islamaumaroc

ذكريات جامعية

  دعوة الحق

110 العدد

ليت الذكريات الحلوة لا تجاورها الذكريات المريرة، وما كان بطوق الإنسان ان يفصل بعض ذكرياته عن بعض ، ولو استطاع ذاك لحبس مكدراته وأطلق مسراته  مثل طيور بيض ترفرف عليه.
حين جئت مصر عام 1943 لأحصل على الدكتوراه في الآداب من جامعة فؤاد الأول، اعترضني باب الماجستير دون الدكتوراه وهو مجاز لا بد منه للعابرين مثلي. ولم أكن صنعت من كتبي المطبوعة سوى ( النواسي شاعر من عبقر) ومعي مخطوطة عملتها في تاريخ الأدب منذ امرئ القيس الى شوقي أسميتها«عباقرة الأدب» وطائفة كبيرة من البحوث والمقالات في المجلات الأدبية والصحف العربية.
كنت أحس بانقباض النفس إذ تعلق أمري على مجلس الجامعة، وما يكون من عقده ، حين ينعقد، ومعي أطفالي الثلاثة وزوجي، ولم يكن مالي مبحبحا، فلبثت منطويا على أحزان لا تزول، فإذا أخذت نفسي ببعض السلوى فرحت تحت العشيات الى ضفاف النيل، رأيت الناس يمرحون ولم أجدني فرحا، فكنت سادرا في ظنون الخيبة، وقد ضربت مستقبلي بوجه القدر، أما لهذا وأما لذا- كما يقول أبو الطيب المتنبي- في فورات أمله الخائب. وكان لا بد من أن أحصل على مبررات الإقامة شأن الأجنبي الدامر على البلد العربي العريق، وتعليق أمري بكلية الآداب لارجاء في انفراجه عما قريب، فقال لي قائل من بلدي:
- عليك بكلية الحقوق، فقسم الدكتوراه فيها مباح لمثلك ممن حصلوا على إجازة الحقوق، وحين وجدت إجازة الآداب التي معي لم تضمن لي ما ابتغي، وجدتني بعد يومين ممتعا بإقامة أشهر ستة في بلهنية وراحة وأمن مقيم. وقد اشتريت الكتب التي للدكتوراه في الحقوق وعكفت على الحضور، وليست بغيتي فيه، وما أوفدتني الحكومة السورية إلا لأحصل على الدكتوراه في الأدب، وقد ثابرت على دراسة القانون وحضرت محاضرات الأستاذ العظيم«بيير جوغيه» في الحقوق الفرعونية العتيقة بالفرنسية، ولقيت ذلك المواطن الذي دلني على مبررات الإقامة فقال لي:
- مالك جادا في الحضور بكلية الحقوق وأنا مثلك، لكني لا أحضر.
- وكيف تصنع؟..
- أدبر نفسي.
فلم آبه لنصحه، وطفقت مثابرا على الحضور حتى انفرجت أزمتي في مجلس الجامعة فقرر قبولي للدكتوراه على أن أقد بحثا ينوب مناب درجة الماجستير، فوهبت من شدة الفرح كتبي لطالب من بلدي حضر لتلك  الدراسة الحقوقية وخرجت منها لا علي ولا لي.
وكان للدكتور طه حسين- مد الله بعمره المجيد- يد كبرى في مساعدتي وتذليل صعابي.
ولم أكد أحصل على تلك النعمة الإلهية، وأجد بين يدي بطاقة التسجيل بقسم الدكتوراه في الجامعة المصرية حتى جن حساد نسوا أني من أبناء جلدتهم ومن بلدهم، وكانوا حضروا لمثل ما حضرت، غير أن أعمالهم في الفكر والأدب كانت أدنى ولم يبلغوا شأوى، فلقيت من كيدهم ما يلقى البريء من الدنيء وحكمت منذ ذلك اليوم على النشء العربي بأنه إذا لم يتجرد من الحسد والضغائن فانه لا محالة هالك ولن يكون به نفع للأمة العربية.
وكانت قمة الكيد لي أن تجرأ واحد من الآثمين فأرسل الى ضابط الجوازات بأنني دخيل على البلد ولست موفدا وقد عبرت الحدود بغير جواز.
وفيما أنا بفندقي ومعي أطفالي وقد هاجمهم حرمصر وهو المسمى( حمو النيل)وعليهم حرارة الأجسام ودبيب المرض، إذ بشرطي يطلبني:

- ماذا تريد أيها السيد؟..
- ان ترافقني الى المخفر..
         فهالني ما كنت أجد وصحبني الى ضابط يرقص الغضب على وجهه فابتدرني؟..
- كيف كان معك الجرأة في دخول بلادنا بغير جواز؟..
- كلا يا سيدي ان معي جوزا.
- وأين هو؟
- انه في كلية الآداب عند المسجل.
وأدركت للحال أن الجامعة قد حل منذ أيام موعد إجازتها النصفية، فغلى ادم بالرأس وأسقط بيدي فرجوت الضابط إمهالي الى الغد وأحضر له وثائقي وجوازي فأهملني بعسر. وطرت الى منزل المسجل الأستاذ عباس فوجدته متأهبا للسفر الى الريف فرجوته الذهاب الى الكلية لإعطائي أوراقي التي عنده وفيها جواز السفر وكتاب وزارة الخارجية السورية بايفادي، فأحضرت له سيارة وعدت ببغيتي التي ستجيء في الغد عند ضابط الشرطة.
وغدوت ظافرا، فبكرت على الضابط الذي لقيني بتجهم ولم يلبث وجهه أن انفرج حين اطلع على وثائقي وأيقن أني موفد الحكومة للدراسة العالية الجامعية، وأن معي زوجي وأولادي بجواز سفر رسمي خاص وما راعني الا أن جمع في فمه ريقه ثم بصق بجانبه، وهو يقول:
- على الرجل إلي وشى بك إلينا بكتاب أرسله بالبريد، فلا تؤاخذنا يا أستاذ
وأقبل علي مبردا لوقد أحزاني وأعاد إلي أوراقي ونهض يمشي معي مودعا حتى الباب!
ويا هول ما رأيت عند الباب الخارجي لوزارة الداخلية.. لقد رأيت ذلك الرجل الذي شككت به في الإقدام على هذه الإساءة فابتدرني:
- ماذا تصنع هنا؟..
فأجبته جوابا جافا وعبرت طريقي منصرفا فرحا وعائدا الى أولادي ومعي الدواء لهم مما كانوا فيه، فقصصت على زوجتي ما جرى لي واشتركنا معا بصب اللعنات على الحاسدين.
ثم صرت أبصر جمال ضفاف النيل وارتاد بالإصباح حديقة «الاورمان» العجيبة في تنسيق أشجارها وتهدل أزهارها، اقتعد غاربا عاليا على شجرة وتحتي أزاهير اللوتوس والنيلوفر وكنت أسمع أصوات العنادل مغردة على الصفصاف والنخيل، وما كنت من قبل أحس بوجودها في طول ما كنت أجلس سادرا بأحزاني في حديقة الاورمان.
وصار رفاق من بلدي ممن يؤثروني يحضرون لتهنئتي بالقبول في قسم الدكتوراه للأدب العربي بالجامعة المصرية فكنا نجلس في حديقة« الاورمان»فمرت أوانس وجلسن بقربنا وهن يلبسن القمصان الحمر والصفر فعزم علي أستاذ منهم أن أقول فيما أشاهد فقلنا نبدل الأبيات التي يقول قائلها:
بالله يا ذات الأزار الأسود
                 ماذا صنعت بعاشق متعبد

قد جاء للمحراب يقضي نسكه
               حتى وقفت له بباب المسجد

فقلنا:
بالله يا ذات القميص الأحمر
                ماذا صنعت بطالب متحير

قد جاء «للاورمان» يتلو درسه
                حتى برزت له بأبهى منظر


وأخذنا بضحك وسلوى أنسينا الاغتراب ومتاعب التحصيل،وقد جازت بنا السنون فوق الثائرين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here