islamaumaroc

أبو عبد الله الهبطي واضع وقف القرآن بالمغرب -2-

  دعوة الحق

110 العدد

تحدثت في مقال سابق(*)، عن حياة أبي عبد الله الهبطي، واضع وقف القرءان بالمغرب، وعن الظروف والملابسات التي وضع فيها ذلك الوقف؛ وكيف أن الناس اقبلوا عليه خلفا عن سلف، لا في المغرب وحسب، بل وفي سائر أقطار إفريقيا، وقد جاء خطاب عميد جامعة الزيتونة، وهو يتحدث عن الروابط الفكرية، والعلاقات العريقة بين تونس والمغرب- قوله:"... أننا نقرأ القرءان بوقف الهبطي، وندرس العربية بابن ءاجروم والمكودي..."

والآن فلنلق نظرات عن هذا الوقف:
هناك ثلاث كلمات، تدور عند أرباب هذا الفن:
الوقف، القطع، السكت؛ وهي ألفاظ مترادفة عند الأقدمين، وفرق بينها المتأخرون، فجعلوا الوقف عبارة عن قطع الصوت عن الكلمة زمانا، يتنفس فيه عادة بنية استئناف القراءة، لا بنية الاعراض. والسكت عبارة عن قطع الصوت زمنا هو دون زمن الوقف عادة من غير تنفس، فإن طال صار وقفا يوجب البسملة.
أما القطع فهو عبارة عن قطع القراءة رأسا، ولا يكون على رؤوس الآي.
والوقف في جليل القدر، عظيم الخطر، به يعرف كيف أداء القراءة، ولا يتأتى لأحد معرفة معاني القرءان، ولا استنباط الأدلة الشرعية إلا بمعرفة الفواصل. ولا يقوم بهذا الفن إلا من له باع في العربية، عالم بالقراءات والتفسير والفقه، عالم باللغات التي نزل بها القرءان.
والأصل فيه ما أخرجه أبو جعفر النحاس عن ابن عمر(ض) قال:" لقد عشنا برهة من دهرنا، وأن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرءان، وتنزل السورة على محمد(ص) فنتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها، كما تتعلمون أنتم القرءان اليوم؛ ولقد رأينا اليوم رجالا يؤتى أحدهم القرءان قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته وخاتمته، ما يدري ما أمره ولا زجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده.."
ولعل الحكمة من وضعه، أنه لما لم يمكن القارئ أن يقرأ السورة أو القصة في نفس واحد، ولو يجز التنفس بين كلمتين حالة الوصل، بل ذلك كالتنفس أثناء الكلمة- وجب حينئذ اختيار وقف للتنفس والاستراحة، وارتضاء ابتداء بعده.
وقد حض الايمة على تعلمه ومعرفته، وتواتر عن السلف الصالح الاعتناء به والاهتمام بشأنه؛ حتى لقد اشترط بعضهم على المجيز أن لا يجيز أحد إلا بعد معرفته للوقف والابتداء. وممن اشتهر عنهم هذا الفن- أبو جعفر بن القعقاع، ونافع بن رويم المدني، وأبو عمرو بن العلاء، ويعقوب الحضرمي، وعاصم بن أبي النجود، ومحمد بن عيسى، وأحمد بن موسى، وعلي بن حمزة الكسائي، والأخفش الأوسط، ومعمر بن المثنى، ومحمد بن يزيد، والقتبي، والدينوري، وسواهم.
وألف في الوقف كثيرون، من بينهم: أبو حاتم السجستاني، وأبو جعفر النحاس، والزجاج، وأبو سعيد السيرافي، وأبو بكر بن الأنباري، وأبو محمد النعمان، وأبو جعفر السجاوندي، وأبو عمرو الداني، والخزاعي، وأبو محمد التكزاوي.
وفي الوقف مذاهب، لكل مذهب مغزاه ومبناه، فنافع كان يراعي حسن الوقف والابتداء بحسب المعنى. والمكي يراعي الوقف على رءوس الآي، ولا يعتمد وقفا على أواسط الآي إلا في ثلاثة مواضيع: - وما يعلم تأويله إلا الله (آل عمران) – وما يشعركم (الأنعام)- إنما يعلمه بشر (النحل). والبصري اختلفت الرواية عنه، فقيل أنه كان يعتمد الوقف على رءوس الآي، ويقول هو أحب إلي، وقيل انه كان يطلب حسن الابتداء، وذكر الرازي عنه أنه كان يطلب حسن الوقف. والشامي كنافع يراعي حسن الحالتين وقفا وابتداء.
وعاصم اختلف الرواة عنه، روي أنه كان يطلب حسن الوقف، وقيل أنه كان يطلب حسن الابتداء. وحمزة اتفق الرواة عنه أنه كان يقف عند انقطاع النفس، فالقرءان عنده كسورة واحدة، ولذا لم يعتمد وقفا معينا، وآثر وصل السورة بالسورة. والكسائي كعاصم اختلفت الراوية عنه. قال السفاقسي: وهذا عند قراءة كل بانفراد، وأما مع جمعهم، فالذي عليه شيوخنا مراعاة حسن الوقف والابتداء، كنافع لأنه المبدوء به، وهو مذهب جمهور القراء، وهو ظاهر ضيع من ألف في الوقف والابتداء، لأنهم لم يخصوا قارئا دون قارئ.
ويرجع هذا الاختلاف إلى مذهبين اثنين: أحدهما اعتماد كلمات هي رءوس الآي. والثاني مراعاة كلمات يتم المعنى دون الإعراب عندها. أو الإعراب دون المعنى، أو المعنى دون الإعراب، وعلى المذهب الثاني بنى الهبطي وقفه، فهو يراعي الاعراب والمعنى، في الوقف والابتداء.
ويجوز أن نقسم الوقف إلى ثلاثة أقسام:
- قسم وافق فيه الهبطي غيره كالدرني وابن الانباري وسواهما، وهو أكثر وقفه.
- وقسم تركه ولم يعتمده- لتجاذب الدليلين فيه- أو لترجيح أدلة الوصل عنده، أو لأنه الأصل، والوقف طارئ.
- وقسم انفرد به، والناس أمام هذا القسم فريقان، فريق مؤيد، وفريق منتقد؛ فمن الذين انتقدوه وخطأوه في مواضع- أبو عبد الله محمد المهدي الفاسي، فلقد ألف كتابا سماه" الدرة الغراء، وفي وقف القراء" كما أشرنا إلى ذلك صدر هذا البحث. وقد جاء في مقدمة الكتاب قوله:"... وكان مما قيد في ذلك عن الأستاذ المقرئ أبي عبد  الله محمد بن  أبي جمعة الهبطي الفاسي، تغمده الله برحمته ..على قراءة نافع، الذي جميع بلاد المغرب له فيه تابع؛-قد شاع في هذه البلاد، وكان  قد احتوى على مواضع ضعيفة، وأخرى بعدم الصحة موصوفة؛- أردت أن أرسم في ذلك تقييدا، يكون بذكر ما للناس في ذلك مقيدا، ذكر ما في أعرابه أو معناه خلاف أو احتمال، مما ينبغي وقفه على ذلك، ولا يخرج عنه بحال..."
ومن المواضع التي انتقدت على الإمام الهبطي، واعتبرت من الوقف الممنوع- قوله تعالى:" وقالت اليهود يد الله مغلولة " (سورة المائدة). فالوقف على "مغلولة" – ربما يوهم القارئ أو السامع، ما لا يليق به سبحانه وتعالى؛ وكان من المتشددين في ذلك، عالم تطوان الشيخ علي بركة، فقد قيل لي أنه أوقف حبسا على من ينبه القارئ عند وقفه على مغلولة.
والذي عليه المحققون من أئمة هذا الفن-انه من الوقف الكافي، وعده بعضهم من الوقف الجائز، ومثله قوله تعالى: " وقالت اليهود عزيز ابن الله- وقالت النصارى المسيح ابن الله"-(سورة التوبة). فالوقف على عزيز ابن الله، والمسيح ابن الله- عده بعضهم من الوقف الممنوع بل الحرام الذي يكفر صاحبه، وقد تصدى أبو العباس الاشموني في كتابه" منار الهدى في الوقف والابتدا"(**) للرد على صاحب هذا القول، قال وما نسب لابن الجزري من قوله:
 
مغلولة فلا تكن بواقف        فإنه كفر لما قد علما
ولا على المسيح ابن الله      فلا تقف واستعذه بالله
فإنه كفر لما قد علما          فلا تقف واستعذه بالله

قال هو مخالف لما عليه الايمة، والصواب أنه من الوقف الجائز. وذكر ابن عبد السلام الفاسي أنه من الوقف الكافي لتناهى مقول القولين. وذكر الاشموني أنه لا وجه لمنع الوقف على قوله تعالى" فلما أضاءت ما حوله" فهو وقف جائز، بل كاف، على أن جواب لما محذوف تقديره طفئت النار، والسياق دال عليه، وذهاب النار، لا يعيق انطفاء النار، المسلزم عدم انتفاعهم بشيء من أعمالهم المراد من التشبه، وعلى استئناف جملة " ذهب الله بنورهم" والضمير للمنافقين.
قال الجعبري: وليس في القرءان وقف واجب ولا ممنوع. على أنه يطول بنا الكلام لو تتبعنا ما نوقش  به الهبطي في هذا المقام.
- ومن الذين أيدوه ودافعوا عنه- أبو عبد الله محمد بن عبد السلام الفاسي، فقد تتبع في كتابه " الوقف والابتداء"(1) مواضع وقف الهبطي، وخصوصا الذي انفرد به، وأرجع أكثره على الوقف الكافي؛ والوقف عنده ثمانية مراتب: تام وأتم، وكاف وأكفى، وحسن وأحسن، وصالح وأصلح، ويعبر عنه بالجائز. وفي هذا الصدد يقول:"... فأردت بعون الله أن أتتبع كل موضع عينه للوقف بالنص على انه تام، أو كاف، أو حسن، أن ظفرت بذلك فيما نص عليه الحافظ الدرني، مقتصرا على ذلك، غير متعرض لوجه مبناه، من حيث المعنى والإعراب، تقليدا له ، وتيسيرا على نفسي، وسترا علي، لصعوبة المحل، وضيق المعطن، فان لم أجده عنده، فإني أبين بحول الله وقوته، ما أراه صالحا لأن يكون اعتمده الهبطي في ذلك ، حسب الاستطاعة، على إزجاء البضاعة. لكني أتشبث بذيلهم، وأن لم أطمع في الحصول على نيلهم، رغبة في الدخول في خدمة كتاب لله العزيز، وطمعا في العثور على معنى غامض عزيز، يتبين به وجه ما اعتمده، وينفي عنه به الوهم فيما قصده؛ على أن أقتصر فيما كان غير خاف، بقولي كاف، إذ معنى التمام، يعز ألا على البصير الأعلم.."

وابن عبد السلام هذا على كثرة انتقاده للدرني وإضرابه، قلما نجد له فيه مغمزا، أو عليه مطعنا؛ فتراه إذا أعوزه الدليل، أو خانته الحجة، يقول: وكان معتمد الهبطي كذا، أو لعل ملحظ نظره كذا.
ونحن لا نعفي الهبطي من خطا في استدلال، أو ضعف في وجهة نظر، مما لا يخلو عنه بشر، فالوقف مثلا على قوله تعالى:" ولا تستعجل"- من سورة الأحقاف،- قد يدخل في دائرة الوقف الجائز أو الكافي- إذا طبقنا قاعدة ابن عبد السلام في هذا الباب، فهو مبني على أعراب" لهم" خبرا عن "بلاغ" من قوله تعالى" كأنهم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ" وبه قال أبو مجلى، وربما يعضده طول الوقف في الآية، لكنه لا يخلو من ضعف، ففيه تفكيك الكلام بعضه من بعض، إذ ظاهر قوله" لهم " أنه متعلق بقوله: ولا تستعجل. أي لا تستعجل للمشركين بالعذاب، والحيلولة الجملة التشبيهية بين الخبر والمبتدأ- كما يقول أبو حيان(2) في أمثلة أخرى من هذا القبيل.
لكن ومع ذلك، ورغم ما وجه إليه من نقد، فيه بعض الحق أو الحق كله،- فقد تواترت روايته، وتناقله التلاميذ عن شيوخهم كوجه من وجوه الأداء في التلاوة، حتى قال بعضهم: أنه يجب الوقوف عنده، ولا تجوز مخالفته، وقد احتدم النزاع بين القراء المتأخرين في ذلك، على ما سنذكره في عدد ءاخر بحول الله.

(*) انظر العدد الرابع –س11-ص:91
(**) انظر مقدمة الكتاب ص 9
(1) ويوجد مخطوطا بالخزانة الملكية تحت رقم 1953.
(2) انظر تفسير البحر –سورة الأحقاف

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here