islamaumaroc

التوجيه العلمي وارتباطه بالتربية

  دعوة الحق

110 العدد

الحاجة إلى تحقيق وجودنا وإثبات شخصيتنا تدفعنا إلى العمل من أجل الحصول على المعرفة والتبحر في العلوم العامة لأن كيان الدول لا يقوم على الجهل أبدأ، فبالعلم غزا الإنسان الفضاء واستغل الإمكانيات الطبيعية التي لم يكن له بها علم فكشف عن الطاقات المجهولة وبحث عن وسائل الغذاء التي تمكن الإنسان من الحياة الرغيدة الآمنة.
لقد أصبح العلم ضروريا لحياة الأمم وترقية الشعوب، والأمة الجاهلة لا تثبت وجودها ولا تستطيع حماية نفسها ممن يحاول غزوها أو يريد استبعادها.
إن العلم هو المحرك القوي الذي يدفع الأمة إلى الأمام وهو السلاح الناجح الذي يحمي الذمار ويصمد أمام الجهل والذل والعار، فإذا استطاعت أمة أن تعتني بالجانب العلمي وتعمل على إنشاء المعاهد والجامعات فإنها تصبح متحكمة وتصير لها هيبتها بين الدول.
الدولة الجاهلة أمام الدول العالمة كالقزم أمام العماليق لا يستطيع مطاولتهم ولا مقاومتهم بل إنها كالمشلول الذي يريد أن يسابق الأقوياء الأصحاء المفتولي العضلات يسيرون إلى الأمام وهو متقاعس جاثم لا يستطيع حراكا.
فإذا شعرت أمة بالتخلف أو أحست بضعفها إزاء الأمم الأخرى فما عليها إلا أن تسرع إلى التسلح بالعلم لأنه مفتاح الخير وباب الأمل.
طريق العلم واضحة: مواظبة على التعلم وإخلاص في الطلب من المواطنين وتشجيع للمراكز العلمية وإنشاء لها من الحكومات الرسمية ومن الهيآت العامة ومن الأفراد المخلصين.

العلم واجب وطني يتحمل مسؤوليته كل أفراد الأمة وجميع الهيآت الإدارية والحرة، لهذا نجد في بعض الدول الراقية شركات وهيآت تؤسس بعض الجامعات وتكفل العلم وتحميه وتستغله للمصالح الاقتصادية وتنمي به الدخل العام للأمة.
فلم يعد من المعقول أبدأ في هذا العصر أن تحيا أمة جاهلة حياة كرامة وعزة وحياة رفاهية وغنى، فإن العلم أصبحت له السيطرة على توجيه الأمم وأصبحت بيده الموارد والمنشآت العامة، فكم من أمة بسبب جهلها صارت كالبقرة الحلوب يستغلها الآخرون وهي لا تلقى من وراء الاستغلال إلا جهدا وعناء بل إن الأمة الجاهلة قد تؤخذ منها المواد الخام بثمن بخس ثم تعود إليها بعد أن تحولت على يد الفنيين والعلماء الماهرين إلى أشكال أخرى بثمن مرتفع قد ينزف اقتصاد الدولة الجاهلة ويجعلها دائما في خضوع وخنوع.
وكم يعجبني هنا قول الرصافي رحمه الله:
إذا ما الجهل خيم في بــــلاد        رأيت أسودها مسخت قــــرودا
وليعلم القراء أن التقدم العلمي في العالم ليس موقوفا على أمة دون أخرى أو على جنس دون آخر، فإن الهمم القوية والعزائم الموجهة تستطيع توجيه الفرد إلى ما فيه الخير له ولأمته. لذلك يمكننا إذا آمنا بحقيقة العلم وصلاحيته واعتقدنا ذلك أن نرفع من مستوى التعليم الجامعي في أمتنا وأن نرفع من مستوى التقدير المعنوي لعلمائنا فنشجعهم على مواصلة العمل وندفعهم إلى الإخلاص في عملهم وإلى تقدير مسؤوليتهم.

قيمة العالم الحقيقة لا ترجع إلى ما يكتسبه من ربح خاص به وإنما ترجع إلى ما تكتسبه الأمة منه ومن تجاربه وأعماله، لهذا أرى أن الواجب يفرض علينا تقدير العلماء من جهة ويفرض على العلماء تقدير مسؤوليتهم من جهة أخرى وبذلك تنصهر مصالحهم في مصالح الأمة وتندمج منافعهم بمنافع باقي الأفراد.

الشعور بالمسؤولية الوطنية واجب ملقى على عاتق العلماء، وقد يربطون بينه وبين الشعور العالمي ولكنه ارتباط يجب أن لا يؤدي مطلقا إلى الإضرار بالوطن أو يتسبب في إهانة الأمة التي ينتمي إليها العالم المسؤول.
إذا فقد العالم الشعور بمسؤوليته الوطنية فقد يصبح آلة في يد أعداء الأمة التي ينتمي إليها ويصير علمه آنذاك خطرا على دولته وعلى مواطنيه.

ولهذا فلا يمكننا أن نفصل أبدا العنصر العلمي عن العنصر التوجيهي الذي يتصل بكيان الدولة وبأخلاقها وبتربيتها، إذ لا بد من إيجاد برامج كفيلة بتحقيق هذا الغرض الذي يجمع بين التوجيه السليم والعلم النافع، إذ لا منافاة بين العلم والتوجيه التربوي الذي يتصرف في مصير العلماء.
والغالب أن الدول الكبرى لا تهمل هذه الظاهرة في تعليمها وتوجيهها، فهي تعمل ما أمكنها على ربط شعور العالم بأمته حتى يصبح منقادا لها يعمل من أجلها ويخدم بعلمه حاضرها ومستقبلها.

فالعالم السوفييتي مثلا قد يهدف إلى تحقيق أغراض وأهداف يكون فيها النفع للسوفييتيين دون أن يكون في اعتباره غيرهم، لأن مصالحه القومية تقتضي ذلك، وكذلك العالم الأمريكي مثلا قد يعمل على البلوغ بعلمه إلى تحقيق الرخاء والازدهار والتمكن من الاستمرار الحكمي لأمريكا دون اعتبار لباقي الدول الأخرى.
ومعنى ذلك هو أن هذا الشعور الداخلي المرتبط بالعمل على جعل الأمة التي ينتمي إليها العالم في مركز القيادة ليس غريبا عن الإنسان وليس بعيدا عن الشعور البشري، لأن حب الظهور وحب التغلب وحب الانتصار وحب القيادة غرائز بشرية، ولأن العلم لا يمحوها وإنما يهذب طريقة تنفيذها وتحقيقها فقط.

وإذا علمنا ذلك وجب علينا أيضا أن نربط بين العلم في أمتنا وبين الأهداف التربوية التي يجب علينا تحقيقها، فنحن في حكم الجغرافية البشرية مغاربة عرب مسلمون لا نرضى أن ننسلخ عن هذه الخصائص وأن نبتعد عنها بل إن شعورنا الداخلي يدفعنا إلى الغضب والتحدي والمقاومة كلما شعرنا بإهانة لهذه المقومات من غيرنا، ولكن فرق كبير بين أن نغضب إذا أهاننا غيرنا وبين أن لا نغضب إذا نحن أهنا أنفسنا، فإن الغضب التقليدي الذي يأتي عن طريق الانفعال ولا يأتـي عن طريق العمل هو غضب طائش قد يضر بالأمة أكثر من أن ينفعها لأنه غضب لا يدفع إلى البناء وإنما يؤدي إلى الانتحار.

تصور موقف العرب في أيام النكسة التي أصيبوا بها في حرب فلسطين، فإن غضبهم وحده لا يكفي، إذ لا بد من استعداد علمي يؤازرون به غضبهم ليكون لذلك الغضب نتيجة إيجابية أما أن نغضب لأننا أهنا في كرامتنا ثم نستمر في لهونا وعبثنا وتنكرنا لتقاليدنا وإهمالنا لأسس الرقي فإن هذا هو العمل المنكر الذي لا يرضاه العقل ولا ترضاه الهمم.

من غضب من أجل الانكسار يجب عليه أن يبحث عن أسبابه وأن يوجه عنايته الكبرى للقضاء عليه، فإذا كان جاهلا فليقبل على العلم، وإذا كان متخاذلا فليتحد، وإذا كان مريضا فليبحث عن أسباب العلاج، أما إذا استمر على لهوه وعبثه وجهله رغم معرفته للأسباب ولوسائل العلاج فإنه يكون آنذاك كالعالم الذي لا يعمل بعلمه وكالمريض الذي يعرف أن شفاءه في تناول دواء معين ولكنه يرفض تناول ذلك الدواء فيكون مسؤولا عن استمرار مرضه وتعذر علاجه.

إذا اتضحت هذه الحقيقة أصبح من الضروري استيعابها ومحاولة تنفيذها في برامجنا العامة وصار من اللازم إذاعتها في جميع المجالات، لأن العلم في الحقيقة أساس عملي لحياة الأمم وترقية الشعوب، وذلك إذا كان يهدف إلى الخير والسلام، أما إذا كان يؤدي إلى الخراب أو التنكر للمقومات التربوية التي ترفع من شأن الإنسانية فإنه سيصبح خطرا على العالم وقد يكون في يوم من الأيام سببا في الدمار.

وحيث أننا أصبحنا نحس بأن العلم سلاح ذو حدين يمكنه أن يبني ويشيع الخير والسلام ويمكنه أن يهدم ويشيع الشر والفزع لم يعد مبرر لإهمال الجانب التربوي في التوجيه العلمي.

وهذا الجانب يجب أن نستمده نحن العرب من كياننا ومن وجودنا وأن نضفي عليه حلة من قوميتنا وديننا. فالعالم العربي يجب أن يجمع بين الحقائق العلمية وبين شعور يربطه بأمته وتربيتها، ولا يتأتى ذلك إلا بتوجيه تربوي يبدأ من المدرسة الابتدائية والثانوية ويصل إلى التعليم الجامعي، أما إذا انحرف التوجيه التربوي في ربط شعور العالم بأمته فإن ذلك التعليم قد يؤدي عكس ما كنا نتوخاه منه بحيث نتيقن بأنه سيوجد لنا علماء سيكونون كالأجانب في أمتهم لا يفكرون وفق مناهجها في الحياة ووفق مصالحها الخاصة وهذا هو السبب الذي يدفع كثيرا من المهتمين بالتربية والتعليم في أمتنا إلى الدعوة إلى ربط التعليم باللغة العربية وبالتربية الإسلامية وبالتاريخ الحضاري للعرب، لأنهم يرون في ذلك إحياء لمقوماتنا وبعثا لحضارتنا وتجديدا لتقدمنا العلمي وفتحا لمجال العمل الجدي من أجل تحقيق مستقبل زاهر للأمة العربية.

إن المستقبل هو النتيجة العملية لأعمالنا الحاضرة، فإذا كنا نعمل بجد وإخلاص وفق برنامج صالح ومخطط واضح يرتكز على إحياء المقومات وحفظ كيان الأمة كان المستقبل زاهرا وكان الغد خيرا من الحاضر ومن الماضي، أما إذا كانت البرامج منحرفة وكانت التربية منكوسة فإن المستقبل أيضا يكون مظلما ويكون ضائعا ويكون أسوأ من الماضي والحاضر.

إذا كان الأمر كذلك فما علينا إلا أن نخطو خطوة عملية في تحقيق هذا الهدف المقصود فنعمم تعليم اللغة العربية ودروس الحضارة الإسلامية ونوجه النشء إلى تربية دينية قد تكون قادرة على توحيد شعورنا في المستقبل.

ومن المعلوم أن طلبة اليوم هم علماء الغد وأساتذة المستقبل، فإذا تكونوا ونضجت عقولهم وتهذبت نفوسهم أصبحوا مسؤولين عن توجيه الأمة ووجهوها إلى الخير والصواب.

فمصير الأمة في المستقبل رهن في أيدي شباب اليوم، فإن وجهوا إلى العلم والخير كان المستقبل مضيئا مزدهرا، وعليه فإن الواجب الوطني يدعو جميع الأفراد إلى العناية بالشباب وتربيته وتوجيهه إلى طريق العلم الناجع المفيد.

وما العلم الناجع المفيد إلا العلم الملقم بالأخلاق الفاضلة الهادفة إلى إصلاح الأمة وإصلاح الإنسانية.

فالعلم دون أخلاق قد يكون خطرا على الأمة وشرا على العالمين.

ومن أسس الأخلاق استغلال العلم للترفيه على الأمة وللعمل على تنمية اقتصادها وتقوية دفاعها وإبعاد الأذى عنها .

وبربط التوجيه العلمي بالشعور التربوي نستطيع أن نهيئ العلماء الذين نرجوهم وهم العلماء الذين يجمعون بين قوة العلم وقوة الإيمان ويضيفون إلى معرفتهم العامة شعورا قوميا يحققون به وجودنا ويثبتون به شخصيتنا أمام الرأي العام العالمي.

إننا لا نستطيع أن ننفصل عن الكتلة البشرية لأننا ننتسب إليها عن طريق الجنس والمصالح المشتركة، ولكننا لا نريد أن نتصل بها دائما اتصال التابع بالمتبوع أو اتصال المحب الولهان الذي ينسى وجوده ويندمج اندماجا كليا في عشيقته، بل نريد أن يكون في علاقتنا بالغير عنصر العقل من حيث اختيار أحسن ما عنده. وعنصر العاطفة من حيث الاعتزاز بالعنصر الشخصي المستقل الذي يثبت شخصيتنا كأمة ذات حضارة وتاريخ ودين وذات مبادئ سامية ترى صلاحيتها للعالم وتعمل من أجل إبقائها ونشرها بين أطراف المعمور.

وبهذه التربية القويمة نستطيع استغلال الطاقات العلمية في تنمية المجتمع وفي رفع مستوى البلاد اقتصاديا وخلقيا، ونستطيع بناء دولة قوية تستند في بنائها وتحقيق وجودها على العلم والأخلاق.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here