islamaumaroc

التحكيم في الفقه والقانون -2-

  دعوة الحق

110 العدد

أصول التحكيم وتطوراته:
رأينا في البحثين المتقدمين أن التحكيم كمؤسسة للتقاضي كاد أن يصبح على جانب من الخطورة لولا أن القانون قيده بعدة قيود وأن فقهاء التشريع حصروه في نطاقات معينة خشية أن يطغى أثره على القضاء الذي هو المؤسسة العامة لإقامة العدل. كما أشرنا إلى أن التحكيم يتوفر على عدة مزايا متجسمة في سرعة قراراته وفي قدرته على حل المشاكل ذات الصبغة التقنية.
لقد عرف الإنسان التحكيم قبل أن يعرف القضاء، وبالرغم من أن المجتمعات المنظمة نصبت القضاة وأحدثت المحاكم لإقامة العدل بين الناس، فقد ظل التحكيم ملجئا نافعا لفض أصناف النزاعات على طريقة تخفف من مشقة الترافع وتضمن الوصول إلى حلول عملية يرضاها الخصوم. ذلك أن التحكيم نابع من الحاجة والضرورة ولم يكن قط وليد فكرة أو فلسفة. والمتتبع لتطور التحكيم في الفقه والقانون يرى أن التحكيم نشأ وتطور مع التطورات الاجتماعية والاقتصادية وساير المتطلبات والتقلبات البشرية، فكان بذلك محظ أنظار الفقهاء عبر العصور سواء في الشرق أو في الغرب، واستهدف إلى حركة مد وجزر غيرت وجهه ونقحت مواده في سلسلة من المجلدات المذهبية والمدونات القانونية.
والدليل على ذلك مدى الخلاف القائم بين أئمة المذاهب الفقهية حول صفة المحكمين وقوة الأحكام التحكيمية، فقد رأينا من المالكية ينزلون المحكمين منزلة القضاة ويعطون لأحكامهم قوة الشيء المقضى به بينما المذاهب الأخرى- من شافعية وحنفية- تعتبر حكم المحكمين على وجه الشهادة أو الوكالة، كما أن هذه المذاهب على اختلافها غير متفقة في الرأي حول لزوم حكم التحكيم، فأبو حنيفة ومالك متفقان في اللزوم، والشافعي لا يجيزه، وبذلك يمكن القول بأن فقهاء الإسلام نظروا إلى التحكيم نظرة حذر واتجهوا في تطبيقه اتجاهات لم يكن الغرض منها فحسب هو التخفيف عن القاضي وعن الناس من مشقة الترافع أو الرغبة في إيجاد الحلول الناجعة لشتى النوازل ذات الصبغة الخاصة المتسمة بنوع من التعقيد، بل اجتهدوا أيضا لحصره في نطاقات معينة وقيوده بشتى القيود خشية طغيانه على سلطة القضاء لان الاسترسال على التحكيم في نظرهم«خرق لقاعدة الولاية ومؤدي إلى تهارج الناس».
وقد شرحنا في البحث المتقدم كيف أن القانون المغربي تأثر في مدونة الأحوال الشخصية بمختلف آراء الفقهاء في مجال التحكيم فأخذ حديثا برأي الشافعية حول المهمة المسندة للحكمين في النزاعات الزوجية بينما كانت هذه المادة خاضعة فيما سلف لمذهب المالكية.
وكالهدف من هذا الاتجاه الجديد هو تجريد الحكمين من سلطة الحكم بالتفريق بين الزوجين.
واستنتجنا من دراسة الواقع الزوجي بالمغرب ضرورة إعادة هذه السلطة للحكمين على مذهب مالك، كما رأينا كيف أن القانون المصري- على نقيض القانون المغربي- أخذ برأي المالكية في هذه المسألة بعدما كان العمل فيها بمحاكم مصر الشرعية على مذهب أبي حنيفة. وهذا كله دليل على أن التحكيم كان ولا يزال موضع مد وجزر بين نظريات فقهاء الإسلام وأن هذه التقلبات مردها إلى ما تمليه الحاجة وتفرضه الضرورة تمشيا مع التطورات الاجتماعية ومع التعقيدات الطارئة على العلاقات البشرية.
ونفس التقلبات نلاحظها في تطور التحكيم في القانون الغربي، فلم يستقر رأي المشرع الفرنسي والمحاكم الفرنسية على الأخذ بالتحكيم الإرادي وبقاعدة الشرط التحكيمي(1)  في عدة  مواد إلا بعد فترة طويلة من التردد والتزام الحذر، وكان الباعث على ذلك هو اهتمام فقهاء القانون بمسألة استفحال أمر التحكيم واتجاههم للحد من استعماله خشية طغيانه على سلطة القضاء، إلا أنه لم يكن بد من اللجوء إليه لمسايرة التطورات البشرية في شتى المجالات الخاصة والمبادلات التجارية وفي عدة مواد تتسم بطابع التقنية.
وظل المشرع الفرنسي أثناء هذه التجربة الطويلة يأخذ بالاحوط في مجال التحكيم فلم يجعل له مكانا ثابتا في مدونات القانون الخاص إلا بعد التصويت على قانون 18 أبريل سنة 1946 حيث أفرغت نصوص التحكيم في قوالب جديدة.
وبعد، فما هي أصول التحكيم وماهي المراحل التي قطعها؟

أصل التحكيم ومشروعيته في الفقه الإسلامي
إذا نحن بحثنا عن أصول التحكيم في الشرع الإسلامي نجد أن الفقهاء استخرجوها من عدة آيات كريمة سنتناول منها على الخصوص ما ورد في سورة المائدة في شأن تحكيم الأساقفة اليهود للنبي(ص) في أمر زانيين يهوديين، وقد يصعب على الباحث أن يعثر على حديث في التحكيم إلا ملجأ في شأن القاضي شريح العراقي وأبيه هانئ فيروى أن النبي عليه السلام لما وفد لى هانيء هذا مع قومه سمعهم وهم يكنونه «أبا الحكم» فدعاه رسول الله وقال: أن الله هو الحكم واليه الحكم فلم تكنى- أبا الحكم-؟ فقال أن قومي كلما اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فارض كلا الفريقين... فقال عليه السلام: ما أحسن هذا.
فمالك من الولد؟ قال: لي شريح وعبد الله ومسلم، فقال: فمن أكبرهم؟ قال:شريح.فقال له عليه السلام: فأنت أذن أبو شريح( عوض أبو الحكم) ودعا له ولولده.
فكان أصل التحكيم ومشروعيته في الفقه الإسلامي قوله تعالى مخاطبا رسوله عليه السلام في سورة المائدة:«فان جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وأن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين، وكيف يحكونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك؟ وما أولئك بالمومنين الآية ..»
روى مالك ومسلم والترمذي أن هذه الآية نزلت اليهود لما جاؤوا إلى رسول الله (صلعم) وحكموه في شأن رجل وامرأة زنيا. فقال لهم عليه السلام ما تجدون في التوراة في شأن الزانين؟ قالوا نفضحهم ويجلدون، فقال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها آية الرجم فائتوا التوراة. فاتوا بها فوضع أحدهم يده على آية الرجم وقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام" أرفع يدك، فرفع يده فإذا آية الرجم تلوح.. فقالوا: صدق يا محمد، إن فيها آية الرجم، فأمر رسول الله برجم الزانيين.
وفي رواية أبي داود عن جابر بن عبد الله ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: ائتوني بأعلم رجلين فيكم، فجاءوا بابني صوريا، فنشدهما الله كيف تجد أن أمر هذين في التوراة؟ فقالا: نجد في التوراة اذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها كالمورد في المحكمة رجما. فقال: فما يمنعكما أن ترجموهما؟ قالا: ذهب سلطانا فكرهنا القتل فدعا النبي( صلعم) بالشهود فجاؤوا فشهدوا......فأمر برجمهما.
وقد تركت الآية الكريمة الخيار للإمام إن شاء حكم بين اليهود وإن شاء أعرض، ولذلك أنفذ عليه السلام الحكم بينهم ليحقق تحرفهم وتبديلهم وتكذيبهم ما في التوراة:«يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير.»
بالرغم من إن إنقاذ الحكم بين اليهود كان حق الأساقفة فان الإمام إذا حكمه أهل الكتاب جاز اتقاذه للحكم ولا يلتفت إلى الأساقفة، فيكون من باب الأحروية أنه إن حكم مسلمان بينهما رجلا نفذ حكمه من دون أن يعتبر رضا الحاكم، إذ الحكم ليس بحق للحاكم على الناس وإنما هو حق للناس عليه وهكذا لما حكم الكتابيون النبي(صلعم) نفذ عليهم الحكم ولم يكن لهم الرجوع فيه، وكل من حكم رجلا فاصله هذه الآية.(2)
ولما كان سند المالكية في حكمة مشروعية التحكيم هو المبدأ الذي يقضي بأن الحكم بين الناس إنما هو حقهم لا حق الحاكم وكان الاسترسال على التحكيم خرقا لقاعدة الولاية ومؤديا إلى تهارج الناس أمر الشرع بنصب فاصل وهو القاضي ليحسم قاعدة الهرج وفي نفس الوقت إذن في التحكيم تخفيا عن القاضي وعن الناس في مشقة الترافع لتتم المصلحتان وتعم الفائدة فكان هذا المبدأ أساسا لقول مالك: «إذا حكم رجلا فحكمه ماض، وان رفع إلى قاض( أي في حالة الامتناع) أمضاه إلا أن يكون جورا بيننا. ومنه قاعدة سحنون( يمضيه أن رآه)»«أي إن كان موافقا للشرع» وفسره ابن العربي «وذلك في الأموال والحقوق التي تختص بالطالب فأما الحدود فلا يحكم فيها إلا السلطان والضابط». فيؤخذ من ذلك أن كل حق اختص الخصمان به جاز التحكيم فيه ونفذ تحكيم المحكم به، وهو نفس المعنى الذي ورد في الفصل 527 من قانون المسطرة المدنية الذي ينص صراحة على أن لكل الأشخاص أن يتفقوا على التحكيم في الحقوق التي يملكون التصرف فيها، ولا يجوز التحكيم في...المسائل التي تتعلق بالنظام العام الخ ... وفي المجلة التونسية:«في الأمور المتعلقة بالنظام العام...وفي كل النزاعات الأخرى الواجب عرضها على النيابة العمومية».
ويتفق أبو حنيفة مع مالك في لزوم حكم التحكيم «بشرط أن يوافق حكم قاضي البلد». أما الشافعي وان كان يجيز التحكيم فهو لا قول بلزوم الحكم التحكيمي، فهذا في نظره إنما فتوى لأنه«لا يقدم آحاد الناس على الولاة والحكام ولا يأخذون الولاية من أيديهم». فيتضح من مقارنة المذاهب الثلاثة أن المشرع المغربي اتخذ موقفا وسطا بان قنن مادة التحكيم تقنيا ضيقا وأخضعها لمراقبة القضاء وقرر بأن حكم التحكيم لا يلزم الخصوم إلا بعد إضفاء الصيغة التنفيذية عليه من طرف رئيس المحكمة ، وقد تقدم شرح ذلك في الجزء الأول من هذا البحث(3).
هذه لمحة عن أصل التحكيم ومشروعيته في الفقه الإسلامي:
أما في القانون الفرنسي، فبالرغم من أن التحكيم كان متداولا بين الناس لفض أصناف النزاعات وأن اللجوء إليه كان أمرا طبيعيا عايش الضرورة والحاجة،فإنه لم يصبح مؤسسة ذات أهمية ولم يعتبره المشرع الفرنسي مشرعة من وسائل التقاضي ولم يعره فقهاء القانون عنايتهم إلا بعد أن قضى به مرسوم 16  غشت 1790 فكانت أول بادرة لتقنين التحكيم الإرادي.
وبعد ذلك قضى مرسوم 10 يونيه 1793 بالتحكيم الإجباري في عدة مواد وبالأخص في المنازعات المتعلقة بعقارات الدولة والممتلكات الجماعية. وأدى ذلك إلى إدراج عدة نصوص جديدة بمجلة المرافعات المدنية لتقنين التحكيم الإرادي، ولئن كان قانون المسطرة لم يفرض قط اللجوء إلى التحكيم، فان بعض أواب المجلة التجارية نقحت بكيفية أصبحت معها عدة مواد خاضعة للتحكيم الجبري، وهكذا قضت الفصول 51 إلى 63 باللجوء إجباريا إلى طريقة التحكيم في جميع المنازعات الناشئة بين الشركات بشأن الشركة، إلا أن هذا الإجراء أثار عدة انتقادات ومعارضة شديدة أدت الى إلغائه بمقتضى قانون 17-23  يوليوز 1856، ومع ذلك فقد أكدت المادة 332 من نفس المجلة مقتضى اشتراط التحكيم فيما قد ينشا من نزاعات حول تطبيق العقود الخاصة بالتأمين البحري، أي التنصيص بتلك العقود على لزوم اتفاق المتعاقدين لعرض أية منازعة تثار بشأن تنفيذها على محكمين...وبالرغم من ذلك فقد كان منهج اجتهاد المحاكم الفرنسية يميل إلى رفض الشرط التحكيمي في  مي عقد  من العقود إلى حد أن أصبح العمل باشتراط التحكيم لاغيا بحكم المحاكم على أثر قرار الغرفة المدنية الصادر بتاريخ 10 يوليوز 1843 .
منذ ذلك الحين عاش التحكيم بفرنسا فترة كاد أن يختفي فيها أثره، إلا أن متطلبات الانقلاب الصناعي والحركة التجارية والبحرية التي عرفتها بعض دول العالم في نهاية القرن التاسع عشر الفتت من جديد أنظار المشرع الفرنسي إلى أهمية التحكيم، ومع ذلك فلم يستقر رأي المحاكم بفرنسا على الأخذ باشتراط التحكيم في العقود التجارية إلا بعد انصرام فترة طويلة من التردد والمد والجزر وكان ذلك باعثا للبرلمان الفرنسي على التصويت بتاريخ31 دجنبر سنة 1925 على قانون أضيفت بمقتضاه فقرة جدية للمادة 631 من المجلة التجارية بجواز اشتراط التحكيم فيما قد ينشأ من نزعات بشأن تنفيذ العقود التجارية.
ومنذ ذلك العهد اتخذ المشرع الفرنسي التحكيم الإرادي أو الجبري وسيلة لفض عدة نزاعات(4)، إلا أن اجتهاد المحاكم الفرنسية لم يقر لشرط التحكيمي فيما عدى العقود الخاصة بالتأمين البحري، وبالالتزامات والمبادلات التجارية والاتفاقيات الجماعية للشغل، والنزاعات الناشئة بين الشركاء المشاعين في العقارات(5) ففي كل هذه المواد صدرت نصوص جديدة لتنظيم الشرط التحكيمي وتقنينه مما يجري به العمل في الحاضر.
وهكذا عرف التحكيم بفرنسا منذ عهد غير بعيد انطلاقته القاية التي لم يكن الداعي إليها انتصار فكرة أو تلك ولكن لأنها كانت نابعة من الحاجة الماسة والضرورة الملحة.(6)
بعد هذه اللمحة الخاطفة عن أصول التحكيم وتطوراته في الشرق والغرب وبعد أن أتينا على أهم المبادئ العامة في ميدان التقاضي بطريقة التحكيم وعن بعض المقارنات سواء في مجال التشريع او القضاء، وأبرزنا عدة جوانب متشابهة وأخرى غير متشابهة، فهل لنا أن نستخلص شيئا مما قدمناه لنصل إلى تخطيط صورة واضحة عن مؤسسة التحكيم في القانون المغربي؟
إن ما نستخلصه بكل وضوح هو أن المشرع سواء في الفقه الإسلامي أو في القانون الغربي، استقر رأيه على الأخذ بطريقة التحكيم في ميدان التقاضي على أن ينحصر مجاله في نطاق معين، وان يخضع لمسطرة دقيقة للحد من سلطة المحكمين، وأن تخضع الاحكام التحكيمية لمراقبة القضاء مع توفير وسائل الطعن؛ وسنرى في أبحاث أخرى كيف عالج المشرع المغربي كل ذلك، محاولين إلقاء نظرة فاحصة على اجتهاد المحاكم وسرد بعض الأمثلة التطبيقية تعميما للفائدة.

(1) Clause compromissoire
(2) راجع تفسير ابن العربي صفحة 257
(3) انظر تحت عنوان: « المعنى الشرعي والقانوني للتحكيم» دعوة الحق، العدد 6، السنة 10، صفحة 55-راجع أيضا كيف تذيل صكوك التحكيم من طرف قضاة الأحوال الشخصية لأعطائها الصيغة التنفيدية، «الحمد لله بعد عرض صك التحكيم على سيادة من يجب واطلاعه عله ظهر له أنه جار على السند الشرعي فأمر بامضائه والعمل بمقتضاه»
(4) أنظر على الخصوص قانون 28 يونيه 1948 بشأن العقارات المشاعة وكذا قانون 18 أبريل 1946 حول الملكية التجارية.
(5) راجع«هامل»الشرط التحكيمي في العقود التجارية:

(6) طالع تأليف«جان روبير»في موضوع الحاجة الى التحكيم ومنفعته في بعض الميادين، الطبعة الثانية سنة 1955.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here