islamaumaroc

عبرة من ذكرى المولد والهجرة

  دعوة الحق

110 العدد

جرت عادة المسلمين في العصور الأخيرة بالاحتفالات في مبدأ العام الهجري والمولد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام، وذلك بقصد التذكير بعظمة رسول الإسلام والحض على إحياء سنته والسير على المبادئ المثلى التي جاء بها، وكثيرا ما يقع الاعتناء بذكر تسلسل الحوادث في سيرة الرسول دون أخذ العبرة منها فيفوت المقصود الذي قصده من أحدث هذه الأعياد، فإن الرسول عليه السلام ولد في شهر ربيع الأول وتوفاه الله في نفس هذا الشهر، وكانت هجرته أيضا في شهر ربيع الأول، إلا أن الاحتفال بالعام الهجري جعله المتأخرون من المسلمين في شهر المحرم ليكون في مبدأ العام الهجري.
ومما ينبغي أن يعرفه المسلمون أن الاحتفال بهذه الذكريات لم يكن من الأعياد الإسلامية في عهد الرسول(ص) ولا في عهد خلفائه الراشدين، بل أحدثت هذه الموالد بعد القرون الثلاثة التي أخبر الرسول أنها خير القرون، ولعل ذلك كان لما قل العمل وكثر في المسلمين القول والجدل، فقد عقد الشيخ على محفوظ رحمه الله في كتاب الابتداع فصلا في بدع الموالد ومن أحدثها، نقل فيه ما يأتي: قيل أول من أحدثها بالقاهرة الخلفاء الفاطميون في القرن الرابع فابتدعوا ستة موالد: المولد النبوي ومولد الإمام علي رضي الله عنه ومولد السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها ومولد الحسن والحسين ومولد الخليفة الحاضر انتهى. ثم ذكر أنها أبطلت حتى كاد الناس ينسونها ثم أحييت، كما ذكر أن أول من أحدث المولد النبوي بمدينة إربل الملك المظفر أبو سعيد في القرن السابع؛ هذا في بلاد المشرق.
أما في بلاد المغرب فنستفيد وقت إحداث هذه الموالد مما ذكر الشيخ أحمد بابا السوداني في كتابه "نيل الابتهاج" نقلا عن الخطيب ابن مرزوق: قال الخطيب ابن مرزوق: سمعت شيخنا الإمام أبا موسى ابن الإمام وغيره من شيوخ المغرب يستحسنون ما أحدثه العزفي وولده أبو القاسم بالمغرب في ليالي المولد، وهما من الأيمة، ويستصوبون قصدهما فيه والقيام به، ونقل عن بعض علماء المغرب إنكاره، والأظهر عندي( الخطيب يقول) ما قاله بعض المغاربة من استعمال الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة، وإحياء سنته ومعونة آله وتعظيم حرمهم، وفعل أنواع البر، أفضل مما سواهما مما أحدث، إذ لا يخلو من مزاحم في النية أو مفسد للعمل أو دخول شهوة. وطريق الحق والسلامة معروف، فالأفضل تكثير الصلاة عليه وأعمال البر، قال الشيخ السوداني الناقل انتهى ملخصا. وقد ذكر المؤرخون أن أبا العباس العزفي توفي سنة 649 فيكون في القرن السابع، فالعلماء عدوا هذه الاحتفالات من البدع ولكن بعض العلماء يراه من البدع المستحسنة.
وبعد هذه الكلمة في بيان هذا الاحتفال بالمولد نخلص إلى مجال العبرة من الهجرة، فإن الهجرة لها أسباب وأحوال ينبغي أن يستخلص المسلمون منها ما يفيدهم في حياتهم الحاضرة. أما ذكر تسلسل الحوادث في حياة رسولنا العظيم دون المغزى الحقيقي لها فإنه قليل الغناء، فمن أول مغزى هذه الهجرة أن يعرف المسلم المؤمن ما فعله الإيمان بنفوس أسلافنا حيث آثروا الاحتفاظ بإيمانهم والصبر على إذاية المشركين لهم ولو كلفهم هذا الإيمان التخلي عن متاع الدنيا وراحتها، قال الحافظ أبو بكر بن العربي عند تفسير قول الله تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ‏ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) [الحج: 39-40]، قال علماؤنا رحمهم الله: كان رسول الله قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحلل له الدماء، إنما يؤمر بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل، فكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من قومه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم ونفوهم عن بلادهم، فهم بين مفتون في دينه ومعذب، وبين هارب في البلاد مغرب، فمنهم من فر إلى أرض الحبشة ومنهم من خرج إلى المدينة ومنهم من صبر على الأذى، فلما عتت قريش على الله وردوا أمره وكرامته، وكذبوا نبيه، وعذبوا من آمن به وعبده ووحده وصدق نبيه واعتصم بدينه، أذن الله لرسوله في القتال والامتناع والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم، فكانت أول أية أنزلت في إذنه له بالحرب وإحلاله له الدماء: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ‏)[الحج: 39]، وقال الحافظ ابن العربي قبل هذا: وكان الكفار يعتمدون النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالإذاية، ويعاملونهم بالنكاية، لقد خنقه المشركون حتى كادت نفسه تذهب فتداركه أبو بكر، وقال: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ) [غافر: 28]، وقد بلغ بأصحابه إلى الموت، قد قتل أبو جهل سمية أم عمار بن ياسر، وقد عذب بلال، وما بعد هذا إلا الانتحار بالقتال.
وهذه النصوص تبين لنا أن مشروعية القتال كانت دفاعا عن النفس أولا وعن حرية نشر الدعوة وحرية العقيدة والتوحيد ثانيا.
ومما سبق هذه الهجرة وهيأ للنبي وأصحابه موطنا آمنا لإقامة الدين في أمن وجماعة ما كان الرسول يقوم به في مواسم الحج من تبشير بالإسلام ومن عرض نفسه على القبائل للإيمان برسالته وحمايته حتى يبلغ كلمة الله إلى الناس، واستمر دائما على الدعوة والتبشير بالإسلام أعواما في مواسم الحج حتى وجد من سكان المدينة الأوس والخزرج من استجاب لدعوته وآمن برسالته، فكانت النتيجة أن فتحت المدينة بالقرآن كما يقول الحافظ ابن القيم. فكانت ديار الأنصار عامرة بتلاوة القرآن.
فتوطدت في المدينة دعوة الإسلام ووجد النبي وأصحابه مكان الأمن والإيمان مستعدا لقبول المهاجرين وعلى رأسهم صاحب الرسالة، فآخى النبي بعد الهجرة بين المهاجرين والأنصار، فواسى الأنصار المهاجرين بالنفوس والأموال حتى جمع الله بهم الشمل ومهد لهم الغلبة والنصر، ومدح الله صنيع الأنصار ورضي عن أحوالهم وسيرتهم وإيمانهم، وأنزل فيهم قرءانا يتلى على مر القرون والأعوام، فقال تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر:9].
ولا بد من إشارة هنا إلى أن أسلافنا الصالحين قاموا بنشر دعوة الإسلام في المشرق أولا وفي المغرب ثانيا كما هو معلوم في تاريخ الإسلام العظيم، وهذا ما ينبغي أن يفعله المسلمون في الوقت الحاضر، فيكونوا ويؤسسوا جمعيات لنشر الدعوة الإسلامية بالطرق السليمة المشروعة، كما يفعله غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى، لا فرق في هذه المساعي الحميدة بين عالم وتاجر وغني وفقير، أما هذا التواكل الذي يعيش فيه العالم الإسلامي فهو سبب الخذلان، العالم الذي يقول إنه ضعيف وليس له ما ينفقه على نفسه وعياله وعلى السفريات في مختلف النواحي، بل البعض لا يقوم بواجب التعريف بالإسلام حتى في الحي الذي يسكن فيه، والغني الذي له فضل من المال يقول: هذه مهمة العلماء وهم المكلفون بنشر العلم الديني، والتاجر يبخل بزكاة ماله، والجاهل لا رغبة له حتى في التعلم، وهكذا بتفريط الجميع حلت التهلكة بالعالم الإسلامي وتفككت وحدة المسلمين وتوالدت النكسات عليهم، مع أن الله تعالى يقول: وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ [البقرة: 195]، وسيرة النبي وقادة الإسلام وأبطاله تبين لنا التطبيق العملي والقدوة المثلى من وجوب التعاون على كل خير كما تقول الآية:(وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى) [المائدة: 2]، وتقول آية أخرى: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) [البقرة: 104]، فأين المسلمون من هذه التعاليم والمبادئ التي رفعت أسلافنا إلى مقامات الرياسة والسعادة والمجد.
ثم إننا نجد في هجرة النبي ما يدفعنا إلى الإقدام كما كان الرسول يبذل مجهوده ولا يبالي بالمؤامرات على قتله أو نفيه أو حبسه، كما تذكر الآية الكريمة: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الأنفال: 30]. وقد لخص الحافظ ابن العربي ما تشير إليه الآية فقال: قد بينا أنها مكية وسبب نزولها والمراد بها ما روي أن قريشا اجتمعت في دار الندوة وقالت: إن أمر محمد قد طال علينا فماذا ترون؟ فأخذوا في كل جانب من القول، فقال قائل: نرى أن يقيد ويحبس، وقال آخر: نرى أن ينفى ويخرج، وقال آخر: نرى أن يأخذ من كل قبيلة رجل سيفا فيضربونه ضربة واحدة فلا يقدر بنو هاشم على مطالبة القبائل، فاتفقوا عليه، وجاء جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فأعلمه بذلك، وأذن له في الخروج، فأمر النبي (ص) علي بن أبي طالب بأن يضطجع على فراشه ويتسجى بثوبه الحضرمي، وخرج النبي حتى وضع التراب على رؤوسهم ولم يعلموا به، وأخذ معه أبا بكر إلى الغار، فلما أصبحوا نظروا إلى علي في موضعه وقد فاتهم، ووجدوا التراب على رؤوسهم  ولم يعلموا تحت خزي وذلة، فامتن الله على رسوله بذلك من نعمته وسلامته من مكرهم بما أظهر عليهم من نوم على السرير كأنه النبي ومن وضع التراب على رؤوسهم، وهذا كله مكر من فعله جزاء على مكرهم والله خير الماكرين.
وهنا نذكر صنيع النبي في أخذ العدة لهذه الهجرة والخروج خفية، والمكوث في الغار اختفاء من الكفار الذين آذوه وألجأوه إلى الخروج من مكة موطنه ومقر عائلته إلى دار هجرته ومحل إقامته، مع سلوك طريق وعر غير مسلوك حتى وصل إلى أتباعه وأنصاره، واعتز بحياته بينهم حتى قال لهم بعد فتح مكة: لوسلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار.
والمغزى الذي يجب أخذه من كثرة هذه الاحتياطات في هذه الرحلة هو اتخاذ الأسباب التي تضمن الوصول إلى الهدف المقصود والاستعانة بالكتمان وأخذ الاحتياط والعلم بأن التوكل على الله هو بعد اتخاذ جميع الاحتياطات اللازمة لا قبل ذلك.
وهذا ما فقده المجتمع الإسلامي فصارت أحواله وسياسته واستعداداته إن وجدت يقع الإعلان عنها تفاخرا ورياء، وكثيرا ما يكون ذلك ادعاء فقط، ونظرا لعظمة الهجرة وفسحها المجال لانتشار الدعوة الإسلامية أخذ بعض الصحابة يفخر بها على ما يظهر من حديث الرسول الذي ينظر إلى الحقائق وإصلاح النفوس لا إلى المظاهر والانتقال من مكان إلى مكان، وهذا والله أعلم ما يستفاد من قول الرسول) المسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)، نقول: وهذا هو الحظ الأوفر من الهجرة، وهو باق بعد الصحابة المهاجرين لجميع المسلمين إلى يوم القيامة، فإلى العمل أيها المومنون.
(وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) [التوبة: 105].
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here