islamaumaroc

إنشاء دار القرآن بمسجد حسان

  دعوة الحق

106 العدد

أجاد مولاي أحمد العلوي في التعبير عن الخراب الذي خلفه الاستعمار بالمغرب العزيز، يوم زار المؤتمر الثاني لرابطة علماء المغرب بالدار البيضاء، فقد قال بتأثر وامتعاض : إن الاستعمار بالغ في تخريب القطاعات الروحية والمعنوية بالقطر المغربي، وكما احتاجت القطاعات الأخرى إلى الإصلاح والترميم احتاج لذلك الجانب الروحي للبلاد. ولهذا فإن مؤتمر العلماء هذا خطوة كان لابد لها في جملة خطوات لإعادة بناء القيم المعنوية في بلاد المغرب.
ولعل مولاي أحمد العلوي يكون نسى أنه تحدث بهذا المعنى، ولعل الكثيرين ممن حضروا المؤتمر لم يعوا هذا القيل، ورغم كل ذلك فإنه هو الواقع، وإنها لكلمة حق صدرت في أشد الظروف مناسبة. وما هي إلا ارتسامات نفسية تشغل بال الحكومة المغربية التي تسجل وتحصي مواقع الخلل في الصرح المغربي العتيد، بعد أن أقبل من عثرته، وأفاق من غفلته، وأناب من هفوته. وما أحداث « وزارة الشؤون الإسلامية» بين مختلف وزارات الأمة المغربية إلا تجسيما لفكرة النهوض بالجانب المعنوي من الكيان الكلي للقطر المغربي العزيز. وقد جاءت هذه الوزارة في الوقت المناسب، وتأتى لها بحكم مأموريتها وطبيعة تكوينها أن تجمع من المعلومات التي تساعدها على معالجة شؤون تدهش المطلعين عليها، لما بلغه الأمر من تداعي وانهيار. وأن من الضمانات التي تبشر بعودة الحياة الروحية للمسلمين المغاربة، وجود القصر الملكي وما بين جدرانه من خيار الأسرة المالكة، التي اعتزت بالإسلام وعز بها، وفي وجوها الكريم تربى الملك البطل مولانا محمد الخامس أمطر الله ثراه شابيب رحمته. وكان أول ما سمعه منه أبناء وطنه بعد عودته من المنفى قول الله تبارك وتعالى : « الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور»، كانت آية كأنما نزل بها الروح الأمين على قلب رسول الرحمة والهداية صلى الله عليه وسلم لأول مرة، في حين أن نزولها إلى سماء الدنيا قضى أربعة عشر قرنا من أيام الله. وسار الخامس برد الله مضجعه يعالج ما شاء من أمور الملك، ويصدر البلاغات والبيانات، مشفوعة بآيات من القرآن الحكيم، وكأنه يقول للناس : إن القرآن هو الهادي الذي يوجهنا، وبه نستهدي لتوجيه المغرب المسلم، حتى يتخلص من الانحرافات والأهواء، نفعل ذلك في صبر وأناة، طبقا لما يجب أن يكون عليه علاج أمة أنهكتها الهجمات المخربة من الداخل والخارج، وليس العلاج بالسهل ولا الميسور، ولا يتم بمجرد إصدار الأوامر ولا إيجاد القرارات، فإن الحالة النفسية والاجتماعية تتطلب الشيء الكثير من التبصر والحكمة. وإذا كان انتشار الخمور وصل إلى حالة مزرية في شعب مسلم، دستوره القرءان الذي يحرمها في غير هوادة، فإن التحريم العملي يتناول غروس الكروم، وهي كروم منظمة يعيش من جراء تعهدها خلق كثير، ثم هنالك معاصر الخمور، وتكاليفها المادية والمالية، تقدر بمبالغ طائلة من المال، ثم من وراء ذلك عدة صناعات، كصنع القوارير والصناديق والدنان، ثم هنالك النجار والباعة، وأكثر من ذلك محاربة عادة الإدمان وما يترتب على ذلك من حالات نفسية محزنة. فلكي تطهر البلاد من رجس الخمرة يجب إقبار هذه الانتاجات كلها وتعويضها بما يسد مسدها في سائر القطاعات. وليس للحكومة المسلمة يد في خلق هذه الوضعية، ولكن عليها أن تمهد طويلا لاستبدال بلاء عادة كافرة بعادات مسلمة، وإنما صاحب البلاء هذه الحضارة، لآن الأبطال الذين أنشئوها غير مسلمين، فلم ينظروا أعمالهم على أساس تعاليم القرءان، وما قيل في الخمر يقال مثلا في الربا، والتبرج وسائر الأرجاس التي نشرتها حضارة كافرة، لم تراع في خلقها، تطابقها مع تعاليم القرءان. وعلى الأمم الإسلامية أن تمهد لخلق حضارة قرءانية، تستوعب كل ما يتطلبه تقدم العصر من مرافق ومظاهر ووضعيات.
هذا كان اتجاه محمد الخامس رحمه الله ورضى عنه، حسبما تنطق به تصرفاته ومختلف أنواع سلوكه، وهذا ما ورثه عنه – في جملة ما ورثه من فضائل ءال البيت – مولانا الحسن الثاني، أعانه الله على تحقيق خلق حضارة قرءانية، قائمة من الأعماق باسقة في السماء، والعهد الذي ارتبط به مع والده هو يرمز له بإحياء سنن أسلافه في إقامة هذه المهرجانات التي تطبق طول البلاد وعرضها أشاذة بالقرآن وفضائل القرآن ومزايا القرءان. وغني عن البيان ربط المساجد بالقرءان، فإنها بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه. والقرءان الكريم هو الذي يذكر اسم الله تبارك وتعالى، إلى جنب أوامره ونواهيه، فإذا كان الأمر يتصل باستعراض ما بذله الملوك العلويون من مجهود في الإشادة بالقرءان الكريم، فإن بناء المساجد يشكل الهيكل المادي لإبلاغ رسالة القرءان، والاحتفاظ بحفظ القرءان. وما أظن أن أحد من ملوك الإسلام حسب أنه سيمجد لأنه بذل المجهود في سبيل القرءان، ذلك لأن المسلمين كافة يرون واجبهم الأساسي إنما هو في العمل على زيادة نشر القرءان وتعاليم القرءان، وإذا تم بناء المسجد، فإن تجهيزه  الأساسي بتزويده بمجموعات من المصاحف من المصاحف المجموعة في قمطر واحد، أن الجزأة في أجزاء. وكنا ونحن صغار نجد من المصاحف الخطية وبالخصوص المكتوبة بخطوط مكناسية ما يتجاوز العد والحصر، لكن الفترة الاستعمارية ازدردت منها المصاحف الثمينة وما بقي منها إلا ما بقي من الوشم في ظاهر اليد. ورغم أنها عوضت بمصاحف مطبوعة، فإن العناية التي كانت  بالمخطوطات وما بها من زخرفة على رؤوس الأجزاء والسور لها نظير في الدلالة على تغلغل حب القرءان في نفوس المفتين الذين يعصرون كل ما بقلوبهم من نبل وحب وإيمان، فيسيل حروفا على صفحات المصحف، فكان القارئ يقرأ القرءان ويلمس إيمان الكاتب وثقته بخطه وعمله الذي يرجع معه ثواب الدار الآخرة. وكم قرأنا في تراجم الرجال أنهم كانوا يتخذون من تجويد كتابة المصاحف ووقفها عملا من أجل الأعمال المبرورة.
وقد أنشأ ملكنا الحسن الثاني « دار الحديث» وها هو ينشئ دار القرءان، بباعث قد يكون شعوريا وقد يكون لا شعوريا، وقد تسمى هذه الدار بدار القرءان وقد لا تسمى، إلا أنها على كل حال ستكون دار القرءان، تلك هي البناية التي صممها مولانا الحسن الثاني، وأحسن اختيار موقعها في « جامع حسان»، إنها ضريح مولاي محمد الخامس الذي سينقل إليها رفاته الطاهرة الزكية. لن تكون « ببطبون» لتجميد المخلوق، ولكنها دار القرءان يتلى فيها آناء الليل وأطراف النهار، وفيها يسمع كل زائر من أي نحلة وأي دين، كلام الله مجودا عاليا في أفخم مكان استطاع ملك عتيد أن يقيمه لتجسيم بروزه بوالده، وبإشهاد الآماد والأجيال على حبه للقرءان الذي يقول سبحانه : « واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا»، فهو يحب أباه لأن القرءان أمر بذلك، ويزداد إجلالا للقرآن لأنه يلمس ضميره في الحض على بر الوالدين.
وسوف تتمخض هذه الحركة التي مصدرها الهيام بالقرءان وتعاليم القرآن، سوف تتمخض- إن شاء الله- عن مجهود واسع النطاق لخلق عالم مسلم يصدر في سائر تصرفاته عن أوامر ونواهي القرءان، مسبوكة في قالب العصر الذي نعيشه، بما فيه من مستوى سلوكي لم يسبق له نظير فيما يرجع لتزاحم الناس وتفاهمهم وقبول بعضهم لأعذار البعض. وقبل حدوث الظاهرة تظهر إرهاصات، وما هذا الأريج العاطر الذي تضوع في مؤتمر حزب الاستقلال، وتبلور القصر الملكي العامر إلى سبب قدرة الله تعالى لإحياء الاهتداء بهدي القرءان، والتفكير في وضع الأسس لحضارة مسلسلة روحا وعقلا لا صورة ومظهرا، تحتل في الأقطار الإسلامية مكانة القيادة، لتوجه الناس إلى السعادة في العاجلة والعقبى الحسني في الآجلة.
لا يمكن أن يكون إنسان واحد فكر فيما قدمه ملوك المغرب حفدة النفس الزكية وورثة عبد الملك والمنصور الذهبي، من أعمال خالدة جليلة خدمة للقرءان وشريعة القرءان، وقد توزع عاهلونا جوانب هذا المجهود الضخم فقام كل ذي سلطان ببناء قواعد في صرح القرءان الممرد، واحتفظت لبنة الختام بسرها لمولانا الحسن الثاني، فكان عمله تتويجا لتلك الأعمال، وخروجا من مصاعب التصميم إلى فضاء السعي الجدي المشكور. وها هي وزارته في الشؤون الإسلامية تشيد المساجد، وتعيد تأسيس دراسات القراءات ووجوه الروايات في حفظ القرآن الكريم.
وإن يقرأ القراء في هذه الكلمة العجلى المتواضعة فكرة إنشاء دار القرءان بمسجد حسان، فإن الفكرة لا ترمي لمجرد المشاكلة والازدواج، حتى تكون دار القرءان، عجوز الصدر ذات الحديث، من باب جمع المشابهات المتقاربات، لكنها فكرة هادفة تقصد إلى إحداث مؤسسة للقراءات القرءانية رواية، وإلى جانبها معهد تحليلي للدراية، ليكون هذا المعهد قمة لبقية الفروع، يسيرها جماعة من المختصين مدعوين من سائر أطراف العالم الإسلامي، لجعل ضريح محمد الخامس سقاه الغيث المهتون، وتجددت عليه الرحمات متابة لتركيز الدراسات القرءانية بالنسبة للعالم الإسلامي كله، دون أن يتقيد المعهد بفروض الأطر الإدارية، وتكون مهمته علمية محضة للمحققين والمنقبين وحتى للمستشرقين. ويجعل مكتب التعريب تبعا لهذا المجمع القرءاني بصفته الأمين على حرفية مفردات اللغة العربية ومكانة القاموس القرءاني منها.
لقد عهدنا في ملكنا البطل أن يسير بمؤسساته إلى أمجد أطواعها، مصمما العزم على تحقيق ما ننسخ من آية أو ننسهانات بخير منها أو مثلها : فحتى إذا كان زمنه متأخرا عن زمن مولاي إسماعيل وسيدي محمد بن عبد الله ومولاي سليمان ومولاي الحسن الأول، فإنه الملك الأول الذي أقام مؤتمرا قرءانيا حضره علماء كبار من شتى بقاع العالم الإسلامي.
عندما عرف الناس فكرة وزارة الشؤون الإسلامية في إدراج عيد العرش سنة 1968، في إطار سنة الدعوة إلى الرجوع إلى القرءان الكريم، تأكد الجميع أن العاهل الكريم لن يكتفي بسنة واحدة، وإنما هي براعة استهلال لعمل عميق جذري لجعل القطر المغربي أمة قرءانية شكلا وموضوعا، وظاهرا وباطنا، تحت شعار بريء من المسرحيات سائر نحو تحقيق حلم إبراز المسلمين في إقامة دولة إسلامية تعرف كيف تجمع بين أغلى وأعلى الحضارات، وأدق المفهوم في تفسير آيات الذكر الحكيم.
إن إحداث كرسي للدراسات القرءانية في « جامعة القرويين» لن يكون أقصى مرامي النفس الطامحة، ولن يكفي ذلك في تقويم الانحرافات التي أزاغت الناس عن الصراط المستقيم الذي رسمه الذكر الحكيم، فإن على ولي أمر المسلمين أن يعيد الجدة إلى ما هدمه الاستعمار من مآثر أسلافه الكرام، في الحواضر والبوادي من المسايد والمعامر، حتى كان المغرب من أكثر إن لم يكن أكثر الأقطار الإسلامية استظهارا للقرءان.
فهذه الكتاتيب التي كانت تحتضن الآلاف المؤلفة من حفظة القرءان، أصبحت خرابا بلقعا يلعب فيها الغربان، بعد أن كانت تتلى فيها آيات الرحمان ليلا ونهارا؟ فكيف يرتفع عدد التالين للقرءان إن لم تعد «المعمرة» إلى سابق عزها وغابر مجدها. فقد كانت مثوى للتربية الإسلامية، لقربها من المسجد، ولاتصال أطفالها بالعبادة؟ فلم لا يشجع الناس على إحياء «المعامر» ؟ ولم لا تكون هي التي تقوم بدور الأقسام التحضيرية وجانب من الابتدائية؟ ولم لا يعطى الطفل المغربي فرصة لإمكان حفظه للقرءان؟ إن مما كان معهودا أن الطالب القروي لا يتعاطى تعلم العلم إلا بعد حفظه للقرءان، حتى لو أدى ذلك إلى تقضية سنوات معدودات زيادة على الحد القانوني. فإن من وسائل المحافظة على التوازن بالنسبة لنمو السكان أن يتدربوا على تأخير الزواج على نحو الخامسة والعشرين وإنما يتم لهم ذلك إذا كان لهم عمل أساسي يحتاج إلى مدة أطول.
لن يفترض للقيام بهذه التعديلات إحداث ميزانيات مالية جديدة، وإنما يحتاج إلى تشجيع أدبي وتحبيذ من جانب الولاة، وإلى إرجاع التصرف في مساجد البادية للجماعة تحت إشراف الدولة.
هذه جوانب من العناية بالقرءان، جوانب يقصد بها وجه الله في غير جلبة ولا ضوضاء ومن حق وزارة الشؤون الإسلامية أن تجدد طرائق العمل في تشريعات مبسطة خالية من التعقيد الإداري، مستندة إلى كريم الأعراف ومساعدة ذوي النوايا الطيبة على ما يؤدي إلى تطبيق تعاليم القرءان، وتمهيد الطريق أمام المتقين الأخيار. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here