islamaumaroc

ملوك الدولة العلوية في خدمة كتاب الله الأكبر

  دعوة الحق

106 العدد

« إن الذين قالوا ربنا الله، ثم استقاموا، تتنزل عليهم الملائكة، ألا تخافوا، ولا تحزنوا، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون». (قرءان كريم)
جرت العادة منذ أن أشرقت شمس هذه الدولة العلوية الشريفة على أرجاء المغرب الأقصى أن يوجه ملوكها الميامين بالغ اهتمامهم للعلم والعلماء، والفقهاء والدارسين ممن أنعم الله عليهم باكتناز كتاب الله في صدورهم وتحفيظه للناشئين. وليس في ذلك ما يدعو إلى الاستغراب؛ فالتاريخ يعلمنا أنهم ما فتئوا يعملون على نشر السنة والدين، معتمدين في ذلك على الكتاب والحديث، مقدمين يد المساعدة إلى كل من سخره الخالق سبحانه لإقراء كتابه المبين، وذلك بتقديم المال والعطاء للمعلمين خاصة، علما منهم- قدس الله أرواحهم وأسكنهم الجنة التي وعد بها عباده المتقين- أن هذه الأمة لا تزال بخير ما بقي فيها كتاب الله محفوظا في الصدور وإليه يلجأ في السراء والضراء.
والواقع أن المغرب الأقصى بقي، والحمد لله، بعناية الله محفوفا منذ أن وصلت إليه الدعوة الإسلامية وخصوصا بعد ما وضع الله أمر هذه الأمة بين يدي ملوك الدولة العلوية، ويكفي للاستدلال على هذا الفضل، أن نشير إلى ما يتوفر عليه من المساجد والكتاتيب الموجودة في كل جهة من جهات هذا البلد الأمين، لا فرق بين السهول والجبال والقرى والحواضر، وهي مساجد وكتاثيب سيبقى اسم الله يتلى فيها إلى يوم الدين، ويقرأ فيها كتابه لمن أراد أن يتفقه في أمور دينه من الصغار والكبار بغية الاستنارة بتعاليمه القيمة في الحياة، واستعدادا ليوم النشر، وما أدراك ما يوم النشر؛ ومما يؤيد عناية الملوك العلويين بالقرءان أن السياح والوافدين على بلادنا من الخارج للإطلاع على مظاهر الحضارة المغربية تأخذهم الدهشة لما يشاهدونه من تمسك أهل هذا البلد الأمين بأمور الدين، ومحافظتهم على تعاليم القرءان الكريم، وهم يستدلون على ذلك في أخبارهم ورواياتهم بما يشاهدونه في كل مكان من زوايا وكتاتيب ومساجد يعمرها فقهاء ومؤدبون، أخذوا على أنفسهم تدريس مبادئ العلوم وتحفيظ كتاب الله العزيز بما يشعرون به من رغبة باطنية طاهرة وما يجدونه في أنفسهم من استعداد فطري للقيام بعمل يرتقبون من ورائه ثوابا من الله وجزاء ممن بيدهم زمام هذه الدولة.
وقد ظل تبعا لذلك كتاب الله محفوظا بهذه الديار في صدور الرجال والنساء في بعض الأحيان، بحيث أصبح المغرب الأقصى في هذا القرن أحد البلدان الإسلامية القليلة التي لا يزال يحفظ فيها القرءان حفظا ويدرس تدريسا يصح الاطمئنان إليه، ذلك أن الفقهاء في المغرب يعودون في كل حين إلى الكتاب لتحفيظه للصبيان بل يعتمدون في ذلك على قوة حافظتهم التي مكنتهم من وعيه وحفظه سالما في صدورهم، وذلك فضل من الله يؤتيه من يشاء من عباده الصالحين !
إن الاهتمام بالعلم والعلماء عموما والقرءان الكريم بصفة خاصة يعتبر سلوكا طبيعيا في ملوك الدولة العلوية منذ أن استتب أمرها بإذن الله في هذه البلاد. ومن الممكن أن نبرهن على ذلك بما عرفناه من مواقف بطولية في هذا الميدان اختص بها ملوك ثلاثة من فحول الدولة العلوية الشريفة، نذكر في مقدمتهم مولاي إسماعيل، وما كان يقدمه من خدمات جلى لحفاظ القرءان الكريم، والعاملين على التعريف به ونشره، كما نشير في هذا المقام إلى الملك العالم سيدي محمد ابن عبد الله الذي يستحق كل تنويه نظرا للمآثر التي خلدها ذكره في ميدان التأليف وتدريس علوم القرءان، فضلا عن المعونة المادية التي كان يوجهها للمؤدبين ومعلمي كتاب الله وما يقدمه لهم من نصائح وإرشادات لا تصدر إلا عن نفس متمسكة بتعاليم كتاب الله وما لها من إلمام ودراية واسعة بأساليب التعليم على العموم وكيفية تدريس مادة القرءان الكريم على الخصوص.
يضاف إلى ما تقدم للدلالة على خدمة الملوك العلويين لكتاب الله الأكبر، تلك العناية الفائقة التي يوليها جلالة الملك المعظم الحسن الثاني لحفاظ كتاب الله وعلماء الدين بما أقامه هذه السنة من حفلات بلغت أقصى مظاهر الروعة بمناسبة مرور أربعة عشر قرنا على نزول القرءان على نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم.
أما مولاي إسماعيل فيحدثنا التاريخ بأنه كان شغوفا بالعلم والعلماء، ينفق عليهم بغير حساب، ويبذل العطاء للمحصلين من طلبة العلم بعد الاختبار والامتحان طبعا؛ يؤكد ذلك ما جاء في شهادة أحد الرحالة الإنكليز، « ستيورت»، وهو يتحدث عن مشاهدته لمدينة مكناس إذ يقول :« توجد بهذه المدينة مدارس عديدة يتعلم فيها الصبيان الكتابة والقراءة والحساب، ويحفظون القرءان عن ظهر قلب؛ فإذا ما حفظوه اشترى لهم آباؤهم أفراسا هدية، ويتناولون المصحف بأيديهم، ويركبون الأفراس يتفسحون عليها، وتأتي إليهم أجواق الطرب، وسائر صبيان المكتب تذهب لتفسح مع المحتفل به، حافظ القرءان، وبعد ذلك فمن أراد منهم قراءة الفقه يتوجه للمساجد».
ومن المظاهر التي تدل على تقدير مولاي إسماعيل للعلماء والإعلاء من شأنهم استدعاؤه لحملة العلم وأئمة الأمة من العلماء الأمجاد إلى قصره العامر، بمناسبة ختم أحدهم تفسير القرءان الكريم، كذلك استدعى قدس الله روحه في جمادى الأولى من سنة 1100 هـ طائفة من علماء فاس لقصره العامر لحضور ختم الإمام عبد الله المحاصي تفسير القرءان الكريم، وكان الختم بببيته الخاص بالقصر الملكي العامر، وبه نصب المنبر للفقيه المذكور. وبعد الفراغ من درس الختم أفيض على الضيوف الكرام، قادة الأمة وأئمتها الأعلام ما لذ وراق من فاخر الأطعمة، وكان أكرم الله مثواه هو المتولي لنفسه صب الماء على ضيوفه العظام، كما تولى تفريق الجوائز بيده الكريمة على مستحقيها تبركا بالعلم والعلماء، وخدمة لكتاب الله الأكبر.
هذا ويخبرنا التاريخ أنه كان يستقدم من مختلف أقاليم المملكة الخطاطين الذين يتقنون نسخ الكتب العلمية القيمة وفي مقدمتها تلك تهتم بدراسة علوم الدين، ويجري عليهم الجرايات الضافية، ثم يخصهم برواق من قصره العامر للقيام بأعمالهم الفنية، ولا يفتر عن تفقدهم في الصباح والمساء للإطلاع على ما ينجزونه من أعمال علمية فنية، ثم لا يلبث أن يبذل لهم العطايا ويمنحهم الأراضي والمنازل الأنيقة جزاء لهم بما قدمت أيديهم.
ويؤكد بالإضافة إلى ما تقدم ازدهار العلم في أيام مولاي إسماعيل ما جاء في «الظل الوريف» لصاحبه عبد الله اليفرتي إذ يقول بالحرف :«حدثنا غير واحد ممن طعن في السن من أشياخنا، قال : كنا في زمن الشبيبة نطلب العلم ونسأل عن مسائله، خصوصا علم المنطق، فلا نجد من يتقن مسائله على صورتها، ولا نلقى من تضلع به، بل كانت الأرجوزة المسماة بالسلم لا يعرفها غير رجل أو رجلين، فلما مهد الله لهذه الدولة الأكتاف وأسمى قدرها وأناف، تدفقت على الناس العلوم، وذللت صعاب الفنون حتى عاد صغار الطلبة يعرفون فنونا عديدة ولهم فيها عارضة مديدة، وقد تخرج في هذه الدولة السعيدة جماعة من الإعلام، لهم القدم الراسخة في العلم، واليد الطولى في الإتقان، وألفوا تآليف حسنة ومنهم من فسر كتاب الله عز وجل، ووضع عليه تقييدا فائقا، ومنهم من شرح الموطأ للإمام مالك أو الشفاء للقاضي عياض، أو مختصر خليل أو ألفية ابن مالك، ووضع علي ابن هشام حاشية، ومنهم من شرح السلم أو السبكي أو عقيدة السنوسي، وما من علم إلا ألف فيه علماء هذه الدولة وأبدأوا فيه وأعادوا ووقعوا على الغوامض التي لم يعثر عليها من مضى».
ويستطرد اليفرني في الحديث عن انتشار العلم وخاصة علوم القرءان بالمغرب في أيام مولاي إسماعيل فيقول : « وقد تلقيت من غير واحد أن القبيلة كانت قبل هذه المدة لا يوجد فيها إلا طالب واحد، وربما يحتاج أحد من أهل مدشر أو دوار لمن يقرأ له رسالة، فلا يوجد من يحسنها حتى يرحل المسافات البعيدة لطالب يذكر له. أما الآن فكل مدشر ودوار بل كل خيمة فيها طالب». يستخلص مما تقدم دليل قاطع على اهتمام مولاي إسماعيل اهتماما زائدا بالعلوم والقرءان، وتقديم يد المساعدة لمن كان يهتم به حفظا وتعليقا ونثرا داخل الكتاتيب القرءانية، والمدارس العلمية المنتشرة هنا وهناك في جميع أقاليم المملكة.
أما سيدي محمد بن عبد اله فتعتبر حياته بحق صفحة مذهبة من تاريخنا المجيد لما كان عليه من سعة في العم وشغف بنشره وحرص على إكرام أهله وذويه من العلماء والمدرسين. كان سيدي محمد بن عبد الله إماما من علماء الإسلام انصرفت عنايته قبل الملك إلى مدارسة العلماء والمحدثين بمراكش، فيجلس معهم ويناقشهم في كثير من المسائل العلمية بروح ثاقبة نافذة، ومن أياديه البيضاء حضه العلماء على نشر العلم وبته بالتدريس والتأليف وحملهم على شرح أمهات الكتب المتعلقة بعلوم القرآن، ورغم ما كان يقوم به من أعباء الملك فلم يقف- طيب الله ثراه- عند المطالبة بتصنيف المصنفات بل ألف بنفسه كتبا كانت تقرأ في المشرق والمغرب تجمل ذكرها فيما يلي :
1- مذاهب المنان بما يتأكد على المعلمين تعليمه للصبيان، وهو كتاب قيم يتصل اتصالا وثيقا بالبحث الذي نحن بصدده، ولذا سنتناوله بعد هذا بشيء من التفصيل والتعليق.
2- طبق الأرطاب فيما اقتطفناه من مساند الأئمة وكتب مشاهير المالكية والإمام الحطاب.
3- بغية ذوي البصائر والألباب والذرر المنتخبة من تأليف الحطاب.
4- الجامع الصحيح الأسانيد المستخرج من ستة مسانيد.
5- الفتوحات الإلاهية الصغرى وتشمل على ثلاثمائة حديث.
6- الفتوحات الإلاهية الكبرى وهي أشهر مؤلفاته، ونظرا لما « للفتوحات» من الأهمية فقد اعتنى بها العلماء والطلاب على السواء في حياة مؤلفها واستفادوا منها في الشرق والغرب، وممن تصدى لشرحها الشيخ التاودي بن سودة والشيخ محمد بن أبي القاسم من علماء المغرب الأقصى.
ولم يكتف سيدي محمد بن عبد الله بالتأليف وتوجيه المؤلفين بواسطة النصح والعطاء بل كان يظهر عناية خاصة بمرافق الدولة التي تستمد بالطبع قوتها ونشاطها من الكتاب والسنة، ذلك أنه أول من وضع تنظيما للعدلية وإصلاح الدروس في جامع القرويين موضحا ما يتعين تدريسه من العلوم فيه وما لا يجوز تدريسه، وأشار في رسالة بعث بها في هذا الموضوع إلى الشيخ التاودي بفاس تحتوي على بنود ثلاثة : البند الأول يتعلق بالقضاء، والثاني بأئمة المساجد، والثالث بالمدرسين بمدينة فاس، يقول في ذلك : «وبعد فإننا أمرنا أن لا يدرس العلماء إلا كتاب الله تعالى بتفسيره، ومن كتب الحديث المساند والكتب المستخرجة منها، والبخاري ومسلما وغيرهما من الكتب الصحاح، ومن كتب الفقه المدونة والبيان والتحصيل ومقدمة ابن رشد والجواهر لابن شاس والنوادر والرسالة لابن أبي زيد القيرواني، وغير ذلك من كتب الأقدمين ... ومن الأدب ما يعين على فهم كلام العرب لأنه وسيلة إلى فهم كتاب الله وحديث رسوله.
ومن الكتب التي اعتمدناها في هذا البحث الخاص بخدمة القرءان الكريم على عهد الدولة العلوية المظفرة كتاب « مواهب المنان» الذي سبقت الإشارة إليه، وهو كتاب مخطوط، متوسط الحجم كبير الفائدة أسماه الإمام الحافظ سيدي محمد بن عبد الله: « مواهب المنان لما يتأكد على المعلمين تعليمه للصبيان» وهو يشتمل على نصائح ثمينة بالاعتبار لكل من تصدى لتلقين صغار المتعلمين القرءان الكريم، وتنوير عقولهم بمبادئ القراءة والكتابة والدين، يشتمل هذا الكتاب على 91 صفحة من القطع المتوسط بما في ذلك مقدمة لطيفة احتوت على 25 صفحة فيها من صالح النصح والإرشاد ما يحملك على الاعتقاد بأنه يقدر ما كان هذا الملك الهمام سياسيا لبقا واسع المعرفة، متضلعا في العلوم وشرون الدين بصفة خاصة، بقدر ما كانت نظرته نافذة في الإطلاع على طبائع الأطفال وميولهم، وقدرتهم على استيعاب ما يقدم لهم من فوائد على من تصدى لتهذيبهم من ذوي المعرفة والإختصاص، فقد كان رحمه اله يرى ضرورة ملحة في تعلم العلم وتحصيل فوائده لكن على أساس العمل به، كما أنه يرى أن العلم يجب أن يقتنى في الصغر قبل الكبر، وهو وإن كان يحث على حفظ القرءان حفظا يضمن رسوخه في الصدور إلا أنه باعتباره رجل علم وعمل يفضل أن يتعرف المعلمون والمتعلمون أيضا على ما جاء في كتاب الله تعالى من تعاليم دينية لا تستقيم حياة الإنسان إلا بمعرفتها والعمل بها، ولذلك يقول في مقدمة الكتاب الآنف الذكر : « وبعد، فلما كان غالب اعتناء طلبة الوقت لحفظ القرءان والتفنن في قراءته بالروايات، وإهماله ما فرضه الله على الأعيان مما يذان به من علم العبادات والاعتقادات، وإن كان فضل حفظ كتاب تعالى مأثورا ومقام حفاظه بين أولياء الله مشهورا، لكن لا مع الجهل بما يعبد الله به من ضروري الدين، فإنه على الموصوف بهذه الصفة حجة في كل حين، لأن المقصود الأهم من حفظ القرءان هو تعلم أحكام الدين التي بها الله يدان، إذ مجرد حفظه فرض كفاية بلا ارتياب، ومعرفة ما تبرأ به الذمة ومن غيره فرض عين وإنجاب. فقد روي أن ابن عمر رضي الله عنهما أقام في قراءة «البقرة» ثماني سنين، لأنه لم ينتصر على الحفظ بل تعلم ما احتوت عليه من أحكام الدين».
فأنت ترى أن السلطان سيدي محمد بن عبد الله يلح كل الإلحاح على التفقه في الدين بناء على ما جاء في كتاب الله، لأنه يخشى إن انصرف الناس إلى الحفظ وحده كما كان ذلك شائعا في زمنه بالمغرب أن لا يعطوا العناية الكافية لما جاء فيه من الأحكام. ثم يستطرد قائلا في مقدمة « مواهب المنان » ما مؤداه بالحرف ، « وكنت لقيت حال سفري من مكناسة إلى مراكش سنة ثلاثين بعد المائتين والألف من الأساتيذ الجم الغفير الكثير؛  والفيت كل من اختبرت منهم لم يتمسك من علم دينه بقطمير»، مما حمله قدس الله روحه على جمع المسائل المهمة مما يتعين تحفيظه للصغار في الكتيب الذي نحن بصدد مراجعة مقدمته.
يؤخذ إذن مما ذكر أن قراءة القرءان كانت متداولة بين الناس على نطاق واسع في أيام سيدي محمد بن عبد الله، وان عدد المعلمين والأساتيذ الذين أسندت إليهم مهمة إقراء كتاب الله للمتعلمين كان يربو بكثير على ما يمكن أن يتصوره الباحثون.
ثم يتصدى المؤلف إلى تقديم النصح لمن كلف نفسه تعلم القرءان للصبيان، فيقول : « اعلم أرشدنا الله وإياك أنه يجب على معلم صبيان المسلمين أن ينصحهم ويبذل المجهود في ذلك لأنه خليفة آبائهم بأن يعلم من آتاه منهم أولا الفاتحة وحزب «سبح». فإن صعب عليه فليقرئه ربعه الآخر، فإن حفظ ذلك فليعلمه عقيدة ابن أبي زيد حتى يحفظها وترسخ في ذهنه؛ فهي الأصل الأصيل» وبعد ذلك ينتقل الإمام المؤلف إلى الحديث عن أقسام الماء وأحكام الطهارة والصلاة وكيفية أدائها في أوقاتها؛ فإذا رسخ ذلك كله في عقل الصبي تعين إذ ذاك على المعلم أن يخبر والده بما قطعه معه من أشواط، ويشير عليه بإقامة «الختمة» أي بتنظيم حفلة دينية ابتهاجا بالمرحلة التي قطعها الصبي في الكتاب، ولا يفوت صاحب الكتاب أن يؤكد على المعلمين ضرورة الاهتمام بتحفيظ السور الأولى من القرءان، بما في ذلك أم الكتاب، تحفظا يمكنه من تقويم ألسنتهم وتقوية ذاكرتهم وتمهيد السبيل أمامهم لاكتناز ما بقي عليهم حفظه من كتاب الله العزيز، فيقول : «على المعلم أن يعلم الصبيان فاتحة الكتاب حتى يحفظها على وجهها لأن تعلمها واجب في حق كل مكلف يمكن منه التعلم لأنها واجبة في جميع الصلاة؛ وقد احتوت على أسرار كتاب الله تعالى وهي السبع المثاني؛  ويكفي في فضلها ما روى عنه صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل، قال الله تعالى : «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل.» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرأوا، يقول العبد: الحمد لله رب العالمين، فيقول الله تعالى : حمدني عبدي، فيقول العبد : الرحمن الرحيم، يقول الله : اثنى علي عبدي، يقول العبد : مالك يوم الدين، يقول الله : مجدني عبدي؛ يقول العبد: إياك نعبد و إياك نستعين ؛ فهذه الآية بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل؛ يقول العبد : اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين؛ فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل».
هذه وفي استطاعة الذين أسعدهم الحظ بمطالعة مقدمة هذا الكتاب أن يضيفوا إلى المعلومات السابقة فوائد لا تقل عنها أهمية خصوصا فيما يرجع لأنواع السور الذي يحسن قراءتها في كل صلاة من الصلوات الخمس، ففي ذلك يقول سيدي محمد بن عبد الله بعدما تحدث عن الفائدة المترتبة عن البدء بتحفيظ أم الكتاب : « ثم يتأكد عليه (أي المعلم) أن يبذل المجهود أولا في  تعليم الصبي حزب سبح ويتعاهده معه تلاوة ودرسا حتى يحفظه ويصبر على ظاهر قلبه  لأنه احتوى على صغار المفصل وبعض وسطه المقروء به مع أم القرآن في جل الصلوات؛ ويؤكد ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب «سبح» اسم ربك الأعلى» وأنه كان يداوم على قراءتها مع «هل أتاك» في الظهر والعصر ومن أنه كان يواظب على قراءتها في الجمعة والعيدين، وما قاله لمعاذ في موعظته لا يقرا أحدكم يسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها والليل إذا يغشى، والفجر، ولما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى العشاء والمغرب بوالتين والزيتون، وصلى بها وبانا أنزلناه في صلاة الغداة، وقد أم ابن عوف الناس بسورة « العصر » و « إذا جاء نصر الله »؛ وقد أمر صلى الله عليه وسلم بقراءة المعوذتين في الصلاة ولاشتمال الحزب المذكور على « إذا زلزلت » و «العاديات»، وكل واحدة منها تعدل نصف القرءان، وعلى « إنا أنزلناه» وهي تعدل ربع القرءان، وعلى «ألهاكم التكاثر» وقراءتها تعدل ألف آية، وعلى « قل يا أيها الكافرون » وهي تعدل ربع القرءان، وعلى «قل هو الله أحد » وهي تعدل ثلث القرءان، إلى غير ذلك مما لا يعد من فضائله ولا يحصى» ثم يخثتم المؤلف هذا الفصل القيم بذكر فضائل حفظ الفاتحة وحزب « سبح اسم ربك » بقوله : « فالمقتصر على ذلك ممن اضطر لمعاشه أو لم تظهر نجابته قد حفظ أول القرءان وآخره، لا يبعد في جانب كرم الله أن يمنحه اجر ما بينهما، وان ظهرت نجابته ولم يعقه معاشه فليدأب على قراءته لعل الله يشرح صدره ويسهل عليه أمر دينه وحفظه، وبالله التوفيق».
بعد هذه المقدمة الطويلة المفيدة في كيفية السير بالمتعلمين في تلقينهم السور الأولى من القرءان الكريم مع التنصيص على ضرورة تطبيق ما جاء فيها من أحكام الدين، ينتقل المؤلف إلى تعداد هذه الأحكام مبينا للمعلمين طريقة تبليغها للصغار، متوخيا في ذلك كله سبل الاختصار وطريق الوضوح، مما يدلك على ما كان له من خبرة ورأي مسموع فيما يرجع لتوجيه الطلاب وتعليمهم.
ولم تنقطع هذه السنة الحميدة يوما بالنسبة لملوك الدولة العلوية السابقين منهم واللاحقين خدمة منهم للقرءان الكريم وعملا على نشره في ربوع المملكة كلها من أقصاها إلى أقصاها؛ وليس من الغريب أن يظل ذلك ديدنهم حتى يومنا هذا، فلا أقل من أن نستدل على نشاط الحركة الفكرية والدينية اليوم في البلاد بما سنه جلالة الملك المعظم الحسن الثاني منذ أن وضع الله أمر هذه الأمة بين يديه – وهو بدون منازع من أعظم ملوك العلويين قدرا وأقوامهم سيرة وأطيبهم ذكرى – من قرارات تهدف في مبناها وفحواها إلى العناية عناية خاصة بشؤون الدين والاهتمام بكتاب الله الأكبر، من ذلك أنه خصص – حفظه الله – جانبا من مكتبته الزاخرة المصاحف القرءانية وما يتعلق بها من التفاسير كما تظهر عنايته الكريمة بكتاب الله في بذل العطاء والنصح لكل من يهتم بحفظ القرءان وإقرائه ونشره؛ ثم ينتهزها فرصة طيبة عند حلول شهر رمضان المعظم من كل عام فيقيم داخل قصره العامر – جريا على سنة أسلافه المنعمين – حفلات دينية ليلية يقرأ فيها القرءان وتلقى فيها دروس قيمة يستمد القائمون بها عناصر شروحهم من آيات الله البينات. ولعمري أنها حفلات تنشرح لها قلوب المومنين، وهي تضفي كذلك على ضريح مولاي الحسن الذي تنظم فيه بريقا من الطهر والجلال؛ وتلك سنة طيبة لا يمكن مشاهدة أثرها المحمود إلا في هذه الديار التي ظل كتاب الله فيها محفوظا في صدور الرجال.
هذا ولا يفوت سيدنا المنصور بالله أن يدعو لحضور هذه الليالي الطاهرة ثلة من علماء المغرب الأفاضل، وجماعة من أئمة المشرق الأماثل للمشاركة في إلقاء تلك الدروس؛ فينتهزونها فرصة طيبة لتقديم النصح والإرشاد للجناب الشريف وللأمة الإسلامية قاطبة مع الدعاء الصالح لكافة ملوك العرب والمسلمين ورؤساؤهم، وهي دعوات خالصة منبثقة عن نفوس مومنة كأقوى ما يكون الإيمان، لذلك فهي لا تزيد المؤمنين إلا تمسكا بهذا الدين الحنيف الذي فضله سبحانه وتعالى على سائر الأديان التي سبقته وجعل الأمة الإسلامية بفضله خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.
ثم لا يقتصر جلالة الملك المعظم الحسن الثاني على حضور هذه الحفلات الدينية بانتظام، بل يأخذ على نفسه بما أتاه الله من فطنه وعلم وحكمة – ومن يوت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا – تتويج هذه الدروس بتوجيهات صالحة يطرحها امام الشخصيات الحاضرة، مزودا بها في نفس الوقت هذا الشعب المغربي الوفي الذي يربطه به ميثاق قوي لا تنفصم عراه، سائلا من الله عز وجل أن يعز الإسلام بفضله ويسدد خطى ملوك العرب والمسلمين رؤسائهم ويمهد لهم جميعا سبل الخير والنجاح.
ولقد أضاف حفظه الله هذه السنة مكرمة أخرى إلى المكارم التي اشتهر بها ومفخرة إلى مفاخره المتعددة ذلك أنه دعا إلى الاحتفال بمرور أربعة عشر قرنا على نزول القرءان الكريم، هذا الكتاب الذي لن تظل الأمة الإسلامية طريقها، بل لن يعتريها ضعف أو فتور ما دامت متمسكة بما جاء فيه من شرائع وأحكام تغنينا في الحياة وبعد الممات ان نحن عملنا بما تهدي إليه من خير ونور.
ولا غرو أن اهتمام جلالة الحسن الثاني بكتاب الله وشؤون الدين مما حمله حفظه الله على فرض إقامة الصلاة داخل المدارس والمعاهد التعليمية على اختلافها قد انتهى به إلى يقين جازم حاسم، كما يقول شهيد العروبة والإسلام سيد قطب إلى « انه لا صلاح لهذه الأرض ولا راحة لهذه البشرية، ولا طمأنينة لهذا الإنسان ولا رفعة ولا بركة، ولا طهارة ولا تناسق مع سنن الكون وفطرة الحياة إلا بالرجوع إلى الله ... والرجوع إلى الله – كما يتجلى في ظلال القرءان – له صورة واحدة وطريق واحد ... واحد لا سواه ... إنه العودة للحياة كلها إلى منهج الله الذي رسمه للبشرية في كتابه الكريم ...» هذا الإيمان القوي بالله، وهذه العزيمة الراسخة التي اتخذها جلالة الملك الحسن الثاني أساسا لتنظيم شؤون المملكة عموما سيمكنان لا محالة هذا الملك الشهم الكريم من تحقيق ما تصبوا إليه بلادنا من تقدم وازدهار، خصوصا وأن جلالته يتمتع بالإضافة إلى هذا الرصيد الديني الطاهر الذي يعتمده في جميع حركاته وسكناته بمحبة الشعب وإخلاص الأمة قاطبة بحيث ينطبق عليه حفظه الله قول الشاعر إذ يقول :
(مـلـك) له أنطوت القـلـ
               ــوب على المحبـة والـوداد
(حسـن) الصفـات ومذ بذا
                 مـا حـاد عن تهـج السـداد
كالغيث في يـوم النـــدى
                والليــث في يـوم الجــلاد
ورث الملـوك فخـارهــم
                 وعلـيـهــم أربــى وزاد
لا زال فينـــا حكمــه
                 يبـــدي المعــالم للـرشاد
إلى هذه المرحلة من البحث الذي نقوم به استفذنا أنه كان لملوك الدولة العلوية الكريمة اهتمام بالغ بنشر القرءان وتشجيع من يحفظه أو يقوم بتحفيظه كما ذكر بتفصيل في كتب السلف الصالح، شأنهم في ذلك شأن ملوك كافة الدولة الإسلامية التي تعاقبت على هذه الديار؛ لكن الذي يمتاز به ملوك الدولة العلوية على غيرهم من ملوك وأمراء الدول التي سبقتهم في هذا البلد الأمين هو اهتمامهم الزائد بتعليم أبنائهم مبادئ الدين والقرءان الكريم وحرصهم على أن يختاروا لتلك المهمة الخطيرة أمهر الأساتذة والمربين العارفين بأساليب التربية، المعروفين بالصلاح والعقيدة المتينة حتى يكونوا حقا صالحين مصلحين ويتمكنوا من توجيه أبناء الملوك وبناتهم توجيها يؤهلهم، فيما إذا أفضت إليهم أمور هذه الدولة من تسيير شؤونها على أحسن وجه مستطاع ويمكنهم في نفس الوقت من مباشرة أمور دينهم ودنياهم بصورة ترضي الخالق والمخلوق.
من أجل ذلك كانوا يفردوان لأبنائهم جناحا من القصر الملكي في كل من عواصم المملكة، بفاس ومكناس ومراكش، يتلقون فيه تعليمهم بعيدين عن ضوضاء الحياة السياسية حتى لا تصرفهم عن الدرس والتحصيل عظمة الملك وفخفخة السلطان. وبقدر ما كان الملوك العلويون يعنون بتعليم أبنائهم كذلك كانوا يهتمون بتثقيف بناتهم، وتحليتهن بزينة العلوم والفنون، وفي مقدمة ذلك كله حملهن على حفظ كتاب الله العزيز، لا فرق بين شريفات أو مشروفات، يستقدمون لهن ثلة من خيرة المعلمين وأطيبهم خلقا، وأشدهم نزاهة، وأحمدهم صيتا وذكر، إذ النساء شقائق الرجال في المعاملات والأحكام، وغني عن التوضيح أن الحديث الشريف يشير في صراحة إلى ضرورة الاهتمام بتثقيف الرجل والمرأة على السواء، قال صلى الله عليه وسلم: « أطلبوا العلم ولو في الصين، فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم». وبطبيعة الحال يحتل كتاب الله المقام الأول من العلوم التي ما فتيء ملوك الدولة العلوية يحضون أبنائهم وبناتهم على تعلمها داخل  القصور الملكية، جاء في حديث كريم : « من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين » وبعد ذلك ينقطع المعلمون لتهذيب الأمراء والأميرات، فلا يعود لهم شغل إلا تعليمهم القراءة والكتابة، وحفظ ما تيسر من القرءان الكريم وتلقي الضروري من الدين ما لا يسع المكلف جهله شرعا.
وهذه الكتاتيب التي كان الملوك يحرصون على إنشائها داخل القصور الملكية كانت توضع تحت رعاية متصرف يكلفونه بالإشراف عليها ماديا وأدبيا. وحرصا- قدس الله أرواحهم- على تنشئة أبنائهم وبناتهم تنشئة حسنة، وإعطائهم ما يليق بالأمراء والأميرات من تربية خلقية كريمة تستمد طهارتها من تعاليم الدين القويم، كانت الفتاة على الخصوص لا تدخل الكتاب إلا بمرافقة مربيتها والقائمة على أمرها، كما أنه كان من المستحيل أن يدخل الكتاب الخاص بالفتيات أحد من الذكور حتى لو كان يصغرهن سنا أو كان شقيقا من شقائقهن.
ويخيرنا الذين كرسوا حياتهم لدراسة أحوال الدولة العلوية الشريفة جملة وتفصيلا أن نظام العمل المعمول بع في تلك الكتاتيب الملكية كان يدعو المؤدب إلى الحضور مع شروق الشمس، ولا يترك عمله إلا بعد أداء صلاة العصر مع المتعلمين أو المتعلمات بحيث يتناول فطور وطعام الغذاء معهم، وذلك معناه أن المعلم كان يقضي معظم نهاره مع التلاميذ أو التلميذات، فيما إذا كان الكتاب خاصا بالبنات، ومما لا شك فيه أن نظاما كهذا يمكن المؤدب من فرض شخصيته على المتعلمين والمتعلمات، لطول اختلاطه بهم، وطبعهم بطبائع المروءة والآدب، فلا يغادر المتعلم الكتاب إلا وقد اقتبس من المحاسن التي يتحلى بها معلمه ومؤدبه، خصوصا وأن النصائح التي كان الملوك يزودون بها معلمي أبنائهم هي أن يفصلوا أبدا بين الإيمان والعمل عملا بقوله تعالى : « الذين آمنوا وعملوا الصالحات»، وعلما منهم- طيب الله تراهم- من أن العلم بدون عمل لا خير فيه بل كثيرا ما يكون وبالا على صاحبه. ولذا كان المعلمون في القصور الملكية يحرصون كل الحرص على تطبيق التعاليم الدينية التي جاءت في القرءان الكريم، فيحملون المتعلمين والمتعلمات على أداء فريضة الصلاة في أوقاتها فيطيعهم هذا السلوك بالروح الإسلامية منذ حداثة أظفارهم، ويشبون تبعا لذلك على التقى وطاعة الله ورسوله مهتدين بالهدي الحق : « إن المتقين في جنات وعيون، آخذين ما آثاهم ربهم، إنهم كانوا قبل ذلك محسنين، كانوا قليلا، من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون، وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ».
وكان السلاطين يتتبعون خطوات المعلمين، ويزودونهم بالنصيحة والإرشاد حينا، وينحون عليهم باللوم والتأنيب حينا آخر إذا ما لاحظوا فيهم نوعا من التواكل، نلتمس شاهدا على حرصهم هذا ما جاء في كتاب «العز والصولة في معالم نظم الدولة» لصديقنا العزيز فقيد الأدب والتاريخ مولاي عبد الرحمان بن زيدان من أنه لما ختم القرءان الكريم أيام السلطان المقدس مولاي الحسن دخل على جلالته يطلب الختمة، ويسوق لنا رحمه الله بهذه المناسبة قصة طريفة يختتمها بقوله : «وكان لوحي مكتوبا بخط مؤدبي من جهتين، فأخذ اللوح مني وقرأه، ثم سألني عن الخط لمن هو؟ فقلت للفقيه ! فقال: هذا غش لا ينبغي، فليترككم تكتبون ألواحكم بيدكم، وسألومه». وغني عن البيان أن في مثل هذه الملاحظة دليلا واضحا على تفطن ملوك الدولة العلوية إلى أجواد الأساليب وأحدث طرق التدريس التي من شأنها أن تحفز الأطفال إلى العمل الشخصي  الذي يعود عليهم بالنفع والفائدة؛ وكيف يستطيع الطفل أن يتدرب على الكتابة حتى يحذقها، إذا كان المعلم يكفيه مشقة العمل ويقوم مكانه بكتابة ما وجب أن يخطه بأنامله تدليلا للعراقيل والعقبات.
وكما أن السلاطين كانوا يراقبون مؤدبي أولادهم فينبهونهم إلى سلوك سبيل العمل المنتج المفيد كلما حادوا عن الطريق، كذلك كانوا يبذلون لهم العطايا والصلات، تشجيعا لهم على قيامهم بالواجب خير قيام، فمتى بلغ المتعلمون، بنين وبنات مرحلة معينة فيما يرجع لحفظ القرءان الكريم- وهما مرحلتان : الأولى تدرك عندما يحذف الطفل استظهار سورة الإخلاص، والثانية تنتهي به مع حفظ سورة البقرة- فإن الملك كان يأمر إذ ذاك بإقامة حفلة دينية شيقة تسمى حفلة ختم القرءان؛ وبرفع بتلك المناسبة الكريمة لوح المحتفل به أو المحتفل بها على منصة؛ ثم يأتي من بالقصور بالهدايا الثمينة يضعونها على ذلك اللوح، نقودا وثيابا ذات قيمة رفيعة، مخيطة أو غير مخيطة، ويقدم كله للمعلم جزاء له على ما قدمت يداه، وتبركا بكتاب الله.
ويستطرد صاحب كتاب « العز والصولة» في وصف حفلات الختم، فيقول : « ويخرج من القصر عدد منهم من قصع الكسكوس للمسجد المعد للصلاة برحاب باب القصر، وقوارير ماء الزهر والورد وقماقمه ومجامير الطيب، ويستدعي الأستاذ المقرئ لتناول ذلك وغيره من الأساتيذ المؤذبين؛ فيحضرون ذلك الاحتفال، ويوزع الطعام على السجون والزوار وأضرحة الصالحين»، عملا بقوله تعالى: «إنما الصدقات للفقراء والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب والغارمين، وفي سبيل الله وابن السبيل، فريضة من الله، والله عليم حكيم».
ودليل آخر على ما لملوك الدولة العلوية من اهتمام بتربية أبنائهم، وتنشئتهم تنشئة إسلامية صالحة هو أنه لا يوجد منهم داخل القصور الملكية من لم يكن يحسن القراءة والكتابة والحساب، واستظهار قليل أو كثير من القرءان الكريم، «وربما وجد في أميرات القصر فضلا عن أمرائه- من كانت تقرأ برواية البصري كالشريفة السيدة حفصة بنت السلطان المنعم مولاي عبد الرحمن بن هشام»، ويذكر مؤرخ الدولة العلوية الشهيرة مولاي عبد الرحمن بن زيدان أن اللوح الذي كانت تقرأ فيه السيدة حفصة لا يزال محتفظا به إلى يومنا هذا تبركا به. وبعد ذلك يسوق لنا بهذه المناسبة معلومات جد مفيدة في الموضوع من « أن السلطان مولاي عبد الرحمن كان قد عبر معلما ممن امتازوا بقوة الإيمان وسلامة الأخلاق لإقراء بناته في إقليم تافيلالت المشارك مولاي الشريف ابن علي بن عبد الرحمن دفين مراكش، ومن جملة التلميذات اللائي كن يقرأن على المعلم المذكور لالا حبيبة ولا لا أسماء ولالا ستي، وإنما كان مولاي عبد الرحمن يقتدي في ذلك كله بمن سبقه من آبائه الأولين»، فكانت تربيتهم تربية إسلامية عربية أساسها كتاب الله وسندها سنة رسوله الكريم.
ولقد تأصلت هذه السنة الحميدة في القصور الملكية حتى لأنك كنت تجد بين النساء من يقرأن غيرهن من البنات والنساء، ويحفظن نصيبا من القرءان الكريم لمن فاتهن زمن الدرس والتحصيل، وهذا دليل آخر ما كان لملوكنا العلويين من رغبة صادقة في تلقين كتاب الله لذريتهم الصالحة بصورة كانت ولا تزال تؤتي أكلها بإذن ربها.
يضاف إلى ما تقدم من البراهين الدالة على هذه الرغبة في تنوير عقول الأمراء والأميرات بنور العلم وشعاع القرءان ما أورده صاحب « الغز والصولة» من النصوص الرسمية فيما يرجع لاهتمام ملوك المغرب وحرصهم الشديد على تدريس القرءان لأبنائهم وبناتهم، وإليكم نص ظهير شريف في الأمر بذلك بعد الافتتاح والختم الملكي، نقش داخله عبد الرحمن بن هشام الله وليه.
وصيفنا الأرضي الباشا القائد الجيلالي بن بوعزة، وفقك الله وسلام عليك ورحمته تعالى وبركاته، وبعد فقد وصلنا كتابك مخبرا بامتثال أمرنا في شأن الطالب السيد عبد الرحمان المدغري وتوليته إقراء الشريفات والصلاة بمسجد المدرسة، الله يرضي عنك ويصلحك، آمين والسلام، في 28 ذي القعدة الحرام عام 1258».
ومن المعلومات الطريفة التي يفيدنا بها في هذا المقام شيخ المؤرخين في هذه الديار مولاي عبد الرحمان ابن زيدان أسماء بعض من كانوا يعلمون البنات بالقصور الملكية، ويتولون مهمة تحفيظهن كتاب الله العزيز : منهم الصالح أبو الفخر المختار الجراوي، وأبو عبد الله بن المهدي المنوني، والعربي بن صالح النجاري الحلموني وكلهم كانوا مكلفين بتدريس القرءان ومبادئ العلوم بقصر من عاصمة مكناس، كما أن شيخ جماعة المقرئين الأستاذ اليزيد العلمي وأبا محمد عبد السلام النسب والأستاذ أبا العلاء إدريس بن محمد آل زكرياء الصيان كانوا ممن اختارهم الجناب الشريف للقيام بنفس المهمة داخل قصر المحنشة بمكناسة الزيتون.
وبالرغم من أن سرد أسماء الشيوخ والمؤدبين الذين كانوا مرسمين لتدريس القرءان الكريم داخل القصور الملكية يورث شيئا من السآمة والملل، فإننا سنورد مع ذلك نقلا عن المصدر الأنف الذكر جميع من عثر على أسمائهم ممن كتب لهم فضل إقراء أبناء الدوحة العلوية المنيفة ليتحقق القارئ من أصالة هذا البيت العريق، واعتمادهم قبل كل شيء على كتاب الله وسنة رسوله في زرع البذرة الصالحة في قلوبهم، أولئك الأمجاد الذين سبق لهم فضل إقراء أبناء الملوك العلويين السابقين هم بالنسبة لمن كان يقطن مدينة فاس الفيحاء الأستاذ أبو محمد التهامي الشريف العلمي، وأبو زيد عبد الرحمان بن الرضى العمراني اللجائي، وأبو عبد الله محمد بن الطاهر الهواري، والأستاذ أبو محمد التهامي الحسني، والأستاذ أبو محمد التهامي بن عبد النور، والأستاذ أبو عبد الله محمد بن الهاشمي اللجائي، والأستاذ حمادي بن عبد القادر النسب، والأستاذ أبو محمد عبد السلام المدعو ابن يش التلمساني، والأستاذ أبو العباس أحمد السعيدي، وقد صاهر السلطان المقدس سيدي محمد ابن عبد الرحمان بن هشام، فزوجه من ابنته الكريمة السيدة لا لا فاطمة الجبلية.
يضاف إلى هذه النخبة الطيبة الصالحة الأستاذ أبو العباس أحمد عبابو وهو آخر من كان له فضل إقراء البنات بفاس.
 أما بمراكش فقد تولى خطة تدريس اللغة والقرءان الكريم في الكتاتيب الملكية جماعة من أساتذة الجنوب المعروفين بعلمهم الواسع، وما كانوا يتمتعون به من حسن الأحدوثة، عند خاصة الناس وعامتهم، نذكر من بينهم حسب ما نقلناه عن كتاب «العز والصولة»: أبا عبد الله محمد بن عبد الواحد الريفي، والأستاذ العلامة الجليل أبا عبد الله محمد بن الفاطمي، والأستاذ أبا عبد الله محمد بن الصديق  الفيلالي، والأستاذ البركة أبا عبد الله محمد بن موسى، والأستاذ أبا إسحاق إبراهيم الضرير الذي اصطفاه السلطان مولاي الحسن الأول لتعليم حريمه أمور دينهن؛ وكان من الخير والصلاح بحيث كان يلازم مولاي الحسن في حله وترحاله؛ وهو الذي تولى غسل السلطان المذكور عند وفاته.
وغني عن الإثبات أن هؤلاء العلماء كانوا يعملون بكامل الإخلاص والتفاني للقيام بما أنيط بهم من أعمال، وكثير منهم من كان مفتوحا عليه وعلى يديه كالأستاذ الفقيه السيد محمد بن موسى السابق الذكر الذي كان في أول أمره مكلفا بإقراء أبناء السلطان مولاي عبد الرحمن بن هشام علوم دينهم ودنياهم حتى بزغ من بينهم العلامة الشهير أبو الحسن علي صاحب البستان الشهير المعروف بمدينة مراكش بجنان مولاي علي.
تلك لمحة قصيرة أحببنا أن نقدمها لقراء مجلة «دعوة الحق» القراء بمناسبة مرور أربعة عشر قرنا على نزول القرءان الكريم،  واحتفال المغرب بحفلات عيد العرش المجيد، لكي نقيم الدليل على اهتمام ملوك الدولة العلوية الشريفة بهذا الكتاب الأكبر وما جاء فيه من شرائع وأحكام تهدي إلى السبيل الأقوم.
وما أوردنا الأمثلة الثلاثة السابقة إلا على سبيل المثال فقط لا على سبيل الحصر، ولا اضطررنا إلى تضخيم هذا البحث بصورة لا يتسع لها المقام؛ إنما الذي يتيعن إثباته هنا هو أن جميع ملوك الدولة العلوية لم يعتمدوا على الكتاب رجاء أن تنالهم منه فوائد قريبة عاجلة، بل إنهم تمسكوا به عن إيمان عريض كالبحر وعقيدة راسخة كالدهر، فالأمر عندهم جد لأنه أمر سعادة هذه الأمة المغربية النبيلة، أو كما يقول سيد قطب في ظلال القرءان : وكأنه يشير إلى مدى تشبثهم بهدي الكتاب الأكبر أن الاحتكام إلى منهج الله في كتابه ليس نافلة ولا تطوعا ولا موضع اختيار ... إنما هو الإيمان ... أو ... فلا إيمان ... وما كان لمومن ولا مومنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخبرة من أمرهم، فلذا أصلح الله أمورهم في الدنيا وأثار السبيل أمامهم لخدمة هذه الأمة العريقة تحت راية القرءان؛ فراحت أعمالهم كلها أعمالا مباركة طيبة توتي أكلها بإذن ربها، وظلت شجرتهم شجرة باسقة أصلها ثابت وفرعها في السماء، لا تنال منها النوائب ولا العواصف مهما يكن مصدرها تحقيقا لما جاء في الكتاب من أن الله تعالى لا يبخس أبدا عباده الصالحين أجرهم : « وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات، ليستخلفنهم في الأرض، كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا».

مـراجـع هــذا البحـث
1ـ المنزع اللطيف في مفاخر مولانا إسماعيل الشريف (مخطوط ج 595 بالخزانة العامة- الرباط). تأليف مولاي عبد الرحمان بن زيدان العلوي.
2ـ مواهب المنان لما تأكد على المعلمين تعليمه للصبيان لأمير المومنين سيدي محمد بن عبد الله.(مخطوط ك 795 بالخزانة العامة- الرباط).
3ـ العز والصولة في معالم نظم الدولة (جزءان) لفقيد الأدب والتاريخ مولاي عبد الرحمان بن زيدان العلوي.
4ـ الدرر الفاخرة بمآثر ملوك العلويين بفاس الزاهرة. تأليف مولاي عبد الرحمان بن زيدان العلوي.
5ـ الفتوحات الإلاهية (المقدمة) لأمير المؤمنين سيدي محمد بن عبد الله.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here