islamaumaroc

ركائز التفكير الإسلامي

  دعوة الحق

110 العدد

أثار أحد أساتذة الفلسفة في الجامعة الأمريكية ببيروت شبهات وشكوكا حول بعض آيات القرآن، وكان للحوار الذي عقده سماحة مفتي طرابلس العلامة الشيخ نديم الجسر للرد على ما أثاره هذا الأستاذ في جريدة «النهار» دوي عظيم في العالم العربي كله.. وقد بلغ من إعجاب العلماء المحققين بذلك الرد القيم أن أحدهم قال عن الجزء المتعلق بركائز التفكير الإسلامي أنه من ناحية شموله (للإيمان والعمل) يكاد يكون أعظم وأنفع من كتاب (قصة الإيمان).
وقد رأت جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية بطرابلس كعادتها في نشر ما يخدم الإيمان والإسلام، وينفع الشباب المثقف الحائر بين الفلسفة والعلم والقرآن، أن تطبع من رد سماحة الأستاذ الجسر ذلك القسم المخصص لبيان ركائز التفكير الإسلامي وتنشره في كتيب صغير الحجم ليكون في متناول أيدي الناس عامة والشباب خاصة، فإن هذه الركائز هي كما وصفها كاتبها بقوله:
«كخزانة الدواء في البيت يجد فيها الشاب العلاج لكل شك وزيغ».
«ودعوة الحق» يسرها أن تنقل إلى قرائها، باعتزاز، هذا البحث القيم الذي وصلها أخيرا من سماحة مفتي طرابلس العلامة الشيخ نديم الجسر تعميما للفائدة.
                                                                                    التحرير

وجود الله
أرجح أن الجدل بيننا، الآن، ليس عن وجود الله أو عن عدم وجوده. فانك، وأنت أستاذ الفلسفة، لا بد أن تكون عند الحق من قول فرنسيس باكون «أن القليل من الفلسفة يبعد عن الله والكثير منها يرد إلى الله». والظاهر من كلامك أنك مؤمن بأن الله هو خالق الكون، ومؤمن، بالتالي، وبالبداهة، بأن خالق الكون هو خالق النواميس، وبأنه خالق الحياة، وخالق الذباب، الذي قال عنه القرآن، في سورة الحج «يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له. إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له، وان يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب، ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز» قبل أن قال (روجر باكون) و(توماس اكويناس) بقرون طويلة، قوليهما المشهورين: « ما من عالم قد عرف، حتى اليوم، حقيقة ذبابة».
وإنما أنت تستصعب قصور الذهن لهذا الإله، على طريقة القرآن الذي يقول عنه «ليس كمثله شيء» وتستشكل في خلق الله لآدم من تراب، وتقطع كل علاقة لله في خلق الأجنة، حتى تكاد تخرج من هذه الصعوبات والاستشكالات إلى ما يوشك أن يكون إلغاء لوجود الله.. وهذا ما يحيرني في أمرك.. وإلا فقل لي: كيف نوفق بين كونك مؤمنا بأن الله خالق الكون، وخالق الحياة، وخالق الإنسان، وخالق النواميس، وكونك تغفل، وأنت العالم الألمعي، عن تفسير آيات خلق آدم، وخلق الجنين في بطن أمه بأنها قد تعني الخلق التطوري للخلية الإنسانية بطريق النواميس التي خلقها الله، مثلما قد تعني، في الظاهر، الخلق الدفعي المباشر، مع أن كلا الخلقين داخل في قدرة الله، وليس أحدهما بادل على هذه القدرة والحكمة من الآخر؟
ومهما يكن الأمر، فإننا لا نسوق الحديث إليك وحدك، بل نسوقه إلى من وراءك من الشبان العلماء الذين يؤمنون بوجود الله وبأنه خالق الكون، ويرددون في صدورهم بعض الأسئلة التي طرحتها، وأمثالها. والحوار مع هؤلاء لا يدور، إذن، حول وجود الله. وإلا فتكون مصيبة أن نبدأ أبجدية الإيمان من أولها، ونسرد قصة الإيمان التي ألفناها من بدايتها إلى نهايتها.. وإنما يدور الحوار على القرآن وما فيه من آيات متشابهات، يبدو لك ولهم، في الظاهر، أنها تتناقض مع العقل أو مع العلم، ويدور أيضا حول تفكير المسلمين في العالم المعاصر، وزعمك أنه مقيد ومشدود الى الوراء شدا يمنعهم من الانطلاق والتلاقي مع التفكير العقلي العلمي الحديث.
فعلينا، إذن، أن نكشف تراب الظنون الباطلة عن ركائز التفكير الإسلامي، لنرى إن كانت تتعارض مع العقل أم تعتمد عليه، وتتنافى مع العلم، كما زعمت، أم تؤيده؟ وبهذا الكشف والتبيين يستكمل الرد على شكوكك وشكوك غيرك، مهما كان نوعها وموضوعها، حججه وبراهينه، بدون تطويل، ويصبح هذا الرد المركز الذي نضعه كالجعبة فيها السهام، بل كخزانة الدواء في البيت، نجد فيها العلاج لكل شك وزيغ.
وقبل أن نكشف عن ركائز التفكير الإسلامي نسارع إلى بيان أمور أربعة:

ركائز التفكير الإسلامي
أولها- إنني المسؤول عن صدق هذه الركائز، وأنا المطالب بالدليل على كل واحدة منها لأنه لا يتسع المجال في هذا الرد الصحفي، لبسط الأدلة على ما نقول. ولو أردنا أن نفعل لاحتجنا إلى مجلد ضخم أو أكثر، ولن يتسع عمرنا، الذي أشرف على نهايته، لمثل هذا العمل الضخم. ولعل الله يقيض له من يقوم به.
أما الأمر الثاني، الذي نسارع إلى بيانه وتأكيده، فهو أن التفكير الإسلامي نابع من أصول القرآن ومبادئه لا ينفك عنها أبدا.
والأمر الثالث هو: أن ركائز التفكير الإسلامي تتلاقى تلاقيا تاما مع آخر ما انتهى إليه العقل والعلم والفلسفة من الحقائق القاطعة المتفق عليها.
والأمر الرابع هو: أنه لا تعارض مطلقا بين قولنا أن ركائز التفكير الإسلامي ترسو على أصول القرآن ومبادئه وقواعده، وقولنا أنها تتلاقى مع حقيقة التفكير العالمي المعاصر، لأن أصول القرآن تتسع لكل ما هو حق وخير ونافع ومفيد في كل عصر وزمان ومكان، ولان فهم أصول القرآن يزداد عمقا كلما ظهرت حقائق العلم القاطعة. وبهذا التوفيق يكون لنا فكر إسلامي معاصر جديد ينبع من القرآن القديم. ولا قيمة لرأي الجامدين والجاهلين.
فما هي ركائز التفكير الإسلامي (القديم والجديد) التي تتلاقى مع حقائق العقل والعلم القاطعة؟

1-القرآن والعقل
إن القرآن يجعل للعقل السلطان الأعلى في إدراك كل معاني الحق والخير، من أتفه الأمور كإماطة الأذى عن الطريق، إلى أعظمها وهو وجود الله وصفات كماله. وفي القرآن أكثر من 300 آية تدعو إلى تحكيم العقل، وتزري إزراء شديدا بالذين لا يحكمون عقولهم. وأبلغ هذه الآيات وأوجعها قوله «أن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون». وكل إيمان لا يبنى على العقل لا يعد من الإيمان الكامل. أما إيمان العجائز فإنما هو مقبول من باب العذر ورفع الحرج عن العاجزين.
والقرآن يكره الجمود على تقاليد الآباء والأجداد إذا كانت هذه التقاليد تناهض أحكام العقل القاطعة، ويهزأ بهؤلاء الجامدين، ويسخر من الخرافات والأساطير، وليس فيه أسرار يحدث تصورها تناقضا عقليا في الذهن. وكل نص في القرآن يحدث تصوره، في الظاهر، تناقضا عقليا في الذهن يجب تأويله حتى يرتفع التناقض. فالإسلام، إذن، هو الدين السماوي الذي يجعل الجدل العقلي الصارم طريقا للوصول إلى الحق.
هذه حقائق يقينية مقررة، حتى تكاد تكون معلومة من الدين بالضرورة. ومن جهلها أو أنكرها فهو جاهل لحقيقة القرآن والإسلام.

2- القرآن والحرية
إن حرية الإنسان، في نظر القرآن، هي أمر  طبيعي وضروري وبديهي. وأن حرية الفرد مطلقة إلى آخر حدود الإطلاق، ولا تقف إلا إذا اصطدمت بالحق أو بالخير.
وهذا المفهوم الجامع، كما أنه يشمل كل أنواع الحريات، من حرية التفكير، وحرية العقيدة، والقول، والعمل، والتملك، والتصرف، فانه يشمل، كذلك، كل أنواع الحق والخير، بالنسبة إلى الفرد ذاته، وبالنسبة إلى غيره من الناس، وبالنسبة إلى المجتمع. لا فرق، في ذلك كله، بين أن يكون الفعل أو القول مباحا بذاته للفرد، أو حقا من حقوقه المشروعة، أو ضربا من القربات إلى الله. فلو أسرف الفرد في أكل الطيبات، إسرافا مضرا بصحته، انقلب المباح حراما، ولو أسرف في إساءة استعمال، حقه وقف حقه، ولو أسرف في الزهد والتقشف والتبتل، بل في العبادة نفسها، بل في الصدقات والمبرات، إلى الحد الذي  تصطدم، عنده، حريته بخير نفسه أو زوجه أو ولده أو وارثه أو المجتمع، لانقلبت قرباته هذه كلها إلى محرمات يمنعها القرآن.

3- القرآن والعلم
إن القرآن يجعل لحقائق العلم الطبيعية القاطعة، القوة نفسها التي للحقائق الرياضية القاطعة، أي السلطان نفسه الذي للعقل. لأن العلوم الطبيعية إنما هي انكشاف للنواميس التي خلقها الله في الكون، فإنكارها، هو بالضرورة، إنكار للعقل الذي يدرك النواميس، وإنكار للذي خلق النواميس، ومعارضة للقران الذي استدل في آيات كثيرة، بهذه النواميس، على وجود الله وقدرته. وهذه الإنكارات تؤلف بذاتها تناقضا عقليا صارخا بين الإيمان والعقل.
وليس صحيحا قولك« إن العلم الذي حث على طلبه الإسلام هو في جوهره العلوم الدينية والشرعية وما يتعلق بها وليس الفيزياء والكيمياء»، بل الحث عام يشمل علم الدين الذي هو أعظم العلوم وانفعها للمجتمع ويشمل علم الطب، وكل علم ينفع الناس والمجتمع. وليس أدل على ذلك من الآية 28 من سورة (فاطر)، التي يخلع بها القرآن وصف( الخشية الكاملة) على علماء الطبيعة، ويكاد يحصرها بهم حين يقول:« الم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود. ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء». فهل  العلماء هنا هم  علماء الشريعة والفقه، أم هم علماء الطبيعة العالمون بأسرار النواميس في الحياة والنبات والحيوان والمطر وطبقات الأرض؟

4-القرآن ليس بموسوعة
ولكن القرآن ليس بموسوعة للعلوم والفنون، وما فيه من الإشارات إلى بعض النواميس الطبيعية إنما هو للتدليل على وجود النظام المحكم، ثم الاستدلال العقلي بهذا النظام على وجود الله. وأما قول القرآن « ما فرطنا في الكتاب من شيء» فليس معناه أنه موسوعة لعلوم الأولين والآخرين، كما يقول بعض البلهاء. بل معناه أنه لم يترك أصلا من الأصول ولا مبدأ من المبادئ التي يرتكز عليها الحق والخير إلا ذكره وبينه.

5-نهج القرآن في الخطاب
إن إعجاز القرآن اللغوي لا يقوم على بلاغته المعروفة عند بلغاء العرب فحسب، وإنما يقوم على قدرة عجيبة في التعبير عن الحق، بشأن النواميس الطبيعية والاجتماعية التي لم تكن معروفة للعرب، أو معروفة للبشر، ببيان يفهمه البدوي الساذج على قدره، ويفهم أسراره المدهشة العالم أو الفيلسوف على قدره. لأنه ما كان لله العليم الحكيم أن يخاطب الناس بأمور لا يفهمونها ولا سمعوا بها ولا تتسع لإدراكها معارفهم.
فإذا قال لهم سبحانه « ويمسك السماء أن تقع على الأرض» سورة الحج الآية 65- أو قال لهم« وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة» سورة الإسراء 12- أو قال لهم « يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل» سورة الزمر 5- أو قال لهم « والفلك تجري في البحر بأمره»سورة الحج 65- أو قال لهم «وأنزل لكم من السماء ماء» سورة النمل 60- أو قال لهم « أفرأيتم النار التي تورون. أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤون» سورة الواقعة 71- أو قال لهم« ألم نجعل له عينين» سورة البلد 8- أو قال غير ذلك من مئات الآيات الدالة على قدرته. المشيرة إلى النواميس التي وضعها في مخلوقاته، فإنه يقول لهم ما يفهمونه على ظاهره، من غير أن يشوش أفهماهم ويذهل عقولهم بذكر ما لا يفهمون من أسرار نواميس الجاذبية، والنور، والبصريات، ودوران الأرض على نفسها أمام الشمس، وقانون ارخميدس، أو أسرار عملية المطر، أو أسرار ناموس الاحتراق عند اتحاد الكربون مع الأكسجين.. ولكنه سبحانه يقول لمن سيأتي من العلماء الذين يطلعون على هذه لإسرار« سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ».وقد جاء الوقت، وانكشفت بعض الأسرار، وتبين الحق.

6-قانون  العلية
مـن ركائز التفكير العقلية في القرآن أمر الفطرة، ومن جملتها« قانون العلية». ذلك أن في عقولنا قوانين فطرية وهي التي سماها« كانط» « قوانين العقل المنظمة».
ومن جملتها، بل من أعظمها قانون العلية، الذي يتطلب بالبداهة، لكل معلول علة ولكل مسبب سببا. هذا  مقرر، وليس لنا أن نشك فيه، كما أنه ليس لنا أن نتطلب عقولا وراء عقولنا التي فطرنا الله عليها « فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها» سورة الروم 30 - وبهذه الفطرة من قانون العلية ندرك وجود الله. ومهما اختلف المتفلسفون في هذه الفطرة وكونها مكتسبة من تجارب الإنسان الطويلة، أو كونها من خلق الله، فان قانون العلية الذي أعتبره ( ديكارت) صادقا وغير خادع، واستدل به على الله، وعلى صفات كماله، هو، على كل حال، القانون العقلي الذي يتحكم في إدراكنا لكل ما في الوجود وعليه يقوم العلم، وعليه تقوم المعرفة، وعليه تقوم الحياة، وعليه يقوم الإيمان بالله.  

7-ميزان التناقض
إن النظر العقلي يدور، في كل شيء من الماديات والمعنويات، والمشاهدات والمغيبات، حول أحكام ثلاثة: (الوجوب والإمكان والاستحالة). هذا مفهوم عند أبسط الناس علما وفهما، ولكن الذي يشتبه ويخفي على بعض أرقى المثقفين من الشباب، أحيانا، هو التفريق بين نوعين من المستحيل : المستحيل العقلي وهو الذي يشكل تصور وجوده أو تصور عدمه تناقضا عقليا في الذهن، كقولنا الواحد ربع الاثنين لا نصف الاثنين، أو قولنا جزء الشيء أكبر من الشيء، أو قولنا جبل لبنان يدخل في الفنجان. أما المستحيل العادي فهو لا يحدث تناقضا عقليا في الذهن، ولكننا، بحكم العادة، نظن أنه مستحيل، وما هو كذلك ولكننا تعودنا أن نراه مستبعدا كالمستحيل، ثم عرفتنا الأيام أنه ليس بمستحيل عقلي: مثل الصعود إلى السماء، والتخاطب والتناظر من أقاصي الأرض، والوصول إلى القمر. والميزان الضابط في تكذيب الخبر ليس استبعاده واستغرابه، بل هو كونه يحدث تناقضا عقليا، كما يقول( لايبنتز). فان أحدثه نفيناه، وان لم يحدثه توقفنا عن التكذيب. فلا يغفلن الشباب الثقيف عن التفريق بين هذين النوعين من المستحيل إذا هو تورط في جدل مع نفسه حول الله والدين وأخبار القرآن.

8- نطاق العقل
من ركائز التفكير الإسلامي الراسية على أصول القرآن، التفريق، في الإدراك ، بين عالم الغيب وعالم الشهادة. وهذا نفسه ما عرفته الفلسفة وأوضحه ( كانط). فهنالك نوعان من الإدراك للموجودات: إدراك لكنه الشيء بذاته، وإدراك لوجوده بالدليل، مع العجز المطلق عن إدراك كنه ذاته. فالعقل البشري قد يستطيع إدراك كنه الشيء بذاته.إلى حد ما، ضمن نطاق محدود، وهو نطاق العالم المادي المحسوس ( عالم الشهادة)، أما في عالم الغيب غير المحسوس فالعقل يستطيع إدراك وجود الشيء بالاستدلال، ويستطيع إدراك بعض صفاته، من أثاره. ولكنه يعجز عن إدراك كنه ذاته. هذا مقرر لا يحتمل الجدل. وبهذا الإدراك نستدل على وجود الله، وعلى بعض صفات كماله، من أثاره، بدون أن نستطيع إدراك كنه ذاته.

9-التصور والتعقل
ومن ركائز التفكير الإسلامي، الذي ينبع من أصول القرآن أن نفرق بين التعقل والتصور. هكذا يقول العلم، وهكذا تقول الفلسفة الصحيحة. فليس كل ما يمكن تعقله يمكن تصوره. لأننا قد نعقل وجود الشيء بالدليل، ولكن لا نستطيع أن نتصوره. وليس عجزنا عن تصور الشيء الذي تعقلناه مبررا للقول بعدم وجود. أترانا نستطيع أن نتصور أن صحيفة من ورق السجاير الرقيق، إذا قطعت بالتضعيف 45 مرة ثم ركمت صعودا تدق بالقمر؟ ولكننا بالحساب البسيط نتعقله. وإذا القي إلينا من المجرة مثلا جهاز تلفزيون، أفلا نستدل به على وجود صانع، ثم نستدل به على بعض صفات ذلك الصانع، التي منها أنه عاقل وذكي وعالم؟ ولكننا مع تعقل وجوده، وتعقل بعض صفاته، لا نستطيع تصور كنه ذاته، لأننا لم نشاهده ولم نحسه، فلا ندري أهو من البشر أم من نوع الإنسان الآلي، ولكن هل يصح، في حكم العقل، أن ننكر وجوده لأننا لا نستطيع تصور كنه ذاته بعدما تعقلنا وجوده وبعض صفاته بالدليل العقلي القاطع؟

10- غايات الأشياء
ومن ركائز التفكير الإسلامي، الراسية على أصول القرآن، إننا محجوبون عن إدراك بدايات الأشياء ونهاياتها. هذا مقرر. هكذا خلقت عقولنا، بل هكذا خلقت حواسنا، حتى في عالم المادة الذي نعيش فيه، كما يقول (باسكال). فالصوت إذا أفرط في الشدة يصم أسماعنا، أو على الأصح لا نسمعه، والنور إذا أفرط في الشدة يغشي أبصارنا بل يصعقنا، كما صعق موسى، والقرب يمنعنا من الرؤية إذا أفرط، كما يمنعنا البعد. هذا هكذا في عالم الشهادة، فكيف إذا كان الأمر الذي نريد معرفة أولياته وبداياته ونهاياته وغاياته في عالم الغيب؟

11- الظن والحق
من ركائز التفكير الإسلامي( ان الظن لا يغني من الحق شيئا) سورة النجم 28- وهذا هو نفسه منطق العقل في إثبات الشيء ونفيه. هناك فرق كبير، عند القطع والجزم، بين الإثبات والنفي. فنحن نجزم  بثبوت الشيء الذي يقوم الدليل العقلي أو العلمي القاطع على وجوده. ولكن لا يحق لنا أن نجزم بنفي الشيء أو الخبر الذي لم يقم لدينا الدليل على وجوده.إلا إذا كان تصور وجود هذا الشيء، أو هذا الخبر، يشكل تناقضا عقليا في الذهن، كما يقول( لايبنتز). أما إذا لم يكن الأمر كذلك، وكان الشيء أو الخبر من النوع الممكن، فإننا نقف أمامه موقفنا من كل ممكن غير مستحيل، فلا نقطع بثبوته عقلا ولا نقطع بنفيه عقلا.

12- نواميس الله لا تتخلف
« ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا » سورة فاطر 43- وكذلك يقول العلم أن النواميس الكونية ثابتة ولا تتعطل ولا تتخلف. ولكن الإنسان يستطيع أن يوقف تأثير ناموس آخر. ولا يقال، هنا، أن الإنسان عطل فعل الله، أو عطل خلق الله. ولكن  يقال أن ناموس الله تعطل بناموس الله، كما في تأخير نمو الخلية الإنسانية في الجنين أو إفسادها أو تشويهها بالمواد الكيمائية أو بالأشعة.

الصوفية في الإسلام
وأما قولك عن الصوفية لمن اعتبرها الحل النهائي والجذري لمشكلات الإنسان المعاصر( أن كلامه هذا يخبئ وراءه سلوكا هروبيا هدفه الابتعاد عن مواجهة الحقائق والواقع عن طريق انطواء الإنسان على ذاته) فهو، منك، قول في منتهى الصحة والعمق والإخلاص. فانه ليس في دين الإسلام صوفية بهذا المعنى ( الهروبي الانطوائي) قط. بل هذه صوفية خيالية أتتنا رياحها المخدرة من الشرق القديم، ومن النساك المترهبين في فترة قلقنا الفكري والاجتماعي والأخلاقي والوجداني، فراق لبعض المخلصين منا أن يصوغ على مثالها صوفية إسلامية، كان منها الصافي النابع من معين النبوة، وكان منها، بعد ذلك، المعكر بزبد الطقوس الغريبة عن معدن الإسلام وجوهره.

وإذا كان في الإسلام صوفية فإنما هي صوفية النبي وكبار أصحابه في عبادتهم، وبعدهم عن الترف، وجهادهم الدائم الدائب في كل ما ينفعهم وينفع الناس: من سعي وعمل، واكتساب وارتزاق، وعلم وتعليم، وقوة ودفاع، ونصح وإرشاد، وتعاون وتناصر وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، واهتمام بأمر الجماعة، واستنكار لكل ما يحمل معني الانقطاع عن الدنيا أو معنى التبتل أو التعمق في العبادة أو المغالاة في الزهد، أو الانطواء على الذات..

هذه أهم الركائز في التفكير الإسلامي النابع من معين القرآن، وهي تكاد تكون كالبديهيات في منطق العلم ومنطق القرآن. وهي الكفيلة بالرد على كل التساؤلات والشكوك والصعوبات التي أثيرت، وبالرد على كل صعوبة يجدها الشاب الثقيف في بعض آيات القرآن، حتى يفهمها، أو يكف عن تكذيبها على الأقل. ويكفي الشاب الثقيف إذا كان يسأل للاستفهام حقا، لا للجدل والمراء« بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير» سورة الحج 9- أن يعرض شكه على هذه الركائز، وينعم النظر فيها، ليجد الجواب الذي يرضاه العقل السليم، والمنطق القويم، والقرآن الكريم.

في الرد بإيجاز على تساؤلاتك
أ- أما تساؤلك حول موقف المسلم من الثقافة والحضارة المعاصرة، والانقلاب العلمي، والثورة الصناعية، وكتاب( دارون) في أصل الأنواع ومؤلف ( ماركس) في « رأس المال» ونظرية ( اينشتاين) في ( النسبية) ، فانك تجد جوابه في الركائز الثلاث الأولى التي أوضحنا فيها أن القرآن يقدس العقل والعلم والحرية. ولن يكون موقف المسلم، من هذه المستجدات التي ذكرتها، إلا كموقف كل إنسان ذي عقل سليم. يدركها ويفهمها ويأخذ منها بكل ما يتلائم مع الحق والخير، على أساس مفهوم الحرية في الإسلام.
أما مذهب ( دارون) فقد بينا في محاضرتنا ، وفي كتابنا« قصة الإيمان»، نقلا عن « الرسالة الحميدية» أنه عند ثبوته الثبوت القاطع، لا يتنافى مع القرآن.

وأما نظرية ( اينشتاين) في ( النسبية) فقد بينا في قصة « قصة الإيمان» إنها لا تتعارض مع القرآن في شيء، لأن القرآن يؤيد كل ما هو حق في باب العقل والعلم.

ب- وأما تساؤلك حول خلق آدم من طين فتجد جوابه في كلامنا عن مذهب( دارون). ومثله سؤالك عن المعجزات، فانك تجد جوابه في الركائز(7، 8، 9، 10، 11) فالمعجزات التي قد ورد ذكرها في كل الكتب السماوية لا في القرآن وحده، ما هي في الحقيقة إلا خرق للناموس من قبل الله. فإذا كنا نؤمن بأن الله هو خالق الكون وخالق نواميسه، فبداهة العقل تحكم بأن الذي خلق الناموس قادر على خرقه. والقول بنفي هذه القدرة هو الذي يشكل تناقضا عقليا.

وكذلك سؤالك عن الملائكة والجن، فانك لتجد جوابه في الركائز الخمس المذكورات. لقد كان تصور الملائكة والجن، لعمري، أكثر صعوبة قبل اكتشاف نواميس الضوء.. أما اليوم بعد معرفة أمواج الضوء وأنواعها من المنظورة وغير المنظورة، وسلالمها الكثيرة التي يقع العالم المنظور في سلم واحد منها فقط، فقد أصبح من قبيل التعنت والمراء أن نقف من الملائكة والجن موقف الإنكار.


والخلاصة أن هذه الأمور الغيبية كلها، من خلق آدم، وخرق النواميس، ووجود الملائكة والجن، إنما يقع تصديقها أو تكذيبها تحت تمحيص مبدأ التناقض الذي ذكرناه في الركيزة(7). وبما أنها من النوع الممكن، ولا يحدث تصور حدوثها أو وجودها تناقضا عقليا في الذهن، فلا مجال للجزم والقطع بتكذيبها.

خلق الإنسان
ج- وأما تساؤلك حول الآية الواردة في سورة « المؤمنون» التي تتعلق بخلق الإنسان من نطفة وعلقة ومضغة، وقولك عنها أن ظاهرها يفيد الخلق الدفعي المباشر، وأن هذا يتنافى مع علم الأجنة، وما ثبت فيه من تطور الخلية الإنسانية، وتحيرك في كيفية التوفيق بين خلق الله المباشر المتكرر للنطفة فالعلقة فالمضغة فالجنين في أطواره المذكورة، وبين كوننا نستطيع أن نتحكم في نمو الخلية، ونستطيع تأخيره أو تشويهها، ونكون بالتالي كالمعطلين لعمل الله في الخلق، فانك لتجد جوابه في الركيزة (12)، وفي كلامنا عن خلق آدم ومذهب( دارون)، وقولنا فيه: أن الخلق يمكن أن يكون بالطريق التدريجي التطوري، على مقتضى نواميس وقوانين وضعها الله في الكون. واحسب أن علم الأجنة مما يؤيد هذا الخلق التطوري ويقدم عنه مثالا محسوسا، وإن كان الخلقان يقعان تحت قدرة الله، وليس أحدهما أدل على القدرة من الأخر.

وأما تعجبك مما يعطيه ظاهر الآية من معنى الخلق المباشر المتكرر، فتجد جوابه في الركيزة (5)، التي بينا فيها أن نهج القرآن في مخاطبة الناس إنما يكون على قدر أفهامهم ومعارفهم. وما كان لله العليم الحكيم، الذي هو الخالق في الحقيقة على كل حال، أن يحير الناس، في عهد نزول القرآن، بذكر تفاصيل الخلق عن طريق الخلية ونموها التطوري بقوة النواميس التي وضعها الله في الكون، وهم لا يفهمون معنى الخلية ولا معنى الناموس ولا معنى التطور.

وهذا ما قلنا عنه أنه من إعجاز القرآن، حين يعبر عن المعنى بعبارة يفهمها البدوي الأمي على ظاهرها، ويفهمها العالم الفيلسوف في أعماق أسرارها

وآخر الأجوبة عن أمر الخلية هذه تجده في الركيزة (12) التي قلنا فيها أن نواميس الله لا تتخلف، ولكن يمكن توقيف أثرها بتسليط ناموس على ناموس. فنحن عندما نتحكم في نمو الخلية أو فسادها أو تشويهها لا يقال أننا عطلنا عملية الخلق التي يقوم بها الله بيده، ولكن يقال أن أحد نواميس الله قد توقف بأحد نواميس الله، طبقا لما أراد الله في الناموسين أن يتفاعلا، وطبقا لما أراد الله للإنسان من التصرف في استعمال النواميس والانتفاع بها، وطبقا لما قدره الله في علمه الأزلي من خلق الجنين أو عدم خلقه. وهذا أظهر من أن يحتاج إلى جدل.

« ليس كمثله شيء»

د- وأما كلامك عن مخالفة الله لجميع الأشياء وعن قول القرآن عن الله« ليس كمثله شيء» وقولك أنت عنه في أخر الكلام عن لسان المسلم« كيف أومن بكائن يقال لي انه في الحقيقة لا يوصف؟ وهل يكون ذهني خاليا من كل معنى أو تصور حينما أصفه بالعدل والرحمة مثلا؟ ألا يكون، عندئذ، وجود مثل هذا الإله أو عدم وجوده سيين بالنسبة إلي».

فإني أسألك، في جوابه: مالك يا دكتور؟ انه ليبدو أنك تكاد تضع المشكلة في طريق مسدود، أو تكاد تطلقها « إلى ظل ثلاث شعب. لا ظليل ولا يغني من اللهب». فأما أن تنكر وجود الله، وأما أن تقول بالتجسيد للإله، وأما أن تقول بوحدة الوجود.. وما أحسبك تريد شيئا من هذا.

ثم. هل القرآن وحده قال بهذا التنزيه لله عن مشابهة الحوادث، أم أجمعت عليه كل الكتب السماوية المنزلة الصحيحة، كما أجمع عليه كل الفلاسفة الإلهيون؟

أم ترانا، مع الدكتور العالم الأستاذ في الفلسفة نحتاج إلى أن نبدأ الأبجدية من أولها، ونقول له المحدث محدث والله قديم، والمحدث يفتقر إلى محدث والله قائم بذاته والمحدث ممكن الوجود والله واجد الوجود.. والمحدث مركب والمركب محدود والله مطلق.. إلى أخر الأمثولة؟..

إننا لا نحتاج إلي  ذلك معك، ولكن ما العمل وقد فجرت السؤال على صفحات الجرائد؟ أنسكت ليقول الشباب الذين يقفون على عتبة الزيغ: أنه حيرهم فلم يحيروا جوابا؟

ألا تذكر ما قلناه في الركيزة التاسعة عن الفرق بين التعقل والتصور، وأن ليس كل ما يمكن تعقله بالدليل القاطع يمكن تصوره.. ثم، ألا تذكر ما قلناه في الركيزة الثامنة عن عجز عقولنا عن إدراك كنه الشيء بذاته إلا في المحسوسات؟ ثم. من الذي زعم أن القرآن قال عن الله بأنه لا يوصف؟ أمثلك يقول هذا، والقرآن مملوء بصفات كمال الله سبحانه؟ ولو لم ترد صفات كمال الله في القرآن ألسنا نستطيع أن نعرفها من أثاره؟ ألم يعرفها ( ديكارت) بعقله، لما رجع عن شكه واستنتج من وجود نفسه، وجود ربه وخالقه، ثم استنتج من أثاره أكثر صفات كماله؟

الإيمان العجائزي

هـ- وأما قولك« انه يفترض في المسلم أن يعتقد بإيمانه وقلبه ولا بعقله وذهنه» فغير صحيح. بل عكسه هو الصحيح. فليس في الإسلام إيمان قلبي روحاني يكتفي بالتخيل أو الإلهام أو التلقين أو التقليد، بدون أن يعتمد على أدلة العقل إذا نضج العقل وبدأ التفكير، أما الذي يسمونه إيمان العجائز فإنه ليس بالإيمان الكامل، الذي يقف على رجليه إذا عصفت زوابع الشك أو أعاصير الشبهات. ولكنه يقبل من العجائز والعاجزين عن الاستدلال العقلي، من باب رفع الحرج والتكليف بالوسع، وهما من أهم وأحكم مبادئ القرآن. بل أن هذا الإيمان العجائزي، الذي نحسبه قلبيا روحانيا إلهاميا تلقينيا تقليديا، ينبع، في الحقيقة، من العقل الباطن الذي تكمن فيه، من غير شعور منا، أدلة العقل بالفطرة التي فطر الله الناس عليها، ومن بعضها قانون العلية، الذي يتطلب العقل فيه لكل معلول علة، ولكل مسبب سببا.

ولو اكتفى إيمان الإسلام بأن يكون من الظن والخيال والإلهام والتلقين والتقليد، لما كان يختلف، في هذا عن إيمان المشركين وعبدة الأوثان. كلا ثم كلا. أن إيمان الإسلام هو إيمان الحق واليقين، لا إيمان الظن والخيال و« أن الظن لا يغني من الحق شيئا». وإذا كان إيمان المسلم يقع، أخيرا ، في القلب والضمير، فإنما ينحدر إليهما من قمة العقل، طاهرا من أدران الظنون والأوهام، بعد أن يمر بمصفاة العقل السليم، ويصبح صالحا لمقاومة الشكوك والشبهات، كالدم الذي يرده القلب إلى حيث يصفى من سمومه ليصبح قويا وصالحا لمقاومة الجراثيم.. هذا هكذا. ومن ظن أن في الإسلام إيمانا كاملا غير هذا الإيمان العقلي البرهاني اليقيني، فانه يشوه معنى الإيمان بالله الذي يمتاز به دين الإسلام عن الوثنية المشركة بكل أشكالها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here