islamaumaroc

في سبيل تصحيح مفاهيم تاريخ الفكر الإسلامي والثقافة العربية: مقاومة... لا انحطاط

  دعوة الحق

110 العدد

حاول بعض المؤرخين والكتاب أن يصفوا الفترة من 656 هـ بعد سقوط بغداد إلى 1213 هـ 1798 م – وهو تاريخ قدوم نابليون إلى الشرق – بأنها فترة انحطاط.

والحق أن هذه القرون الستة لا يمكن أن تدرس على أنها مرحلة واحدة، ولا يمكن أن يصدر عليها حكم واحد فضلا عن أن علامات اليقظة في عالم الإسلام سبقت قدوم نابليون بوقت طويل، وقد انبعثت من الأعماق ولم تكن بفعل مؤثر خارجي.

واعتقد أن هذا الحكم ربما قصد القائلون به قطاعا معينا هو« الأدب العربي» ثم انسحب على الفكر الإسلامي كله، ذلك أن الدلائل المؤكدة تثبت أن « الفكر الإسلامي» قد واجه مرحلة ضخمة من مراحل التحدي خلال فترة الغزو الخارجي، وأنه استجاب استجابة واضحة فكان على مستوى المعركة، وقد استمر هذا الفكر قويا إلـى مرحلة (عصر الوحدة الإسلامية العثمانية) وأن فترة ضعفه لم تزد على مائة عام قبل ظهور دعوة التوحيد على لسان الإمام محمد ابن عبد الوهاب.
                                *
والواقع أيضا أن « الأدب» ليس هو« الفكر العربي الإسلامي» في هذه المرحلة، ولكنه قطاع واحد منه، ولم يكن سقوط بغداد في الحق هو أول مرحلة الغزو الصليبي، وليس سقوط بغداد إلا حادثا جزئيا، ربما أحدث أثره في الآداب نتيجة للهزة العاطفية التي أصابت المسلمين بعد سقوط ( بغداد) مقر القيادة السياسية الإسلامية، أما أثره الفكري فلم يكن عميق الغور، إذ أن مراكز الثقافة لم تلبت أن انتقلت إلى الشام ومصر والمغرب، ويمكن القول بأن « عصر الغزو والمقاومة» كان امتدادا طبيعيا لعصر« التبلور والانصهار» لعالم الإسلام فكرا ومجتمعا. بل أن ثمرات الفكر الإسلامي والعلوم والفلسفات كلها قد تفتحت في عصر المقاومة، ولعل الادعاء بأن هذه المرحلة جميعها فترة ضعف، ولا نقول انحطاط، قد جاء بنتيجة ما لوحظ من توقف حملات الصراع بين المذاهب والدعوات، التي اتسم بها« عصر التبلور والانصهار» بيد أن هذا التوقف في معارك السجال، وإنما هو ظاهرة طبيعية لهذه المرحلة، وليس علامة جمود، فان المذاهب التي نشأت نتيجة اختلاف مفاهيم المعتزلة والسنة ودعاة الكلام والفلاسفة والتصوف كانت قد تقاربت، بعد أن زال الصراع  السياسي الذي كان يحمل لوائها ويستخدمها، وبعد أن دخلت إلى الإسلام موجات ضخمة من السلاجقة والبربر والمماليك وعناصر مختلفة من الأجناس والأمم، وبعد أن غلبت الثقافة السنية التي حمل لوائها الأتراك في عناصرهم المختلفة: سلاجقة وأتايكة وأيوبيين وعثمانيين من بعد وكانوا بالإضافة إلى المماليك والبربر( المرابطون والموحدون) جميعا من أنصار الثقافة السنية، بينما كانت الثقافة التي تحمل طابع أهل البيت – وهي أساسا لا تختلف مع مذهب السنة والجماعة إلا في الفروع- قد انحسرت في منطقة فارس وما بعدها وتمثلت في الفرس والتتار.
                                                   *
ومن أبرز ما تتسم به هذه المرحلة منذ الغزو الخارجي للعالم الإسلامي( الصليبيون في المشرق والفرنجة في المغرب) هو غلبة طابع التصوف على الجماعات الإسلامية وتغلغل هذه الظاهرة في المجتمع الإسلامي وتأثيرها على مفاهيم الثقافة السنية والربط بينها وبين مفاهيم الثقافة الشيعية في الالتقاء على حب النبي وآل البيت مما قرب هذه المرحلة بين أهل الفقه وأهل التصوف وبين السنة والشيعة جميعا.
وقد كان لسمة« التصوف» الظاهرة الواضحة في هذه المرحلة أثرها البعيد المدى، في معركة المقاومة للغزو الأجنبي، فقد كانت من عوامل القوة الدافعة لمجموعات ضخمة من الشباب بالفتوة والمرابطة في سبيل الله والانصراف إلى الجهاد والمقاومة والاعتصام بالثغور، والانضواء تحت لواء القوات الإسلامية المندفعة بقيادة عماد الدين زنكي ونور الدين محمود، وصلاح الدين الأيوبي، والظاهر بيبرس، ويوسف ابن تاشفين وعبد المؤمن بن علي وغيرهم من زعماء مقاومة الغزو الخارجي لعالم الإسلام.
وفي هذه المرحلة كانت المعاهد الإسلامية القائمة في أنحاء العالم الإسلامي هي العامل الأكبر الذي حافظ على اللغة العربية والفكر الإسلامي: الأزهر في مصر، والقرويين في فاس، والزيتونة في تونس الأعظم بالقيروان، والأموي بدمشق، ومعاهد النجف وكربلاء  وسامرا، وكلها استطاعت أن تحتضن الفكر الإسلامي واللغة العربية في هذه المرحلة الدقيقة وتذود عنهما عادية الغزو، وقد ظلت هذه المعاهد من حلقات المساجد والكتاتيب ، والى الجامعات قائمة بدورها التاريخي، خلال فترة اجتياح المغول والصيلبيين والفرنجة لعالم الإسلام.
وكان دور المرأة في مجال العلم خلال هذه الفترة مطرد النماء، فقد ظهرت أسماء لها شهرتها في هذه المرحلة من المسلمات المتفقهات، كن يعملن ويتحدثن في مجالس القاهرة ودمشق، كما رافق حكم المماليك في مصر والشام حركة علمية أدبية توافرت خلالها المدارس والمكتبات والمؤسسات الخيرية فضلا عن التآليف والأبحاث الدينية واللغوية وظلت اللغة العربية هي لغة العلم والسياسة.

وكان للأزهر دوره الضخم في هذه المرحلة. فقد أطلق صلاح الدين الأيوبي 567-1171 م للأزهر رسالته في مجاله الثقافة الإسلامية السنية، ومنذ عصر صلاح الدين أصبح الأزهر جامعة الفكر الإسلامي ومهدا للإسلام واللغة العربية، فلما جاء الظاهر بيبرس جدد شباب الأزهر، حيث عادت صلاة الجمعة.

وكانت للأزهر في مرحلة الغزو والمقاومة مدارس فرعية متخصصة تمده بالطلاب، وكانت إقامة هذه المدارس قد بدأت في عصر الدولة الأيوبية، وقد أقامها نور الدين محمود في الشام( دمشق وحلب) وفي مصر قامت مدارس مختلفة لدراسة الفقه الشافعي والمالكي والحنفي والحنبلي والحنفي، وفي المدرسة الناصرية تولى شأن الدراسة ابن خلدون وتعهد الأزهر علماء كثيرون في مختلف أنحاء عالم الإسلام، في هذه الفترة منهم: عبد اللطيف البغدادي(589) هـ وقد تولى التدريس بضعة أعوام فيه، وكان موسى بن ميمون يلقي فيه دروسا في الرياضة والفلك والطب، وكان شرف الدين ابن الفارض يعقد به حلقات الصوفية الروحية. وكذلك شهاب الدين السهروردي، وشمس الدين بن خلكان صاحب وفيات الأعيان، وكان الأزهر في هذه المرحلة يضم أعدادا ضخمة، وكان مفتوحا للطلاب من كل مذهب، تدرس فيه سائر العلوم الدينية  واللغوية، ويقوم على تثقيف العدد الكبير من الطلاب عدد كبير من الأساتذة، يقصدونه من كل بقاع عالم الإسلام، ويقطن في أروقته منهم عدد كبير، بلغ في أواخر القرن الثامن الهجري سبعمائة وخمسين طالبا ( المقريزي).
                                                     *
ومن علماء الأزهر في القرن الثامن الهجري: شمس الدين الاصبهاني( أمام الدنيا في المقومات) وشرف الدين الزواوي، وكان بمصر من الأندلس العلامة: محمد بن يوسف ابن جنان النقري، والعلامة الحافظ بن حجر العسقلاني، وتقي الدين المقريزي، تلميذ ابن خلدون، والحق أن الأزهر منذ الغزو المغولي والقضاء على الحضارة الأندلسية، أصبح أكبر مهد في عالم الإسلام كله، وميزته أنه يتوسط هذا العالم، وأنه قريب من الحجاز، وله صبغته العربية المحضة( د. فولزر) والواقع أن هذه الفترة ناضلت فيها الثقافة الإسلامية وأن ضعف الأدب، كانت عوامل اليقظة والقوة واضحة في مجال التاريخ والقصة والنصوص. وفي تأليف الموسوعات وكان ذلك تحديا للضعف السياسي، وكان مجال العلم التجريبي والفلسفة قد اتسع افقه في الأندلس، بينما عرفت الشام ومصر بالتقدم في مجال الفقه والنصوص.
                                                   *
ولعل من أهم الظواهر في هذه المرحلة: ( ظهور الثقافة العربية) مقام الأدب العربي الذي لم يكن في كل هذه المراحل ممثلا للفكر الإسلامي، وقد كان طابع التكامل والوسطية التي اشتهرت في الأبحاث في هذه الفترة أكثر أصالة من ذلك التمزق الذي حفلت به الفترات الماضية حين كان الأدباء والشعراء يذهبون إلى أبعد مدى في خدمة الأمراء وإذلال النظم لهم، وقولهم غير الحق، وإسرافهم في المدح والهجاء، والمجون والإباحة الخمريات على نحو بلغ انحرافه عن مفهوم الإسلام حدا كبيرا.
إن الثقافة العربية في مرحلة الغزو الخارجي قد كانت تحررت من خلافات المذاهب ومعاركها، كما تحررت من أهواء الشعراء والنظامين من الواقفين على أعتاب الأمراء، ومن ثم كان العلماء وهم القادة في هذه المرحلة أشد الناس عزوفا عن عطايا الحكام أو قبول مناصبهم، تحرز لفكرهم واستعلاء على قبول الظلم أو كتمان كلمة الحق، وكان للثقافة الإسلامية في هذه المرحلة أثرها الواضح في التخلص من المحسنات البلاغية وجمع الفنون المختلفة والمزج بينها، وكان التأليف الموسوعي الجماعي الممنوع في هذه المرحلة يهدف إلى تقديم المعرفة بصورة شاملة وسريعة، وكان ذلك في واقعه إنما يمثل أكبر رد فعل للغزو الصليبي والفرنجي والمغولي وما دمر من مكتبات وقضى على معاهد وجامعات، فهو عصر خوف وسرعة ومقاومة، استهدف جمع حصيلة ضخمة من التراث الإسلامي وحفظها وتنسيقها في موسوعات ما تزال حتى الآن من الأعمال التي قامت عليها النهضة الحديثة في مجال التراجم والفقه واللغة.

أما توقف الاجتهاد وغلبة النقل والتعليق فيرجع ذلك إلى طابع العصر نفسه، فان عصور المقاومة والجهاد لا تتيح فرصة العمل المنظم الذي يحقق الإبداع  والاجتهاد، إبداعا واجتهادا يتصل بعصور البناء ونمو الحضارات وازدهار السلام، كما يقوم في كنف الوحدات النامية المزدهرة، ومن خلال تطور الحياة الاجتماعية ونموها بالتفاعل والتعامل، أما في عصر المقاومة فمن الحق أن يتصرف الفكر الإسلامي كله إلى شحذ أسلحة المواجهة والجهاد وإعادة صياغة الفكر على نحو من الشمول والتكامل حتى لا يفقده الغزو المتصل مقاوماته الأساسية، وآية ذلك أن النشاط العقلي للمسلمين لم يتوقف وأن ضعف فيه الابتكار الذي هو ثمرة حياة الدعة والسلام، وبرزت ظاهرة تأليف الموسوعات التي تعد من أعمال مراحل التحدي والمقاومة، ويمكن القول بان هذه ليست فترة موت ولكنها فترة بناء على نحو يتفق مع تحديات العصر في مجال حياطة وحماية وتجديد الفكر الإسلامي وتنسيقه على نحو جديد.

وقد تنوعت الثقافة في هذه المرحلة بين أبحاث التاريخ والجغرافية والأدب والكلام واللغة والعروض والحديث والتفسير والفلك والموسيقى والسياسة والرياضة، ويرجع ذلك إلى انتشار دور العلم في أرجاء مصر والشام وخزائن الكتب، وقد وصف حكام هذا العصر بأنهم مثقفون ثقافة ممتازة، وقد أحاطوا أنفسهم بطبقة ممتازة من المثقفين، وآية ذلك مجالس بدر الدين محمود وصلاح الدين الحافلة بأهل العلم، فضلا عن بناء المدارس، وقد مضى المماليك في نفس طريق الأيوبيين، فكان الظاهر بيبرس يقرب النابغين في كل علم، ومنه، ويقول: أن سماع التاريخ أعظم من التجارب وكذلك فعل قلاوون، وظلت المساجد خلال هذه الفترة عامرة بحلقات العلم وكذلك الزوايا والمدارس.
وقد أبرزت هذه المرحلة عديدا من الأعلام.
القزويني 605-682 ، ابن منظور 620-711 ابن نباتة 686-768، ابن قيم الجوزية 691-851 ابن بطوطة 703-779، القلقشندي 756-821، المقريزي 766- 845 لسان ابن الخطيب 733-808، ابن خلدون 732-808.
وهكذا تنهار من أساسها تلك الشبهة التي تقول أن مرحلة ما بين سقوط بغداد وقدوم الحملة الفرنسية كانت مرحلة تخلف وثبتت عكس ذلك.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here