في العمل الشعري، بنفس القوة التي يندمج بها الإنسان في هذا الكون. دلني على اختراع علمي واحد، بينه وبين صاحبه من الالتحام والاندماج، ما بين القصيدة الشعرية ومبدعها، فالسيارة- مثلا-قطع من الفولاذ والصلب، تدل ولا شك، على مهارة عقلية خاصة، ولكن أين هي من ( الشخصية الانسانية) في معناها الضيق أو الواسع؟ القصيدة بجرسها ونبضها وأخيلتها وانطلاقاتها الأخاذة، تجسيم لآمال، وتشخيص لنفس، وتعبير عن كيان، لذلك كان في وسع صانع السيارة إنتاج عدد كبير من السيارات ذات النوع الواحد، دون أن تجد بينها اختلافا يذكر، ولكن هيهات أن تجد قصيدة تطابق أخرى، ولو أنصبتا على موضوع  واحد.
مكانة الشعر من حياة الإنسان، هي نفس مكانة الإنسان من هذا الكون، حقيقة واضحة ولو خاصم الشعر كل أهل الأرض، وبقى الى جانبه إنسان واحد، كحجة على صدق هذه الحقيقة واستحقاقها للبقاء.
وهناك عدد كبير من الحقائق التي ما زالت مجهولة عند الناس، وحتى العلماء منهم، ولكن الجهل بها لا يعني أنها غير موجودة على الإطلاق. ودليل وجودها أن عقل الإنسان مازال يهتدي كل يوم بل كل ساعة الى حقائق جديدة، ربما كان كافرا بها من قبل.لو جاءنا عالم وقال لنا أن من الممكن زرع قلب إنسان في صدر إنسان آخر، قبل سنوات قلائل لسخرنا منه واعتبرناه من المجانين، ولكن ها هو الطب يثبت أن في الإمكان أ، يعيش إنسان بقلب آخر، بل هو قد عاش به فعلا. وأذن فلا ضير على الشعر، إذا كان هناك عدد من الناس، لا يضعونه، حيث يضع نفسه من حياة الإنسان.
وحقيقة الشعر هذه، في علاقته بحياة الإنسان، هي حقيقة نفسية أكثر من أن تكون أي شيء آخر، بحيث لو تألب كل أهل الأرض على الشعر، باعتباره قالبا من قوالب التعبير، لما كانوا قادرين، مجتمعين ومتفرقين على محوه بصفته حقيقة نفسية لها دخل كبير في تكوين الواقع النفسي للإنسان. ومن المفروغ منه أن أشد الحقائق تأثيرا في الإنسان، تلك التي يتجاهلها ويفر منها، عوض أن يواجهها ويسلم بوجودها ويعمل على أرضائها بالطرق الطبيعية.
ولكي نزن مكانة الشعر من حياة الإنسان، يكفي أن نعرف أنه- أي الإنسان- كلما اقترب من شخصيته الانسانية، كلما ازدهر الشعر، متى وجدت العوامل المساعدة على ازدهاره، وكلما ابتعد عنها، كلما نضب معين الشعر، حتى ولو وجدت الأسباب الداعية الى تألقه. يمكنك ملاحظة ذلك بمقارنة عصر الآلة والتقنية، بالعصور التي سبقته، فهناك كانت الشخصية الإنسانية  تحتل مكان الصدارة، ونطبع الحياة العامة بطابعها الخاص، حيث كان الإنسان يحارب بالعضلات، ويعتمد في جميع الأعمال على يديه، وينجز الأعمال الحرفية بذوقه، ويختبر عناصر الطبيعة بحواسه، فاستتبع ذلك تألق الشعر وتربعه على القمة، لأنه الصق بالشخصية الانسانية، تابع لها، مشدود إليها، يرقى برقيها وينحط بانحطاطها ، يقوى بقوتها ويضعف بضعفها. وفي عصرالآلية وجبروت الحديد والصلب، تقهقرت الشخصية الانسانية، فاستغنى بالآلات عن الأيدي، وصار المصنع ينتج الملايين من الأحذية أوألوان النسيج، دون أن ترى فرقا بين أي حذاء وآخر من صنفه، أو قطعة ثوب وأخرى من نوعها، وفي الحروب أصبحت الكثرة العددية لا تغني فتيلا إذا واجهت أقلية مسلحة بأحدث الأسلحة، ويمكنك أن تضيف الى ذلك طغيان السينما على المسرح، واسطوانات الغناء على الحفلات الموسيقية الحية، فتأخر الشعر، نظرا لما أصاب الشخصية الانسانية من ضعف، لا من حيث وضعه الطبيعي من حياة الإنسان، وإنما من حيث نظرة الناس إليه. هذا مع العلم بأن الحياة الانسانية لم تعرف عصرا كعصرنا، في تجميل أنماط العيش، وتنميق واجهات الحياة، وترفيه أذواق الناس.
ولست أفهم أن يظل الإنسان هكذا عبدا للآلة، متنازلا لها عن شخصيته كانسان، لان هذا مخالف لطبائع الأشياء. ذلك أن هذا الكائن الإنساني أناني جدا، وبالغ أقصى حدود الأنانية، وهو الآن مخدر ببريق الحضارة الحديثة، مأخوذ ببهرجتها وأنواع زيتها، مبهور بلألائها وأضوائها الزاهية الألوان، وهو سيمل، وسيعود إليه وعيه بنفسه وذاتيته، ويحطم الآلة إذا رأى أنها ستحطمه، عائدا الى قواعده. إنه كمن تصدت له غانية فأنسته نفسه، وقد يكون نسى أيضا دينه وخلقه وكرامته وسمته، فجرى وراءها، ولكن ما أن ظفر بها وخبرها حتى هجرها، راجعا الى ما كان له من دين وخلق وكرامة وسمت كرد فعل ضد دواعي الفتنة التي أخرجته عن طوره. وإذن فالشخصية الانسانية لها غد مشرق حافل، وبالتالي للشعر مستقبل زاهر وغد موعود.
وقد آن لنا أن نعرف أن كل تفريط منا في حق الشعر، معناه: زيادة في عدد القصائد التي سيكون على الأجيال المقبلة أن تبدعها، أي أننا سندفعها بذلك الى أن تكفر نيابة عنا، كما يكفر كل جيل عن أخطاء الجيل السابق عليه. سيقول الشاعر الذي سيظهر بعد مرور خمسين سنة كلاما كهذا: ( لست أدري ماذا صنع آباؤنا بفرص الشعر التي كانت بين أيديهم، حسنا،علينا ملء ما تركوه من فراغ، ألا ترون أن شعرنا قد ضاع من عمره عشرات السنين، وانا ما كنا لنبدأ من هنا لو أن الجيل الماضي أدى رسالته الشعرية؟).
ونعود الى تلك الفكرة التي انتهينا إليها منذ قليل، وهي أن موضع الشعر من حياة الإنسان، هو نفس موضع الإنسان من هذا الكون، محاولين أن نعرف وظيفة الشعر الأساسية، المتلائمة مع المكانة التي يحتلها بحكم طبيعته. وما دمنا قد ربطنا بين موضع الإنسان من الكون، وموضع الشعر من حياة هذا الإنسان، فلا معدى لنا عن تبين طبيعة الصلة الكائنة بين الإنسان وهذا الكون. وقد سبق لنا أن ذكرنا جوانب من هذه الصلة، والان بودنا أن نتحدث عن الوظيفة التي تخولها للإنسان طبيعة تلك الصلة. هل الإنسان هو صانع هذا الكون؟ أم هو مجرد كائن من كائناته العديدة يختلف عنها في أشياء، ويتفق معها في أشياء؟ أهو مجرد عبد للطبيعة، تصنع به ما شاءت ولو خيل إليه وهمه أنه ناصيتها وأخضعها لسلطانه؟ أم هو سيد لها حقيقة ينفذ فيها إرادته ويتصرف في شؤونها على هواه؟ أهو صديق لها حتى لتشاركه أحلامه وأشواقه، وتتخذ من الأشكال والألوان ما يتلاءم ومزاجه وحالاته النفسية؟ أم هو عدو لها يراوغها وتراوغه، ويطاولها وتطاوله؟ أنك إذا قرأت ما ابتكره خيال الإنسان وعقله من آيات الأدب والعلم، وقفت على جميع هذه الاتجاهات والمفاهيم، التي فسر بها الأفذاذ من نبغاء الانسانية طبيعة الصلة التي بين الإنسان وهذا الكون. وعبثا نحاول الاهتداء الى المفهوم الصحيح، لتفضيله على غيره من المفاهيم نظرا لكون تلك المفاهيم خضعت لعاملين اثنين: أحدهما العصر الذي عاش فيه الأديب أو المفكر ، والثاني اللون الثقافي الغالب على فكره، فعصور الدين والنزعات الروحية والقيم المثالية، انتشر فيها نوع خاص من فهم صلة الإنسان بالطبيعة، فهي قائمة على المودة والصداقة والألفة والإعجاب،على حين أنها في عصور العلم والبخار والكهرباء قائمة على التسلط والسيادة والإرادة المطلقة. وهذا أمر طبيعي، ذلك أن الإنسان ما دام يشعر بالضعف إزاء قوة أقوى منه، فهو يلتمس صداقتها  ويخطب ودها، فإذا هو تعزز جانبه، وتعددت أسلحته، شعر بأنه في مركز القوة، وأبطرته نعمة السلام، ونعمة المال، ونعمة العلم، فصال وجال، وزعم لنفسه السيادة والغلبة. والأمزجة الفردية لها أيضا دخل في الأمر، لذلك لا نعدم أن نجد من القدماء من ينادي بسيادة الإنسان على الطبيعة، ومن المعاصرين من ينادي بصداقتها والتجاوب معها، والاندماج فيها اندماج صحبة وألفة.
ومهما يكن من أمر، ومهما تختلف وجهات نظر الفلاسفة والأدباء والمفكرين الى طبيعة صلة الإنسان بالكون والطبيعة فلا شك  في أنهم جميعا لا يختلف منهم اثنان، في كون الإنسان يتجه إليهما باحثا متطلعا مشوقا الى هتك الحجب، وحل الألغاز، شاعرا بأنه مسؤول، بل هو المسؤول الوحيد عن هذه الأرض، وفي كونه معينا بالوصول الى القوانين المتحكمة فيهما، كلفا بأن يضيف اليهما من جماله جمالا، ويضفي عليهما من نور عقله وخياله حللا قشيبة. وإذا كان هذا شأن الإنسان بالنسبة الى حياة الكون والطبيعة، ثبت عندنا أن هذا شأن الشعر بالنسبة لحياة الإنسان. فهو مقبل عليها بلهفة وشوق، لاستخراج كنوزها الدفينة، وتجلية طبائعها المتنوعة، والاهتداء الى أصولها البعيدة، وهو متنقل بها في درجات السمو والكمال، غيور على سلامتها وجمالها وصلاحيتها لتبقى دائما مصدر الأنس والحبور والسعادة، يتحقق فيها السلام والأخوة والمحبة والصداقة. أقول هذا غير ناس أن هناك من الشعراء من دعا الى الحروب ومجد القتال، وأعتبره من أسمى الفضائل والمفاخر، ولكن هؤلاء قليل، إذا قيسوا الى دعاة السلام والوئام والأخوة الانسانية.
أرأيت الى هذا التطابق بين موضع الإنسان من الكون، وموضع الشعر من الإنسان؟ تطابق في طبيعة الصلة، تطابق في الوظائف الناتجة عنها. وكل الصدمات والنكسات التي لقيها الشعر في هذه الحقبة من تاريخه ، ليس من شأنها أن تزحزحه عن موضعه قيد أنملة، ذلك أن محاربة الحقائق لا يقدم فيها ولا يؤخر، كحقائق يقوم ألف دليل ودليل على وجودها.
قد تختفي الحقيقة زمنا، وقد يجهلها الناس، وقد تتعرض للاضطهاد، ولكن ذلك كله لا ينفي أنها حقيقة، إذا اختفت في زمن، ظهرت في زمن آخر، وإذا تنكر لها قوم، اعترف بها آخرون ، لأنها حقيقة، وحقيقة فقط. ومن ثم فهي لا يمكن أن تموت، والشعر حقيقة، حقيقة كبرى خالدة، تعيش معنا، وبين أضلعنا، وفي مسارح أحلامنا، وتحت وسائدنا، وعلى وجنات حبيباتنا، وفي سماء بلادنا وأرضها، وخمائلها. وهل هناك حقيقة وصلت الى هذا الحد من الامتزاج بكياننا كحقيقة الشعر؟ وقد كان جهل كثير من الناس بالحقيقة، ماهيتها وطبيعتها وأصولها علة ظلم الناس للشعر، حيث رأوا أن ما يكون حقيقة لا يكون خيالا، وما يكون خيالا لا يكون حقيقة. طرفان متناقضان لا سبيل الى التقائهما. وهم ينسون شيئا هاما وبسيطا في نفس الوقت، وهو أن الخيال حقيقة، لأنه إحدى قوى الإنسان العقلية، ورائده في حياته، وعمدته في تصور مستقبله، وتمثل قيمه ومثله، فهل من اللائق أن يعتبر الخيال باطل الأباطيل وهذه قيمته الانسانية الخالدة؟.
لا أحب أن أذهب بعيدا وراء الخواطر التي يثيرها عندي هذا الأمر، وإنما أحب العودة الى حقيقة الشعر تلك، في علاقتها بخيال الإنسان، وعلاقة الإنسان بهذا الكون، ولحد الآن لم نعرف بالضبط، الموضع الذي يحتله الشعر بحكم طبيعته ورسالته في حياة الإنسان، وإنما عرفنا ذلك دون تحديد، ولكي نصل الى هذا التحديد  ينبغي أن نميز بين الحقيقة باعتبارها حقيقة، والواقع الحالي أو المنتظر، فلا نحكم على الحقيقة على ضوء إيمان الناس بها، أو علمهم بمقتضاها، وإنما ننظر إليها من حيث هي، فالحياة مملوءة بالأشياء التافهة، والخرافات والأضاليل الواهية، ومع ذلك لم يكن سلطانها على الناس كافيا لعدها من الحقائق، كما أن هناك عددا من الأمور الهامة التي قل أن يفطن لها أحد، دون أن يعني ذلك أنها عديمة الأهمية. بعد هذا نستطيع أن نقول كلمة عن تحديد موضع الشعر من حياة الإنسان.
لا ينبغي أن نذهب مع القائلين بأن الشعر يمثل من الإنسان جانبه الروحي، ولا شأن له بالمادة، فلست أعرف خطأ كهذا بين أخطاء النقاد والأدباء، إذ لا سبيل الى فصل الروح عن المادة، وليس هناك حاجز بينهما، ولا يمكن تصور وجود أحدهما دون الآخر، بل لا يستقيم للذهن معنى الحياة إلا بانسجام ذينك العنصرين وائتلافهما وتعاونهما. الحياة الانسانية بجميع مظاهرها وحدة واحدة، وكل جامع، وكل ألوان النشاط الإنساني متأثرة بالمادة والروح معا، حتى ذلك النشاط العلمي الجاف القاتم، الذي يخيل إلينا أنه لا يقيم للروح وزنا، نجده أحيانا كثيرة في أعلى درجات الروح، كما أنه في أرقى مستويات المادة. فذلك العالم التجريبي الذي يقضي جل أوقاته في مراكز الاختبارات العلمية، معرضا عن كثير من مباهج الحياة الحديثة الراقية، فقل أن يحضر ملاعب كرة القدم، أو يغشى قاعات السينما، أو يساهم في الحفلات الساهرة الراقصة، هو في قمة الوهج الروحي، لأنه يضحي في سبيل العلم، وكل تضحية في سبيل العلم أو في سبيل أي غرض نبيل، تعبر عن روح عالي جدير بالتعظيم والإعجاب. وذلك الجندي الذي يتطوع بوضع نفسه وحياته في خدمة العلم، فيرسل في صاروخ جهنمي الى أجواز الفضاء،غير متأكد من أنه سيعود سالما، هو أيضا في عنفوان الروح العالي الممتاز، وفي رأيي أنه لا يقل صوفية عن أي صوفي آخر، بالمعنى الذي نضعه لهذه الكلمة.
وإذن، فالقول بأن موضع الشعر من الإنسان هو الروح فقط،،  خطأ فادح، تجب التوبة منه كما يقول فقهاؤنا. ولست أدري كيف يكون الشعر مقصورا على الروح، وهو نفسه مكون من مادة هي الألفاظ.! وما هذا( الروح) الذي نكثر من الحديث عنه؟ ما عساه أن يكون؟ ما خصائصه ككائن حي؟ ما الفرق بينه وبين ( المادة)؟ أسئلة وقف العلماء وما زالوا أمامها حائرين، الأمر الذي يجعلنا نتحدث عن شيء غامض جدا، عندما نتحدث عن ( الروح) فهل الروح هو النفس أو هو شيء آخر؟ هل هو موجود الأثر الناشئ عن قيام الأعضاء بوظائفها الطبيعية؟  فكيف نصر على أن الشعر من شأن الروح وحده، والحال أننا لا نحقق معنى هذه الكلمة، ولا نستطيع أن نضع لها إطارا خاصا؟.
تناولت هذه القضية ليفهم أني عندما اتحدث عن موضع الشعر من حياة الإنسان، لا أفرق بين ما هو مادة وما هو روح، وإنما أطلق كلمة ( حياة الإنسان) لأقصد بها حياته في وحدتها وتماسكها وتفاعل عناصرها، دونما تفرقة بين جانب وآخر، لسبب بسيط، وهو أن الإنسان لا يكون ( إنسانا) إلا بمجموع العناصر التي تشترك في تكوينه العام.
ولا يفوتني التنبيه الى خطأ آخر، من الأخطاء الشائعة التي خضعت لها أنا شخصيا زمنا ليس بالقصير، وهو الاعتقاد بأن الشعر لا يتصل إلا بالجانب المثالي من الإنسان. كلا ان ذلك ليس بصحيح، فالشعر كما عبر عن الجانب المثالي، عبر عن الجانب المنحط كذلك، ولو أنا قلنا أن موضعه من الإنسان هو الجانب المثالي فقط، لكنا مضطرين الى إلغاء جزء كبير وهام من الشعر الإنساني، وهو الذي يصور الجانب السافل من الإنسان، أو الذي يصطلح على تسميته( سافلا) بلغة الأخلاق. وذلك كشعر الحقد ممثلا في فن الهجاء، في لون من ألوانه المتنوعة، وشعر السخرية والاستهزاء، وشعر الغريزة الجنسية غير المتسامية، وكلها أشعار لها كل مقومات فن الشعر، ولا سبيل الى طرحها جانبا، لكونها تمثل جانبا من حياة الإنسان، وتعبر عن شعور حاصل في لحظات نفسية معينة.
مرة أخرى أكرر أني أفهم ( حياة الإنسان) وحدة، لا فرق بين مدة وروح، بين مثالي ووضيع، ولا بين ناحية وأخرى، فكل نواحي الحياة الانسانية يتصل الشعر بها عن طريق مباشرة وغير مباشرة، ويتخذ منها مجالا لنشاطه.
وبعد، فما موضع الشعر من الإنسان على وجه التحديد؟
قبل التصدي للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من إزالة ما قد يعترض سبيل هذه القضية من التباس،، مصدره ما يلاحظ من أن هناك كثيرين من الناس، لا نرى شكليا للشعر موضعا في حياتهم، الأمر الذي ربما يبعث على الشك في مضمون هذا الحديث. فالحقيقة أني لا أقصد الحالات الفردية، بقدر ما أقصد الحالات العامة، فأنت إذا وجدت جماعة من الناس لا تهتم بالعلم، لا تتردد في إقرار العلم في موضعه من حياة الإنسان، وكذلك الأمر بالنسبة الى الشعر، فإهمال بعض الناس له، وخلو حياتهم منه، لا يطعن في صحة النظرية التي نود شرحها بعد قليل. على أننا لو توسعنا في مدلول الشعر، لم يكن في استطاعتنا تصور خلو حياة إنسان منه،  حسب ما هو مشار إليه في موضع آخر من هذا الحديث، وفي أحاديث سابقة بشيء من التفصيل.
موضع الشعر من الإنسان على وجه التحديد، هو ميله الفطري لان ( يعيش) حياته بكل أبعادها
وطعومها وألوان لذائذها، بحيث يمتصها الى آخر قطرة، ولا يترك منها معنى ولا مغزى ولا شكلا إلا وتشربه، واستنفذ معطياته.فلا شيء في هذه الحياة ألذ ولا أمتع ولا أحب عند الإنسان من أن ( يعيش) وجوده على هذه الأرض، بكل ما تحمل كلمة عيش من معاني تعشق الذات، والرغبة في إعطاء الحياة معنى ما، والهيام بفتون الحياة المادية والمعنوية، واستغلال العمر في التقلب بين أعطافها، والكلف بفتة الحواس، وما تنقله الى النفس من صور وأصداء عن هذا الكون، وتوسيع دائرة المجال الذي يشغله الإنسان من عالمه، وذلك قصد أثراء الحياة، وانتهاز فرص العيش، للثأر من الموت الذي يقف للإنسان بالمرصاد.
وكل إنسان مهما كان مستواه الحضاري إلا ويجب أن ( يعيش) على نحو ما يهديه إليه ما تهيأ له من تربية، وما قدر له من تهذيب، غير قانع من حياته بلقمة العيش، ومستراح الجسد، لذلك نجد الجياع تغنوا عاطفة الحب، والعراة أرسلوا أناشيد الحماسة، وحتى إذ لم يجدوا اللغة المعبرة الموحية، أرسلوها صيحات تثير المشاعر، وبثوها نفثات تهيج الخواطر، كيفما اتفق، وبأية وسيلة من الوسائل.
وعلى قدر ما يحب كل قوم ( العيش) بالمعاني المتقدمة ، يكون شغفهم بالشعر وكلفهم به، فلا غرو اذا كانت للشعر صولة في العصور الماضية، إذ ان الناس كانوا يتفنون في العيش، أكثر مما يفعلون في أيامنا هذه. كانت حياتهم تتميز بالبطء، ومع البطء تكون الدعة، ومع الدعة تكون الأناة في تناول الاشياء، ومع الأناة يكون التذوق المتمهل، والشرب من كأس الحياة شيئا فشيئا وعلى مهل، وهذا هو العيش في معناه الصادق. وأين ذلك مما نشهده في عالم اليوم، من سرعة جنونية تصيب الرأس بالدوار، حتى لكان الإنسان جن جنونه، فهو يتغذى في قارة ويتعشى في أخرى، وتسيطر الآلة على جميع مرافق حياته، يتخطف عيشه تخطفا وينهبه نهبا، تقوم صلاته بالناس على أساس المصالح والمعاملات المبنية على حساب صارم لا يرحم، مقام الثقة والمودة والمصافاة التي كان لها موضع بين الناس قبل اليوم. لهذا ولغيره من الأسباب انحسرت موجة الشعر، وتخلى عما كان له من سلطان . ويوم يعود الناس إلى تذوق العيش،يعود للشعر سلطانه العتيد ، وعزه القديم.
الرغبة في العيش والانغماس فيه من فرع الرأس الى أخمص القدم، هي موضع الشعر من الإنسان على وجه التحديد، وكل ما نظمه الشعراء ليس إلا تعبيرا عن تلك الرغبة، حتى بالنسبة لأولئك الشعراء الذين أظلمت الدنيا في عيونهم، وفاتتهم نواحيها المشرقة المضيئة، فعزفوا عن طيبات الحياة ومباهجها، وفرضوا على أنفسهم التبتل والشظف، لا نستثنيهم من ذلك، فهم يتذوقون العيش ويأخذون به على شاكلتهم، وإذا فاتتهم الطيبات المتاحة لغيرهم، استعاضوا عنها بالاستغراق في متاهات الظنون وأودية الخيال، بحيث تحول فن العيش عندهم من واقع حي معاش، الى مطارحات الفكر، وتهاويل الأحلام، ومذاهب العاطفة.
ودأب الإنسان أن يتذوق عيشه على هذه الأرض، بكل ما فيه من سامي وساقط، من كبير وصغير، من مادي وروحي، من خاص وعام، بكل نفس من أنفاسه، وكل اختلاجة جارية من جوارحه، وكل حركة من أنامله، وكل نظرة من نظراته، وكل خطوة من خطواته.( يعيش) عند ما يأكل ، وعندما ينام، وعند ما يلبس، وعند ما يسافر، وعند ما يسير، وعند ما يتحدث، وعند ما يتعبد، وعند ما يهوى الجنس الآخر، وعندما يتأمل، وعند ما يصادق، وعند ما يخاصم، وهكذا في كل صور حياته وأنماط نشاطه وسلوكه. وما علاقة الشعر بكل هذا؟ أنه هو الذي يعمقه، ويثريه، ويوسعه، حتى لتنقلب اللحظة الى حقبة، واللمحة الى جولة، والومضة الى شلال من نور، والعمر القصير الى سلسلة أعمار، لا حصر لمآتيها وأفاقها الواسعة.
أرأيت الى أن الشعر لا يختص بالروح دون المادة، وإنما يشمل الحياة الانسانية بمختلف نواحيها، وينطلق في جميع اتجاهاتها صاعدا معها إذا صعدت، نازلا معها إذا نزلت، دائرا معها إذا دارت حول نفسها. وهذا سر هذا التنوع الكبير الذي نجده بين الشعراء، بإضافة ذلك الى اختلاف طبائعهم وميولهم. فمن شاعر آخذ من الحياة بمزاج معتدل، الى شاعر مغرق في الحس كاف بفتنة الحواس، الى شاعر يأخذ المحسوس ليرقى به الى مستوى الاشياء المجردة، الى غير هؤلاء ممن لا يحصى عددا.
لقد كان ابن الرومي بارعا جدا عندما شبه صاحبته ( وحيد) بالعيش حيث قال:
أهى شئ لا تسأم العين منه              أم لها كل ساعة تجديد

بل هى (العيش) لا يزال- متى استعـ   ـرض-يملئ غرائبا ويفيد
منظر، مسمع، معان من اللهـ            ـو، عتاد لما يحب عتيد

نعم، هو العيش الذي لا تنتهي غرائبه، فكلما استعرضته تكشف لك عن زيد من الأعاجيب والغرائب، وما أقوى الشبه بينه وبين تلك الحسناء التي كلما جدد الشاعر النظر إليها، كلما فاضت عليه بروائع المعاني وبدائع الصفات.بيت القصيد عندي ها هنا، أن الشاعر بعد أن أبدع في وصف ( وحيد) المغنية، ففتننا بوصفه بقدر ما فتنته صاحبته، يشعر وكأنه ما زال لم يقل في وصفها شيئا ذا بال، فيأتي بهذه الأداة الدالة على الإضراب( بل) ليتبت لها أنها ( العيش) وكأن هذه الصفة تتفوق على كل ما قدمه من وصف رائع لوحيد، وتجمل مفاتنها وروائعها وقدرتها دائما على الإيحاء بالجديد من الخواطر والمعاني، كالشأن في ( العيش) تماما. ومن أجدر من ابن الرومي فتنة بلذائذ العيش، وهو الإنسان المفتون بحواسه، الغارق في لذائذ حسه، العاشق للحياة بكل عصب فيه؟.
وسأكتفي بهذا المثال مستغنيا به عن غيره، لأنه يقوم- لصدقه وعمقه- مقام عشرات الأمثلة، في الدلالة على ما نحن بصدده من إيضاح أن موضع الشعر من الإنسان بالتحديد ، هو رغبته في العيش بأدق ما تحمله هذه الكلمة من معنى، لأنه مثال لا يصدق على الحالة الفردية فقط، وإنما يصدق أيضا على إحساس كل شاعر، بل كان إنسان إزاء ما يثير عواطفه من مجالات الحياة ومظاهرها.
هذا الموضع الذي يضع الشعر فيه نفسه بحكم طبيعته، تشاركه إياه الفنون الجميلة الأخرى، فكلها وسائل تحقق للإنسان أن يعيش عمره على هذه الأرض بكل أبعاده، ويتذوقه بكل دوافع الحياة فيه، ويتشربه الى آخر قطرة، ويتنفسه الى آخر نسمة. ولكن لا أحد بقادر على الزعم بأن هناك فنا يضاهي الشعر، في قدرته على تلبية رغبات الإنسان كلها، عقلية وروحية ،مثالية وعادية، واضحة وغامضة، خاصة وعامة، مثلما يفعل الشعر. وما ذلك إلا انه علاوة على طبيعته الخاصة، يمتص مزايا الفنون الأخرى، مكونا من الجميع مزاجا فريدا يجعله أقدرمن غيره على تلبية حاجات الإنسان الشعورية والعقلية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here