islamaumaroc

السياسة والحضارة من منظور أخلاقي

  دعوة الحق

110 العدد

الى أي حد تلتزم السياسة بالأخلاق القومية في عصرنا الحاضر؟ سؤال يتطارحه الناس باستمرار، ولا يملكون حين النظر في هذا الأمر- إلا أن يحملوا الخلق السياسي المعاصر أوزارا غير محدودة، إطلاقا مما يستنتجونه من ملاحظة السلوك الدولي العام، وما ينطبع به هذا السلوك من ظواهر غير مقبولة في كثير من الأحيان!
بيد أن هذا لا يعني أن القضية، هي قضية عصرنا على وجه الخصوص، لكنها اتخذت-حقا- في هذا العصر، طابعا شديد الإلحاح، أكثر من أي وقت مضى، فما هي عوامل ذلك؟ وإلى أين تتجه آفاق السياسة والأخلاق في مضمار الحياة الحضارية الحديثة؟ 

يرجع هذا الى أن عصرنا هو أكثر أخلاقية من غيره، أو أن حالة استقامت من ناحية النظرة الأخلاقية، أكثر مما استقامت النظرة الأخلاقية عند المجتمع الإنساني في غير هذا العصر، إنما مرجع هذا الإلحاح الذي تفرضه القضية الآن، هو بالأخص، ما توجبه حالة التوسع العام الذي تعرفه الحياة الإنسانية المعاصرة، وهو توسع يتسم بسمة فيها كثير من الشمول، يرمي الى استيعاب حياة الناس كلها في نطاق واحد، وصهر مصالحهم ونوازعهم في مصهر واحد، ويربط بينهم برباط وثيق، لكن المشكلة هي : أن هذا الارتباط والانصهار هل يتم بانسجام مع ما نعتبره مثلا أخلاقية، ومبادئ انسانية، أم أن هناك عوامل أخرى، أكثر قوة وأشد مفعولا، تفرض حالة الترابط والتلاحم الإنساني داخل إطار التوسع الهائل الذي يطبع صفة عصرنا الحاضر، وتجعل من هذا التوسع، وما يفرضه من مقتضيات، عبارة عن تيار مجترف يتجاوز المثل النظرية، ولا يبقى منها إلا على ما جرى مع عنف جريانه؟ ثم يفرض السؤال نفسه أيضا: اذا كان الفرض الثاني هو الفرض الراجح، فماهي إذن مظاهر هذا التوسع الذي نشير أليه، وصورة الارتباط بين هذه المظاهر والقضية السياسية- الأخلاقية ، التي يقوم عليها موضوعنا؟
ونجتزئ هنا بإيراد آفاق هذا التوسع، والمراد منها بطبيعة الحال هو مجرد التمثيل، لا الحصر، لان الحصر، ليس له من ضرورة تفرضه من أجل تصور القضية التي نعالجها هنا، ثم أن هذا الحصر – ولو في نطاق مجمل- مما لا يتيسر في بحث محدود جدا كهذا.
نجتزئ إذن بثلاثة نماذج من حالة التوسع القائمة وهي:
1) التوسع العلمي، وبطبيعة الحال، فإننا لا ننظر الى توسع العلوم نظرة ترتبط بالموضوع من الناحية العلمية، بل نبقى ملتزمين بالقضية من جانب اتصالها بالسياسة والأخلاق! ونحن ندرك سلفا، أي ارتباط موجود اليوم بين التطور العلمي من جهة، وبين مشاكل السياسة في عصرنا هذا، من جهة، وقضايا الأخلاق أيضا في عصرنا من جهة أخرى، والموضوع هذا – في حد ذاته- موضوع العلم والأخلاق، ما فتىء يثير الكثير من الاهتمام لدى المفكرين وذوي النظر في هذا العصر، والأمر في هذا، كالأمر أيضا في قضية العلاقة بين الفن والأخلاق، والاقتصاد والأخلاق، أو غير ذلك من المواطن التي تتداخل فيها الملابسات الأخلاقية بصورة أو بأخرى؛ إلا أن العلم- بالنظر لصلته الوثقى بالحياة- وارتباطه بمشاكل المجتمعات اليومية – العلم يبدو- أكثر إثارة لموضوع الأخلاق، وادعى الى خلق اهتمامات فكرية من هذا القبيل؛ اهتمامات ناشئة في عمومها عن حالة الاحتكاك بين الواقع الذي يخدمه العلم، وبين القيم المثالية القائمة في الذهن؛ ويزيد من أهمية هذا الاحتكاك حدوثه في كثير من الأحيان على شكل تصادم شديد الوقع على الفكر، يضطر معه الإنسان الى مراجعة كثير من اقتناعاته، وإعادة تحسس مواطئ قدميه في دنيا المسلمات التي لديه في الذهن، فإذا أضفنا الى هذا، ارتباط العلم بالسياسة ارتباطا لم يعرف مثيله تاريخ العلم، ولا تاريخ السياسة من قبل، أدركنا عمق القضية التي يخلقها التطور العلمي المعاصر في هذا الموضوع، وهي قضية تتشعب هكذا شعبا تتصل بالسياسة، بقدر ما تتصل بالأخلاق، وتلمس عالم المثل والقيم، على نحو ما تمس عالم الواقع الماثل، وهكذا يذهب  التشعب بعيدا في هذا المضمار، فالعلم اليوم أداة انسانية بالمفهوم الايجابي التقدمي للإنسانية، ومن أجل ذلك ، فهو موضوع في متناول الإنسان يستخدم تطبيقاته في شتى الأفاق التي يستغل فيها التطبيق التقنولوجي للعلوم، ووجود العلم هكذا ذا قابلية غير محدودة لاستخدام العملي من قبل الإنسان، قد جعل منه أداة عمل سياسي، مثل ما جعل منه أداة اقتصادية واجتماعية وغيرها، بل أن المداخلة بين التقنولوجيا الحديثة والسياسية، يتسع لها اليوم أكثر من مجال فإذا بثمرات هذا التدخل، تبدو على أشد ما تكون وضوحا في التكتيك الحربي مثلا: أو في الحياة
السياسية المدنية، كالوسائل التقنية المستخدمة في تأطير القوى الاجتماعية جهويا، أو الوسائل المستعملة في الاتصالات الدولية عالميا، وهكذا؛ ليس للتوسع السياسي- عن طريق العلم-على نحو ما أشرنا إليه-ليس له أي حد ينتهي إليه، فطالما أن التطور العلمي يتدخل في صياغة الحياة الإنسانية وتقرير سيرها على نحو معين، فان نصيب السياسة من التأثر من ذلك نصيب متزايد الأهمية، إذ أن الحياة السياسية تتداخل – كما أسلفنا- ومفهوم الحضارة تداخلا لا حد له، وهذا التداخل بين السياسة والحضارة، لم يزده العصر الحاضر، إلا تأكيدا من ناحية نظرية أو عملية ، متى أنه في الإمكان أن يزعم المرء أن التنظيم السياسي في عالمنا الحاضر، وما يرتبط به من أحوال اجتماعية وإدارية واقتصادية وثقافية ونحوها، يعكس- بمجموع ذلك- الصورة المعنوية للحضارة، إذا كان العمران وما من نوعه يمثل الصورة المادية الصرف للحياة الحضارية، ومن هنا يزداد تأكدنا عن سعة المدخل الذي للعلم الحديث في ميدان السياسة، وذلك كتنمية لمدخل العلم في مجال الحضارة والحياة الحضارية.

وإذا كانت السياسة هكذا جزءا من نظام الحضارة، وكانت الحضارة الحديثة، سريعة التحول بتأثير التطور العلمي الذي يرفدها، فان الملابسات الأخلاقية ، الناشئة عن ذلك، لابد أن تكون موضوع اهتمام الفكر الحضاري، اهتمام هذا الفكر في  محاولته تأصيل الحضارة إنسانيا، بقدر ماهي متأصلة على الصعيد المادي، وذلك في الواقع خلاصة القضية الإنسانية في هذا العصر، ومشكلة عصرنا، أنه يسير- في مضمار حلها- خطوات غير ناجحة دائما.

2) التوسع في مضمار العلاقات الإنسانية، وهذه الحالة من التوسع، تبرز مظاهرها في شتى آفاق الحياة اليوم، سواء في النطاق الإقليمي المحدود، أو في المجال العالمي الواسع، ولا ريب أن تطور العلم، كان عاملا أساسيا في توسيع نطاق الصلات الإنسانية، وتنويع آفاقها على نحو ما هي عليه من سعة وشمول، ويرجع الأمر في هذا، بطبيعة الحال، الى تطور أساليب المواصلات ووسائلها، وذلك باب من أبواب التطور العلمي، ونتيجة من نتائجه، ولكن قضية العلاقات الإنسانية، لا تدخل فقط في مضمار المواصلات التي اختزلت المسافة، وأدنت الأمم من بعضها البعض، فهناك ملابسات ذهنية وسيكولوجية وسياسية وغيرها، انبثقت عن روح العصر ومؤثراته، وكان لها الأثر الجوهري في زيادة ربط الأمم بعضها ببعض، ومضاعفة حالة التشابك بين الأفكار والمصالح بين المجتمعات في شتى القارات والجزر، أن وسائل المواصلات الحديثة عامل مهم في تكييف صورة الارتباطات الإنسانية كما هي واقعة فعلا، ولكن هناك ما هو أقوى من كل عاقل آخر، وهو، وهو عامل التحفز الذهني، والفضول الفكري والتفتح النفسي الذي صاحب ثورة العلم والفكر في العصر الحديث، وجعل الناس في شتى بقاع العالم، يحنون الى الاتصال بعضهم البعض وتفاعل بعضهم مع بعض، على أية صورة ممكنة، ومما يشير الى هذا المعنى، أي أن تأثير الإرادة الإنسانية في التواصل، هو أقوى من كل عامل آخر مما يشير الى ذلك، ما نلحظه من نزوع متزايد الى الاستغناء عن مركبات النقل السريعة، واستعمال بعض الوسائل التي تبدو بدائية اليوم، كالدراجات والزوارق أو غير هذا، للتحول فيما بين القارات، وربما للطواف حول العالم أو جزء كبير من العالم؛ أن هذه الإرادة الإنسانية المصرة على مبدأ توسيع التواصل، والذاهبة في هذا الخط الى أقصى مداه، هذه الإرادة، هي من بين القوى الفاعلة في هذا العصر ولها مضاعفات شتى في مختلف أوجه نشاط الحياة الإنسانية الحديثة، إلا أنها- ككل شيء يتعلق بالإنسان- لها ملابسات أخلاقية واسعة، ولها اتصال من جانب آخر، بالحياة السياسية في العالم، وبالأخلاقية السياسية ضمن ذلك، أن سعة التواصل بين الناس، قد نشأت عنها بالضرورة، سعة مماثلة في المصالح القائمة فيما بينهم، وقد تشعبت هذه  المصالح وتعقدت بقدر كبير، فكان من اللازم أن ينشأ عن ذلك ما يمكن أن ندعوه بـ «الحساسية المصلحية» عند الأمم، حساسية قوية التأثير في تكوين النظرة الى الأمور، عند مجتمع أو آخر وتكييف العلاقات بين المجتمعات بعضها مع بعض، ان الأساسية المصلحية، تقوم في كل عصر ومصر كصورة مألوفة من صور الحياة عند الناس، سواء في نطاق خاص، أو على مستوى أعم لكن لا أحد يستطيع أن يثبت أن هذه الحساسية كان لها  مجال عالمي معقد مثل ما لها من مجال علمي  في عصرنا هذا.
وتتبلور في محيط الحساسية المصلحية، نزعات مختلفة، وربما تكون متناقضة في بعض الأحيان، تناقضا يقوم في العادة كعامل من عوامل التصادم الحتمي بين الأمم، وقد تذهب هذه النزعات المصلحية
في التناقض الى درجة أنها تجعل مجتمعا ما، يكره أن تمس مصالحه «الذاتية»أو« القومية» بتأثير من نزعة التوسع عند الآخرين، بينما تجد نفس هذا المجتمع تحذوه اتجاهات الى تحقيق توسعات مصلحية لحسابه هو ، وعلى حساب الآخرين في ذات الوقت، وتستوعب الحياة السياسية العالمية كثيرا من صور النزوع المتناقض من هذا القبيل؛ ومن هنا نجد أن السياسة العالمية، تنوء بحمل من الشوائب ، ثقيلة جدا، إذا نظرنا الى هذه السياسة من جانبها المثالي الأخلاقي، وقد كان العهد الاستعماري الذي بلغ أوجه أوائل القرن الحالي، كان ذلك العهد مظهرا من مظاهر الأزمة الأخلاقية التي تعاني منها العلائق بين الأمم، إلا ان الاستعمار الحديث ليس مظهرا جديدا من مظاهر هذه الأزمة، التي تعود في الواقع الى فجر التاريخ، فقد كان هناك في الأزمنة القديمة الاستعمار الروماني مثلا، وهو مجرد حالة من حالات تاريخية كثيرة مثله؛ فليس هناك جديد في حالة اللا أخلاقية التي يمثلها التسلط الاستعماري لحساب قوم ضد آخرين، لكن الجديد في حالة الاستعمار الحديث هو ضخامة حجمه، وضخامة القضايا المادية والإنسانية، التي ينطوي عليها، وهذا الفارق في ضخامة حجم الاستعمار بين القديم والحديث، وبالتالي، ضخامة القضايا السياسية والأخلاقية التي يضعها باستمرار ، هذا الفارق يرجع كما أسلفنا- الى التطور الذي حدث في ظروف ووسائل الاتصال بين الأمم، ومن ثم هذا الترابط بين هذه الزوايا الثلاث: الأخلاق، والسياسة، وتأثرهما بالتغيرات الحادثة في مضمار العلاقات الانسانية.

3) التوسع الفكري والقانوني، وهذا باب آخر، أو عامل آخر من عوامل شدة الإلحاح الذي  تفرضه قضية الارتباط بين الأخلاق والسياسة في هذا العصر، فعصرنا الذي يتميز بتغيرات علمية وتقنية متلاحقة، لها تأثيرها في تكييف معالم السياسة والأخلاق في المحيط الإنساني الحاضر، هذا العصر، ينطبع أيضا بطابع فكري طامح، يقوم على محاولة تقنين كل شيء، وتقييم أي شيء، ضمن معايير دقيقة، وكاملة الاستيعاب للمسائل والتفرعات، التوسع الفكري هذا، تبدو آثاره بينة في مختلف فروع المعرفة الانسانية، وفي ضمنها المعرفة القانونية، سواء في النطاق القانوني الخاص، أو في نطاق القانون الخاص، أو في نطاق القانون العام، وفضلا عن القانون، فان هنالك الكثير من تفرعات العلوم الانسانية، قد أعابها من التطور في خلال هذا القرن والذي قبله، ما جعل كل فرع منها بمثابة علم قائم بذاته، بل أن الفرع الواحد من المعارف الانسانية قد تشابكت مسائله وتشبعت الى حد أن يصبح هو الآخر أصلا تتفرع عنه، شعب مختلفة آخذة في التمايز بعضها عن بعض، وعلى الرغم من أن العصر الحاضر هو عصر«تقنولوجي» بدرجة |أولى، حيث تطغى فيه الروح التقنية، والمنهجية التقنية على كل ما عداها، فان الفلسفة ما زالت تسعى لان تحتفظ بمكانة لها في محيطه، مكانة ترقى الى درجة محاولة تعديل آثار السيطرة التقنية على روح الإنسان وعقله، وشد الإنسان هكذا الى جملة من التحليلات النظرية، المتسمة في الكثير منها بصبغة مثالية متسامية، وتعرف أشكال الأدب وألوانه المختلفة، من قصة ومسرحية ومقالة ودراسة وغيرها، تعرف توسعا كبيرا في عصرنا الحاضر، وفي توسعها هذا تنزع الى البحث عن مختلف قضايا الإنسان، واستطلاع آفاق الحياة الانسانية، بما تزخر به تعقيدات تبدو مظاهرها في أشكال لا حد لها.
وفي نطاق كل هذه الأحوال من التوسع التي يسجلها الفكر المعاصر، تثار قضايا جديدة أو مجددة، تتعلق بالإنسان والقيم والمثل التي يأخذ بها، والمصير الذي يفضي إليه، والمواقف الأخلاقية التي يتخذها، وانعكاسات هذه المواقف، وماذا تنطوي عليه من دلائل مقبولة عند بعض، ومرفوضة عند آخرين وهكذا.
وكل هذه الأحوال من الأخذ والرد الفكري من شأنها- كما هو واقع فعلا- أن تتناول موضوع السياسة والأخلاق في ضمن ما تتناوله من أغراض فلسفية مختلفة، والواقع أن ما تتناوله الحياة الفكرية العالمية على هذا النحو، وان كان يساهم في اغناء الفكر العالمي بصفحات جديدة، إلا أن ذلك كله لم يغن في تقويم الأصول الأخلاقية العليمة التي تقوم عليها حياة السياسة في عالمنا الرهن وأن لم يكن في مقدورنا أن ننكر أن لحركة الفكر على نحو ما ذكر، انعكاسات ايجابية غير مباشرة في الكثير من الأحيان، لا يستطاع تبين حقيقتها إلا عند تحليل عوامل التيارات السياسية في العالم، واستجلاء خيوط الأثر الأدبي- الفلسفي، الكامن وراء هذه العوامل.
ونعود بعد هذا الموضوع القانون الدولي، باعتباره مظهرا ايجابيا، حقيقي الاجابية، لهذا التوسع الفكري العالمي الذي ذكرنا، أن القانون
يمثل الخيط الأمتن الذي يصل الحياة السياسية في العالم بمثاليات أخلاقية، لكن وجه التعارض بين النزعة المثالية في القانون الدولي وبين الواقع الدولي، مثل هذا التعارض، يوسع- باستمرار- من دائرة المناقشات الأخلاقية التي تتصل بموضوع السياسة، ويبقى على القضية- قضية السياسة والأخلاق، لا كمشكلة موجودة فحسب، بل كمعضلة آخذة في التوسع كذلك، وستبقى القضية مطروحة على الضمير الحضاري الإنساني، الى أن يبلغ هذا الضمير مداه في استيعاب القضية، وهضمها، والخروج منها مخرجا يتفق مع منطق انسانية واعية متبصرة.
                                                  ***
ويبدر بعد هذا، سؤال لازم وروده في هذا المساق وهو: هل من حل أخلاقي لمشكلة السياسة في هذا العصر؛ وماهي آفاق هذا الحل إذا كان ممكنا؟ انه من السذاجة بمكان، التفكير في هذا الأمر، على نحو ينتهي الى «اتخاذ جملة تدابير»تقوم ك«حل لقضية شاملة ومعقدة كقضية العلاقات الانسانية، وما يجب أن تتكيف به لتنطبق عليها مقومات أخلاقية سليمة من السذاجة حق محاولة شيء من ذلك، على أساس أن يكون له تأثير ( معجزي )في تقويم الأمور من هذا القبيل ، وعلة العلل في هذا التعقيد أن الأمر، أمر العلاقات الإنسانية –وإن كانت صورته   البسيطة،  هي صورة تعايش وتعامل بين الناس-، غير أن هذه الصورة البسيطة، تكمن وراءها عوامل وموضوعات عقلية ومادية جد معقدة، لا يسهل من الناحية العملية السيطرة عليها، وان كان ذلك قد يبدو ميسورا من جهة نظرية؛ والعوامل والمواضعات هذه هي متاتية من طبيعة المناخ الحضاري الذي يشكل صورة الأشياء في العالم الحضري؛ ويشكل في نطاق ذلك صورة الحياة السياسية العالمية التي تؤطر أحوال العلاقة بين المجتمعات، وتكييف صبغتها على نحو ما هي عليه؛ ومن هنا كان التفكير في تكييف السياسة في عصرنا الحاضر، على نحو أخلاقي معين هو تفكير – بالنتيجة – في تكييف الحضارة على المنحى أخلاقي معين كذلك، ويبقى السؤال بعد كل هذا قائما ينتظر الإجابة : هل من الممكن توجيه الحضارة القائمة توجيها أخلاقيا معدلا ، بالنسبة الى الجو الأخلاقي الذي يسيطر عليها الآن فعليا ؟ ولكي نستطيع تصور القضية في أبعادها الموضوعية يجب أن نضع في اعتبارنا قبل أي شيء- حقيقة الحضارة المعاصرة، وهي كما نعلم – حضارة أوربية فيا لشكل ، وفي الجوهر الى حد ما، وان كانت العوامل بعيدة، التي أسهمت في تكوين بذور هذه الحضارة ، وتنميتها، هي عوامل متعددة الانتساب، الى أطراف مختلفة من العالم، وهذا الطابع الغربي الذي تنطبع به الحضارة الحديثة ، له- كما في كل حالة حضارية قديما أو حديثا- وجهان ، مادي ومعنوي حسبما ذكرنا من قبل ، ولا يعنينا هنا الوجه المادي لهذه الحضارة، بقدر ما يعنينا منها وجهها المعنوي، المتمثل في القيم الأدبية والفنية والاجتماعية التي تسودها، والمتمثل أيضا في جملة القيم والمفاهيم الأخلاقية، التي تتحدد بها نظرات الناس، ونقوم مسالكهم في الحياة ضمن هذه البيئة الحضارية القائمة، فماذا نرى من خلال هذه القيم والمفاهيم التي تفرض وجودها اليوم كلازمة حميمة من لوازم المنطق الحضاري المعاصر؟ ليس لنا أن نذهب بعيدا في انتقاد هذه الظاهرة أو الأخرى من ظواهر الأخلاق المتبلورة في ظل المجتمع الإنساني المتحضر في عالم اليوم؛ فالواقع أن حضارات كثيرة أخرى، لم يتحقق في محيطها جو« مدينة فاضلة» مثل ما يتصور المفكرون المثاليون حالة«المدن الفاضلة» إلا أن القضية التي يصطدم بها، التفكير في إمكانيات حل أخلاقي لمشكلة السياسة وبالتالي مشكلة الحضارة في هذا العصر، القضية التي يصطدم بها التفكير في هذا المضمار هي كون الحضارة الحديثة متكيفة في كثير من مناحيها بعقلية وروح قارة واحدة من بين قارات العالم كلها، وبالنتيجة لذلك، فهي- أي الحضارة- منطبعة بطابع فكري وسيكولوجي أي الطابع الغربي، وهو بطبيعة الحال، محدود المدى الإنساني جدا، لان المجتمع الغربي- على الرغم من إمكانياته العبقرية- فانه ليس هو المجتمع الإنساني بكامله، ومن هنا، فان الحضارة الحديثة، إذا كانت تشوبها نقائص كثيرة- فان من أهم هذه النقائص، هو طغيان صفة إقليمية عليها، وهي الصفة الغربية- وعدم وجود توازن في الأصل بين الروافد العالمية التي تمدها، فإذا ذكر عن المدنية الحديثة، أنها مدينة عالمية، فذلك على أساس النظر الى ما حققته مظاهر هذه المدنية من توسع في العالم، مس تأثيره مجتمعات انسانية مختلفة، سواء في أدغال إفريقيا أو أوعار آسيا، أو العوالم النائية في المحيط الهادئ ، على الوجه الآخر من الكرة الأرضية، لكن هل يكفي هذا لإعطاء المدنية الحاضرة، طابعا عالميا عميق الجذور، أننا إذا وضعنا هنا تعبير«عميق الجذور»
كوصف لهذا الطابع المفترض، فذلك لأننا نقصد من«عالمية»الحضارة الحديثة، أن تكون هذه العالمية ناشئة عن مساهمة مختلف المجتمعات الانسانية فيها، مساهمة ايجابية وفعالة ومستمرة، وبذلك تتبلور لهذه الحضارة صورة تنعكس منها شتى أذواق الشعوب وأمزجتها ومفاهيمها منصهر بعضها في بعض، ومتكامل بعضها مع بعض؛ وفي هذه الحالة، يمكن «وصف الطابع العالمي للمدينة» بعمق الجذور ، لان هذه الجذور تستمد رفدها الحيوي من موارد متكاملة آتية من هنا وهناك من مختلف الأرجاء في العالم، ومثل هذه الحالة غير موجودة بالصورة اللازمة، التي تبيح الانطلاق منها الى تكوين استنتاجات أو إطلاق أحكام بالاعتماد على صفة عالمية محتملة نعزوها لحالة المدينة الحاضرة، فإذا تقرر هذا، نستطيع أن ننفذ منه الى موضوع السياسة وصلتها بالأخلاق في عالمنا الراهن، وهو الموضوع الذي يرتكز عليه أصل النظر فيما نحن بصدده، وقد عرض لنا السؤال فيما سلف عن أمكانية وجود حل اخلاقي لقضية السياسة في نطاق المدنية المعاصرة وهنا نستطيع أن نجيب انطلاقا مما تقدم، أن الحل الأخلاقي هذا، يتوقف قبل كل شيء، على مقدار ما تحققه هذه المدنية، من تطور جذري، يؤدي بها في الأخير الى ما يجب لها من صفة عالمية حقيقية، أي الصفة التي تكتسبها إياها قدرة المجتمعات الانسانية كلها على المساهمة فيها مساهمة «ايجابية وفعالة ومستمرة»؛ فالمواضعات والقيم السياسية السائدة اليوم، هي نسيج فكر غربي، مداه ولحمته البيئة والظروف الغربية، وقد فرضت هذه المواضعات والقيم وجودها على الصعيد العالمي تبعا لسيادة المدنية الحديثة ذات الطابع الأوربي الغالب، فاذا ما كان من تطور في الفكر السياسي والقيم السياسية سيحصل في العالم المتحضر، فيعني ذلك أن تطورا يعتبر أصلا لذلك، لابد أن يحصل في مضمار الأسس التي تقوم عليها الحضارة بحيث تصير أسسا عالمية حقيقية، تمثل الذكر السياسي والحضاري للإنسانية كلها في نطاق مساهمة مشتركة من جميع المجتمعات؛ وهذا ما نحاول أن نتبينه في الفصل القادم بحول الله.


أعزنا الله بالإسلام...
عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما سار الى بيت المقدس كان معه عبده وناقته، فكانا يتناوبان الركوب على الناقة وهو خليفة المسلمين، ولما وصلا الى بيت المقدس كان غلامه الراكب، وهو ساع خلفه، وكان الأمير على بيت المقدس أبو عبيدة بن الجراح، رأى أبو عبيدة ذلك فخشى أن يحقره الناس، وهو في بلد من بقايا حكم الرومان، فقال أبو عبيدة: يا أمير المومنين: أراك تصنع أمرا لا يليق، فان الأنظار متجهة إليك، فقال عمر : لم يقل أحد ذلك قبلك ، وقد كنا أذل الناس، وأحقرهم، فأعزنا الله بالإسلام. ومهما طلبنا العز بغيره أذلنا الله.!

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here