islamaumaroc

الرحالة المغاربة وآثارهم

  محمد الفاسي

14 العدد

يرى كثير من علماء النقد أن الأدب العربي النثري يتصف بخلوه من ظاهرة مهمة من الناحية الأدبية المحضة، وهي تعرض الكاتب لما يتعلق بشخصه، ولأفكاره  وعواطفه وإحساساته، حتى أنك تقرأ كتابا من أوله إلى آخره ولا يمكنك أن تتصور عصر المِؤلف ولا بلاده، كما لا تستفيد شيئا عن ميولاته الشخصية، ولا عن أعماله، وبالجملة فلا ترى أثرا في كل كتاباته الفعل فاعله ضمير (المتكلم) إلا ما يكون غالبا في المقدمات من إطراء المؤلف لكتابه. ويظهر لي أن من يوجهون هذا الانتقاد للأدب العربي يغفلون نوعا أدبيا له قيمته، وهو كتب الرحلات. إذ أساس هذا النوع هو شخص المؤلف وآنيته ووصف ما يعرض له في سفره، وذكر الإحساسات التي يشعر بها أمام المناظر التي يمر بها، مع اطلاعنا على أحوال البلاد التي يزورها وعلى عوائد أهلها وأخلاقهم وأفكارهم، وهو في كل هذا يعبر عن نفسه وعن عواطفه وعن وجهة نظره الخاصة في كل مسألة.
وإذا كان الأدب العربي في جملته يتسم بسمة الاتباعية (الكلاسيكية) أي النظر إلى الوجود بكيفية عامة، وإلى الإنسان كشخص مجرد شبيه بنفسه في كل زمان وكل مكان، فإن الأدباء الذين وصفوا أخبار أسفارهم في الكتب التي نطلق عليها اسم الرحلات، يمثلون في أدبنا الناحية الإبداعية (الرومانتيكية) لذلك كان في الرحلة من الأنواع الأدبية الطريفة التي تميل إليها النفس، وكانت مطالعة الرحلات ممتعة كتب الرحلات، فقال في مقدمة رحلة لأحد المعاصرين من أهل القدس نشرها في المطبعة السلفية: «قد كان لكثير من الكتب القديمة التي ألفت في الرحلة مزية قلما تجدها في المؤلفات الحديثة، وهي أن المؤلف كان يترك القلم يرسم ما في نفس صاحبه بعيدا عن التصنع، فإذا قرأ الناس كتاب رحلة شعروا بأنهم معه يرون ما رآه ويقفون على وقع ذلك في نفسه».
وقد تفوق المغاربة في هذا الفن ووضعوا فيه مؤلفات بديعة طبع بعضها وأكثرها لا يزال مخطوطا، ومنها ما تعتبر ضائعة ولا تعرف إلا بالنقل عنها في كتب التاريخ والأدب والتراجم.
وإنني سأحاول أن ألخص لكم في هذه المحاضرة تاريخ الإنتاجات الغربية في فن الرحلة في مختلف العصور الأدبية.
وقبل كل شيء ما هي أسباب كثرة تأليف المغاربة في هذا الفن؟ وتفوقهم فيه؟
يرجع ذلك لعوامل مختلفة أهمها بعد الديار المغربية عن الشرق والحجاز مهد الحضارة العربية ومهبط الوحي، فكان جل من يقصد البلاد الحجازية من الأدباء والعلماء لأداء فريضة الحج الشريفة البعيدة التي يحن إليها كل مغربي، لما يربطه بها من روابط الدين واللغة والدم، فيقصد الكتاب إلى التعريف بتلك البلاد وما احتوت عليه من آثار الصحابة والعلماء والمشاهد الشهيرة، مع وصف الطريق التي تؤدي إليها بحرا وبرا، وينتهز الراحل فرصة هذا السفر الطويل فيقف بكل عواصم العلم التي يمر بها في طريقه، ويصفها أيضا ويذكر مساجدها ومآثرها وعلمائها وأدبائها، فنفقت بذلك سوق هذا النوع الأدبي، وأقبل عليه المغاربة، وصار الكتاب يتنافسون فيه خصوصا في القرنين السابع والثامن حيث ازدهرت الآداب والعلوم بفضل تشجيع المرينيين، وقد كان لهم اهتمام خاص بأخبار الماضي وأحوال البلاد، حتى الفضل في تسجيل أخبار رحلة ابن بطوطة يرجع لأبي عنان المريني، إذ هو الذي استدعاه لحضرته وأمر كتابه ابن جزي الكيلي بتحرير ما أملى عليه من أخبار أسفاره الطويلة في أقطار الدنيا.
ومن أسباب هذا التفوق ولوع المغاربة بكيفية عامة بالسياحة وارتيادهم لأقاصي البلاد، ولم يكن ابن بطوطة المغربي الوحيد الذي دخل أقاصي البلاد الشرقية ومجاهل إفريقية، وإنما بقيت لنا أخبار أسفاره بفضل عناية أبي عنان الذي أمر بجمعها، وإلا لكنا نجهلها كما نجهل غيرها، وقد ذكر هو نفسه في رحلته قصة ندل على ما يقوله، وذلك أنه لما كان مقيما بإحدى مدن الصين وصلها مركب عظيم لبعض الفقهاء المعظمين عندهم، قال ابن بطوطة: «فاستأذن له علي، وقالوا مولانا قوام الدين السبتي. فعجبت من اسمه ودخل علي، فلما حصلت المؤانسة بعد السلام، سنح لي أني أعرفه، فأطلت النظر عليه، فقال أراك تنظر إلي نظر من يعرفني، فقلت له من أي البلاد أنت؟ فقال من سبتة، فقلت له: وأنا من طنجة. فجدد السلام علي، وبكي حتى بكيت لبكائه، فقلت له: هل دخلت بلاد الهند ؟ فقال لي: نعم دخلت حضرة دلهي. فلما قال لي ذلك تذكرته، وقلت أأنت البشري؟ قال نعم. وكان قد وصل إلي دلهي مع خاله أبي القاسم المرسي، وهو يومئذ شاب لا نبات بعارضيه من حذاق الطلبة يحفظ الموطأ، وكنت أعلمت سلطان الهند بأمره فأعطاه ثلاثة آلاف دينار، وطلب منه الإقامة عنده فأبى، وكان قصده في بلاد الصين، فعظم شأنه بها واكتسب الأموال الطائلة. أخبرني أن له نحو خمسين غلاما ومثلهم غلامين وجاريتين وتحفا كثيرة، ولقيت أخاه بعد ذلك ببلاد السودان فيا بعد ما بينهما !»
وهكذا نرى المغاربة يجوبون أقطار المعمور وذلك في القرن الثامن الهجري حيث لا بخار ولا كهرباء ولا سيارة ولا طائرة، وقد عبر الشريف الإدريسي أكبر جغرافيي العرب عن هذه الهواية يقوله :
دعني أجل ما بدت لي 
                  سفــينة أو مطــية
لابد بقـــطع سيري 
                  أمــينة أو أمــنية  
وهو القائل أيضا: 
 ليت شعري أين قبـري 
                  ضاع في الغربة عمري
لم أدع للعين ما  تشتـ
                  ـاق في بر و بحــر 
وكأنه يصف في هذين البيتين كثيرا من هؤلاء الرحال الذين كانوا يفارقون بلادهم ويفنون أعمارهم في التجوال واختراق الآفاق، ومنهم من يرجع لوطنه ويكون له فيه ذكر ومنزلة، ومنهم من لا يعود له. وكذلك كان الشأن في أقدم من بلغنا خبره، وهو أبو هارون الأغماني الذي فارق وطنه في أواخر القرن الخامس، وزار الديار المصرية والحجاز والعراق وخراسان وما وراء النهر، ودخل سمرقند، وكان شاعرا بليغا محدثا محاضرا متكلما وهو القائل:
لعمر الهوى أني وإن شطت النوى 
                  لذو كبد حرى وذو مدمع سكــب
فإن كنت في أقصى خرسان نازلا 
                  فجسمي في شرق وقلبي في غرب
وأبو هارون هذا لا ذكر له في كتب المغاربة، وهو الذي فتح سلسلة أولئك العلماء والأدباء الذين كانوا ينزحون عن بلادهم لأنهم لا ينصفون بها، ويقصدون المشرق فيحصلون على الشهرة، ويضيع فيهم المغرب كما يضيع المغاربة أخبارهم حتى إنك لا تجد لهم في كتبهم ذكرا.
ومن أشاهير هؤلاء الرحالة الذين لا يعنينا أمرهم الآن لكونهم لم يسجلوا أخبار أسفارهم أبو هارون الأغماتي هذا، والشريف الإدريسي، والمؤرخ عبد الواحد المراكشي، والأديب الكبير المحدث ابن دحيه الكلبي وغيرهم.
ومن أسباب الرحلة أيضا توجيه السفراء من قبل ملوكنا للبلاد الشرقية والغربية، والرحلات التي ألفت لهذا الصدد ترجع كلها للعصور المتأخرة أي إلى أيام السعديين والعلويين، وإن كنت أقدم رحلة معروفة ولا تزال منها نتف مخطوطة في بعض الخزانات، وهي كتاب ترتيب الرحلة للإمام أبو بكر بن العربي المعافري دفين فاس، ويرجع سببها لسفر والده موجها من قبل أمير المسلمين يوسف بن تاشفين سفيرا إلى الخليفة العباسي أحمد المستظهر بالله، وصحبه ولده أبو بكر وذلك سنة 585 وبقي بالمشرق مدة للأخذ عن علمائه، ولم يرجع للبلاد المغربية إلا بعد ذلك بثمان سنوات. (ومن أسباب الرحلة أيضا التغرب في طلب العلم ولقاء المشايخ الكبار وارتياد المكاتب الشهيرة، فكان الطالب بعد رجوعه من سفره وقد آب بعلم غزير يؤلف في الغالب رحلة يذكر فيها الشيوخ الذين أخذ عنهم والأدباء الذين لقيهم، ويثبت الإجازات التي حصل عليها مدة دراساتهم، والتي تبرهن على تفوقهم وعلو كعبهم في العلوم التي تخصصوا فيها، وكثيرا ما كانت هذه الغاية الدراسية تتحد مع أداء فريضة الحج، إذ كان الطالب ينتهز فرصة وجوده بالمشرق الحج وإتيان مناسكه.
ومن أسباب الرحلة كذلك مرافقة الكتاب للملوك ولرجال الدولة في أسفار رسمية يكلف أحدهم بعد ذلك بتسجيلها على نحو ما يفعله اليوم الصحافيون الذين يصحبون الرؤساء في تنقلاتهم ويوافون صحفهم بأخبار هذه الرحلات.
وقد تضافرت كل هذه الأسباب وشبهها في بلادنا في مختلف عصور تاريخنا على تزويد الخزانة العربية بمؤلفات ثمينة، منها ما طبقت شهرته كل أقطار الدنيا كرحلة ابن بطوطة التي ترجمت لجل لغات العالم.
وإن قائمة رجال العلم والأدب الذين رحلوا عن بلادهم لسبب من الأسباب المتقدمة لا تكاد تنحصر، إذ قل ما توجد ترجمة شهير من مشاهيرنا لا يشار فيها إلى أن له رحلة، ولكن لا يعنينا من هؤلاء الرحالة سوى من سجلوا أخبار أسفارهم في كتاب خاص يشتمل على وصف المراحل والمشاهد، إذ منهم من يضع كتابا أثر سفره يخصصه بذكر شيوخه وتراجمهم، مع ذكر الكتب التي درسها عليهم، والتعرض لسلسلة الرواة التي توصله لواضعي المؤلفات الأولين، وهذا النوع الذي يسمى بالفهرسة عند أهل المغرب وبالبرنامج عند الأندلسيين وبالثبت عند المشارق لا يعنينا أيضا، إذ أنه ولو كانت له صلة بالرحلة فهو لا يتصل بموضوعنا إلا من طرف واحد.
والآن وقد عرفنا الأسباب التي تحدو بكتابنا إلى الرحلة ثم إلى تسجيل أخبار رحلتهم، ننتقل للكلام على الرحلة من حيث هي.
إن فن الرحلة في أصله له اتصال متين بالجغرافية، إذ الكتب الأولى المؤلفة في هذا العلم كانت تتخذ صبغة الرحلة، وذلك أن الجغرافي كان أولا يطوف البلاد التي يود التكلم عليها، ويخترق مسالكها ويقف بنفسه على أحوالها، ثم يضع بعد ذلك كتابه، لذلك سميت جل التآليف الجغرافية التي كتبت في القرون الأولى، «المسالك والممالك» وصارت هاتان الكلمتان تطلقان على علم الجغرافية عند العرب، كما سموه أيضا علم تقويم البلدان، والفرق بين كتب الرحلات وبين كتب المسالك والممالك، هو أن مؤلف الرحلة يذكر فيها ما يتعلق بنفسه، فينبه مثلا على تاريخ خروجه من وطنه، وعلى الأحوال التي أحاطت بسفره، مع الإشارة لأسبابه، ويثبت كل ما يقع له من حوادث أثناء غيبته، وأما مؤلف المسالك والممالك فإنه يكتفي بذكر المسافات وبوصف البلاد التي يمر بها من الناحية الزراعية والتجارية، ويصف أحوال الممالك السياسية والعمرانية، ولا يتعرض لنفسه إلا في ما قل، وذلك خصوصا في المؤلفات الأولى من هذا النوع، حيث كان علم الجغرافية لم يستقل بعد تماما عن فن الرحلة حتى أبلغه الشريف الإدريسي إلى درجته العليا عند العرب، في مؤلفه نزهة المشتاق في اختراق الأفاق، وهذا الكتاب وإن كان كجل الكتب القديمة الموضوعة في المسالك والممالك نتيجة رحلات متعددة كما ينم عنه عنوانه، فإنه كتاب جغرافي محض، لا أثر فيه لذكر الوقائع التي حدثت للمؤلف أثناء أسفاره، ولا لشيء من أحواله الشخصية لذلك لا يدخل في موضوعنا إلا عرضا.
ويمكننا أن نقسم الكلام على الرحلات بالاستناد إلى اعتبارات مختلفة، كأن نرتبها على العصور التاريخية مسلسلين الحديث عنها من أول رحلة إلى أول رحلة إلى عصرنا هذا، ويمكن أيضا أن نرتبها حسب النواحي التي قصدها الرحالة وكتبوا عنها، كما يمكن أن نقسمها إلى قسمين كبيرين: الرحلات التي سافر أصحابها برا، والرحلات التي سافر أصحابها بحرا، إلى غير ذلك من الاعتبارات
ولكن الطريقة التي اتبعتها في دراسة الرحلات في الأدب العربي عموما، هي التي ينبغي أن تتبع في الكلام على خصوص الرحلات المغربية، وهذه الطريقة ترجع إلى أسباب الرحلة، وذلك أنني قسمت أنواع الرحلات إلى عشرة أقسام، منها عند المغاربة أنواع:
1) الرحلات الحجازية وهي الكثيرة لأنه يدخل فيها الرحلات الدراسية وبعض رحلات السياحة خارج المغرب ورحلات الزيارات وغير الزيارات وغير ذلك
2) الرحلات السفارية
3) الرحلات الرسمية
4) الرحلات السياحية
5) الرحلات العامة أي التي تأخذ من كل هذه الأنواع كرحلة ابن بطوطة مثلا.
(وأقدم رحلة مغربية وصلنا خبرها هي رحلة حجازية جامعة، تعتبر أعظم رحلة ألفت في اللغة العربية، وهي المسماة (ملء العيبة بما جمع بطول الغيبة في الوجهة الوجيهة مكة وطيبة) لمؤلفها أبي عبد الله محمد ابن عمر المعروف بابن رشيد الفهري، دفين فاس، وولد بسبتة عام 657 ورحل سنة 683 فقصد ألمرية بالأندلس، وكانت هذه المدينة باب المشرق منها تبحر المراكب الكبيرة قاصدة مراسي إفريقيا الشمالية ومصر والشام. وقد توجه ابن رشيد أولا إلى تونس فقضى بها مدة يتردد على مشايخها ويقيد الفوائد عنهم في شتى الفنون، وقد ضمن كل ذلك رحلته الثمينة مع تراجم من لقيهم من العلماء والأدباء، ثم قصد الإسكندرية ووصف في كتابه مشاهدها المشهورة وآثارها كالمنار الشهير الذي لا تخلو من وصفه رحلة ألفت بعد ذلك، وقد قال ابن رشيد عنه: «يعجز منه الوصف ويحار فيه الوصف، ضخامته من داخله أكثر مما عليه من خارجه، وهو من عجائب المصنوعات وغرائب المرئيات» وقد أقام مدة بالإسكندرية مشتغلا بالبحث والتنقيب دائم التردد على كل من يشار إليه بمعرفة في فن من الفنون مقيدا كل ما يسمع ويرى، ثم انتقل إلى القاهرة وقضى بها مدة لا ندري طولها، لأن أحد أجزاء هذه الرحلة قد ضاع وهو المشتمل على بقية أخبار مقامه بها، ثم على ذكر سفره إلى دمشق والمقام بها أيضا، وقد خرج من دمشق قاصدا البلاد الحجازية فدخل المدينة المنورة أولا ثم قصد مكة وحج في موسم سنة 684 ثم رجع إلى المدينة ومنها إلى القاهرة فالإسكندرية وهو في أثناء ذلك كله لا ينفر عن التقييد والبحث عن علماء كل بلد وأدبائه والأخذ عنهم ونقل أخبارهم وإفاداتهم وإنشاداتهم.
وفي اليوم الرابع من ربيع الأول سنة 685 غادر الإسكندرية مبحرا قاصدا طرابلس الغرب فقضى بها بضعة أيام ثم سافر منها وسار حتى وافي مدينة المهدية العبيدية بالقطر التونسي وبحث فيها أيضا عن مشاهيرهم على عادته في التنقيب عن أهل العلم والأدب، ومنها سار إلى أن وصل مدينة تونس في ذلك العصر قد بلغت على عهد الدولة الحفصية الفتية أعلى مدارج الرقي العلمي، وصارت في مصاف العواصم الإسلامية الكبرى كالقاهرة ودمشق وغرناطة وفاس حتى أن العبدري الذي زارها سنتين من بعد ابن رشيد لم يعترف في رحلته بوجود العلم الصحيح بعد خروجه من المغرب في بلد من بلدان المشرق سوى بمدينة تونس.
وقد بلغ إعجاب ابن رشيد بمدينة تونس وبأهلها وبعلمائه أقصى حد، وبرهن عليه بمقامه بها سنة كاملة تفرغ فيها للاستفادة أكثر ما كان في إمكانه، وحيث قرر المقام بها فارقه صديقه ورفيقه في هذه الرحلة الأديب الكاتب أبو عبد الله بن الحكيم الرندي الذي كان ينتظره في وطنه مستقبل زاهر إذ صار بعد ذلك وزيرا لمحمد الثاني النصري صاحب غرناطة.
أما ابن رشيد فإنه بعد سنة اشتاق إلى وطنه فرجع على طريق البحر وهو يؤثر السفر فيه على الأسفار البرية، وقد رسى به المركب ببونة قاعدة بلاد العناب المسماة اليوم عنابة، ثم أبحر ونزل بمراس أخرى إلى أن وصل مدينة مالطة بالأندلس وإليها كان متوجها المركب الذي ركب فيه، وقصد بعد ذلك رندة لزيارة صديقة ابن الحكيم، وزار بعض مدن الأندلس، ثم أبحر من الجزيرة الخضراء إلى مدينة سبتة «والشرق قد برح والغم قد صرح والديار قد تدانت والأعلام قد تراءت» كما قال آخر رحلته راجعا عن فكرة في عدم الاهتمام بمفارقة الأوطان حيث يقول:
تغرب ولا تحـــفل بفرقة موطن 
                  تفز بمنى في كل ما جئت من حاج
فلولا اغتراب المسك  ما حل مفرقا 
                  ولولا اغتراب الدر ما حل في تاج
وإننا بهذه النظرة العجلى التي ألقيناها على رحلة ابن رشيد يمكننا أن نقول أنه ليس من الممكن أن تكون هي أول رحلة ألفت في المغرب إذ أنها من النوع الكامل في هذا الموضوع، ولاشك أنها سبقت بمحاولات أخرى بالأقل في القرنين الخامس والسادس، ولكن الإنتاجات الأدبية لهذه العصور الأولى أتى على جلها الاضمحلال والفناء، كان ريحا عاصفة جرفتها فلم يبق سوى ذكرها في بعض الكتب التي تعني بهذه الشؤون، وحتى رحلة ابن رشيد هذه على عظم شأنها وما نالته من الشهرة في المشرق والمغرب، حيث أننا نرى النقل عنها والثناء عليها في غير ما كتاب، كاد يصيبها ما أصاب غيرها من مؤلفات المغاربة حيث لم يبق اليوم جزء واحد منها في بلد من بلاد الإسلام، وكل ما بقي لنا منها هي الأجزاء الخمسة المحفوظة بخزانة دير الاسكوريال الواقع على نحو ستين كيلو مترا من شمال عاصمة إسبانيا، وقد وقفت عليها بهذه الخزانة في أحد تردداتي عليها. وقد اختلف المؤلفون في عدد الأجزاء التي تتركب منها الرحلة وقد حققت بوقوفي على ما بقي منها أنها كانت تحتوي على سبعة أجزاء، ضاع الأول وكان يشتمل على السفر من سبتة إلى المرية، ثم إلى تونس والثاني موجود وهو بخط المؤلف خاص بتونس في الذهاب، والثالث مبتور الأول والأخير وفيه الكلام على الإسكندرية والقاهرة، والرابع مفقود كذلك وكان يحتوي على السفر من القاهرة إلى دمشق، والخامس يحتوي على وصف الطريق من دمشق إلى المدينة ثم وصف الطريق إلى مكة ووصف الحج ومناسكه ثم سفر الرجوع إلى القاهرة والإسكندرية، وهذا الجزء بخط المؤلف أيضا، والجزء السادس فيه وصف الخروج من الإسكندرية بحرا إلى أن وصل تونس كما قدمنا مع الكلام على مقامه بها، وهو بخط المؤلف كذلك، والجزء السابع فيه بقية الكلام على تونس وأدبائها وعلمائها وخبر خروجه منها إلى أن وصل مسقط رأسه، ولاشك أنه مع الجزأين الأول والسادس أهم مصدر عن تاريخ الحركة الفكرية في تونس في القرن السابع.
وقد توفي ابن رشيد الفهري سنة 721 بمدينة فاس حيث كان استدعاه المرينيون وحببوا إليه المقام بعاصمتهم فاتخذها دارا ونشر فيها عمله وقصده طلابه من أصقاع الأندلس والمغرب.
          

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here