islamaumaroc

الدولة العلوية في خدمة العلوم الإسلامية

  دعوة الحق

106 العدد

لعل. من أهم الأمور التي تميز الدولة العلوية عن بقية الدول التي تعاقبت على الحكم في المغرب الأقصى. وأجل الخصائص التي انفردت بها دون غيرها من الإمارات والمماليك، خدمتها للعلم والمعرفة، بصفة عامة. واشتغالها بالثقافة الإسلامية، بصفة خاصة، وإقبالها على علوم القرآن والحديث بوجه أخص، فقد غنيت هذه الدولة العظيمة بملوك أعلام، وأمراء جهابذة في البيان والعرفان كما زخرت بالمآثر الخالدة من معاهد ومدارس ومساجد وزوايا كانت عنوان اهتمامات السلاطين السابقين والدليل على العناية التي يوليها ملوك الدولة العلوية وأمراؤها في سبيل الدعوة إلى الله وترغيب الرعايا في الاشتغال بالتعليم والتحصيل.
وإذا كانت هذه الحقيقة بعيدة عن أذهان بعض المتطفلين على ميدان العلم والمعرفة، وبعض أنصاف المثقفين الذين لم يستطيعوا إكمال تكوينهم وتحصين معلوماتهم وتركيز معارفهم فإنها- والحمد لله- لا تغيب عن العلماء المتضلعين بالثقافة المتينة الحق والمتطلعين للمزيد من البحث والتنقيب، ومما لا ريب فيه أن افتتاح الخزانة الملكية الذي ينتظر تحقيقه في الأيام القريبة المقبلة سيكون مناسبة سانحة لهؤلاء الذين يرغبون في الإطلاع على هذه الحقيقة لأنه سيضع أمامهم البراهين القاطعة والحجج الساطعة على الاهتمام الذي يحظى به العلم من طرف ملوك الدولة العلوية خلال القرون الماضية وأثناء العقود المتأخرة.
فمن سلطان هائم بالعلم، شغوف برجاله كالمولى إسماعيل الذي لم تشغله الفتوحات المظفرة عن الإجماع بالعلماء واستدعائهم لحضرته والذي حدثنا التاريخ عن الاعتناء الفائق الذي كان يخص به علامة المغرب اليوسي حيث قربه سنة وتابع مناظرته لعلماء فاس وغيرهم، إلى مليك عالم يؤلف بنفسه ويشتغل بالبحث والتدريس ويتطلع إلى قضاء أوقاته في مناظرة العلماء ومطالعة الفتاوي وتحديد المفاهيم كالمولى محمد بن عبد الله الذي خلف لنا آثارا علمية جليلة أعظمها كتاب « الفتوحات الالاهية في أحاديث خير البرية» الذي تم طبعه بالمطبعة الملكية في عهد جلالة الملك الراحل محمد الخامس، والمولى سليمان الذي كان شديد الاهتمام بشؤون الدين يعلي مناره، ويثبت أركانه والذي ترك تقاليد قيمة عن « المواهب» وغيرها من الكتب الاسلامية والذي حفزته محبته للسنة وتقديره لها إلى الاعتقاد الجازم ببعض مظاهر الحركة الوهابية إلى قائد ثابت جعل همه في تقريب وسائل العلم والمعرفة إلى الناس وحبب إليهم العلوم على اختلاف مشاربها وطرقها وهيأ الأسباب للعلماء لإخراج مؤلفاتهم من الظلام الدامس إلى حيز الوجود كالمولى محمد بن عبد الرحمان الذي يرجع له الفضل في إدخال آلة الطباعة إلى بلادنا والذي كان السباق في ميدان التفتح الفكري والاستفادة من تجارب الشعوب الأخرى.
   ويسجل التاريخ بمداد الفخر لهذا الملك العظيم عنايته بكل الوسائل التي ساعد نشر العلم، فقد بلغه،
حسب بعض المؤرخين، أن السيد ابن الطيب الروداني قد أدخل معه من البلاد الشرقية مطبعة تيسر طرق النشر وتسهل إخراج الكتب من نطاق المخطوطات إلى ميدان المطبوعات، وقد رأى المولى محمد بن عبد الرحمن أن هذه الآلة ستكون فائدتها عظيمة وسترجع على الثقافة المغربية بالخير العميم بل دفعه شغفه بالعلم وهيامه بالمعرفة إلى حيازة هذه المطبعة وجعلها تحت تصرفه ظنا منه أنها إذا كانت تحت سلطة المخزن ستكون أكثر نفعا من بقائها تحت يد أحد المواطنين فيها كيف يشاء.
وقد أخذت هذه المطبعة تعمل عملها بادئ الأمر في مكناس ثم تحولت إلى فاس كما نص على ذلك أخونا العلامة المؤرخ الثبت سيدي محمد المنوني في الدراسة المتينة التي حررها في هذا الموضوع، وكما أشار إلى ذلك شيخنا العلامة المختار السوسي في موسوعته المعروفة باسم « المعسول».
ومن هؤلاء الملوك العلماء العاملين تقف أمام أنظارنا شخصية فذة هي شخصية السلطان المولى عبد الحفيظ طيب الله تراه. فقد وقف بنفسه على طبع مؤلفاته عديدة كان من الممكن أن تعبث بها يد الحدثان وتقضي عليها عوادي الزمان ولكن هذا الملك العالم تداركها بفضله وتولى حفظها من الضياع وإخراجها إلى عالم الوجود. فلمن يرجع الفضل في إخراج كتاب « أحكام القرآن» لابن العربي؟ ومن يا ترى زين خزائن العلماء « بالبحر المحيط» لأبي حيان و « مشارق الأنوار» ذلكم المؤلف الجليل الذي وضعه القاضي عياض والذي كان إخواننا في المشرق العربي والعالم بأسره يتطلعون إلى اقتنائه والاستفادة من دوره ونفائسه حتى قال فيه بعضهم :
مشارق أنوار تبـدت بمغرب
             ومن عجب كون المشـارق بالمغـرب
و « بداية المجتهد ونهاية المقتصد» لابن رشد وهو الكتاب القيم الذي كان الفقهاء والباحثين يتلهفون شوقا للحصول عليه والارتواء من حوض منافعه والاغتراف من معين معارفه؟ ومن نظم لنا « معنى اللبيب» لابن هشام في رجز لطيف العبارة قوي الإشارة تلقفه علماء آخرون لشرحه حتى يعم نفعه، وتحصل الفائدة للجميع؟ إنها أعمال ناطقة بعظمة مولانا عبد الحفيظ العلمية ومعربة عن مدى اهتمامه بالثقافة والفكر فقد خلف هذا الملك العظيم أثارا جليلة تتحدث عن مكانته وتخلد عهد حكمه، كما ترك علوما لا تحصى ووقى من التلف والتلاشي مؤلفات جليلة لا تستقصى أفلا يحق للعلوم الإسلامية أن تفخر بملك عالم ينظم « الشمائل المحمدية» «والجواهر اللوامع في نظم جمع الجوامع» ويؤلف « ياقوتة الحكام، في مسائل القضاء والأحكام» أفلا يجدر بعلوم القرآن والحديث أن تتيه بسلطان هائم بأنواعها المشرقة وفنونها الوضاءة يحضر مجالس التفسير ويترأس دروس الحديث ويناقش العلماء بحضرته ويناظرهم ويذكي فيهم جذوة البحث والتنقيب؟ فالله المسؤول أن يجازيه على ما قدم من جليل الأعمال وبديع الفعال.
أما عن تطلع هؤلاء الملوك إلى العلم ورغبتهم في أن تكون أمتهم في ركب الحضارة والرقي وخوفهم من أن تتردى بلادهم في هاوية الانحطاط والحضيض فهو مما لا يخفى على أحد. فقد تعرضنا سابقا إلى اهتمام المولى محمد بن عبد الرحمن بآلة الطباعة والاستعداد الذي أبداه للإنفاق عليها لأنه كان يعلم حق العلم أن الطباعة تعد بمثابة اللبنة الأولى لكل هيكل علمي يراد بناؤه وكل رقي فكري يرام الوصول إليه.
ويحدثنا التاريخ في هذا الشأن من ملك عظيم آخر كان يتمنى أم يرتفع مستوى أمته ويعمل بجد واجتهاد لإخراجها من العزلة والانكماش الذين استعذبتهما أمته واستطابت ظلالهما دولته، فقام يشيد بنيان العلم من الأساس ويبني دعائم المعرفة في بلاده على غرار ما كان عند الأمم والشعوب الأخرى.
وما هذا الملك الهمام إلا المولى الحسن الأول الذي تاقت نفسه إلى العلم والمعرفة، ورام أن يجعل من أمته خير أمة في هذا الميدان، كان المولى الحسن الأول بعيد النظر مدركا لأسباب التطور والنمو، خبيرا بأسرار التقدم فقد أراد أن يبدأ الإصلاح من الأساس الأول بدلا من الشروع فيه من أعلى القمم لأنه كان يرى أن أمته لن تستطيع أن تساير ركب الحضارة الجديدة إلا إذا غيرت أساليب حياتها، كما كان يدرك أنه لن يتأتى لمملكته الانغمار في النهضة الحديثة إلا إذا حورت عقليتها وما بنفسها غير أنه كان يوقن حق اليقين أن لا سبيل إلى ذلك إلا إذا أخذ المواطن المغربي بأسباب هذه الحضارة وتشربها من ينابيعها، فأخذ – قدس الله سره – يؤسس بعثات الطلبة، ويوجهها إلى الدول المتقدمة لترتوي من معين العلوم الجديدة، وتغترف من ينابيع المدنية  القائمة في الركن المتحضر من العالم، وتكيل من الثقافة العصرية بالمكيال الأوفى. وهكذا توجهت البعثات المغربية إلى أوربا في نفس الوقت الذي وصلت فيها إلى هذا الجزء من الدنيا الوفود الطلابية اليابانية.
وقد أراد الله سبحانه، لحكمة لا يعلمها إلا هو، أن تتزود هذه البعثات بالعلوم العصرية الضرورية أن ترجع إلى بلادها راضية مرضية لتجد المولى الحسن الأول قد غادر هذه الدنيا الفانية والتحق بالدار الباقية وتجد أن الأيادي الأجنبية أخذت تعبث فسادا في هذه الديار وتعمل جهد المستطاع حتى تظل بلادنا تغط في نومها الثقيل وتبقى جامدة تجتر التقاليد الفاسدة البالية والعادات المضرة الغاوية حتى يبقى المجال مفتوحا لبعثها وكيدها لتصل إلى القبض على زمام الأمور فيها تحت شعار التقدم والحضارة واحتكار السلطات وإبعاد أبناء البلاد عن مقالد الحكم. وهكذا تحقق للمستعمرين الأولين ما أرادوا. فقد استولوا على البلاد وطردوا العناصر الصالحة، وجعلوا مكانها بعض شذاذ الآفاق الذين كان همهم الأول والأخير أن لا تفيق هذه الأمة من سباتها ولا تستشعر خطر الغزو الأجنبي والاحتلال الأوربي حتى يكون مكرهم قد تحقق وخديعتهم أتقنت وحتى يسير من الصعب على بلادنا أن تنهض من الكبوة وتطلع من الهاوية.
لقد رجعت هذه البعثات من أوربا مزودة بأحداث العلوم كما عادت إلى وطنها وهي متحمسة للاضطلاع بالمهمة النبيلة التي طوقها بها الملك الحسن الأول ولكن هذه البعثات لم تجد لا في الحكام ولا في الأوساط الاجتماعية من يهتم بها ويفسح لها المجال لمزاولة خبرتها ونشاطها. فانقلب حماسها يأسا واستعدادها خمولا وتحفزها خيبة، وهكذا رضيت من الغنيمة بالإياب وحمدت الله على هذا المنقلب، ولعل من ضروب التحسر والأسف أن يصبح الطبيب من هؤلاء العلماء الذين تسلحوا بالعلم الحديث خبازا أو جزارا أو يسمي القائد العسكري الذي اطلع أثناء دراسته على خبايا الإستراتيجية الحربية نجارا أو تاجرا رغم أنه لم يكن مؤهلا للقيام بهذه الصناعة وهذه المهنة، ولكن عوامل التأخر ومكايد الخصوم تفعل بالدولة والأشخاص ما تريد وتسخرهم كيف تشاء وتحول بينهم وبين ما يصبون إليه.
وكيف لا يحصل مثل هذا الوعيد وقد كتب القدر على أمتنا أن تبتلى بالاستعمار وتصاب بالانكسار والخسران.
وقد شاء الله أن لا تدوم بلادنا في هذه الكبوة إذ سرعان ما سرى الوعي الوطني في النفوس فتحركت الهمم واستيقظت المشاعر فتغير مجرى الحياة في بلادنا، وانطلقت الأمة المغربية تستعيد أمجادها، وتحيي ما درس من آثارها وتخطو خطوات موفقة في سبيل إصلاح أحوالها ورفع مستواها الثقافي والاجتماعي.
وقد كانت هذه الانطلاقة المباركة ثمرة جهاد ملك علوي صالح هو سيدي محمد بن يوسف الذي قام يشيد معالم الدين ويؤسس المعاهد والمدارس ويسعى لإحياء كل غابر من تراثنا وكل دارس من رسوم حضارتنا، وهكذا لم تمض على المملكة المغربية فترة من الزمن لم تتجاوز ربع قرن حتى أخذت أمتنا تستعيد مكانتها وتضع خطط الإصلاح والتقدم بأيدي أبنائها، وإذا كان الجزء الأكبر من عهد جلالة الملك الراحل محمد الخامس قد مضى في محاربة المستعمرين ومقاومة الاحتلال الأجنبي، فإن هذا الملك المقاوم استطاع أن يوحد صفوف الأمة وينفخ فيها روح المقاومة ويذكي في نفوس أبنائها الرغبة في العلم والمعرفة إدراكا من جلالته بأن هذه الأمة لن تستطيع استرجاع مجدها وعظمتها إلا إذا قبلت على العلم، وتسلحت بسلاح المعرفة الحديثة والثقافة العصرية.
وقد عرفت علوم القرآن والحديث، في عهده، ازدهارا منقطع النظير لأنها وجدت فيه المومن الصالح الذي يتفقد معاهدها بالتجديد ويتعهد معالم الدين بالإصلاح الضروري لنهضتها. فبالإضافة إلى المساجد التي لا تحصى ولا تعد والتي شيدت بفضل عزيمته القوية وحزمه المكين والمعاهد الدينية التي لا حصر لها ولا عد عمل جلالته على إصلاح جامعة القرويين، موئل الثقافة الإسلامية في هذه البلاد، وحصنها الحصين، فقد أسس لها مجلسا علميا يضم خيرة العلماء وجعل على رأسها مديرا حازما جمع بين الثقافة الإسلامية والتكوين العصري حتى يسهر على إدخال التغييرات المناسبة على برامجها وطرق التدريس، وحتى تتمكن هذه الجامعة العتيدة من النهوض من كبوة الخمول والجمود التي كانت تتردى فيها حتى تصير مثال الجامعات الإسلامية الموجودة في كبريات العواصم بالعالم الإسلامي، وحتى يقبل عليها الطلبة المسلمون من جميع الأصقاع كما كان شأنها في الماضي، ولقد عبر جلالته بنفسه عن هذه الرغبة التي كانت تختلج في أعماقه عندما حضر إلى فاس لرياسة الحفلات التي أقيمت بمناسبة مرور أحد عشر قرنا على تأسيسها وقد ساعدني القدر فحضرت هذه الحفلات وشاركت بإلقاء قصيدة في هذه الذكرى فإستعمت إلى جلالته يلح على تحوير برنامج هذه الجامعة وإدخال مواد جديدة في حصص التدريس بها حتى تجمع بين طابع الأصالة الذي ظلت تحافظ عليه طيلة أحد عشر قرنا وبين روح التجديد التي يتعين أن تنفخ فيها حتى تستطيع أن تخرج علماء واعين لمسؤولياتهم الاجتماعية وتبعاتهم الوطنية.
وكان جلالة محمد الخامس يسهر بنفسه على تربية الشعب تربية دينية كما كان يترأس بنفسه الحفلات التي تقام بمناسبة الأعياد الإسلامية الكبرى والليالي العظيمة الخالدة. فقد كان جلالته يحيي ليلة القدر وليلة المولد النبوي الكريم كما يحضر صلاة الجمعة في موكب رسمي تهفو لمنظره قلوب المومنين وتزهو بعظمته وجلالة نفوس المواطنين، وقد بلغ من اعتناء جلالته بالدين وحرصه على إعطاء المثل الأعلى لشعبه إن كان يترأس بنفسه صلاة الجمعة ويخطب في جماهير المسلمين ويؤم تقديرا منه للمنصب السامي الذي يجعل منه أميرا للمؤمنين وراعيا للملة والدين.
ولعل من واجب الاعتراف بالواقع أن نؤكد أن دور جلالة محمد الخامس في هذا الميدان لم يكن بالسهل اليسير لأنه كان يعيش في ظرف كثر فيه الازدراء بالدين وقويت فيه شوكة الملحدين والمرتدين كما كان يواجه عصرا أراد الماديون أن لا يبقى فيه أثرا لمظاهر الروح، وحاولوا. عبثا. أن يكون السلطان فيه للحرية الدينية التي كانت ترتدي لباس الإباحية والتي كان يتستر وراءها بعض الضالين المضلين.
ولقد غادر محمد الخامس هذا العالم مطمئن البال، هادئ النفس ورجع إلى ربه راضيا مرضيا لأنه خلف وراءه شعبا مومنا، وراعيا أمينا، ورائدا صادقا هو جلالة الحسن الثاني الذي جمع، بفضل التكوين الذي وفره له والده، بين الثقافة الإسلامية الأصيلة والثقافة العصرية الحديثة والذي استطاع أن يوافق ضمن اهتماماته ومشاغله بين الدين والدنيا في توازن محكم وتعادل محمود لم يحقق فيه أي جانب الغلبة على الآخر.
فمنذ تربع صاحب الجلالة والمهابة الحسن الثاني أيده الله ونصره على عرش أسلافه المنعمين أخذ يهتم بشؤون الدين. وينكب على دراسة المشاريع التي يمكن بواسطتها تعزيز شان الإسلام وتقوية جانبه وخدمة علومه.
وقد خرجت هذه المشاريع البناءة إلى الوجود فكانت صورة لمشاغل جلالته وعنايته الفائقة بالدين ورجاله، فقد فكر، أولا، في إحياء الدروس الحديثية التي كانت تنظم في عهد أجداده المقدسين والتي لم يستطع محمد الخامس إحياءها في عهد الاستقلال نظرا للاهتمامات الكبرى التي كانت تستحوذ عليه وتسيطر على فكره، وقد لعبت هذه الدروس دورا كبيرا في توعية المواطنين الذين توصلوا بفضلها، إلى إدراك الآفاق التي تتوفر عليها الثقافة الإسلامية والحيز الكبير الذي يشغله التفكير في الإسلام والعلوم المتنوعة التي يزخر بها القرآن الكريم وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد نفخت هذه الدروس في روح المواطنين بصفة عامة والمثقفين منهم، بصفة خاصة، الاهتمام بالدراسات الإسلامية والإقبال عليها. وقد ساعد على ذلك افتتاح دار الحديث الحسنية التي ما أعتقد أنه كان في إمكان أن تحصل على النجاح الذي لقيته من توافد الطلبة عليها حسن استعداد العلماء للتدريس فيها لولا ما ظهر من قيمة العلوم الإسلامية ومن إكبار جلالة الملك للمتضلعين فيها. وقد نال القرآن من جلالة الملك الاهتمام اللائق به كمورد أولي للثقافة الإسلامية فتأسست مدارس للمقرئين كانت جوهرتها وزينتها مدرسة القراءات السبع التي أسست بشمال المملكة كما نظمت مباراة في التجويد كان لها أحسن الوقع في نفوس المواطنين وإن كانت تستدعي ملاحظات مختلفة تتعلق بطريقة تنظيمها وتعيين المشرفين عليها. وشمل الاهتمام بعلوم الدين طبع عدد كبير من المؤلفات الإسلامية الجليلة كترتيب المدارك للقاضي عياض والتمهيد لابن عبد البر وغيرها من المخطوطات النفيسة التي كانت تزخر بها الخزانات في المغرب والخزانة الملكية العامرة. وقد توجت هذه المنشورات بإصدار مصحف الحسن الثاني الذي جاء ليسد فراغا كبيرا كان يشعر به كل راغب في التبرك بتلاوة القرآن الكريم والتفكير في الذكر الحكيم.
ولعل أعظم فتح عرفه الإسلام في هذا القرن هو القرار الذي اتخذه صاحب الجلالة بفرض الصلاة في المعاهد والمدارس وإجبار الطلبة والتلاميذ وأساتذتهم ومربيهم على أداء هذا الركن العظيم في الأوقات المحدودة وإقامته على الوجه الأكمل. ولأن أملنا هو أن يبقى هذا الأمر المولوي السامي ساري المفعول وأن تظل وزارة التربية الوطنية تسهر على تطبيقه حتى لا يغفل عنه مع مر الأيام وكر الأعوام.
وإن من دواعي الفخر أن يتصدى جلالة الملك وهو المثقف الواعي لمظاهر الحضارة المقدر لمختلف جوانبها المادية والمعنوية، لتناول الحديث عن الإسلام في كل مناسبة ومحاولة تقريبه إلى الإفهام وغزو قلوب الزائغين المترددين حتى يعودوا إلى حمى الدين ويفرغوا إلى ربهم مومنين مسلمين فقد أعطى جلالته بذلك المثل حتى يقبل العلماء على أداء رسالة الدعوة بكل طمأنينة وحتى لا يظل المثقفون ثقافة إسلامية وجلين حانقين من ازدراء المنكرين وتردد الملحدين.
وعلى كل حال فقد واصل جلالة الملك، حفظه الله العمل الذي كان يقوم به أجداده المكرمون في سبيل نشر الدين وخدمة العلوم الإسلامية مستعملا في ذلك طاقته الفكرية الهائلة ومستغلا مواهبه المتعددة لتعزيز جانب الثقافة الإسلامية في هذه الديار ضاربا بذلك خير المثل لجميع الذين تقع على عاتقهم نبعة الدعوة لهذا الدين وموافقا في جميع خطواته السديدة، بين جانب الثقافة الإسلامية الأصيلة وجانب الثقافة الحديثة العصرية ومؤكدا في كل مناسبة بان هذا الجانب لا يقل أهمية عن ذلك وأن خير الأفراد والشعوب من استطاع أن يمزج بينهما مزجا محكما لا ضرر فيه ولا ضرار.
وخلاصة القول فإن ملوك الدولة العلوية الذين تعاقبوا على الحكم في هذه البلاد لم يأتوا جهدا في خدمة العلوم الإسلامية كل حسب استطاعته ووفق طاقته. وإذا كان البعض منهم قد اكتفى بتشييد المساجد والمعاهد فإن الآخرين وضعوا خير المشاريع وأجلها لنشر هذه العلوم كما وجد من بينهم من رمى بنفسه في هذه المعركة معتمدا على ثقافته للكتابة والتأليف والتدريس ومن وقف نفسه على طبع هذه المؤلفات وتيسير وسائل الحصول عليها على العلماء والطلبة وذلك أضعف الإيمان.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here