islamaumaroc

لا غنى لنا عن المقدسات

  عبد الكبير الفهري الفاسي

14 العدد

لا نعرف أمة تعيش وليس لها قيم ومقدسات، بل لم يتقدم لمثل هذا الاجتماع اليوم لم يسجل وجود أمة من هذا الرهط حتى في مجاهل إفريقيا واستراليا وجزر المحيط الهادي بين الأمم التي لا تزال في طورها البدائي. وغاية ما في الأمر هو التباين في المقدسات والقيم. وغريب ما في هذه الظاهرة من ظواهر الوجود الإنساني، وهو أن كل أمة نبذت في يوم من الأيام كلا أو بعضا من مقدساتها والقيم التي عاشت عليها قرونا من تاريخها، إلا وبادرت في يوم من الأيام إلى استرجاعها أو استرجاع بعضها أو استبدالها بغيرها.لأن الطبيعة الإنسانية وحياة الاجتماع تأبى الفراغ الكلي، والعدم، كما يقول العلماء عن الطبيعة في الوجود بأن أكره شيء لها هو الفراغ. وهذه الحقيقة الراهنة العظيمة مشاهدة كذلك في حق الإنسان وفي حق الاجتماع.
فكل من قام بحركة أو قام بدعوة تهدف إلى ترك المقدسات، فإنما يضرب في حديد بارد، لأن المقدسات هي لحمة كل أمة وسداها. ولا يمكن أن تقوم أمة بدونها. وإذا ظن ظان أن ذلك في الإمكان فإنما هو في الواقع يمشي في سبيل رائدة فيها سراب.
ولو أردت أن أثقل كاهل القارئ بشواهد التاريخ على واقعية هذه الحقائق؛ لرأيته يرزح تحت عبئها. ويكفي أن نقول أنها حقائق يثبتها العلم في جميع مذاهبه، حتى حسب التحليل الماركسي للتاريخ، ألم يقم لينين وستالين أو غيرهما من أقطاب الشيوعية مقام قيصر روسيا في التقديس والتعظيم؟ ألم تقم الشيوعية وغيرها من المذاهب التي تستلهم نظرياتها من مختلف المذاهب المادية، مقام ما كان قبلها من النظم، دينية أو اجتماعية؟ وهل أبراهام لنكلن أو جورج واشنطن لا يحظيان بقداسة لا يحظى بها كثير من ملوك الدول التي حكمت البلاد الأنجلوسكسونية ؟ ألم تقم ثورة فرنسا على أنقاض دين وملكية، اضطرت بعد زوالهما إلى خلق إله معبود سمته العقل؟ وهل نحن في حاجة إلى التمثيل بتركيا الفتاة، وما آل إليه أمرها بعد الانقلاب الكمالي الذي أعقبه مع توالي الأيام رجوع إلى مقدسات يظهر بعضها في سلوك القوم وتسارعهم إلى بيوت الله كلما ناداهم منادي الفلاح في مساجد رائعة الجمال بالغة أقصى حدود الجلال.
فإذا كان الأمر استبدال أمر بأمر، فالأفضل إبقاء ما كان على ما كان. لأن التجارب حكمت بصلاحيته في كثير من الميادين ولأنه صقلته المحارب.
نعم. لنا أن نؤكد أمرا هاما في الموضوع، وهو أن بعض المقدسات قد يسودها، بل ويطغى عليها مع تعاقب الأيام، فضوليات وطفيليات تعوقها عن سيرها الطبيعي المستقيم، وتعيش في ظلها، بل تعيش على ((حسابها)) أكثر مما تعيش هي لنفسها أو تعيش للشعب الذي هي منه وإليه .
والخطأ كل الخطأ هو التخليط بين المقدسات التي هي أصل وركن وجوهر في صميم الأمة، وبين ما زاد عليها وليس منها، وإنما هو فرع وجانب من الجوانب.
وعرض من الأعراض، وعارض من العوارض. وليس في أنواع التفكير ولا في ألوان التقدير والحكم على الأشياء، أقبح ولا أمعن في الخطأ، من التفكير والتقدير والحكم على الأشياء مع إدارة الشمول والإحاطة بها! والحال أن هناك الشيء وهناك ما يقابله. وهناك ظاهره وهناك باطنه. وهناك كنهه وحقيقته. كما أن هناك صفاته الظاهرة وعوارضه. أليس من خصائص العقل التمييز؟ فإذا كان العقل لا يميز بين ذلك كله فإنه عقل هو في حاجة إلى عقال. وقديما قالوا ((من جعل الناس سواء، فليس لحمقه دواء))
ومقدسات الأمم هي أثمن وأغلى وأنفس ما تملك. وليست بالمكان الذي يمكن معه لكل فرد أن يلوكه بلسان أو ينعته ببنان، خصوصا إذا كان اللائك، أو الناعت وليدا حدثا لازال في سن الدراسة.
ومقدسات كل أمة وليدة القرون وصنع التاريخ والتطور الإنساني في أجيال وأجيال،و ليس للإنسان فيها من يد إلا ما كان في المحافظة عليها لضرورة الاجتماع والاستقرار. والاجتماع لا يتصور على عدم أو على فراغ. كما أن الاستقرار لا بد له من قرار ومستقر.
وهذا المستقر هو المقدسات التي تختلف باختلاف الشعوب والهيئات، ولكن صفتها الأولى الرئيسية هي قداستها، وحكمة وجودها ومشروعيتها هي كونها أساس الاستقرار في الأمم. ومن خير الأمة ومن خير مفكريها ألا يقصد إلى محاولة تحطيم المقدسات. بل إن واجب على الأمة جميعا وعلى المفكرين فردا فردا، أن يعملوا على التهذيب والتشذيب فحسب ، للسلوك بالمقدسات في سبيل النجاة وهي سبيل التطور والرقي لا سبيل الطفرة التي لا تؤدي إلا إلى الفوضى وبلبلة الأفكار والمعتقدات وقلب الأوضاع من غير تمحيص وتبصر وتثبت .
ومهما كان للجيل الحاضر في المغرب من حق، فالحق الذي لا ينازعه في مشروعيته أحد، هو في مسايرة التطور مع السعي للمحافظة على الصالح من تراثنا في سائر الميادين، من غير محاولة للقضاء عليه بأجمعه.
لأن القضاء على كل تراث خسران مبين .

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here