islamaumaroc

من ذخيرتنا المدفونة: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد، لابن عجيبة

  دعوة الحق

106 العدد

الذين قرأوا تاريخ المغرب تحت ظل الحكم العلوي ودرسوه سواء فيها هو متداول بين الأيدي من كتبه أو فيما لم يزل رهين الخط اليدوي وحبيس رفوف خزائن حكومية أو خاصة، الذي قرأوا هذا التاريخ يعلمون العلم كله الدور يدل على نضج الفكر ويشي بخلوص النيات؛ ذلك الذي نهض به ملوك الدولة العلوية الأفذاذ في حلبة الثقافة والفكر بوجه عام وفي مجال الجانب الإسلامي منها بوجه خاص؛ ويحسبنا أن ندل على أسماء بهية، مشرقة، كان لأصحابها اليد الطولى في بناء صروح الثقافة والفكر بهذه البلاد، من مثل مولاي رشيد ومولاي سليمان والمولى محمد بن عبد الله ومولاي الحسن الأول والمولى عبد الحفيظ والمولى يوسف ومحرر المغرب محمد الخامس تغمده الله برحمته وخلفه العظيم الحسن الثاني نصره الله؛ نقول : يحسبنا أن ندل على هذه الأسماء ليعرف الجاهلون والمتجاهلون في الآن عينه الخطوط العريضة والظلال الجلية لتلك الصورة الرائعة التي انتهت إلينا نتيجة طبيعية للجهد الذي أفرغه أولئك الملوك الأفذاذ والسعي الذي بذلوه في خدمة الثقافة عامة وجانبها الإسلامي خاصة، فكانوا بذلك أئمة يهدون بأمر الله تعالى ويسارعون إلى فعل الخيرات.
وإذا كان تاريخ شعب هو تاريخ شخصياته المتفوقة الفذة؛ لأنها هي التي ترتاد الآفاق الرحيبة أول الأمر، ثم ترسم للناس المنهج، وتخطط لهم الطريق المفضية بهم إليها؛ إذا كان الأمر كذلك- وهو كذلك بالفعل- فإن أولئك الملوك الذين ألمعنا إليهم من قبل هم الذين يشكلون أعصاب الصورة التاريخية لبلادنا وشرابينها، وفي ثنايا تلك الصورة تطالعك عناية هؤلاء الملوك وخدمتهم الدائبة لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ومصطفاه عليه أفضل السلام متمثلة في ذلك الإقبال العظيم من طرف المشتغلين بالعلم على الكتاب والسنة حفظا ورواية ودراية؛ الأمر الذي أدى إلى نبوغ شخصيات- على عهد العلويين الأشراف- في العلوم الإسلامية وبخاصة في علم الحديث وفي علم القرآن؛ وفي طليعة المنصرفين إلى القرآن تدريسا وتحليلا وتفسيرا صاحب كتاب البحر المديد في تفسير القرآن المجيد» العلامة التصوفي سيدي أحمد بن عجيبة. ونريد، قبل الحديث عن هذا التفسير الممتاز، أن نعرف بشخصية مؤلفة؛ لأنها- كما غيرها من شخصياتنا- ما تزال مغمورة، غير معروفة، تنتظر عناية الدارسين، وتترقب كرم الغيورين على علمائنا المنسيين وتراثنا الفكري المدفون، ليكشفوا جوانبها ويبرزوها لجيلنا مثالا يتبع، وانموذجا يحتذى.
وإنه لمن حسن حظنا أن أبقت لنا الأيام على فهرسته التي ترجم فيها لنفسه وألم في صفحاتها بجوانب حياته المختلفة، فهي مصدرنا ومرجعنا فيما نكتب عن حياته.
هو أبو العباس أحمد بن محمد ابن عجيبة الحسني العمراني، كانت ولادته بقبيلة أنجرة على مقربة من تطوان في غضون سنة 1160 هجرية.
ويجمع الذين(1) ترجموا له على غزارة علمه وسعة إطلاعه في المنقول والمعقول، كما يجمعون على ورعه وصلاحه وعلو كعبه في عالم التصوف والزهد.
نشأ عالمنا نشأة علمية، دينية، ففي سن مبكرة جعل يختلف إلى الكتاب يقرأ القرآن الكريم ويستظهره ثم ما لبث أن أخذ يدرس المتون العلمية ويحفظها عن ظهر قلب، وما هي إلا سنوات معدودات حتى ترك القرية إلى القصر الكبير يشتغل بطلب العلم ويفتى في ذلك فتاء عظيما، وفي سنة ثمانين أو إحدى وثمانين من القرن الثاني عشر قدم إلى تطوان وأقبل على حلقات الدرس ومجالس العلم يعب منها عبا ويتزود فيها بخير الزاد، وكان ممن تلمذ عليهم في تطوان الفقهاء المدرسون أحمد الرشا وعبد الكريم ابن قريش ومحمد الورززي وعبد السلام بن قريش ومحمد الجنوبي.
ثم يهم الفتى الطالب وجهه شطر فاس منتدى العلم وأهله، فأخذ العلم فيها عن أشهر علمائها يومئذ من مثل شيخ الجماعة محمد التاودي ابن سودة وفرضي وقته محمد بنيس والحافظ النحوي اللغوي الطيب بن كيران، وفي حلقات الدرس والتحصيل بفاس (تجلت فيه اليقظة وومض في مساعيه الدهاء وإشراقة الذكاء، فلم يكن في الحلقات العلمية ذلك الطالب المهمل الضائع، بل مال إلى إعلان مواهبه وكشف القناع عن مقدراته(2)).
كان شغف عالمنا بالدرس عظيما وكان تعلقه بالمعرفة فريدا، يدلك على ذلك قوله في فهرسته متحدثا عن فترة تعلمه بالقصر الكبير : «ثم فنيت فيه- أي العلم- فناء عظيما حتى أهملت نفسي ونسيت أمرها(3)» وقوله عن فترة تعلمه بتطوان : « ثم لحقتني فاقة شديدة لأني استحييت أن أطلب معروفا من أحد فبقيت كذلك مدة فكانت الوالدة ترسل لي الخبز من البلد ثم فتح الله بالخير الكثير، هذه سنة الله في خواصه كما قال الشاعر:
لا تحسب المجد تمرا أنت آكله
                   لن تبلـغ المجد حتى تلعق الصبرا
لكن حلاوة العلم ولوعته غيبت عني مرارة الفاقة»(4).
وكان متمسكا بالدين، محافظا على إقامة شعائره خلال ذلك، فهو يقول متحدثا عن الفترة التي قضاها بالقصر : « فكانت أوقاتنا كلها معمورة بين مطالعة ومدارسة وعبادة» ويقول متحدثا عن فترة تعلمه بتطوان: «وكانت قراءتي والحمد لله كلها ممزوجة بالعبادة، لم نترك قيام الليل إلا نادرا، وكنت أقسم الليل أثلاثا، ثلثا للنوم وثلثا للتهجد وثلثا للمطالعة، وكنت ألفت الوحدة فما كنت أسكن إلا وحدي للتفرغ للعلم والعبادة».
وحينما عاد من فاس إلى تطوان سنة 1191هـ كان قد حصل على رصيد جيد من المعرفة، وتوفر على زاد طيب من الثقافة، يتمثل كل ذلك في حديثه في فهرسته عما حصله من العلوم الظاهرة والباطنة، ويتمثل في ذلك الإقبال الشديد الذي عرفته حلقاته العلمية بمساجد تطوان يوم تصدى للتدريس وجلس لتعليم، ويتمثل- أخيرا- في هذا الإنتاج الضخم الذي تفتقت عنه قريحته والذي يصور سماته المعرفية وملامحه العلمية كأحسن ما يكون التصوير، وهذا ثبت بأهم مؤلفاته: (1) البحر المديد في تفسير القرآن المجيد(2) تفسير الفاتحة «بشرحين بل ثلاثة أحدها صغير فيه نحو كراسين والآخر كبير فيه نيف وعشرون كراسا(5) صغيرة، وآخر صغير جدا فيه نحو ورقتين»(3) إيقاظ الهمم في شرح الحكم،- مطبوع- وهو شرح رائع وممتاز لحكم ابن عطاء الله (4) الكتاب في القراءات العشر « يشتمل على آداب القراءة والتعريف بالشيوخ العشرة ورواتها وتوجيه قراءة كل واحد منها، فيه عشرون كراسة صغيرة» (5) كتاب في طبقات الفقهاء وذكر أرباب المذاهب والتعريف بهم والتعريف بمشاهير أصحاب مذهب مالك من زمانه إلى زماننا هذا على ترتيب وجودهم كل قرن وحده إلى وقتنا هذا، ثم اتبعتهم بذكر النحويين والمحدثين والصوفية غير أن الصوفية لم نستكمل ذكرهم».(6) أزهار البستان في طبقات العلماء والصلحاء والأعيان. (7) فهرسته، وهي ترجمة حياته مكتوبة بأسلوب خال من الصنعة البديعية الشائعة يومذاك على أقلام الكتاب. (8) كتاب في حقائق التصوف. (9) كتاب شرح الاجرومية « جمعت فيه بين النحو والصرف عبارة وإشارة كصناعة التفسير» (10) تأليف في أربعين حديثا في الأصول والفروع والدقائق. (11) شرح الحزب الكبير للشاذلي. (12) شرح أسماء الله الحسنى « افردت لكل اسم بابا كما فعل القشيري في التحبير»(13) حاشية مختصرة على الجامع الصغير للإمام السيوطي. (14) شرح همزية البوصيري وبردته. (15) تأليف في القضاء والقدر. (16) تأليف في الغيبة ومدح العزلة والصمت. (17) كشرف النقاب عن لب الألباب. (18) شرح الصلاة المشيشية. (19) قصائد وتوشيحات وأزجال من الشعر التصوفي، جمعت في ديوان مستقل، بعضها في تفسير الملك والملكوت وبعضها في شأن النفس والعقل والقلب والروح وما يتعلق بذلك.
وأكثر هذه المؤلفات، على قرب العهد، ضاع ودرس، ولم تظفر الأيدي الا بأقله؛ على أن الأستاذ محمد داود في مختصر تاريخه (1) يذكر بأنه وصف في مطوله خمسة عشر من تأليف ابن عجيبة وقف عليها بنفسه.
لقد أمضى ابن عجيبة العالم الجامع بين الشريعة والحقيقة والظاهر والباطن أيام حياته بين درس وتحصيل وتدريس وتأليف وعبادة وزهد في متاع الدنيا الحقير حتى رجعت روحه إلى ربها راضية، مرضية في سنة 1224هـ، ورقد جثمانه في تربة مدشر الزميج من قبيلة أنجرة.
لا تنتظر أن أحدثك عن « البحر المديد في تفسير القرءان المجيد» قبل أن أصور لك شغف الرجل بالقرآن الكريم منذ نعومة أظفاره وولوعه بعلومه وتضلعه في علم التفسير خاصة، ولقد رأيت، قبلا، كيف كانت نشأة عالمنا قائمة على الدين مرتكزة على العلم، ومن أجل ذلك كان أول لقائه بالكتاب الكريم يوم جيء به إلى كتاب القرية ليقرأ القرآن ويستظهره، فكان هذا اللقاء فاتحة رفقة خيرة ومطلع صحبة طيبة بين عالمنا وبين كتاب الله الكريم، وهكذا أمضى سنوات، وهو صبي يطوي الأعوام الأخيرة من العقد الأول ويجتاز عتبة عقده الثاني، يدأب على قراءة القرآن ويواظب على حفظه، فلما انتقل من الكتاب في القرية إلى مجالس العلم وحلقاته في تطوان وفاس أقبل بحب وشغف على دروس التفسير، تلك التي كان ينهض بها علماء فحول من مثل القاضي عبد السلام بن قريش والعلامة محمد الجنوي والورع الزاهد سيدي أحمد الزعري ومن إليهم؛ وكانت حصيلته من علم التفسير عظيمة، ففي باب « ذكر ما حصلناه من العلوم الظاهرة والباطنة» في فهرسته يقول بعد أن ذكر مجموعة من العلوم حصلها : « ومن علم الأديان علوم القرآن وخصوصا التفسير فقد فتح علي فيه بما لم يفتح على أحد غيري في زماننا هذا»،  وحينما رغب عن بهرج الدنيا وأعرض عن متاع الحياة وحلقت منه النفس والفؤاد والروح جميعا في آفاق من الإشراق الإلهي وأجواء من الضياء الرباني كان القرآن رفيقه، والرفيق قبل الطريق، في تلك المسالك التي يمتزج فيها الجهد بالمتعة « فكنت لا أصبر عنه- أي القرآن- وكنت أقرأ في الصلاة قائما، فإذا ضعفت صليت جالسا، وربما ختمت في الشهر أربع عشرة ختمة، ثم قرأته باللوح فقرأت رواية المكي والبصري وبدأت السبع فلم أدركه وكنت لا أقرأ في اللوح حتى أطالع التفسير وأفهم المعنى فبقيت كذلك مدة ثلاث سنين أو أربع».
وإنك لتستطيع أن تعرف مبلغ علم هذا العالم الجليل بالمعرفة القرآنية التفسيرية من خلال قراءتك للمقدمات العشر التي صدر بها كتابه في تفسير الفاتحة، وهي في نحو ست وثمانين صفحة من القطع المتوسط، ففيها صورة لإطلاعه الواسع على كل ما يمت للقرآن وعلم تفسيره بصلة، ولولا أني أخشى الإطالة لإستطردت مصورا لك ذلك الإطلاع من خلال تلك المقدمات العشر.
وعلى أي حال فالنتيجة التي نريد أن ننتهي إليها من كل ما تقدم هي أن تلك الرفقة الطيبة الخيرة مع القرآن الكريم وتلك العناية البالغة بعلومه وثقافته؛ كل ذلك أسفر عن عملين جليلين يعكسان الإسهام الجيد لابن عجيبة في مكتبة القرآن والتفسير، أولهما تفسيره للفاتحة وقد تقدمت الإشارة إليه، وثانيهما كتابه الممتع في التفسير المسمى « البحر المديد في تفسير القرآن المجيد»، وهو بيت قصيدنا من هذا العجالة.
هذا التفسير القيم يقع في أربعة مجلدات ضخام (29x19)، وليس منه موجودا إلا نسخ ثلاثة- فيما نعلم- لعل النسخة الأصلية هي التي توجد في ملك بعض الأشراف العجيبين في قبيلة الزميج، أما النسخة التي نعتمدها في هذا الحديث فهي التي يمتلكها الفقيه الأستاذ السيد عبد الرحمن الأزمي، وقد أتاح لنا فرصة الإطلاع عليها فله جزيل الشكر، وهذه النسخة مكتوبة بخط مغربي تتفاوت نسبة جماليته من جزء لآخر وأحيانا تتفاوت تلك النسبة بين صفحات الجزء الواحد لاختلاف النساخ، ويعود تاريخ نسخها إلى أوائل العقد الخامس من القرن الثالث الهجري، والجزء الأول يبتدئ، بعد مقدمة صغيرة، بسورة الفاتحة وينتهي بسورة الأنفال، وقد فرغ مؤلفه من تبيضه- كما نقرأ في آخر سطوره- في سادس عشر جمادى الأولى سنة ست عشرة ومائتين وألف، والجزء الثاني يبتدئ بسورة التوبة وينتهي بسورة المومنين، وقد فرغ مؤلفه من كتابته- كما هو مثبت في آخره- عشية يوم الثلاثاء سابع عشر صفر عام ثمانية ومائتين وألف، والجزء الثالث يبتدئ بسورة النور وينتهي بسورة حم وقد أنهاه مؤلفه بالكتابة في تاسع رمضان عام تسعة عشر ومائتين وألف؛ وأما الجزء الرابع فيبتدئ بسورة الشورى ويختتم بسورة الناس، وفي آخره نقرأ : « ... وبالله التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما، كمل البحر المديد في تفسير القرآن بحول الله وقوته، نسأل الله سبحانه أن يكسوه جلبات القبول ويبلغ به كل من طالعه أو حصله القصد والمأمون بجاه سيد الأولين والآخرين سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيئين وإمام المرسلين» ثم نقرأ بعد ذلك : « ... وكان الفراغ من تبيضه زوال يوم الأحد سادس ربيع النبوي عام واحد وعشرين ومائتين وألف على يد جامعه العبد الضعيف الفقير إلى مولاه أحمد بن محمد ابن عجيبة الحسني لطف الله به في الدارين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين»، وإذن فهذا العمل الجليل المطبوع بطابع العمق في التحليل والنضج في العرض لم يكن وليد سنة أو سنتين وإنما كان وليد فترة من الزمن قاربت خمس سنوات، أنفقها المؤلف في رحلة بهية، ممتعة في أعطاف القرآن، يقرأه متدبرا، متأملا، ويعكس ذلك في صفحاته محللا، مفرا.
ولتأليف هذا التفسير قصة يحسن أن تروى ذلك أن عالمنا بعد خوضه في غمار التصوف ومصاحبة أهل الأذواق طلب منه شيخه « العارف المحقق البوزيدي الحسني عن إذن شيخه العارف الرباني مولاي العربي الدرقاوي الحسني أن أضع تفسيرا على فاتحة الكتاب يكون جامعا بين تفسير أهل الظاهر وتفسير أهل الإشارة من أهل الباطن، يكون مستوعبا للكلام على حسب المقام، ثم إذا فسح الله في العمر وأسعفه القضاء والقدر كملت باقيته بالتفسير بإعالة القوي المتين، العالم القدير، فأجبت طلبهما وأسعفت رغبتهما رجاء أن يحصل به الامتاع ويعم به الانتفاع، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب (6)» وقد أفسح الله في عمر عالمنا وأسعفه القضاء والقدر فكتب تفسيره العظيم للقرآن الكريم.
ولقد عرف القرآن فيما من ألوان التفسيرات وضروبها تفسير رجال التصوف أو أهل الباطل، وهؤلاء فرقتان : إحداهما تزعمت التفسير الصوفي النظري، وهو في رأي أغلب الباحثين تفسير ينحرف بأهداف القرآن عن طريقها ويستمد من آياته مدلولات لم يقصد إليها الكتاب المبين، وأما الفرقة الثانية فهي التي عالجت التفسير الصوفي الفيضي أو الاشاري، وهو يقوم على استنتاج مفاهيم من الآيات « على خلاف ما يظهر منها بمقتضى إشارات خفية تظهر لأرباب السلوك ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر الواردة (7)»، والمفسر الفيضي أو الاشاري  رجل أخذ نفسه برياضة روحية فغمر أقطار نفسه إشراق إلهي بربه ما لا يرى كل الناس ويبصره بما لا يبصر كل الناس؛ ومن ثم فهو يرى في آيات الكتاب من المعاني والإشارات والتلميحات ما لا يراه كل الناس ولا يدركونه؛ ولكن المفسر الاشاري مع ذلك جميعه ملزم بأن يرى؛ بل يؤمن بأن هناك قبل المعنى الفيضي أو الإشاري معنى ظاهرا هو الذي يجب أن يفهم من الآية قبل غيره.
وإنما سقنا هذا الكلام المقتضب عن التفسير الإشاري لنقول لك بأن البحر المديد تفسير إشاري ولنقول لك أيضا بأن صاحبه ابن عجيبة في طليعة المفسرين الإشاريين إن لم يكن أروعهم على الإطلاق؛ على أننا يجب أن ننبه إلى أن ننبه إلى أن تفسير ابن عجيبة ليس تفسيرا إشاريا محضا وإنما هو يجمع بين المذهبين الظاهري والاشاري فيؤلف، بذلك، بين عبارة الظاهريين وإشارة الباطنيين؛ ومن هنا نجده في مقدمة تفسيره يؤكد بأن مهمة التفسير مهمة شاقة وعملية عسيرة، لا يقدم عليها إلا «العالم التحرير الذي رسخت أقدامه في العلوم الظاهرة عربية وتصريفا ولغة وبيانا وفقها وحديثا وتاريخا، يكون أخذ ذلك من أفواه الرجال ثم غار في علم التصوف ذوقا وحالا ومقاما بصحبة أهل الأذواق من أهل الحال وإلا فسكوته عن هذا الأمر العظيم أسد واشتغاله بما يقدر عليه من علم الشريعة الظاهرة أتم (8)»، ولقد أطلعناك على علم ابن عجيبة في المنقول والمعقول، وألمحنا إلى زهده وتصوفه، واقرأ هذه الكلمات لتعرف مكانته في عالم التصوف نظرا وسلوكا : «وأما التصوف فهو علمي ومحط رحلي فلي فيه اليد الطولى والقدم الفالج، حزت فيه قصب السبق طريق أهل الأذواق فلله الحمد وله الشكر (9)» فابن عجيبة، إذن، هو ذلك العالم الذي يذخر من الكفاءات العلمية والتصوفية بلونيها النظري والتطبيقي أو السلوكي ما يؤهله للقيام بمهمة التفسير، فهو – كما رأيت – عالم تحرير « رسخت أقدامه في العلوم الظاهرة وتنورت سرائره بالأنوار الباهرة، قد سلك الطريق واشرقت عليه أنوار التحقيق (10)»
وفي المقدمة يتصدى عالمنا للتفسير الاشاري فيقول: «واعلم أن القرآن الكريم له ظاهر لأهل الظاهر  وباطن لأهل الباطن، وتفسير أهل الباطن لا يذوقه إلا أهل الباطن، لا يفهمه غيرهم ولا يذوقه سواهم، ولا يصح ذكره إلا بعد تقرير الظاهر، ثم يشير إلى علم الباطن بعبارة رقيقة وإشارة دقيقة، «فمن لم يبلغ فهمه لذوق تلك الأسرار فيسلم ولا يبادر بالإنكار فإن علم الأذواق من رواء طور العقول ولا يدرك بتواتر النقول» ثم يعرض بعد ذلك كلام بعض العلماء في التفسير الاشاري من مثل صاحب لطائف المثن وسعد الدين في شرح عقائد النفي وكلام الشيخ زروق رضي الله عنه عن نظر الصوفي وقيمة الإشارة، ثم تصدى، بعد ذلك، بالشرح للحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: « كل آية ظاهر وباطن وحد ومطلع» فقال : «فالظاهر لمن اعتنى بظاهر اللفظ كالنحاة وأهل اللغة والتصريف، والباطن لمن اعتنى بمعنى اللفظ وما دل عليه الكلام من الأمر والنهي والقصص والأخبار والتوحيد وغير ذلك من علوم القرآن وهو نظر المفسرين، والحد لمن اعتنى باستنباط الأحكام من وهم الفقهاء، فهم ينتهون إلى ما يدل عليه اللفظ وسيق لأجله دون زيادة عليه، والمطلع لأهل الحقائق من أكابر الصوفية لأنهم يطلعون من ظاهر الآية إلى باطنه فيكشف لهم عن أسرار وعلوم وغوامض تتجلى لهم عند استعمال الفكرة فيها»
ولقد صرفت لحظات؛ بل ساعات ملذة، معدودية، أتصفح هذه الأجزاء الأربعة الضخام التي يتألف منها تفسير ابن عجيبة، ولكن الساعات مهما طالت فهي لن تتيح دراسة متعمقة لمنهجية ابن عجيبة في تفسيره وإنما الذي أتاحته لنا تلك الساعات هي تكوين خطوط عامة، لا ابرئها من النقص، للمنهجية التي اتبعها ابن عجيبة في تفسيره والتي نرجو أن نتفرغ لدراستها في مستقبل الأيام بحول الله، تلك الخطوط العامة لمنهجية ابن عجيبة تتجلى في أنه يورد في أول كل سورة بعض الحقائق المتعلقة به كأسمائها قبلها، حتى إذا فرغ من ذلك أخذ آية أو أيتين أو أكثر ومضى يعالج جانبها النحوي واللغوي والتصريفي في غير ما إطالة، ثم ينتقل من هذا ليفسر الآيات تفسيرا ظاهريا بعبارة سهلة وأسلوب لا أثر للصنعة والتكلف فيه معا كان معروفا عهدئذ عند الكتاب المشارقة على الخصوص، وهو في أثناء تفسيره الظاهر قد يستشهد بالحديث النبوي الشريف وببعض الشعر الحكمي والزهدي، ولسنا نجد عنده أطنابا في بسط بعض الآيات التي، ربما، تكون أكثر من غيرها إغراء بالأطناب مثل آيات الأحكام، ولكننا مع هذا نلمس في تفسيره اطلاعه الفقهي ومعرفته بمذاهب أعلام الفقه؛ فإذا ما انتهى من تفسيره الظاهر ذيل ذلك « بالإشارة» التي يضمنها المدلولات الفيضية والمفاهيم الاشراقية للآيات الكريمة؛ وهو في ذلك كله كان وفيا لخطوط المنهج الذي رسمه لنفسه في مقدمة تفسيره حينما قال بأنه سيقدم « في كل آية ما يتعلق بمهم العربية واللغة ثم بمعاني الألفاظ الظاهرة ثم بالإشارات الباطنة متوسطا في ذلك بين الأطناب والاختصار» وحينما قال في المقدمة أيضا بأنه لا يصح ذكر التفسير الباطني «إلا بعد تقرير الظاهر ثم يشير إلى علم الباطن بعبارة رقيقة وإشارة دقيقة»، وإذن فهو لا يعالج التفسير بالطريقة الاشارية فقط على نحو ما فعل محمد بن الحسين السلمي في كتابه « حقائق التفسير» وما صنع أبو محمد الشيرازي في كتابه « عرائس البيان في حقائق القرآن». وإشارات ابن عجيبة، على العموم، لا تفرق في غرابة المعنى وغموض الفكرة والبعد عن مدلولات اللفظ القرآني وايحاءاته كما هو الحال بالنسبة لبعض إشارات المفسرين الذين عالجوا هذا اللون من التفسير، إن الاشارات العجيبة حافلة، فعلا، بالغوامض والدقائق والرموز، ولكنها في كل ذلك لا تبعد، حين تبعد، عن اللفظ القرآني إلا بالقدر الذي تظل به مرتبطة بمدلول ذلك اللفظ وإيحائه.
أما مصادر ابن عجيبة (11) في تفسيره فهي : «أنوار التنزيل وأسرار التأويل» للبيضاوي و « إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم» لأبي السعود العمادي و « الكشف والبيان عن تفسير القرآن» للثعلبي وكتابي القشيري (12) في التفسير « التيسير في علم التفسير» و « الإشارات»، وشيء من تفسير ابن جزي وحاشية شيخ الشيوخ عبد الرحمن الفاسي؛ ويلاحظ، مثلا، أنه لم يتأثر بمصدره البيضاوي فيما أخذ عليه من ذكر حديث عن النبي عليه السلام في آخر كل سورة في فضلها وما لقارئها من الثواب، وهي أحاديث اتفق العلماء على أنها موضوعة.
إن مكانة تفسير ابن عجيبة بين التفاسير الكثيرة جدا مكانة عظيمة ومرموقة، فهو – فيما نعلم – أول تفسير يجمع فيه صاحبه بين الظاهر والباطن فيوفق إلى ابعد الحدود؛ ذلك أن جل المفسرين عنوا بالظاهر، وبعضهم كان يعرض للإشارة بإيجاز وبقدر من مثل النيسابوري والآلوسي، وبعضهم الآخر إغراق في التفسير الاشاري ولم يلتفت للظاهر إلا في بعض الأحيان كسهل التستري، في حين صرف آخرون همتهم للناحية الاشارية ولم يلتفت، بالاطلاق، إلى الناحية الظاهرية مثل أبي عبد الرحمن السلمي، وعالج فريق آخر التفسير الصوفي النظري منه و الاشاري ولم يتطرق إلى الظاهر مثل مؤلف التفسير المنسوب لابن عربي. فابن عجيبة، بالنتيجة، يكون – فيما نعلم – أول مفسر يكتب تفسيرا كاملا للقرآن الكريم جامعا بين الظاهر والإشارة، أفرغ فيه وسعه وبذل جهده حتى جمع له بين الحسنيين.
وفيما يلي نقدم نموذجين للإشارة العجيبية، أولهما عن قوله تعالى من سورة الرعد: « الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها، ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر، يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون» الإشارة: « الله الذي رفع سماوات الأرواح وزينها بنجوم العلم وقمر التوحيد، وأشرق عليها شموس العرفان وأسرار التفريد، ثم استوى بأسرار ذاته وأنوار صفاته على العرش وهو قلب العارف لأنه سرير المعرفة ومحل بيت الرب، وسخر شمس المعرفة وقمر التوحيد يجريان بالترقي إلى محل التمكين وهو الأجل المسمى لهما، يدبر أمر السير والترقي ويفصل دلائل الطريق الموصلة إلى عين التحقيق لعلكم بالوصال إلى ربكم توقنون حين يكون ذوقا وكشفا؛ والله تعالى أعلم (13)».
وثانيهما عن قوله تعالى في سورة الناس : « قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، اله الناس، من شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس،» الإشارة : « لا ينجي من الوسوسة بالكلية إلا التخفق بمقام الفنا الكلي وتعمير القلب بأنوار التجليات المستوتية والاسرار الجبروتية حتى يمتلئ القلب بالله.
فحينئذ تنقلب وسوسته في أسرار التوحيد فكرة ونظرة وشهودا للذات الأقداس كما قال الشاعر:
إن كان الناس وسواس يوسوسهم
                          فأنت والله وسواسي وخناسي (14)
وبعد:
 فإن الفكر التصوفي إذا كان يضم في خزانته القرآنية جل ما كتب وألف في التفسير الفيضي الاشاري فإنه مما لا يرضينا أن تظل مكانة الإسهام المغربي في تلك المكتبة شاغرة؛ ومن أجل ذلك فإننا لا نتركها فرصة تفوتنا دون أن نلتمس من مولانا أمير المومنين وحامي حمى الوطن والدين أن يسد – حفظه الله – الثغرة في مكتبة التفسير التصوفي بإصداره أمره الشريف بطبع « البحر المديد في تفسير القرآن المجيد»؛ وبذلك يضيف مولانا أمير المومنين، حفظه الله، إلى حسناته في سجل خذمته لكتاب الله وحديث رسوله (ص) وهي لا تعد ولا تحصى حسنة أخرى تذكرها له– نصره الله – أجيال الإسلام في الحاضر والمستقبل.
                                                       
1 ) ترجم له تلميذه أبو محمد السكيرج والعلامة عبد القادر الكوهن في فهرسته والعلامة الرهوني التطواني والشيخ عبد الحي الكتاني في فهرسته الفهارس، كما ترجم له مؤرخ تطوان الأستاذ محمد داود في مختصره ومطوله، وكتب عنه إخوانا الأستاذ محمد المنتصر الريسوني في سلسلته « شخصيات من بلادي» بجريدة الحسنى، وقيل لي بأن مستشرقا يعد عنه دراسة شاملة.
2) جريدة الحسنى، عدد 36- السنة الأولى- جمادى الأولى 1382 هـ من مقال للأستاذ المنتصر الريسوني عن ابن عجيبة.
3) من فهرسته التي أطلعني عليها الصديق الأستاذ عبد القادر ابن عجيبة.
4) المصدر السابق.
5) أطلعني- مشكورا- الأخ الأستاذ عبد القادر بن عجيبة على نسخة مخطوطة من التفسير الكبير للفاتحة، وهو يقع في مجلد متوسط الحجم.
6 ) مختصر تاريخ تطوان، ص 300 من الجزء الثاني.
7) من مقدمة تفسير للفاتحة.
8) انظر كتاب « التفسير والمفسرون» لأحمد الذهبي.
9) من فهرسته
10) من مقدمته لتفسير الفاتحة.
11) ذكر بعض هذه المصادر في آخر تفسيره، وأشار إلى بعضها في مقدمة من مقدماته العشر لتفسير الفاتحة
12) ذكر ابن عجيبة أن القشيري هو إمام الطريقة الرمزية الاشارية في التفسير، ثم قال: « ... وذكر ابن خلكان أن أبا القاسم القشيري صنف التفسير الكبير وسماه التيسير في علم التفسير وهو أجود التفاسير، فهو تفسير آخر له غير المسمى بالإشارات، وقد وقفت عليهما معا فالتفسير كتاب كبير في أربع مجلدات وأما الاشارات فصغير في مقدار مجلدين والله تعالى أعلم».
13) من الجزء الثاني.
14) من الجزء الرابع.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here