islamaumaroc

خطبة طارق بن زياد من جديد -2-

  دعوة الحق

110 العدد

د) نص ريحانة الألباب(1):
«ولما أجاز طارق البحر ودمرهم(2) ( كذا) وقال:
إنكم بين عدوين بين أهل الكفر وبين البحر فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا، وأحرق سفن الجواز..
«فلما أشرف طارق على جمعهم قال لأصحابه: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين، وأني مصمم بنفسي نحو طاغيتهم حتى يحكم الله بيني وبينه، وقد فرض الله الواحد منكم للعشرة فاحملوا كما أمركم الله ينصركم فلا غالب لكم».
وبعد هذا يقول:
قال عبد الملك بن حبيب(3):« دخل الأندلس من التابعين زهاء عشرين رجلا ».

هـ)نص عبد الملك بن حبيب(3):
« فلما بلغ تدمير نزول طارق بمن معه من المسلمين كتب إلى لذريق- وهو يومئذ ملك الأندلس-« انه وقع بأرضنا قوم لا ندري أمن السماء نزلوا أم من الأرض خرجوا».
فلما بلغ ذلك لذريق أقبل راجعا إلى طارق في سبعين ألف عنان، ومعه العجل تحتمل الأموال والمتاع وهو على سريره بين دابتين عليه قبة مجللة باللؤلؤ والياقوت والزبرجد ومعه دواب تحمل الحبال لا يشك في أسرهم.
فلما بلغ طارقا دنوه قام في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه، ثم حض الناس على الجهاد، ورغبهم في الشهادة ثم قال:
«أيها الناس، أين المفر والبحر من ورائكم والعدو أمامكم؟ فليس لكم والله إلا الصدق والصبر، إلا وأني صادم طاغيتهم بنفسي لا أقصر حتى أخالطه أو أقتل دونه».
ولسنا في حاجة إلى إيراد نص نفح الطيب فهو مشهور متداول، ثم أنه نفس النص الوارد في الوفيات الا في ألفاظ يسيرة.
وبعد هذا نود أن نعلق ببعض الملاحظات على النصوص السالفة:
1- اتفق جميع من تناول فتح الأندلس من المؤلفين المذكورين سابقا بأن طارقا خطب جنوده وأورد كل منهم الخطبة جميعها أو جزءا منها ولم يقل أي واحد منهم بأنه خطب جيشه بغير العربية، ولو كان طارق خطب بالبربرية لما غفل عن ذلك أولئك المؤرخون الذين يوجد من بينهم من كان قريبا من عهود الفتح.
2- إن التشابه في مقدمة الخطبة يبين النصوص الواردة في كل من تاريخ عبد الملك ابن حبيب، والإمامة
والسياسة(4) والوفيات يدل على أن المصدر واحد.
3- تتفق جميع النصوص السالفة في السطرين الأولين من الخطبة باستثناء الريحانة، حيث ورد فيها بعض اختلاف ومن الجدير بالملاحظة أن الجزء الوارد من الخطبة في تاريخ إن حبيب يوجد في جميع تلك النصوص الواردة في المصادر الأخرى بتغيير بسيط في بعضها.
4- أن الخطبة التي أوردها الأستاذ عنان نقلا عن مخطوطة تحفة الأنفس تجمع بين النصين الواردين في كل من الوفيات والنفح من جهة والإمامة والسياسة من جهة أخرى فالخطبة، إذا ، كما هي في النفح كانت موجودة في مصادر قبل عصر ابن خلكان وأن للمواعيني مصدرا مختلفا عن مصدر الاثنين، ونستبعد أن يكون هذا المصدر غير أندلسي وإن صح هذا فإن نص الخطبة كما هو وارد في هذا المخطوط كان مثبتا في مصادر أندلسية أفاد منها ابن هذيل كما أفاد منها سابقا كل من ابن خلكان وصاحب الإمامة والسياسة، وان ظل هناك احتمال وهو أن يكون ابن هذيل نقل الخطبة المشهورة من مراجع أندلسية والجزء الثاني من الإمامة والسياسة وأثبتهما كنص واحد!!
5-  إن سؤالا ملحا يتبادر إلى الذهن عما يتصل بكتاب الإمامة والسياسة وهو من مؤلف هذا الكتاب الذي  نسب إلى أبي قتيبة؟ وإن محاولة الجواب عن هذا السؤال تعرفنا فقط بالمؤلف وإنما ستقودنا إلى عنصر جديد يدعم نسبة الخطبة لطارق لما بين المؤلف وفتح الأندلس من صلة وثيقة.إن الشك في نسبة هذا الكتاب لابن قتيبة قديم وقد ساهمت الأندلس في إثارة هذا الشك يقول القاضي أبو بكر بن العربي( 5) « فأما الجاهل فهو ابن قتيبة فلم يبق ولم يذر للصحابة رسما في كتاب الإمامة والسياسة أن صح عنه جميع ما فيه».
أما الدراسات الحديثة فقد انتهت إلى أن هذا الكتاب ليس لابن قتيبة إلا المستشرق أماري فانه يقبل أن يكون هو المؤلف ولكن هذه الفكرة هدمها  مستشرقون آخرون:
فمر جليوت بعد أن بنفي هذه النسبة لأسباب عدة، يرى أن الكتاب من نتاج القرن الثالث ولعل مؤلفه قصاص اسباني(6).
فأما كاينكوس فينتهي إلى أن الكتاب ينبغي أن يكون مكتوبا في أوائل القرن التاسع للميلاد بعد أعوام قليلة من موت هارون الرشيد.
ويعتقد دوزي بأن الكتاب لا يمكن أن يكون قد ألف قبل الحادي عشر للميلاد وقد بني رأيه هذا على وجود نص في الكتاب يذكر مدينة مراكش، وهذه المدينة أنشئت في عهد المرابطين سنة 454 هـ(1062) وقد فند بريس هذا الدليل وأبان عن ضعفه الشديد بأدلة منها أن هذا التنصيص لا يوجد إلا في نسخة الرباط دون النسخ الأخرى.
ويصل«دي خوية» في دراسته لهذه القضية إلى أن الكتاب قد يكون ألف في أواسط القرن التاسع أي حوالي العقد الرابع من القرن الثالث للهجرة وأن مؤلفه كان معاصرا لابن قتيبة وقد نسبه إلى هذا المؤلف ذي الشهرة الواسعة ليتاح للكتاب الذيوع والانتشار. وقد يلجأ بعض المؤلفين لهذه الوسيلة لسبب أو لآخر.
ثم ينتهي هنري برس من دراسته عن هذا الموضوع إلى أن المؤلف ينبغي أن يكون قد عاش أواخر القرن التاسع للميلاد(7).
وقد حدد الدكتور محمود في دراسته القيمة لهذا الموضوع مكان وزمان تأليف هذا الكتاب فقال بأنه ألف في مصر وفي القرن التاسع الميلادي. ويعتقد الدكتور مكي بأن الكتاب قد اشترك في تأليفه أكثر من واحد. وفيما يخص الجزء الخاص بالأندلس يرجح الدكتور مكي بأن يكون مؤلفه مصريا قد عاش أوائل القرن التاسع الميلادي أي قد وجد أن هذه القطعة التي تتعلق بفتح الأندلس وبموسى بن نصير تتفق مع ذكره المؤرخون عن كتاب معارك بن مروان بن عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير وبأدلة قوية وحجج معقولة ودراسة مثبتة. يصل الدكتور مكي إلى أن المؤلف هومعارك هذا الذي يعيش في مصر أوائل القرن الثالث أو أواسطه، واعتمادا على ذلك نصل إلى أن طارقا قد خطب جنوده بالعربية وأن جزءا من تلك الخطبة كان متداولا في المصادر القريبة من الفتح بل وتتناقله الأسرة الفاتحة، وهناك ملاحظة قيمة وهي أن هذا المؤلف قد أشاد بدور جده موسى بن نصير. ومن المعلوم أن علاقة هذا لم تكن على ما يرام مع طارق الفاتح الأول الذي تعرض لغضب رئيسه. ولو أن طارقا خطب بالبربرية أو لم يخطب بالمرة لما ضيع حفيد ابن نصير الفرصة للتنصيص على ذلك، في حين نجد العكس، إذ ينص على أنه خطب ويورد نص هذه الخطبة وأن كان مختلفا عما وجدناه في القرن السابع.
6- يقول بروكلمان بأن بعض أقسام كتاب الإمامة والسياسة مأخوذ عن كتاب في التاريخ ينسب لعبد الملك ابن حبيب(8).
ويرى دوزي أن ما ورد في كتاب ابن حبيب من أساطير حول افتتاح الأندلس أخذه المؤلف عن شيوخه من المصريين كما يؤكد ابن حبيب نفسه ذلك في أكثر من موضع في كتابه (9) ولعل ذلك بدافع إعجاب الأندلسيين الوافدين على المشرق بأساتذتهم المشارقة وانه قد يكون من المستبعد أن يأخذ ابن حبيب وهو أندلسي عالم قريب في زمان ومكان الفتح إن يأخذه فيما أخذه عن أساتذته المصريين ، خطبة طارق، وقد يكون من المعقول أن يأخذ معارك عن ابن حبيب بعض ما يتصل بالأندلس ومن ضمن ذلك خطبة طارق كما أشار إلى ذلك بصفة عامة بروكلمان وأن كانت هذه النقطة ستظل مثار جدال ما لم نظهر عناصر جديدة تقوي جانبا على آخر ومهما يكن من شيء فان لدينا مصدرين، متعاصرين هامين لخطبة طارق وكلاهما قريب من الفتح والفاتحين.
7- هناك ملاحظة أخيرة وهي أننا أمام نصوص ثلاثة مختلفة:
أ‌- نص الإمامة والسياسة
ب‌- نص ابن خلكان ونفح الطيب وهو المعروف المتداول.
ج- أما نص ابن هذيل فيجمع بين النصين السالفين فهو يعتبر نصا ثالثا مختلفا عن كل واحد من(أ-ب) باعتباره تركيبا جديدا، والسؤال الذي يرد هنا: ما هي خطبة طارق منها؟ هل هي النص( أ) أو (ب) أو (ج) أما النص( أ) فان نسبته إلى طارق من الناحية الفنية لا تثير ي ارتياب فأسلوبه خال من تلك العناصر التي احتج بها أستاذنا الدكتور هيكل لينفي الخطبة عن طارق كالصنعة والتكلف والترغيب في الغنيمة والسبي وغير ذلك، وأن هذا النص يبدو فيه تأثر طارق بالقران الكريم والروح الدينية المشبوبة.
أما النص( أ) فهو الذي أشار المشاكل من الناحية الفنية لكن ليس من السهولة أن ننفي هذا الجزء بتمامه عن طارق خصوصا وقد رأينا أنه مثبت في مصادر القرن السابع التي استقته من مصادر أقدم ثم أن المقري كان يملك أصولا مهمة عن تاريخ الأندلس وآدابها وان كنا نلمس من الناحية الفنية أثارا أجنبية وملامح غريبة في هذا النص، ولكن وجود هذه الملامح وتلك الآثار لا يجثت هذا النص من أساسه ويلغيه من أصله.وقد يكون النصان قد قيلا في موقفين مختلفين: قيل أحدهما أثر نزول الجيش الفاتح في التراب الأندلسي.
وقيل الأخر أثناء المعركة. فكان أحدهما مهيئا قبل إلقائه.
وآخر قيل ارتجالا وعفويا. ويدلنا على هذا. أن بعض المراجع تنص على أنه خطب في جنوده أثر حرقه للسفن. ومرة أخرى عندما أشرف على جمع النصارى (10) وأن ابن هذيل يمهد لخطبة طارق بقوله: لما التقى العرب والقوط واقتتلوا ثلاثة أيام أشد قتال فرأى طارق ما الناس فيه من الشدة فقام يعظهم ويحضهم على الصبر ويرغبهم في الشهادة وبسط في آمالهم ثم يورد نص الخطبة(11) وهذا يدل أن طارقا خطب مرتين على الأقل ولا نستبعد أن يكون قد خطب جنوده عدة مرات لتعدد المعارك والمناسبات..
وبعد،
فان ثمة تساؤلات أخرى أوردها على نفسي، ولكن البحث العلمي لا يسمح لي بمعالجتها الآن فإلى فرصة أخرى إن شاء الله.

-------------------------------------------
*) بقية البحث الذي نشر في العدد السابق، ولعل الطابع سها فأسقط كلمة«يتبع».
1)  ريحانة الألباب وريعان الشباب في مراتب الآداب للمواعيني مخطوطة الخزانة الملكية رقم 2647.
2) قد تكون العبارة لمحاربة الكفار دمرهم الله، أو دمر السفن!!
3)  صحيفة معهد الدراسات الإسلامية في مدريد المجلد 5/1- 2 ص 222، وقد نشر هذه القطعة من تاريخ ابن حبيب الأستاذ المحقق الدكتور محمود مكي.
4) ورد في الإمامة والسياسة نفس المقدمة التي وردت في كل من المصدرين المذكورين أعلاه، مع اختلاف طفيف جدا.
5) العواصم والقواصم ص 284 وأنظر التعليق رقم 2 للأستاذ العظيم محب الدين الخطيب ناشر الكتاب ومحققه.
6) أنظر مرغليوث: دراسات المؤرخين العرب ترجمة د. حسين نصار ص 134- 136
7) انظر مجلة الدراسات الإسلامية التي يصدرها المعهد المصري بمدريد 5/210 وما بعدها حيث عالج المحقق الدكتور محمود مكي هذا الموضوع في بحث قيم باللغة الاسبانية.

8) تاريخ الأدب 2/229- 230
9) تاريخ الفكر الأندلسي 195- 196 وانظر مجلة معهد الدراسات الإسلامية بمدريد في العدد المشار إليه سابقا ص 230( القسم الاسباني).
10) انظر ريحانة الألباب وريعان الشباب للمواعيني مخطوطة الخزانة الملكية رقم 2647.
11) انظر دولة الإسلام في الأندلس عنا 1/47.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here