islamaumaroc

الكتاب بين النشر والاستيراد

  دعوة الحق

110 العدد

لا يمكن أن يتناول أحد مشكلة الأدب أو الثقافة دون أن يعرج على مشكلة النشر والطبع. وقد تتداخل مشكلتا النشر والطبع فيتحدث عن مشكلة النشر وحدها باعتبار إن الطبع متضمن فيما ينشر. وأدبنا في الغرب  بالخصوص يعاني من أزمة النشر عناء كبيرا، إذ ما من شك في أن وسائل النشر لو توفرت، لامكن أن تظهر نماذج عدة إلى الأسواق بإمكانها إن تعطي نظرة على حياتنا الأدبية وطريقتنا في التفكير؛ وذلك من دون شك، من شأنه أن يقرب بين  الإطراف التي تتناول أدبنا وثقافتنا بالدرس حتى لا يذهب البعض إلى حد الادعاء بأن هذا الأدب غير موجود، أو ليس له كيان. إن مشكلة النشر تكاد تعم البلاد التي هي في طريق النمو. نعم، ولكن هناك استثناءات عدة، ففي بلاد الشرق العربي، هناك أكثر من قطر عنده مشكلة النشر، بل أن هناك من الأقطار العربية، ما يشكو أو يمكن أن يشكو من مشكلة تضخم النشر، وقد رأينا في كثير من الحالات أن لبنان الشقيق ينشر الترجمة العربية لبعض الكتب قبل أن تظهر مطبوعة في نصها الأصلي، وبلغتها القومية، وهذا أقصى ما يمكن إن يبلغه نشاط دور النشر. وبالطبع لكل من تضخم النشر أو وفرته، كما لقلته وندرته خطورة. فكما أن الأولى قد تذهب بالمستوى الرفيع للأدب، وقد تكون على حساب الثقافة العالمية، فان الثانية أيضا تؤدي إلى قبر العبقريات الأدبية، وإعاقة بوادر الإبداع من الظهور. ومع ذلك فلربما كان المرء أميل إلى أن يختار الحالة الأولى، حالة وفرة الإنتاج والنشر بالرغم مما فيها من مخاطر، ذلك أننا لن نعدم في خضم الوفرة والكثرة، أن نجد بعض المبدعين المتفردين. ولعل من المفيد أن تطلع على الطريقة التي يعالج بها رجال الفكر في الأمم المتقدمة مشكلة النشر، وهذا ما أوضحه «بير دكارج» في مقال أخير لــــه(1).
لقد تناول الكاتب مشكلة النشر والإنتاج في فرنسا من جميع جوانبها وألقى نظرة على قيمة كثير من الإنتاج الأدبي والثقافي في هذا البلد، بل لقد صنف كثيرا من أنواع هذا الإنتاج، انطلاقا من تصنيف الناشرين له. ولعل من الغريب أن يكشف تصنيف الناشرين في فرنسا على كثير من المشابهات بينه وبين أنواع الناشرين في البلاد المتخلفة وخاصة ما اتصل من ذلك بالروح التجارية التي تسود الكثير من رجال النشر وتوجه أعمالهم. وقد ميز كاتب المقال بين أنواع ثلاثة من الناشرين. فهناك «الذين يصدرون المجموعات المتسلسلة» وهناك طائفة ثانية لا توجهها الثقافة، ولا التذوق الأدبي وهؤلاء «عملهم تجاري محض» وطائفة ثالثة هي التي تمثلها بعض «دور للنشر التي تشارك في الإنتاج، كما تشارك وتشترك في النشر». وما من شك في أن لكل من هذه الطوائف الثلاث، بعض المحاسن وبعض المساوئ، ولكن ذلك على درجات. فمن هذه الطوائف مثلا الطائفة الثانية، التي تمارس عملية النشر، دون وعي لدورها في خدمة الثقافة والأدب، والتي لا يقودها أي مثال تقارن بواسطته وتختار حسب مقاييسه. هذه الطائفة تعامل الآثار الأدبية والثقافية كما تعامل أية بضاعة مادية، والرؤية التي تقرها هي رؤية التاجر إلى الأسواق. فالتاجر لا يمكنه أن يستورد أو يدفع ماله إلا فيما يعلم سابقا انه قابل للرواج. وهنا يكمن الخطر لان الناشر من هذا النوع، لا ينظر إلى دوره كمرب بإمكانه أن يوجه الجمهور، إلى ما ينفع والى ما يرقي ذوقه. إذ من الواضح أن الأسواق الثقافية والأدبية كأية أسواق أخرى، يمكن للزبائن فيها أن يقعوا ضحية الرديء المبتذل إذا لم تكن هناك منافسة، وإذا لم يوجد الراقي الجيد بجانب الهزيل الغث. ويكفي أن يمر المرء بنظرة على قوائم المبيعات والمعروضات من الكتب ليدرك المستوى الذي تتدهور إليه المطالعات الثقافية والأدبية عندما يغمر الغث سوقها.
على أن المشكلة لا تنحصر في هذا الجانب فحسب، أي أن نتائج النظرة التجارية المحضة إلى عملية النشر لا تقف عند حد يجعل المستهلك ضحية تقدير عقلي، ويجعل الناشر يحقق الأرباح الطائلة فحسب، بل أن لهذه النظرة، جانبا أخطر هو نتيجة حتمية لكل ما تقدم، وذلك من جانب المؤلفين.
فالمؤلف أمام واقعة مرة كهذه، مضطر إما إلى أن ينزل بمستواه وينحرف عن أسلوبه وطريقته في العرض، وأما أن يعاني الأعراض والتجاهل والتغافل، وما يترتب عن ذلك من فل العزيمة وتثبيطها.
ولعلنا نتساءل هنا هل يعتقد «الناشر- التاجر» أنه ذكي وأنه محافظ على تجارته، عندما يصرف النظر إلا عن الغث والسهل، الميسر للاستهلاك؟ انه مخطئ بدون شك إن ظن ذلك. لان الأولى بالمهارة التجارية أن تتبنى بعد النظر، أن يعلم صاحبها أن السوق إن كانت اليوم لبضاعة معينة، فسينقلب الأمر غدا، مع ارتفاع المستوى الثقافي وتحسنه، أو على الأقل مع انتشار التعليم، وتوافر القراء. فالأولى إذن للناشر أن يكتسب السوق قبل قيامها، بل أن يعد زبائن المستقبل سواء من القراء أو من المؤلفين. على كل، ومهما تكن الجوانب التي يمكن أن ينظر منها إلى هذا المشكل، فان هذه الطائفة من الناشرين مدانة من الوجهة الثقافية والوطنية وهذا ما أثبته بيير دكارج في هذه العبارة التي أردف بها تصنيفه للناشرين في فرنسا«... نحن إذ نهنئ الطائفة الأولى، ندين الطائفة الثانية، ونصافح الطائفة الأخيرة من حيث المبدأ»
والطائفة الأولى التي يهنؤها الكاتب، هي التي تختص بإصدار المجموعات المسلسلة سواء كان ذلك في مجال الدراسات العلمية أو الأدبية، أو في مجال الروايات والقصص...الخ. والذي بالطبع يدعو إلى تهنئة هذه الطائفة هو أنها بدون شك لكي تختص بنشر مجموعة معينة لا بد أن تكون قد وضعت مخططا ذاتيا، وفهمت دورها، وحددت أهدافها. وبالطبع هذا لا يمنع من أن تكون هذه المبادئ نفسها مبنية على اختيارات رديئة في بعض الأحيان، ولكن هذا إن حدث- وقلما يحدث- فهو خير من التذبذب والاضطراب دون هدف، والجري وراء أسعار السوق. أن الدور التي تنشر المجموعات، إنما هي في الحقيقة تخلق أسواقا خاصة بها، وهذا ما يدفعها في غالب الأحيان إلى التوافق في الاختيار والى الاحتفاظ بالزبائن، وكسب المزيد منهم. وهنا نلاقي بالطبع تلك النقطة التي صادفناها سابقا، والتي رأينا فيها إن المهارة التجارية، تتطلب من الناشر، أن يكسب السوق قبل قيامها، أي أن يخلق سوقه الخاصة به، وهنا يأمن المزاحمة وأخطارها.
ولندرك جيدا أهمية هذه الطائفة التي تختص بنشر المجموعات المسلسلة، يكفي أن نستعرض بعض ما ظهر منها في العالم العربي، على قلة ما عنده في هذا الباب، إذا قيس بالدول الراقية كفرنسا التي يكتب عن حركة النشر فيها كاتب هذا المقال. لنذكر مثلا سلسلة «الألف كتاب» و «علم النفس التكاملي» و «الدراسات الفلسفية» و «نوابغ الفكر الغربي». الخ إن اسم السلسلة في مثل هذه الأحوال، يصبح شعارا له قيمته، ويصبح ضمانا للسير المرضي للسوق التجارية.
أما الطائفة الثالثة وهي التي قال عنها صاحب المقال أننا نصافحها، فهي بحق المثل الأعلى لما يجب أن يكون عليه الناشر، فهي طائفة من الناس ينشئون دورا للنشر، ولكن عملهم لا يقف عند حد تصريف المال والأمور التجارية للكتاب، بل أنهم ليؤلفون أيضا، أو يشاركون في التأليف، وغالبا ما يكون المبدأ الذي ينطلق منه هؤلاء، هو غيرتهم على أن يقع رجال الفكر ضحية رجال المال، فيجتمعون ويكونون لجنة من الأدباء والمفكرين، تضع اعتمادات مادية لعملية النشر، كما تزودها بالاعتمادات المعنوية التي هي ما ينشر طبعا. وكما تكون هذه الطائفة موفقة في اختياراتها نظرا، لثقافتها ومعرفتها بشؤون
الفكر، مما يفتقر إليه كثير من الناشرين ، فإنها أيضا تكون موفقة فيما تؤلف، لنفس العوامل والأسباب، وبذلك يمكنها أن تؤدي دورها على أكمل وجه.
                                                  ***
وإذا كنا في المغرب، البلد الذي لا زال مجرد متطلع إلى حياة الإنتاج الأدبي، والى غزو الأسواق الداخلية والخارجية بالكتاب المغرب، إذا كنا في هذا البلد لا نطمع حاليا في أن تظهر دور النشر أو رجاله بالتخصص في نشر السلسلات المعينة في ميدان من الميادين، وإذا كنا كذلك نلاحظ بكامل الأسف أن من يقومون بالنشر لا ينظرون إلى الكتاب إلا كبضاعة لا تختلف عن غيرها من البضائع المادية، التي تزخر بها الأسواق كالمأكولات والملبوسات، وإذا استرضى عن هذا ولا نرتضيه، فان لنا أن نطمع، في أن تجتمع كلمة رجال الفكر ورجال المالية، والثقافة والدراية بشؤون الفكر، قد يبدو هذا مجرد حلم، ولكنه ليس مستحيل التحقيق، ثم انه الكفيل بإنقاذ حياتنا الأدبية، وتراثنا الثقافي من الإهمال والغبن والضياع.
                                                   ***     
تلك بعض مشاكل النشر، بعض المشاكل فحسب. أما مشكلة الكتاب عامة، فلا تتمثل في نشره فحسب. بل أيضا في استيراده، فكما تستورد الدول ما تحتاجه لبناء اقتصادها وحياتها التجارية، كذلك يستورد الكتاب. بيد أن عملية الاستيراد قد تكون لأسباب مختلفة، فبينما هي عند بعض الدول، قد تكون وليدة حب الاطلاع، أو التلاقح الثقافي، والتعرف على آداب الغير وثقافته، وطريقته في التفكير؛ إذا هي بالعكس من كل ذلك وليدة أسباب تتخلص في الإملاق الثقافي والأدبي، وفي البلد المستورد منه عند كثير من الدول، وخاصة منها تلك التي لم تستكمل بعد أسباب النمو الثقافي والازدهار الأدبي. وبالطبع لن نقول أن مشكلة الاستيراد الثقافي بالنسبة للبلاد التي تسعى إلى التلاقح الحضاري والتعرف، هي مشكلة ثانوية، بينما هي مشكلة أساسية وأولية عند البلاد التي تعاني إملاقا أو فقرا في باب الإنتاج الأدبي والثقافي، لمجرد أن هاته البلاد تستورد الكتاب من الخارج؛ كلا فليس المجال هنا مما يسمح بوضع الدرجات،أو تصنيف هذه المشاكل إلى أولية وثانوية، لأن عملية التغذية الفكرية مهما تبد أساسية، فان عملية التلاقح الثقافي لا تقل عنها أهمية، ولئن أمكن في كثير من الأحيان والظروف، أن يتحدث الناس عن الاكتفاء الذاتي، ولئن أمكن أن يستحسن هنا الحديث في غالب الأحيان، ويؤخذ معيارا للوطنية الصادقة والغيرة القومية، لئن أمكن ذلك فان الحديث عن الاكتفاء الذاتي في مجال الثقافة والأدب يكون مدعاة إلى إثارة الشبهات حول صاحبه، وعاملا يدعو إلى التشكك في حسن نيته، أو على الأقل في نظرته الجدية والسديدة للموضوع.
إن مجال الثقافة والأدب، ومجال الكتاب بصفة عامة ، هو المجال الذي لا يعرف الاكتفاء الذاتي، وهو الذي يتطلب باستمرار عملية التلاقح الفكري بين الشعوب. أما الانغلاق على الذات وعلى التراث القومي والإنتاج الوطني وحده، فهو تغافل وغفلة عن رسالة الكتاب عامة. ومن هنا تكون أهمية الاستيراد والمستوردين لا تقل عن أهمية النشر والناشرين«فإذا كنا بدون شك، مضطرين إلى إعطاء الأهمية إلى الناشرين الذين ينتجون كتبا جديدة فيجب إلا تغيب عنا أهمية  الذين يستوردون الكتب من الخارج، ولو كان ذلك بدافع المنافسة التجارية أكثر ما هو بدافع وطني..» ولكن بالطبع، يجب ألا تطغى المنافسة التجارية، وإلا عدنا إلى مشكلة النظرة التجارية المحضة إلى سوق الكتاب.
فالاستيراد يجب أن يخضع لتخطيط عميق حتى يمكن أن يؤدي دوره في التلاقح الفكري. أما إذا خضع الاستيراد إلى العوامل التجارية وحدها فسنجد السوق قد امتلأ بالغث والسخيف، وسنجد كذلك مستوى التذوق العام ينحط، وبالتالي ستتسع الهوة بين رجال الفكر و وعموم القراء. فدور المستورد بالضبط هو دور الناشر، ولا يمكن لأحد منهما أن يتخلى عن جزء من مهمته الأساسية دون أن يختل المستوى الثقافي في البلد. أما إذا أمكن للمستورد أن يخطط ويختار، فبالإمكان حينئذ أن نطلع على الفنون والآداب وسائر مرافق الثقافة ، عند الغير، فنستأثر ونؤثر، ونظل في تفتح دائم واستقبال مستمر.
ولعله يجمل بنا أخيرا أن نتساءل عن دور المستهلك، في سوق الكتاب أيضا. لا شك في أن هذا الدور إذا أحسن المرء أداءه وأتقنه باستطاعته أن يوجه اختيارات الناشر والمستورد، ويجبره على مراجعة عملياته، وإذا كنا قد أثبتنا سابقا أن دور الناشر، كفيل بأن ينحدر بالمستوى الثقافي العام، ودرجة التذوق الأدبي والفني، أو أن يسمو بهما؛ فان هذا ليس أمرا مطلقا، وأن وعي المستهلك كفيل إن يحد من قوته، ويكف من فعاليته، إن وعي المستهلك هو الملاذ الأخير والحصن المنيع الذي بإمكانه أن يصمد أمام تيارات الابتذال والسخف.وبإمكان التعاون والتآزر بين همة الناشر والمستورد من جهة، مع همة المستهلك والمؤلف من جهة أخرى إن يحققا التوازن الثقافي، والازدهار الفكري للأمة.
وهذا مجمل ما يمكن أن نخرج به ، من بسط مشكلة الكتاب. فالعلاقة بين الأطراف المشاركة في عملية تصدير الكتاب إلى السوق واستهلاكه، يجب ألا تكون علاقة عمادها«الشطارة»، علاقة تغفيل البعض للآخر، لأن هذه العلاقة من شأنها، أن تزيد في إقبار الجهود الأدبية، في إدراج النسيان عند المؤلفين، كما تؤدي إلى امتلاء سوق الكتاب بما هو رديء ورخيص في مضمونه. وإذا كان الغيورون من رجال الفكر في فرنسا، ينددون بوضع كهذا، ويدينون علاقة «الشطار بالمغفلين» في دنيا الكتاب، ويدعون إلى تخطيط محكم، في النشر والتأليف والاستيراد؛ إذا كان ذلك في فرنسا وفي غير فرنسا من الدول المزدهرة ثقافيا، فما أجدرنا نحن بالانتباه إلى هذا، والاهتمام به، والعمل على تغييره وتبديله.

صبر المومن
قال الشعبي:
لقد صبر خباب بن الأرت، ولم تلن له بين الكفار قناة، فجعلوا يلصقون ظهره العاري بالرضف ( حجارة محماة) حتى ذهب لحمه.
وقال عمرو بن الحكم:
كان عمار بن ياسر يعذب حتى لا يدري ما يقول.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here