islamaumaroc

[كتاب] حضارات الصحراء، لأتيليو كوديو

  دعوة الحق

110 العدد

لم تكن الصحراء في تاريخنا، في تاريخ المغرب الكبير، مجرد باب أو طريق نتصل منهما بالطرف الآخر من إفريقيا، بل أن الصحراء كانت امتدادا حضاريا لا يكتمل كياننا الجغرافي والتاريخي والبشري بدونه.
ومع ذلك ما أكثر ما نجهله عن هذه الصحراء، وما أقل ما نعني بدراسة أحوالها وشؤونها، الماضية منها والحاضرة.
فإذا كان بعض القدامى من مؤرخينا ورحالتنا، وجغرافيينا قد اهتموا بالصحراء فدرسوها ودرسوا أحوال سكانها، أو جابوها فعرفوا مشاكلها وشعابها، فان المحدثين منا قد أهملوها إهمالا مزريا كأنها ليست جزءا يرتبط ببلادنا ارتباطا عضويا، جغرافيا، وتاريخيا، وروحيا.
من المؤلفين والرحالين القدامى الذين اهتموا بالصحراء اهتماما يزيد أو ينقص وحدثونا عنها وعن أحوال سكانها: ابن حوقل، والبكري، والإدريسي وابن خلدون، والحسن الوزان، وابن بطوطة، وعبد الرحمن السعدي.
وجاء العصر الحديث فأبدى المؤرخون والجغرافيون والرحالون الغربيون اهتماما بالصحراء، فدرسوها من النواحي الجيولوجية والجغرافية والأثرية والانثروبولوجية والاقتصادية، وحفروا فيها ونقبوا عن الآثار القديمة وعن النفط والمعادن، واكتشفوا فيها ثروات لا تقدر بثمن.
وإن بين أيدينا الآن طائفة من المؤلفات والمراجع الهامة، باللغات الأوربية، عن الصحراء، شرقيها وغربيها، من هذه المؤلفات ما يتناول بالدرس عصور ما قبل التاريخ ويدرس المآثر والمخلفات المكتشفة في عدد من أنحاء الصحراء، ومنها ما يهتم بمسالكها وطرقها التي كانت تمر بها القوافل التجارية التي كانت تتجمع في غدامس وسجلماسة وغيرهما متجهة نحو الجنوب متوغلة في بلاد افريقيا السوداء. ومن هذه المؤلفات ما يبحث في جغرافية الصحراء ويدرس سطح أرضها وباطنها، ومنها ما يدرس أحوال سكانها الاجتماعية والانثروبولوجية، ومنها ما يهتم باقتصادياتها. ومعظم هذه المؤلفات مكتوب باللغات الانجليزية والفرنسية والاسبانية والايطالية والألمانية، ولست أعرف لأهمها ترجمة الى اللغة العربية.
وآخر هذه المؤلفات التي صدرت في أوربا، فيما أعلم، كتاب" حضارات الصحراء" (*)أخرجته دار للنشر في بلجيكا اعتادت أن تصدر نفائس المؤلفات في شتى العلوم والآداب والفنون.
يشتمل هذا الكتاب على قسمين كبيرين؛ عنوان القسم الأول:" على طريق العربات الغرمية من طرابلس الى النيجر"، يهتم فيه المؤلف بالصحراء الشرقية فيتعرض لثرواتها الأثرية الهامة التي اكتشفت في تاسيلي ونواحي فزان وغيرها، ويتحدث عن الصحراء في عصور القرطاجنيين والرومان والفتح الإسلامي، ثم ينتقل الى الكلام عن القبائل ترغة(الطوارق) الملثمين ومواطن إقامتهم وترحالهم، وعن عاداتهم وطبائعهم ومجتمعهم، ويختم هذا القسم بالحديث عن مشاريع استثمار الصحراء وتجهيزها والاستفادة من ثرواتها.
ويأتي القسم الثاني من الكتاب، وهو بعنوان:" على طريق الذهب والملح، من تافيلالت الى تمبكتو"، فيعطينا فكرة عن الثروات الأثرية المكتشفة في الصحراء الغربية، ثم ينتقل للحديث عن تافيلالت ومدينة سجلماسة وما كان لها من أهمية ثقافية واقتصادية قبل تخريبها، ثم يتكلم عن الحركة التجارية وطرق القوافل بين تافيلالت وتمبكتو، وعن وادي درعة وقبيلة ايت عطا وبلدتي تمكروت ونسرات وعن الجالية اليهودية في هذه الأصقاع، ثم يتعرض للصحراء الغربية فيتحدث عن الرقيبات وعن بلدة سمارة ومؤسسها الشيخ ماء العينين ومقاومته الباسلة للاحتلال، ثم ينتقل الى الكلام عن سكان موريطانيا ومجتمعهم وعاداتهم، ويخصص فصلا للحديث عن تمبكتو وأهميتها التجارية والعلمية قديما. ويختم المؤلف هذا القسم بكلام عن مشاريع المواصلات عبر الصحراء وحالتها الراهنة.
والكتاب مزدان بالصور العديدة والخرائط. وأسلوبه ممتع سلس يجمع بين طلاوة السرد الأدبي ورصانة البحث التاريخي، ولو أن الخيال يشتط أحيانا بالمؤلف فيوقعه في بعض المآخذ والهفوات، إلا أن شفيعه في ذلك، كما يبدو، ولعه الشديد بالصحراء التي جاب أطرافها وخبر شعابها وتعرف على سكانها فاستقى بذلك معلومات مباشرة فضلا عن المصادر المكتوبة التي رجع إليها وأثبت قائمة منها في نهاية كتابه.
وسوف الخص فيما يلي بعضا من فصول هذا الكتاب للقراء بقدر ما يسمح به المجال:

على طريق العربات، من طرابلس إلى النيجر

1- الثروة الأثرية:
كانت الوديان تتخلل سهول الصحراء وهضابها، في زمن سحيق، فتبعث في أرجائها الخضرة والحياة. وقد أبانت التنقيبات والحفريات عن وجود بقايا من ذلك الزمن السحيق نحو أسماك وضفدعيات؛ كما شوهدت أشجار من فصائل البحر الأبيض المتوسط مثل السرو والزيتون والفستق. وعثر العلماء على معالم ومخلفات دالة على أن حياة بشرية كانت قائمة على طول الوديان القديمة، فوجدوا أسنة رماح من الصوان وشواقير من الحجر وحطام الخزف.
في سنة 1956 قام هنري لوط  (H.Lhote)  برحلة شاقة الى( تاسيلي) حيث اكتشفت منذ حوالي نصف قرن مغاور زينت جدرانها بصور محفورة وملونة، فدرس هذه المواقع وجرد الوثائق والأدوات. وتبين من فحص الصور الرائعة العديدة المنقوشة على الصخور المحجوبة عن أشعة الشمس والرياح الرملية، ان الصحراء كانت قي قديم الزمن مغطاة بالأعشاب الاستوائية آهلة بحيوانات استوائية متعددة ومختلفة، كما تبين أن هذا المتحف الصخري الهائل يلخص تاريخ الصحراء قبيل بزوغ العصر الحجري الجديد.
وقد تمكن هنري لوط، بعد الفحص ألفي صورة من الرسوم المحفورة في صخور تاسيلي، من استخلاص مختلف مراحل هذه الحضارة الصحراوية وتطورها.
فالمرحلة الأولى تبدأ مع نهاية العصر الحجري القديم ( 6 و7 آلاف سنة قبل ميلاد المسيح)، وهي مرحلة الصيادين، وتمثل الصور التي تنتمي إليها أشخاصا قصار القامة ذوي رأس مستدير، وحيوانات. ومن فحص هذه الصور استنتج أن السكان في ذلك الطور كانوا ذوي بشرة سوداء. وهناك صور من حجم كبير تمثل بعض" الآلهة" تنتمي الى مرحلة انتقالية، ويظهر عليها التأثير المصري. وتمتاز هذه الصور بتعدد ألوانها، وهو أمر يندر مثيله في الصور الصخرية التي تنتمي الى عصر ما قبل التاريخ التي لم يستعمل فيها من الألوان غير الأحمر( المغرة) والأبيض.
وتقع المرحلة الثانية في العصر الحجري الجديد (حوالي 4000 سنة) وفيها أغار على الوديان أقوام جدد يختلفون عن السكان الذين استوطنوا الصحراء منذ آلاف السنين. وقد جاء هؤلاء الغزاة الجدد وهم يسوقون قطعانا هائلة من الأبقار. وبمجيئهم امتلأت مغاور تاسيلي بصور أشخاص وحيوانات جديدة حفرت على صخورها. وتعرف هذه المرحلة بمرحلة الرعاة.
وربما جاء هؤلاء المغيرون الجدد من الشرق، وربما كانت لهم صلة بالحضارة المصرية. أما الصور التي حفروها على الصخور فتتسم بالحركة والواقعية، وتدل على أن الذين نقشوها كان لهم نصيب من حسن الملاحظة، فالألوان متعددة رائعة الانسجام، فيها الأخضر والبنفسجي والأزرق. وقد لقيت سوائمهم في هذا الإقليم عشبا وفيرا، وأنهارا تتدفق ماء، وجوا  رطبا.

وتبدأ المرحلة الثالثة حوالي سنة 1200 ق.م. في عصر التاريخ. وهي مرحلة الحصان حيث يشاهد على الجدران الصخرية صورة تمثل محاربين يمتطون عربات تجرها الخيول. ويعتقد بأن السكان الليبيين الذين ظلوا الى ذلك العهد قاطنين في شمال الصحراء- قاموا بحركة توسعية. وقد مكنهم انفرادهم باستخدام العربات من مد سلطانهم الى ضفاف النيجر. وربما ينحدر( الطوارق) الحاليون من هؤلاء الغرميين (Garamantes) الذين وصف لنا هيرودوت عاداتهم.
أما مرحلة الجمل فقد بدأت قبل بضعة عقود من ميلاد المسيح، حينما طرأت على الصحراء تغيرات لم تعد معها صالحة للسكنى بسبب ما أصابها من جذب.
لقد اكتشفت في أماكن متعددة جنوب طرابلس صور محفورة على الصخور تخلد حيوانات الصحراء، قبل تحولها الى منطقة قاحلة، ومن هذه الحيوانات: الفيل، والنعام، والبقر، والغنم، والتماسيح، والغزلان والأسود، وعجول الماء. وبفضل هذه الصور وبما عثر عليه من رميم العظام أمكن التعرف على البيئة البشرية والحيوانية والنباتية لذلك العصر.
وما كان لتلك الحيوانات، النباتية منها والمفترسة، أن تعيش إلا في أرض غزيرة الماء وفيرة العشب. ولقد كانت بالصحراء الوسطى سهول ندية ومخضرة، ووديان آهلة بالأشجار التي تقتات منها الزرافات والفيلة والنعام فضلا عن أقوام من الرعاة والصيادين.
وقد اضطرت تلك الحيوانات، بسبب ما طرأ جفاف وارتفاع درجة الحرارة، الى مغادرة شمال اقريقيا كما غادرت أوربا من قبل، ونزحت الى غابات افريقيا الوسطى وسهوبها حيث بقيت الى أيامنا هذه. ولم تصبح أسباب العيش شاقة عسيرة في الصحراء إلا في العصر الحجري الجديد حيث لم يبق سوى قلة من الناس يقيمون حيث يوجد قليل من ماء. وأننا لندين لهؤلاء القوم الصحراويين من العصر الحجري الجديد الذين صاروا رحلا يبحثون عن الماء والمرعى، أننا لندين لهم بتلك العصور المحفورة على الصخور، وهي تمثل المرحلة الثانية التي امتدت الى عصر الجمل.
هذا وقد اكتشفت في جبل "عوينات" ، على بعد نحو ألف كيلومتر شرقي فزان، صور صخرية أخرى نقلها بدقة العالم الطبيعي الايطالي ( الكونت دي كابورياكوde Caporiacco ) ودرسها ونشرها فيما بعد المؤرخ ( باولو كرازيوزيP. Graziosi ) وتمثل هذه المحفورات حياة سكان ما قبل التاريخ، أسلاف البربر، الذين يحتمل أنهم كانوا من النوبيين. ويعتقد بعض الباحثين أن هذه الرسوم المنقوشة يرجع عهدها الى نحو 7500-5000 ق.م. وتظهر فيها أسلحة، وحيوانات أليفة، وأدوات مختلفة وملابس.
وقد أعار( كرازيوزي)، أثناء دراسة لحضارة فزان القديمة، اهتماما كبيرا لبعض الرسوم التي تصور عربات تجرها خيول راكضة ويركبها محاربون مسلحون بالرماح والأقواس والتروس، وهي صور لا يوجد لها شبيه في مكان آخر بالصحراء.

2- الصحراء في عصر التاريخ:

أول المؤلفات المكتوبة التي تتعرض لسكان الصحراء عند الانتقال لعصر التاريخ هي ما خلفه لنا هيرودوت( القرن الخامس ق.م.) وديودور الصقلي( القرن الأول الميلادي)، اللذان حدثانا عن حياة هؤلاء الرحل اللبيين البربر الذين كانوا يجوبون الصحراء من النيل الى الأطلس.
لقد بدأت الصحراء( حوالي سنة 1000 ق.م) تتحول الى ما آلت إليه من جفاف. وإذا كان اليونانيون والقرطاجيون والرومان قد بذلوا جهودا في سبيل استكشاف هذه الأصقاع، فان معرفتنا عنها ظلت مع ذاك ضئيلة، كما علقت بوصفها كثير من الأساطير. لقد خلف لنا هيرودوت معلومات دقيقة عن الأقوام اللبيين/ وحدثنا عن الطرق الذاهبة من (غرمة) الى الاطلس، كم حدثنا عن بيروت مبنية بآجر من ملح، وذكر هؤلاء القوم الرحل المجاورين للبحر الأبيض المتوسط، ووصف سكان ليبيا الآهلة بالحيوانات الموحشة. وهنا توقفت معارف هيرودوت حيث قال:" أنني أجهل ما وراء ذلك، إلا أنه يقال أن تلك الأرض يعمرها قوم من العمالقة والأقزام وعجائب المخلوقات. وليس في مقدور أحد أن يذهب الى تلك الأرض ما دامت الحرارة سائدة فيها".
وقد كانت قرطاجة أول دولة من دول البحر الأبيض المتوسط عرفت أن الصحراء ليست بلاد الشمس المحرقة فقط، كما عرفت أن سكانها لم يكونوا من الهمج، لذلك فإنها لم تسع الى إخضاعهم لسلطانها، بل أنها عرفت كيف تجعل منهم شركاءها في مكاسب تجارة منظمة عبر الصحراء. وبذلك كانت قوافل ليبية تجوب بانتظام ثلاثة آلاف كيلومتر في الصحراء فتجلب من إفريقيا السوداء الى شمال افريقيا بضائع تقوم على العاج والتبر والزمرد والياقوت وريش النعام، كما تتألف من الرقيق الأسود، وكانت واحة غدامس( على بعد 600 كم جنوب طرابلس) أكبر مراكز هذه التجارة الصحراوية. وقد بقيت القوافل التجارية تسلك، طوال نحو ألف عام، نفس السبل بين سواحل طرابلس وإقليم وسط إفريقيا وغربها، وهي السبل التي تتوفر فيها منابع الماء. وما تزال هذه الطرق في وقتنا الحاضر هي السبل الرئيسية الذاهبة من الساحل الى الداخل. ومن المرجح أن يكون الرومان قد جابوا هذه الفجاج أثناء بعوثهم العسكرية، مع أنهم كانوا يجهلون الجمل. وكانت الغاية من هذه البعوث تأمين المواقع الرومانية في إفريقيا التي كانت تمتد الى نوميديا موريطانيا.
وفي سنة 665م  توغل العرب في الصحراء الوسطى بقيادة عقبة بن نافع؛ وقد أتاح مجيء العرب ازدهار الروابط الصحراوية وأمكن للمغرب الكبير أن يكتب أروع الصفحات عن صلاته بإفريقيا السوداء.

على طريق الذهب والملح، من تافيلالت الى تمبكتو
1- الثروة الأثرية:
- كرس جان مالوم (J.Malhomme)- وكان يشتغل بالتدريس في معهد سيدي محمد بمراكش- عدة سنوات قضاها مستكشفا باحثا فدرس خلالها نحو 3500 صورة وجدت مرسومة ومحفورة على الصخور في اكيمدن وجبل ياغور وتيزي نترلست. وتمثل هذه الصور أسلحة وخناجر من البرونز، وأشخاصا وحيوانات، وعربات ذات عجلتين تشبه العجلات التي اكتشفت في تاسيلي، كما تمثل رموزا يبدو أنها ذات دلالة تعبدية.
وإذا كنا نفتقد أية وثيقة اركيولوجية عن عصر البرونز في المغرب، فان اللغز الذي يظل قائما هو من أين كان هؤلاء القوم الذين حفروا هذه الصور يأتون بالبرنز، وأين كانوا يخدمونه؟ ان الحفريات الأثرية لم تمدنا لحد الآن بأية أداة من أدوات البرونز التي تظهر في الصور الصخرية، كما لم يعثر على أثر لمعمل أو منجم من ذلك العصر السحيق.
لقد برهنت بحوث( جان مالوم) على أن الاطلس الكبير لم يكن سدا منيعا بين الحضارات الصحراوية وحضارات السهول الشمالية في عصر ما قبل التاريخ.

هذا وقد اكتشف كل من ( أوديت دي بوينكودو وماريون سينوسO.de Puigaudeau-M.Sinons) أربع محطات صخرية أخرى خلال رحلتين قاما بهما سنة 1937 وسنة 1950؛ وهذه المحطات هي : الهويرة، وسيدي بولنوار، وعسا، وفم الحصن. وتضم هذه الأخيرة أهم مجموعات الصور المكتشفة في هذا الإقليم وأكثرها تنوعا. ويبلغ مجموعها 114 صورة. وقد عثر في هذا المكان على عدد من بقايا عصر ما قبل التاريخ.
إن صور العربات المنقوشة على الصخور تنطوي على أهمية خاصة حيث أنها تطلعنا على حدث تاريخي دقيق، وهو قدم العلاقات بين بلاد البربر وبلاد افريقيا السوداء. ولقد كانت هذه الرسوم بمثابة  علامات على الطريق يهتدي بها المسافرين وتسترشد القوافل عن رجوعها.
2- تاقيلالت، ملتقى قوافل الصحراء المغربية
تافيلالت أرض شاسعة خصبة في أطراف الصحراء تستهوي النفس بتنوع سكانها وبذكرياتها التاريخية والأسطورية. وهذا الإقليم الذي تتخلله البساتين الفيحاء والقصور ذات الشرفات، والذي يشق أرضه وادي زيز، بعد باب الصحراء؛ وقد بقى طوال قرون محط التقاء القوافل والمبادلات عبر الصحراء، حيث كانت الاتصالات تجري على نطاق واسع، منذ فجر العصور الوسطى، بين المغرب وإفريقيا السوداء. وكانت تربط بين المغرب وضفاف السنغال والنيجر طريقان هامتان تمر احداهما في المنطقة الساحلية بين تيزنيت وكوليمين، بينما تمر الأخرى في تافيلالت.
ان السوق الأخاذة العامرة التي تعقد في ساحة ( أرفود) الكبرى ليست إلا صورة شاحبة لما كانت عليه الفنادق ومرابط البعير قديما.
تأسست مدينة سجلماسة سنة 140 من الهجرة( 755 م.) وسرعان ما أصبحت ملتقى طرق تجارية كبرى تنطلق من مصر وتمتد على الحافة الشمالية من بلاد البربر حتى تصل الى المغرب، وهي طريق ارتادها تجار كانوا يأتون من العراق وفارس.
كان الطابع الشرقي غالبا على سجلماسة. وقد ذكر المؤلفون القدامى التشابه الموجود بين عمائرها وعمائر اليمن.
تأسست سجلماسة قبل فاس فكانت أولى المدن الإسلامية في شمال افريقيا بعد القيروان التي تأسست سنة 670م. وقد أصبحت سجلماسة حاضرة صحراء المغرب. وعرفت نشاطا سياسيا واقتصاديا ودينيا كبيرا، وظلت طوال ثلاثة قرون مملكة مستقلة شاسعة الأطراف تمتد من الاطلس الى وادي درعة. استقر بها تجار تواردوا عليها من أمهات مدن المشرق وأقاموا بها متاجرهم ووكلاءهم. ولم يكن ازدهارها الثقافي فيما بين القرنين الثامن والحادي عشر بأقل من ازدهارها التجاري.
وقد اشتهر من قصور سجلماسة ( قراها المحصنة) البالغ عددها ثلاثمائة: قصر تانيجنت، وكان به ألف بيت، وقصر تاتو حسنت الذي كان يسكنه التجار الأجانب والصناع واليهود، وقصر مأمون. وكان لكل من هذه القصور الثلاثة رئيس وأشياع، وكثيرا ما كانت تنشب بينهم الخلافات فيتقاتلون ويؤدى بينهم الحال الى كسر قنوات الري وقطع أشجار النحيل. وكان كل رئيس يسلك نقوده الذهبية والفضية. وبعد استيلاء المرابطين عليها سنة 447 هـ( 1055 م) كانت تعمل بها دار لضرب العملة.
وقد بلغ من رخاء تافيلالت أنها كانت تدفع لبيت مال الدولة الفاطمية في القيروان( وكانت سجلماسة مقاطعة لها) مبلغ 400.000 دينار سنويا، أي نصف ما كان يجبى من افريقيا الشمالية كلها.

(*) Attilio Gaudio-les Civilisation du Sahara- Marabou Université, Vervier (Belgique)

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here