islamaumaroc

الأربعون حديثا في الأدب العربي والتركي

  دعوة الحق

110 العدد

" من حفظ على أمتي أربعين حديثا من أمر دينها بعثه الله في زمرة الفقهاء والعلماء"
إن موضوع ( الأربعون حديثا) لهو من أهم الموضوعات التي ينبغي أن يتنبه لها المشتغلون بالدراسات الإسلامية، والمنصرفون إلى دراسة الآداب العربية والفارسية والتركية والإسلامية بوجه عام، في أصولها وتأثراتها وروافدها. فالأحاديث الأربعون تحتل مكانا بالغ الأهمية في الثقافة الدينية الإسلامية، إذ أنه لم يكتب لأي فن من فنون الأدب الإسلامي ما كتب لهذا النوع من الأليفات في الأحاديث الأربعين من عميق الأثر الذي  تركته في إنفاذ تعاليم الإسلام الخلقية إلى أذهان العامة، فضلا عن الخاصة من جهة وفي الدفاع عن العقائد الروحية والاجتماعية والسياسية وإشاعتها بين مختلف فئات المؤمنين من جهة أخرى.

منشأ الفكرة:
أما فكرة( الأربعون حديثا) فقد نشأت في القرن الثاني للهجرة ( الثامن للميلاد) تحت تأثير الحديث الضعيف:   »  من حفظ على أمتي أربعين حديثا من أمر دينها بعثه الله في زمرة الفقهاء والعلماء «فكانت سببا في تصنيف مآت الرسائل في الآداب الإسلامية، باللغات العربية والفارسية، والتركية، مدة أثنى عشر قرنا، وعاملا في إيجاد هذا الفن الأدبي الديني المشترك بين آداب اللغات الثلاث. وثمة عامل أخر أثر في تطور هذا الموضوع، وهو الأهمية التي تعطيها الأقوام السامية والآرية والطورانية التي عاشت في الرقعة العربية الإسلامية للعدد( أربعون). وليس يخفى على أهل العلم ما جاء في القرآن الكريم من آيات ذكر فيها العدد أربعون، نمثل لها بالآيتين التاليتين؛ ففي سورة البقرة الآية الحادية والخمسون: « وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون»؛ وفي سورة الأعراف الآية المائة والثانية والأربعون: « وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة».
أما الأحاديث النبوية التي ذكر فيها العدد ( أربعون) فليست بقليلة منها:« اقرأ القران في أربعين»؛ و: « بعث رسول الله لأربعين سنة»؛ و: « نتف الإبط كل أربعين يوما مرة»؛ و: « من احتكر طعاما أربعين ليلة فقد بريء».
وقد أثرت عوامل أخرى في جمع ( الأربعون حديثا) وتصنيفها نذكر منها، العوامل المادية والمعنوية التالية: الرغبة في نيل شفاعة الرسول )ص)، والنجاة من نار جهنم؛ والرغبة في الدعاء الصالح والذكر الجميل، وملء الوقت الذي يمضي دون فائدة، والرغبة في خدمة المسلمين، وإضهار المقدرة في غلم الحديث والأدب، ثم أتباع السلف، وتحقيق رغبة الأصدقاء والتلامذة والاستشهاد في أثناء تقرير الدروس، ونصرة مذهب أو طريقة ما، والتمكن من تفصيل الآراء في مسألة من مسائل العصر... ويأتي أخيرا التحبب إلى الخاصة، وإثارة الإعجاب، والحصول على جائزة، والتوصل الى إكرام أو إنعام...

جمع الأربعون:
ولقد جمعت هذه الأحاديث وشرحت، واتخذت في بادئ الأمر صورة كراسة أو رسالة في الحديث، قبل أن تصبح ضربا من ضروب الأدب وأنواعه.
ثم أخذت تكتسب مع الزمن وخاصة في الفارسية والتركية مظهرا أدبيا، فشرعت تمازج فترة بعض النظم، ثم تطورت إلى أنماط منظومة في الفارسية والتركية.
بدأ موضوع( الأربعون حديثا) بعبد الله بن المبارك ( القرن الثاني للهجرة- الثامن للميلاد). ولم يمض زمن طويل حتى استأثر باهتمام الناس، وظل يتطور ويتكامل خلال العصور حتى بلغ الذروة في القرن السابع للهجرة- الثالث عشر للميلاد. والأربعون حديثا التي جمعها محيي الدين النووي آخر المجتهدين في ذلك العصر تعد أكبر رسالة في هذا الموضوع، بالنسبة لقيمتها ورواجها وكثرة الشروح التي تناولتها حتى أيامنا الحاضرة. فثمة خمسون شرحا لهذا الكتاب باللغة العربية أكثرها لمشاهير العلماء، وهناك مائتان واثنتان وخمسون رسالة في ( الأربعين حديثا) وضعها مائتان وثمانية عشر مصنفا! وهذان العددان اللذان نجزم أنهما دون العددين الحقيقيين يكفيان وحدهما لإبراز القيمة الكبرى التي أوليت هذا الموضوع في اللغة العربية. ثم أن وجود علماء كبار من مثل أبي بكر الاجري، والدارقطني وابن القاسم القشيري، وابن ودعان ، وابن عساكر، وأبي طاهر السلفي، ومحيي الدين بن العربي، وسعد الدين التفتازني، وابن حجر العسقلاني، وابن حجر الهيثمي وجلال الدين السيوطي، وعلي القارئ، وغيرهم، بين هؤلاء المصنفين، يبين بيانا واضحا هذه القيمة الكبرى التي أعطاها العالم الإسلامي أيضا لهذا النوع من الأدب الديني. وقد اتخذت هذه المؤلفات بفضل التفاعل الفكري بين العقلية العربية والفارسية والتركية صبغة دينية تعليمية أدبية صرفا منذ نشأتها.
ولا بأس في هذا العدد بإيراد قول النووي لإيضاح هذه الفكرة وبيانها قال: ثم من العلماء من جمع الأربعين في أصول الدين، وبعضهم في الفروع، وبعضهم في الجهاد، وبعضهم في الزهد، وبعضهم في الآداب، وبعضهم في الخطب.
وجاء في «كشف الظنون»: وقد صنف العلماء في هذا الباب ما لا يحصى من المصنفات، واختلفت مقاصدهم في تأليفها وجمعها وترتيبها، فمنهم من اعتمد على ذكر أحاديث التوحيد واثبات الصفات، ومنهم من قصد ذكر أحاديث الأحكام، ومنهم من اقتصر على ما يتعلق بالعبادات، ومنهم من اختار أحاديث المواعظ، ومنهم من قصد إخراج ما صح سنده وسلم من الطعن، ومنهم من قصد ما علا إسناده، ومنهم من أحب تخريج ما طال متنه وظهر لسامعه حتى يسمعه حسنه، إلى غير ذلك، ويسمى كل واحد منهم كتابه بكتاب الأربعين.


الأربعون في اللغة الفارسية:
وقد ظهرت مصنفات ( الأربعون حديثا) أي « جهل حديث» في اللغة الفارسية، بميزتيها الأساسيتين في وقت واحد: أعني الطابع الديني، والطابع الأدبي، كما راج تأليف الرسائل التي تجمع الأحاديث في مناقب الإمام علي وإمامته. ونتج عن ذلك كله أنواع راقية من « جهل حديث» ( الأربعون حديثا)على أيدي أحمد رومي، وإيجي وغيرهما إلى أن بلغ حد الكمال في القرن التاسع الهجري على يد الصوفي الشاعر الكبير عبد الرحمن جامي، في ميدان الترجمة المنظومة« أربعين جاوي ترجمة أربعين حديث». ومن الأمثلة على ترجمة جامي قوله في هذا الحديث: « لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» ما يلي بالفارسية:
هركسي را لقب مكن مؤمن
يرجه از معي جان وتن كاهد؛
تا نخواهد برادر خود را
انجه از بهر خويشتن خواهد.
وكان القرن السادس عشر للميلاد، فألف الكاتب الفارسي المشهور حسين واعظ كاشفي« الرسالة العلية في الأحاديث النبوية»، فجاءت أجمل مثال وأرقاه لرسائل « جهل حديث» التي تمزج بين النظم والنثر.
وقد دأب كثيرون من أدباء الفرس على ترجمة رسائل أصحاب ( الأربعون حديثا) المشهورة باللغة العربية، مثل « أربعون» النووي وبهاء الدين العاملي.
وبهذا الصدد يقرر الدكتور عبد القادر قرة خان: وعلى هذا فإننا نعرف ستة وأربعين شارحا ومترجما لرسائل «جهل حديث»، أربعة عشر منهم مجهولون، ومع ذلك فنحن نجزم أن كثيرا من الرسائل قد بقيت هنا وهناك مجهولة لا نعرفها.


الأربعون في اللغة التركية:
يقول الدكتور قره خان في كتابه بالغة التركية ( قرن حديث): إن الأتراك هم الذين اهتموا أكثر من غيرهم بالناحية الأدبية في ترجمات( الأربعون حديثا) وشروحها وهم الذين أنتجوا أكثر الأمثلة المنظومة في ذلك. فالكتاب العثمانيون وعلى الأخص طبقة العلماء منهم وجهوا عناية خاصة إلى مصنفات ( الأربعون حديثا) ذات الطابع الديني والتدريسي. وخير مثال على ذلك رسائل جمال الدين الاقسرايي، وابن كمال باشا، ولطفي باشا، وطاش كوبري زاده، والبركوي وغيرهم.  وقد وضع بعض الكتاب الأتراك مثل ادريس التبليستي وبروسه لي فردوسي، واوزبك ولي الدين، وسواهم رسائل باللغة الفارسية في هذا الموضوع ولكن لم يصل مؤلف من هذه المؤلفات من حيث القيمة الأدبية التعليمية إلى درجة ترجمان( الأربعون حديثا) وشروحها التي كتبها الأتراك في لغاتهم الأصلية، ولم يرتفع، إلى طبقة أثار الصنف الأول في هذا الميدان بنسبة ارتفاع المؤلفات الموضوعية باللغة التركية.
وقد ظهرت ترجمات( الأربعون حديثا) وشروحها في الأدب التركي منذ القرن الرابع عشر للميلاد، واعتبرت نوعا أدبيا دينيا شائقا في القرن الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر والنصف الأول من القرن الثامن عشر، كما اعتبر كل شاعر تركي كبير في عصره ترتيب أربعين حديثا ضربا من اللذة والواجب، أو ضرورة يستدعيها العرف الشائع في العصر الذي يعيش فيه.
وعليه خلف الشعراء الأتراك الكبار مثل نوائي، وفضولي، وخاقني، ونابي، وتائب، ومنيف، مصنفات في ( الأربعون حديثا) ، ناهيك عما تركه غيرهم في هذا الموضوع من الكبار أيضا مثل حزيني، وأصولي، ونوعي، وعاشق جلبي، وعالي، ورحلتي في القرن السادس عشر، وأمثال كفه لي فيض، وابن طاش كوبري زاده، وأوقجي زاده محمد، وانقره لي إسماعيل  ياسوخي، في القرن السابع عشر، وأمثال إسحاق خواجه سي احمد وبروسه لي اسماعيل حقي، ومستقيم زاده محمد الدين، في القرن الثامن عشر وغيرهم وغيرهم.
واستمرت هذه الحركة إلى قرننا هذا، ووضعت في الموضوع المذكور مؤلفات حرية الاعتبار ، طبعت وشاعت بين الناس.
هذا غيض من فيض موضوع ( الأربعون حديثا) البالغ الأهمية، وقد استمر قرونا طويلة واهتدت بتعاليمه أجيال كثيرة- وإنما العلم نور وهدى.


صلاة عروضية
نظر الحماز الشاعر
إلى رجل يخفف الصلاة! فقال: لو رآك العجاج لهزج بك. قال: كيف؟ قال: لأن صلاتك أرجوزة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here