islamaumaroc

القرآن وعلومه في عهد الدولة العلوية الشريفة -1-

  دعوة الحق

106 العدد

سوف نحاول أن نتحدث بمعونة الله تعالى في هذا الموضوع الشريف بمناسبة عيد العرش الكريم والاحتفال بالأيام الوطنية السعيدة. ومن دون ريب أن البحث في هذا الموضوع له علاقة قوية بالاحتفال بعيد العرش المجيد مع مناسبة الاحتفال بذكرى مرور أربعة عشر قرنا على بدء نزول القرآن. ذلك أن العرش العلوي منذ هيأ الله أسباب ولايته العامة وهو مرتبط رباطا قويا بالعلم وحملته بصفة عامة ومع الدارسين لعلوم القرآن بصفة خاصة رأينا ذلك أيام المولى الرشيد ومولاي إسماعيل وسيدي محمد بن عبد الله ومولانا سليمان إلى عصر الملك المقدس محمد الخامس قدس الله روحه ثم عصر هذا الشهم الأبي جلالة مولانا الحسن الثاني أيده الله.
ففي كل حقبة من هذه الحقب التاريخية كان حملة القرآن والمشتغلون بدراسته على الطريقة الفنية من تجويد وقراءات وتقرير القواعد العلمية في مخارج الحروف وصفاتها وربط ذلك بلهجات العرب وأساليبها في النطق والصوت مما يمت اليوم إلى فقه اللغة الحديث وعلم الأصوات باعتبار مخارج الحروف من أقصى الحلق إلى الشفتين وما إلى ذلك.
والواقع أن هذا الفن ليس خاصا بعلماء القراءات وأئمة الأداء وإنما اشتهروا به وعلق لقبهم به لتساهل النحاة في مدارك علم التصريف لأنه علم وعمل (تطبيق) فكان منتهى الحاذق في النحو أن يعرف أبواب الإمالة ويقررها أحسن تقرير، ويعجز عن أداء اللفظ على مقتضى علمه، ومثل هذا أيضا يقال في أبواب الوقف وأبواب تخفيف الهمز، ثم أن القليل من علماء الصرف من يعتني بمخارج الحروف وصفاتها لأن أكثرهم أو المحدثين أصحاب العصور المتوسطة في النحو والصرف لا يبالون بهذه المخارج إلا قليلا، وتتابع الأمر على ذلك وخلت أكثر الكتب التصريفية من هذه البحوث فظنوا أن هذه القواعد التي تذكر بصفة خاصة في علوم القراءات. ظنوا أنها ليست من التصريف في شيء وأن الرجوع في مثل ذلك إلى علم القراءات. وهذا قطعا خطأ نشأ عن تقصير البعض منهم وتقاعس الهمم. ولو أتقنوا العلم بكل شعبه لما كان هناك فرق بين طبقة القراء وأهل الصرف ومن المعلوم أن اللحن في الكلام حال يطرأ على الألفاظ فيخل بها. وقد قسموه إلى جلي وخفي وقالوا أن الجلي يشترك فيه العموم والخفي يختص بمعرفته علماء القراءات ولم يختص بهذا القدر علماء القراءات إلا في الوقت الذي قصر فيه أولائك وإذا ذهبنا نستخير علماء اللغة عن حقيقة اللحن نجدهم متفقين على أنه صرف الكلام عن سننه الجاري عليها إما بإزالة الأعراب أو التصحيف أو الخطأ في القراءة كما قال الفيروز أبادي ولا يريد صاحب القاموس بالقراءة تلاوة القرآن بل ما يعمها من قراءة شعر وخطب ورسائل الخ، وإذا كان اللحن لغة ما ذكر وإن كانت له معان أخرى لا حاجة لنا بها هنا. فينبني عليه أن اللحن هو أن ينطق المتكلم في الكلام العربي على غير مقتضى قواعد أهله، ثم إذا حققنا النظر في هذه المخالفة وجدناها تنحصر في موضوعنا في قسمين أحدهما يرجع إلى جواهر الحروف أما بالنسبة إلى مخارجها بأن لا تعطي حقها الواجب، وأما بالنسبة إلى صفاتها التي تحقق ذاتها أو تفصلها عما يشاركها أو يقاربها، وأما بالنسبة إلى تعويضها بغيرها كجعل الظاء المشالة بدل الضاد الغير المشالة أو السين المهملة بدل الشين المعجمة أو الزاي بدل الجيم إلى غير هذا مما يطول تتبعه وهو نتيجة معرفة المخارج والصفات.
وهذا المعنى تماما الذي اشتغل به القراء هو نفس ما يقال بالنسبة إلى مخالفة العرب في استعمالاتها المختلفة في نطقها كتصحيح ما أعلوه أو إعلال ما صححوه وتحقيق ما سهلوه وتسهيل ما حققوه وإظهار ما أدغموه وإدغام ما أظهروه إلى آخر ما هناك. والقصد أن أشرح لك قوة الرابطة التي توجد في علم القراءات وعلم النحو والصرف فليس في إمكان الباحث في هذا الفن المحقق لقواعده أن ينفصل في حقبة من حقب بحثه عن ما قرر في قواعد الصرف التي يلزم أن تكون ضرورية عنده على أن أكثر من كتب في الصرف بصفة خاصة لا يخلو كتابه عن مباحث مخارج الحروف وصفاتها، وقد أطنب علماء القراءات وكذلك علماء النحو في العصور القديمة من ذكر هذه المخارج فعدها الخليل بن أحمد سبعة عشر واعتبرها سيبويه ستة عشر وإياه الشاطبي وصاحب الدرر اللوامع وأبلغها القراء وقطرب والجرمي إلى أربعة عشر. أما الصفات من همس وجهر وشدة ورخوة وانسفال واستعلاء وإطباق وانفتاح إلى آخر ما هناك فلم يقصروا أيضا عن الخوض في جميع مباحثها. وليس في الإمكان استقصاء الباحث في هذه القواعد الضرورية في فن القراءات لضيق المجال عن ذلك وقد بعدت المسافة بين المسلمين وبين هذه الدراسات حتى صار البعض من هؤلاء الباحثين الجدد يتوهمون أن هذه المباحث في علوم القرآن يمكن الاستغناء عنها أو لا حاجة للعلم والبحث فيها مع أن الواقع كما بينت لك سابقا لها ارتباط قوي بفقه اللغة وعلم الأصوات كما أنها في الواقع أيضا شعبة من شعب النحو والصرف واللغة، قلنا كانت هذه الجماعات المتخصصة في علم القرآن ودراسته خاصة فيما يعرف بفن القراءات كانت هذه الجماعات محل تقدير واحترام من قبل رؤساء هذه الجماعات محل تقدير واحترام من قبل رؤساء هذه الدولة العلوية الشريفة وأقيالها الميامين فكانت التنشيطات والمكافئات وكان التأليف والإنتاج العلمي في هذه المواد القرآنية بالغا قمته، ولا تخلو قبيلة أو قرية أو مدينة في جميع أنحاء المغرب من جماعات مختصة بهذه الدراسة واشتهرت بعض قبائل المغرب ببلوغ الهدف الأعلى في هذا البحث العلمي الخالص وكانت هذه الدراسات القرآنية عاملا قويا في نشر اللغة العربية وأدابها والغوص في معانيها الدقيقة مما يمت إلى أساليب القرآن ولغاته المختلفة فكتب المغاربة في هذا الميدان الشيء الكثير وشرحوا قول النبي عليه السلام أنزل القرآن على سبعة أحرف وبينوا وجوب متابعة المصحف العثماني في الرسم وأدلوا بدلائهم في كل الموضوعات التي ترجع إلى تجويد النطق بالكلمة كما نطق بها العرب وعلى حسب المسموع منهم في ذلك من تحقيق وتسهيل ومد وتوسط  وإشمام وإمالة وبرعوا في ذلك البراعة الفائقة وندر من أهل العلم من لم يكن له إلمام بهذه القواعد إن لم تساعده ظروفه على التخصص وقد أدركنا في نشأتنا الأولى جماعات من هؤلاء وهم يدرسون القرآن بالروايات السبع بل وحتى العشر في كثير من الأحيان وربما تجاوز العشر إلى الأربعة عشر وكانت هذه الجماعات تلاقي كل اهتبال من الرؤساء والحكام علاوة على ما يمنحون بين الفينة والفينة من مكافئات مالية وعقارية. وهذه الظاهرة وإن كانت عامة ومتسلسلة في سائر أحقاب التاريخ الإسلامي بهذه البلاد المغربية فإن ظهورها في عصر الدول العلوية الشريفة كان واضحا وملموسا وسوف أحاول أن أتحدث لك باقتضاب عن بعض مشاهير القراء في كل عصر من عصور هذه الدولة الميمونة التي نشأت حاملة راية الدين وسائرة على خطته لم تتنكر في لحظة من اللحظات إلى مبادئ القرآن ولا إلى تعاليمه السامية والواقع أنني أقولها واضحة صريحة فعلى كثرة ما قرأت من حياة الدول الإسلامية بصفة عامة أو بالمغرب بصفة خاصة فإني لم أجد دولة قامت على هذه الأسس الدينية وحافظت عليها إلى وقتنا الحاضر وإلى ما شاء الله من الأزمان مثل هذه الدولة العلوية الكريمة، فالتاريخ دائما يحدثنا بتبادل هؤلاء الملوك الصالحين مع العلماء والفقهاء الأفكار والآراء كل ما نزلت نازلة أو حدثت حادثة ولم يكن هذا الوصف ميزة من مميزات ملك معين أو في عصر معين بل كانت هذه الظاهرة مبدءا من المبادئ العليا الأساسية لهذه الدولة الكريمة، وتاريخ مولاي الرشيد ومولاي إسماعيل ومن أتى بمدهم مملوء بمثل هذه الاستشارات التي تعبر على مبلغ ما للمبادئ الإسلامية من أثر قوي في هذه الدولة العلوية الشريفة وسوف لا نذهب بك بعيدا في التدليل على هذه الفكرة فأمامنا وثائق هامة متبادلة بين مولاي إسماعيل الملك الهمام وموحد المغرب ومنقذه من مخالب الاستعمار آنئذ. وبين عالم جليل من علماء المغرب يومن بآراء ربما كانت تخالف ظاهرا في بعض الأحيان سياسة مولاي إسماعيل العامة وإن كانت متفقة في الأهداف ومع اعتبار الفوارق المتعددة بين ملك متربع على العرش وله من مختلف الوسائل مما لا يتوفر عليه عالم لا يملك من وسائل العيش إلا قليلا نرى المناظرة والحجاج بينهما يبلغ ذروته العليا في مسائل عامة يبدي العالم نصائحه وإرشاداته حسب فكرته وتربيته وما بلغه إليه اجتهاده ويتقبل الملك الصالح تلك النصائح والإرشادات بصدر سمح ولين عريكة وتسامح وإغضاء عما يبدو في بعض الأحيان من جفاء في العبارة أو خشونة في التعبير تصدر من عالم جليل عاش أكثر من عمره باديا وفي بيئات خاصة لم يتذوق فيها طعم إلا لماما. هذا العالم الجليل هو أبو علي اليوسي. وأحاديثه مع الملك الجليل ونصائحه وآراؤه مدونة في مختلف رسائله التي كانت يوجهها إلى الحضرة الإسماعيلية الشريفة وهي تطرق الموضوعات المختلفة مما يرجع إلى تسيير الدولة وشؤونها العامة وفي الوقت نفسه نرى الملك الصالح يقارع الحجة بالحجة ويناضل بالتي هي أحسن سبيلا وليس من هدف للجميع إلا نصرة هذا الدين والعمل على النضال من أجله والدفاع عن حوزته وقد كانت لمولاي إسماعيل مواقف متعددة في هذه السبيل ومناظرات علمية شائقة بين كثير من علماء عصره في مسائل عامة ترجع إلى المصالح العليا للبلاد ومسألة العبيد كافية في الموضوع ولم يحدث التاريخ في يوم من الأيام أن هذا الملك القوي الشكيمة قام بعمل شخصي ضد عالم ثبت له إخلاصه وصدق قوله وهكذا نرى هذا المبدأ السامي مبدءا راسخا من مبادئ هذه الدولة تنتهج نهجه وتسير في سبيله قدما إلى النهاية. وكم يحدثنا التاريخ عن مجالس يعقدها السلطان سيدي محمد بن عبد الله ومولانا سليمان والحسن الأول الصالح وعهد الخلفاء السابقين فمن استشارة في وسق القمح والحيوان إلى أوربا ومن استفتاء في استنجاد السودان بملك المغرب أيام الهجوم الفرنسي على تلك الديار ومن استثارة في بعض الأوضاع المالية المراد إحداثها في المغرب إذ ذاك ومن استفتاء أيضا في مسألة استنكاف الدخان وإغلاق مراكزه. وهكذا كان في عصر السلطان مولاي عبد العزيز ومن أتى بعده وها نحن نرى أن هذا المبدأ السامي للدولة لا يزال راسخ الأقدام قوي المكانة. فجلالة الحسن الثاني قد عودنا دائما هذا المبدأ فلا تقع نازلة أو يقع الاهتمام بتشريع جديد إلا ويبادر حفظه الله إلى الاستشارة مع مختلف شعبه وطبقاته المتنوعة من علماء ومفكرين وأصحاب اقتصاد وصناعات وهو بهذا العمل نفسه ينفذ فكرة يطمئن إليها ويحيي عهودا سابقة من عهود آبائه الصالحين. استسمح القارئ في الخروج قليلا عن الموضوع الأساسي للبحث وهو النشاط القرآني ومواده العلمية في عهد ملوك الدولة العلوية الشريفة، وإن كنت أرى أن هذا التمهيد ضروري ومؤكد حتى يعلم من لا يعلم أن ملوك هذه الدولة الكريمة ليسوا كسائر الملوك في الأرض فهم بأرومتهم الأصيلة وعراقتهم نسبا وحسبا ونشأتهم في بيئة دينية ورضاعهم حب العلم وأهله في أنداء أمهاتهم كانت لهم ناحيتان. ناحية تسيير يسيرون بها هذه الدولة الإسلامية بالنظر في مصالحها والذب عن كيانها وحياضها. وناحية تهذيبية أخلاقية ينشرون فيها تعاليم الإسلام ويحافظون على التراث ولا يقبلون هوادة ولا تسامحا إذا حاول محاول أن يمس قاعدة من هذه القواعد الثابتة الأركان بهذا عرفهم التاريخ الإسلامي في المغرب ويسبب هذا تعلق الشعب بهم وتفاني في خدمتهم واللياذ بهم. ومن أهم هذه القواعد العمل على نشر القرآن وتعاليمه الصحيحة وتهيئ جماعات من حفاظ كتاب الله وتنشيط القائمين على خدمة علومه والتضلع في دراسة حروفه ولغاته حتى انتشر هذا العلم في الأوساط وكثر أساتذته وظهر في ميدانه شخصيات لامعة ولم يكن الأمر قاصرا على عصر من عصور هذه الدولة بل بقي التسلسل محتفظا به من عصر مولانا الرشيد ومولاي إسماعيل إلى الوقت الذي أدركناه وقد رأينا الآن في عصر جلالة الحسن الثاني أيده الله بوادر نهضة مباركة في خدمة القرآن وفتح مؤسساته في مختلف مدن هذا المغرب العزيز وجلالته بهذا العمل يخدم في الواقع شريعة الإسلام التي تظهر واضحة في تعاليم القرآن ويقدم للأمة مشروعا ثقافيا له أثره في حياة اللغة العربية إذ القرآن الكريم هو المعجم الكبير الذي ليس بعده معجم وهو دائرة المعارف الكبرى التي تشرح لنا كثيرا من حياة الأمة العربية في جاهليتها وإسلامها وهو الوثيقة المقطوع بها وحيا من الله الذي لا يشوبه أدنى ارتياب ولا يتطرق إليه أدنى وهم وهو الرابطة القوية التي تجمع بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وهو الدستور الذي لا يعتريه تغيير ولا تجديد. وأذكر بهذه المناسبة مفخرة سجلت أيام مولاي الرشيد حيث كانت خزانته العلمية تشتمل على مصحف عظيم القدر جليل المكانة تحدث عنه الشيخ أبو زيد عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي في بعض دفاتره العلمية وأشار له في كتابه محاذي الشفا. قال فيه مما يتعلق الغرض به « وقد وقفنا في هذه الأزمنة على المصحف المنسوب لسيدنا عقبة بن نافع رضي الله عنه فوجدنا فيه أشياء مخالفة لمصحف الإمام المروى عنه المؤلف في كتب هذا الشأن وقد تتبعناه فلم نجد فيه نقطا بسواد ولا بغيره ولكن فيه ضبط قديم ليس من صنع الكاتب بلون أحمر على نهج ما كان عليه الشكل قبل الخليل بن أحمد وربما غير فيه الكاتب أحرفا وبثر أحرفا لتوافق قراءة البصري التي ضبط عليها وبعد ما ذكر أمثلة من ذلك قال : إلى غير ذلك مما قيدته من أوله إلى آخره تتبعا بعد قراءة ختمة فيه في ثلاثة أيام. إلى آخر ما أتى به أبو زيد من بحوث في صحة نسبة هذا المصحف إلى عقبة. ثم قال آخر بحثه وكان في خزانة السلطان زيدان بمراكش فنقله ملوكنا أيد الله ملكهم فكان بفاس في خزانتهم والمتحقق أنه خط قديم جدا لا يبعد أن يكون في القرن الأول وذكر أبو زيد المذكور في كناشته أن هذا المصحف كان بخزانة مولاي الرشيد، ولا نعلم شيئا عن مآل هذه الذخيرة العظمى بعد حديث هذا العالم الجليل عنها ونتمنى أن يوفق الباحثون في العثور عليه بالخزانة الملكية الشريفة فيطبع على هيئته ويكون بذلك فتح عظيم في تاريخ القرآن وطريقة رسمه في العصور المتخلفة. وبعد كتابة هذا وقفت في كناشتي العامة على نص نقلته عن كناشي بخط الأمير مولاي عبد السلام بن السلطان مولاي سليمان .. أن السلطان مولاي عبد الله وجه على يد الحاج عبد الخالق عديل أربعا وعشرين مصحفا كلها منبتة بالذهب الأبريز محلاة باليواقيت الثمينة المتنوعة الألوان العزيزة الوجود في هذا الزمان سوى واحد من غير ذهب ومن جملتها مصحف كريم مكتوي في آخر ورقة منه : كمل المصحف بحمد الله وحسن عونه وذلك بمدينة القيروان على يد عبده المعتصم بحيلة حديج بن معاوية للأمير المستجاب له عقبة بن نافع الفهري وبأمره في سنة 47 من الهجرة. فتبين أن المصحف الرشيدي الذي تحدث عنه أبو زيد قد قدمه هدية إلى الحرمين الشريفين السلطان مولاي عبد الله وعسى أن يكون هذا الأثر الثمن لا يزال محتفظا به هناك وللبحث في هذا المصحف بقية.
وبعد فقد ظهر في عصر المولى الرشيد ومولاي إسماعيل ومن بعدهم جماعات من هؤلاء الجهابذة الأعلام ممن برزوا في حقل علوم القرآن ودراساته المختلفة. فمنهم الشيخ الإمام أستاذ المغرب في القراءات أبو زيد عبد الرحمن بن أبي القاسم ابن القاضي اشتغل بحفظ القرآن الكريم وإتقان طرق قراءته إلى ان صار كما يقول في الصفوة. المرجوع إليه، والمعول عليه في أحكام القراءات ومعرفة توجيهاتها وحفظ مذاهب أئمتها. قال الأفراني : فلا تجد أستاذا بالمغرب إلا وقد روى عنه وعن تلامذته. وفي الإعلام بمن عبر. في حق المترجم ما نصه : كان رحمه الله من الأساتيذ المبرزين في علوم القراءات وممن يعول عليه في أحكامها ومعرفة توجيهاتها وحفظ مذاهب أئمتها وترجيحاتها وإليه يرجع طلبة العلم في ذلك وبه يقتدون في تلك المسالك فلا تجد أستاذا في المغرب إلا وقد روى عنه أو عن تلاميذه. له مصنفات في القراءات مشهورة وله أجوبة نظما ونثرا في علم الرسم والضبط أخذ علم القراءات عن السيد الشريف مولانا عبد الهادي ابن عبد الله بن علي بن طاهر الحسني واعتمد أيضا شيخه محمد بن يوسف التملي وعن أبي عبد الرحمن بن عبد الواحد السجلماسي وكانت وفاته في عصر مولاي إسماعيل سنة 1082 وترجمته طويلة الذيل وقائمة كتبه متسعة الأكناف وقفنا له على شرح الدرر اللوامع في جزء متوسط ورسالة في وجوب أتباع رسم المصحف العثماني وكتاب الإيضاح لما ينبهم عن الورى في قراءة أم القرآن وله كذلك مفردات القرآن وعلم النصرة في تحقيق قراءة إمام البصرة في سفر يميل إلى الضخامة وكتاب بيان الخلاف والتشهير وما وقع في الحرز من الزيادات على التيسير إلى غير ذلك من كتبه ومقيداته. ومما توفى في هذا العصر وكانت له مشاركة فعالة في هذا الفن الأستاذ المقري المشارك أبو عبد الله محمد ابن مبارك المغراوي له عدة رسائل في علم القراءات وهو صاحب الدالية في الفن المذكور وعليها شروح متعددة وكانت وفاته سنة 1092. وله ترجمة واسعة وموضاعات قيمة. ومنهم في نفس العصر أيضا الأستاذ المحقق أبو عبد الله محمد العربي ابن أحمد القشتالي له مقيدات في الفن ومعرفة عامة بالتجويد والأداء وأحكام الرسم وله ذكر واسع في كثير من المؤلفات المغربية توفي سنة 1092 ومنهم أبو زيد الإمام العلامة الجليل عبد الرحمن بن الشيخ سيدي عبد القادر الفاسي هذا السيد الجليل كان له تضلع واسع في كثير من العلوم المتداولة في عصره والنادرة كذلك وشارك فيها مشاركة فعالة قراءة وتدريسا وتلمذ له أعيان القوم وأكابر أهل العلم وكانت له علاقة متينة بمولاي الرشيد أحد ملوك هذه الدولة السعيدة ومدحه بقصائد متعددة في كل المناسبات وجمعت في مجلد خاص هو جزء ضخم من كتاب حفيده عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن تحت عنوان اللؤلؤ والمرجان. وبلغت مؤلفاته على اختلاف مشاربها وموضوعاتها ما يقرب من المائتين. واشتهر بموسوعته العظيمة التي سماها الأقنوم في مبادئ العلوم والتي هي في الواقع جديرة ببحث خاص ورسالة خاصة. 
والذي يهمنا الآن من كتبه هو ما يتعلق بفن القراءات وعلوم القرآن فمنها اللمعة في قراءة السبعة والتقييد لما قد شرد من نصوص الدرة والقصيد جعله تذكرة لقارئ الثلاثة الزائدة عن السبعة لتمام العشرة بطريق التحبير والدرة : في جزء متوسط والتحبير في أصله كتاب للذاتي في موضوع القراءات السبع والدرة قصيدة لامية في موضوع القراءات السبع كذلك وأضاف إليها القراءات الثلاث وهي لأبي الخير محمد بن الجزري الشافعي وله عليها شرح وقفت عليه ولأبي زيد هذا قراءة على الأشياخ المبرزين في الفن منهم الأستاذ المشارك أبو عبد الله محمد عبد الرحمن الزامر القصري الفاسي وكانت وفاته سنة 1076 كما لازم المترجم شيخه الأستاذ الحافظ محمد بن محمد بن سليمان البوعناني في القراءات السبع تلاوة ورواية ودراية كما لازم دروس الأستاذ الحافظ الرواية أبي زيد عبد الرحمن ابن القاسم ابن القاضي فأخذ عنه الروايات السبع ثم العشر وسمع عليه الشاطبية والتفصيل لابن غازي وقرا أيضا على الأستاذ الكبير في الفن أبا عبد الله محمد ابن عبد الله بن طاهر الحسني العلوي السجلماسي القراءات الثلاث أبي جعفر المدني ويعقوب وخلف ابن هشام إلى غير ذلك من الأشياخ الكبار المتخصصين في فن القراءات وكانت وفاة أبي زيد الفاسي المذكور سنة 1096 ومن هذه الطبقة الأستاذ الكبير شيخ القراءات بفاس العلامة المتضلع أبو العلاء إدريس بن محمد بن أحمد الشريف الحسني المعروف بالمنجرة بلغ الغاية في فن القراءات وإليه بعد ابن القاضي المرجع وجميع القراء في ذلك العصر إليه ينتسبون وعلى مجالسه العلمية يعتمدون أخذ عن جماعة من شيوخ عصره البارعين في الفن كالحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الله السرغيني الهواري وغيره من علماء وقته ممن هو مسطر في فهرسته .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here